الراوي إذا ذكروا في ترجمته أنَّه لا يروي إلاَّ عن ثقة، ورأينا أنه التلميذ الوحيد عن أحد المشايخ، أو شاركه غيره في الرواية عنه، ولم نجد في هذا الشيخ جرحاً ولا تعديلاً، فهل نحكم عليه بأنَّه ثقة، لأنَّ تلميذه لا يروي إلاَّ عن ثقة، أم لا؟

لا يلزم من ذلك أن يكون الشيخ ثقة عند هذا التلميذ، فضلاً عن غيره؛ وذلك لأسباب:

1 الغالب على الأئمة الذين وُصفوا بهذا الوصف، أنهم ما التزموا الرواية عن الثقات إلا مؤخراً، فالإمام منهم في بداية أمره، يطلب الحديث عند مشايخ بلده، ثم يرحل للمشايخ الآخرين، وهو في أثناء ذلك: يجالس العلماء، ويستفيد منهم، ثم إذا اتّسعت حصيلتهُ في الرواية، واشتهر بالطلب، وقف على الغرائب والفوائد، وذاكر أهل العلم بالرواية، وعرف مصدر الأحاديث التي ليست عنده، فيرحل إلى أهلها، ويأخذ عنهم هذه الروايات، وهو في أثناء ذلك؛ يحدِّث بما عنده من الروايات، فإذا رسخ قدمه، وعرف العالي والنازل، والعزيز والغريب والمشهور، وعرف أحوال الرواة ومراتبهم، وعرف الراوي وعدد أحاديثه، وأن هذا الحديث حديث فلان، دون فلان، أو حديث البلد الفلاني، دون الآخر، وسئل عن الرواة والأحاديث: جرَّح وعدّل، وصحح وأعلَّ، ثم بعد ذلك؛ إذا أراد الإمام أن ينتقي في مشايخه انتقى، فتكون روايته عن الرجل تعديلاً له عنده في الغالب ويكون تركه الرواية عن الراوي طعناً فيه، وهذا كله لا يتيسر للإمام منهم في أول الطلب، إنّما يكون ذلك في نهاية المطاف، لأنَّه لو ترك الرواية عن أشخاص في بداية الطلب، لا بد أن تفوته روايات عن ثقات مشاهير، لم يتثبت هو من معرفتهم، ومن المعلوم أنَّ المحدثين في رحلتهم، أو في أثناء انتظارهم لمجلس أحد المشايخ، يحدث بعضهم بعضاً بما عنده، وليس معنا دليل من صنيعهم على أن المحدث يكتب فترة من الزمن، ولا يروي رواية واحدة أثناء كتابته الحديث، فإذا كان ذلك كذلك، ورأينا أحد المشاهير بالانتقاء يروي عن رجل، وليس فيه جرح ولا تعديل؛ فنحن لا نجزم بأنَّ رواية هذا الإمام عن ذلك الشيخ؛ كانت بعد رسوخ قدم التلميذ في هذا الشأن، أو بعد بلوغه مرتبة التمييز بين الرواة، أو أنها كانت قبل ذلك.

2 وقد يروي الإمام منهم عن أحد الرواة بعد اشتهاره بالانتقاء، لكنه عندما روى عنه؛ ذهل عن هذا الشرط الذي التزمه مؤخراً.

وقد ذكر السخاوي في «فتح المغيث» (2/35-36) هذين السببين، فذكر احتمال ذهول الإمام عن قاعدته، أو كونه لم يسلك ذلك إلا في آخر أمره، قال: كما روي أنَّ ابن مهدي كان يتساهل أولاً في الرواية عن غير واحد، بحيث كان يروي عن جابر الجعفي، ثم شدد، اهـ.

وفي «الكفاية» (ص:154) نقل هذا الخطيب عن أحمد، فقال: قال أبو عبدالله: كان عبدالرحمن أولاً يتسهّل في الرواية عن غير واحد، ثم تشدد بعد، كان يروي عن جابر: قال يعني: الجعفي -، ثم تركه، اهـ.

وما ذهب إليه السخاوي أدق مما ذهب إليه الخطيب، حيث اعتبر هذا الشرط من الإمام؛ مع تسمية شيخه تزكية منه له.

3 يحتمل أن الإمام الذي اشترط الانتقاء رأى حديثاً غريباً أو فائدة عن أحد الشيوخ الذين ليسوا على شرطه، فلا يصبر على ترك هذا الحديث، فيرويه عن ذلك الشيخ الضعيف إما للمعرفة والتحذير منه، وإما لاشتهار الشيخ بالضعف، وإما للأصل، وهو جواز الرواية عن الضعفاء والمجهولين، ومن أراد العمل بالحديث لزمه التفتيش عن حال رجاله، وانظر قصة حول هذا في «المجروحين» لابن حبان (1/209) ترجمة جابر بن يزيد الجعفي، وفي سند القصة نعيم بن حماد، وفيه كلام، والاعتماد في الجواب مع السبب الأول أكثرمنالاعتماد على السبب الثاني والثالث، كما لا يخفى.

4 لو نظرنا إلى كل من وُصف بأنَّه ينتقي، رأينا منهم من يروي عن المتروكين أو الضعفاء والمجهولين، أو عن أصحاب الوهم الخفيف، مما يدلنا على أن قولهم: «فلان لا يروي إلا عن ثقة» على أحسن أحواله أنَّ المراد بالثقة ما هو أعم من رجال الصحيح والحسن، وهو كل من يصلح أنْ يُحتج به، أو يستشهد به وإن لم يُحتج بما تفرد به وانظر «شرح علل الترمذي» (1/376).

وقد قال ابن رجب في (1/386-387): والذي يتبين من عمل الإمام أحمد وكلامه، أنّه يترك الرواية عن المتهمين، والذين كثر خطؤهم للغفلة وسوء الحفظ، ويحدث عمن دونهم في الضعف، مثلمنفي حفظه شيء، ويختلف الناس في تضعيفه وتوثيقه، وكذلك كان أبو زرعة الرازي يفعل. اهـ.

وعلى ذلك فلا تطمئن النفس إلى نسبة التزكية للشيخ من تلميذه، فضلاً عن الاعتداد بها، ولكن لا يلزم من ذلك أيضاً أن يُهدر قول الإمام منهم: «لا أروي إلا عن ثقة»، وتكون روايته بمنزلة رواية غيره؛ الذي لم يُعرف بالنقاوة في شيوخه، أو الذي عُرف بأنَّه يروي عن كل أحد.

والدليل على هذه التفرقة صنيع العلماء؛ فإنَّ رواية الثقات بصفة عامة عن الراوي يَنْفع، فما ظنك برواية الأئمة الذي عُرفوا بالانتقاء؟!

وقد قال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (2/36):

(باب في رواية الثقة عن غير المطعون عليه، أنَّها تُقَوِّيه، وعن المطعون عليه أنَّها لا تُقَوِّيه).

قال عبدالرحمن: سألت أبي عن رواية الثقات عن رجل غير ثقة، مما يقويه؟ قال: إذا كان معروفاً بالضعف، لم تقوه روايتهم عنه، وإذا كان مجهولاً نفعه رواية الثقة عنه.

قال عبدالرحمن: سألت أبا زرعة عن رواية الثقات عن رجل مما يقوي حديثه؟ قال: إي لعمري، قلت: الكلبي روى عنه الثوري، قال: إنما ذلك إذا لم يتكلّم فيه العلماء، وكان الكلبي يُتكلّم فيه...

قال أبو محمد: قلت لأبي: ما معنى رواية الثوري عن الكلبي، وهو غير ثقة عنده؟ فقال: كان الثوري يذكر الرواية عن الكلبي على الإنكار والتعجب، فتعلقوا عنه روايته عنه، وإن لم تكن روايته عن الكلبي قبوله، اهـ.

قلت: وقد تأملت صنيع الحافظ في «التقريب» فرأيته أحياناً إذا انفرد من ينتقي بالرواية عن شيخ، دون جرح أو تعديل في الشيخ، يقول: ثقة، وأحياناً يقول: صدوق، وأكثر المواضع يقول: مقبول، وهذا هو الأولى، فيكون الشيخ سالماً من جهالة العين، ومع ذلك لا يُحتج بحديثه، إلا إذا حفّته قرائن أخرى، والله أعلم.

ولما سألت شيخنا الألباني حفظه الله عن ذلك، ذكر أنَّه ليس عنده جواب قاطع في ذلك، إلا أنّه مال إلى الاعتداد بالراوي، ما لم يكن فيه مخالف. اهـ. وفيما سبق كفاية والله أعلم.

وقد صرَّح الحافظ ابن كثير في «مختصر علوم الحديث» بأن رواية من ينتقي لا تكون توثيقاً، انظر الباعث» (ص: 290)، وفي «تهذيب التهذيب» (1/89) ترجمة أحمد بن يحيى بن محمد بن كثير الحراني روى عنه النسائي وقال: ثقة، وقال الذهبي: لا يعرف، فتعقبه الحافظ فقال: بل يكفي في رفع جهالة عينه رواية النسائي عنه، وفي التعريف بحاله توثيقه له.

(تنبيه):

يُعرف الراوي بالانتقاء: إذا صرح بذلك إمام، أو صرح هو عن نفسه بذلك، كأن يقول: لا أروي إلا عن ثقة، أو في صدري لفلان كذا وكذا من الحديث، ولا أحدث به، أو لا أستجيز الرواية عنه، أو كتبت عنه كذا وكذا، فما رويت عنه شيئاً، أو لو كان فلان ثقة لوجدته في كتبي، أو نحو ذلك، والله أعلم.