في بعض التراجم نرى الأئمة يمدحون بعض الرواة بأنهم لا يروون إلا عن الثقات، فما هو وجه المدح بذلك؟

الراوي إذا وصِف بأنَّه ينتقي في مشايخه، أو أنَّه لا يروي إلا عن ثقة، دل ذلك على أمرين:

الأول: أنَّ الموصوف بذلك من أئمة الجرح والتعديل، وأنَّه ممن يعرف مراتب الرواة ومنازلهم، فيعرف الثقة المقبول،منالضعيف أو المجهول، ولا شك أن هذه منزلة رفيعة، لا ينالها إلا من لازم الطلب، وكان حِلْساً من أحلاس الحديث، ورحل وجمع وجرّح وعدّل، وصحح وعلل، ولو أنَّه جرّح وعدَّل قبل أن يتأهل لذلك؛ لأنكذروا عليه ذلك.

الثاني: أنَّ هذا الوصف يدل على أن الراوي ورع في الحديث، لأنَّ الغالب على المحدثين أنَّهم يحبون العلو في الإسناد مثلاً فلو كان عند الموصوف بذلك حديث عالٍ، لكنّه عن شيخ ضعيف، فإن أراد الالتزام بشرطه، لزمه أ، ينزل في الإسناد، ويسمعه من شيخ ثقة عن ذاك الضعيف، ليسْلم له شرطُه، كما كان مالك يفعل ذلك.

وأيضاً فالمحدثون يحبون الاستكثار في الروايات، وإذا جَمَعَتْهم مجالس المذاكرة؛ أحب الواحد منهم أن يأتي بغرائب في الأبواب وعن الشيوخ، لا يعرفها من يذاكره، فإذا كانت هذه الفوائد عنده عن قوم ضعاف، حملَ المحدثَ ورعُه على عدم المذاكرة بتلك الأحاديث.

وكذلك إذا صنف الإمام منهم كتاباً، واحتاج أن يذكر الأحاديث في الأبواب، وكان عنده حديث من طريق رجل ضعيف، فإنه ينظر، فإن وجد ما يسد مسدّهمنغير طريق الضعيف، وإلا ترك الباب، فهذا يدل على الورع والسماحة في الحديث، وقد كان عند النسائيمنحديث ابن لهيعة حديث كثير، إلا أنه لم يحتج إليه في التصنيف، وذلك لورع النسائي وسعة علمه، وقد جاء في «النكت على ابن الصلاح» (1/483): قال الحافظ أبو طالب أ؛مد بن نصر شيخ الدارقطني:منيصبر على ما يصبر عليه النسائي، كان عنده حديث ابن لهيعة ترجمة ترجمة، فما حدث منها بشيء، قال الحافظ: قلت: وكان عنده عالياً عن قتيبة، ولم يحدث به لا في «السنن» ولا في غيرها، اهـ.

وانظر ما قاله أبو طالب بالسند إليه في «شروط الأئمة الستة» للمقدسي (ص23).