كثر الكلام حول زيادة الثقة في الروايات، ونريد تفصيل مذاهب العلماء في ذلك، مع ترجيح الراجح منها، نظراً لمسيس الحاجة لذلك، ولكثرة ورود هذا في الروايات، ورجوع كثير من الأحكام الفقهية لمثل هذه الزيادات

سبق في هذا الكتاب عند السؤال 93، 94، 206 ذِكْر شيء من ذلك على سبيل الإجمال، وها أنذا أفضّل القول في ذلك في هذا الموضع إن شاء الله تعالى وأسأل الله العون والسداد، فأقول:

اعلم علمني الله وإياك أن هذه المسألة مما اشتهر فيها الخلاف بين المحدثين وبين الفقهاء والأصوليين، ولا شك أن مذهب حذاق المحدثين وفرسان الحديث أولى من مذهب غيرهم، من الذين لم يسبروا غور الروايات، ولم يلازموا الرواة ومجالسهم، ولم يطيلوا النظر في أصول الرواة ورواياتهم، حتى إن المحدثين كانوا يعدون الحروف التي عند الرواة، سواء كان ذلك عن شيخ معين، أو على سبيل الإطلاق، بل بلغ بهم الأمر أنهم يعرفون أن هذه الرواية أشبه بفلان دون فلان، وكان أحدهم يسمع الحديث فيستنكره عند سماعه، وليس معه دليل على نكارته، ثم يتضح له صحة ما ذهب إليه أحياناً بعد سنوات.

وقد سلّم القاصي والداني من المحدثين والفقهاء والأصوليين بأنَّ معرفة العلل إلهام، وأنَّ العالم بالعلل كاصيرفي الذي يعرف صحيح النقد من مزيّفه، وفي كثير من الأحيان لا يذكر دليله على ذلك، فلماذا بعد هذا كله ينفرد جمهور الفقهاء والأصوليين والمتكلمين بمذهب يخالف ما عليه هؤلاء الأئمة الجهابذة؟ ثم لماذا يجد هذا التفرد وجاهة عند البعض؟ وكل عِلْم يؤخذ عن أهله وعلمائه؟

هذا جواب مجمل، وسأسرد المذاهب بمشيئة الله، عزّ وجلّ مع أدلتها، والقائلين بها، وسيظهر لك من الجواب المفصل إن شاء الله، عزّ وجلّ صحة مذهب المحدثين.

فاعلم أن مذهب أئمة الحديث أنهم لا يقبلون الزيادة من الثقة مطلقاً، ولا يردونها مطلقاً، بل يدورون مع القرائن التي تحف كل حديث، فتارة يقبلونها، وأُخرى يردونها، وأُخرى يتوقفون فيها، وإليك أقوال أهل العلم في ذلك دون التزام بالترتيب الزمني:

قال الإمام مسلم يرحمه الله في «مقدمة التمييز» (ص:172) أثناء كلامه حول خطأ الرواة:

والجهة الأخرى أن يروى نفر من حفاظ الناس حديثاً عن مثل الزهري أو غيره من الأئمة، بإسناد واحد، ومتن واحد، مجتمعون على روايته في الإسناد والمتن، لا يختلفون فيه في معنى، فيرويه آخر سواهم عمن حدث عنه النفر الذين وصفناهم بعينه، فيخالفهم في الإسناد، أو يقلب المتن، يجعله بخلاف ما حكى من وصفنا من الحفاظ، فيعلم حينئذٍ أن الصحيح من الروايتين: ما حدث الجماعةمنالحفاظ، دون الواحد المنفرد، وإن كان حافظاً، على هذا المذهب رأينا أهل العلم بالحديث، يحكمون في الحديث، مثل شعبة وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد وعبدالرحمن بن مهدي وغيرهممنأئمة أهل الحديث، وسنذكر من مذاهبهم وأقوالهم في حفظ الحفاظ وخطأ المحدثين في الروايات، ما يستدل به على تحقيق ما فسرت لك، إن شاء الله اهـ - ثم ذكر في كتابه أمثلة تدل على ما قال يرحمه الله -.

-         وقد نقل الحافظ في «النكت» (2/604-605) كلام ابن دقيق العيد في مقدمة «شرح الإلمام» فقال: من حكى عن أهل الحديث أو أكثرهم أنه إذا تعارض روايةُ مُرسِل ومُسْنِد، أو رافع وواقف، أو ناقص وزائد، أن الحكم للزائد؛ فلم يُصِيب في هذا الإطلاق، فإن ذلك ليس قانوناً مطرداً، وبرماجعة أحكامهم الجزئية؛ يُعرف صواب ما نقول، اهـ.

قال الحافظ: وبهذا جزم الحافظ العلائي، فقال:

كلام الأئمة المتقدمين في هذا الفن كعبدالرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل والبخاري وأمثالهم، يقتضي أنهم لا يحكمون في هذه المسألة بحكم كلي، بل عملهم في ذلك دائر مع الترجيح، بالنسبة إلى ما يَقْوَى عند أحدهم في كل حديث حديث، اهـ.

قال الحافظ: وهذا العمل الذي حكاه عنهم؛ إنّما هو فيما يظهر لهم فيه الترجيح، وأما ما لا يظهر فيه الترجيح، فالظاهر أنه المفروض في أصل المسألة... اهـ.

-         وذكر الحافظ استدلالمناستدل على قبول الزيادة مطلقاً، بقول البخاري في حديث: «لا نكاح إلا بِوَلي»: والزيادة من الثقة مقبولة، يعني رواية إسرائيل الذي اسندها، خلافاً لمن أرسلها، ثم قال الحافظ:

لكن الاستدلال بأن الحكم للواصل دائماً على العموم من صنيع البخاري في هذا الحديث الخاص: ليس بمستقيم، لأن البخاري لم يحكم فيه بالاتصال من أجل كون الوصل زيادة، وإنّما حكم له بالاتصال لمعان أُخرى رَجَّحَتْ عنده حكم الموصول... ثم ذكرها... ثم قال: فتبين أن ترجيح البخاري لوصل هذا الحديث على إرساله، لم يكن لمجرد أن الواصل معه زيادة ليست مع المرسِل، بل بما يظهرمنقرائن الترجيح، ويزيد ذلك ظهوراً: تقديمه الإرسال في مواضع أخر... ثم ذكر أمثلة قدم فيها البخاري المرسَل، ثم قال: فتبين أنه ليس له عمل مطرد في ذلك، والله أعلم اهـ من «النكت» (2/605-609).

-         وفي «جزء القراءة خلف الإمام» للبيهقي (ص:138) قال البيهقي: وذكر محمدُ بن إسحاق بن خزيمة يرحمه الله فصلاً في زيادةمنزاد في هذه الأخبار: «وإذا قرأ فأنصتوا» قال: لسنا ندفع أن تكون الزيادة في الأخبار مقبولة من الحفاظ، ولكنّا إنّما نقول: إذا تكافأت الرواة في الحفظ والإتقان والمعرفة بالأخبار، فزاد حافظ متقن عالم بالأخبار كلمةً قُبلت زيادته، لا أنَّ الأخبار إذا تواترت بنقل أهل العدالة والحفظ بخبر، فزاد راوٍ ليس مثلهم في الحفظ والإتقان زيادة، أن تلك الزيادة تكون مقبولة. اهـ.

ثم ذكر البيهقي أن الشافعي يرحمه الله رجح رواية الأحفظ والأكثر، وذكر أمثلة لذلك.

وقد نقل الحافظ كلام ابن خزيمة مختصراً في «النكت» (2/688-689) وعزاه لابن خزيمة في «صحيحة» فالله أعلم -.

-         قال الحافظ: وقال الترمذي في «أواخر الجامع»: وإنما تقبل الزيادة ممن يُعتمد على حفظه، قال: وفي «سؤالات السهمي للدارقطني»: سئل عن الحديث إذا اختلف فيه الثقات؟ قال: يُنظر ما اجتمع عليه ثقتان، فيُحكم بصحته، أو ما جاء بلفظة زائدة، فتقبل تلك الزيادة من متقن، ويُحكم لأكثرهم حفظاً وثبتاً على من دونه.

قال الحافظ: قلت: وقد استعمل الدارقطني ذلك في «العلل»، و«السنن» كثيراً... ثم ذكر مثالاً لذلك، ثم قال: وقال ابن عبدالبر في «التمهيد»: إنما تقبل الزيادة من الحافظ، إذا (ثبتت) عنه، وكان أحفظ وأتقن ممن قصر، أ, مثله في الحفظ، لأنه كأنه حديث آخر مستأنف، وأما إذا كانت الزيادةمنغير حافظ ولا متقن، فإنها لا يلتفت إليها.

قال: فحاصل كلام هؤلاء الأئمة: أن الزيادة إنما تقبل ممن يكون حافظاً متقناً، حيث يستوي مع من زاد عليهم في ذلك، فإن كانوا أكثر عدداً منه، أو كان فيهم من هو أحفظ منه، أو كان غير حافظ، ولو كان في الأصل صدوقاً، فإن زيادته لا تقبل، وهذا مغاير لقول من قال: زيادة الثقة مقبولة، وأطلق، والله أعلم اهـ من «النكت» (2/689-690).

-         وقد ذكر ابن رجب يرحمه الله فصلاً في زيادة الثقة، في كتابه القيم: «شرح علل الترمذي» فقال: قال أبو عيسى يرحمه الله -:

ورُبَّ حديث استُغْرِب لزيادة تكون في الحديث، وإنّما يصح إذا كانت الزيادة ممن يعتمد على حفظه، مثل ما روى مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر، قال: «فرض رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم زكاة الفطر في رمضان على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين: صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، فزاد مالك في هذا الحديث: «من المسلمين».... ثم ذكر من لم يزدها، ومن تابع مالكاً عليها، قال الترمذي: وقد أخذ غير واحد من الأئمة بحديث مالك، واحتجوا به: منهم الشافعي وأحمد بن حنبل، قالا: إذا كان للرجل عبيد غير مسلمين، لم يؤد زكاة الفطر عنهم واحتجا بحديث مالك.

قال: فإذا زاد حافظ ممن يعتمد على حفظه قُبل ذلك (منه) اهـ. كلام الترمذي قال ابن رجب: هذا أيضاً نوع من الغريب، وهو أن يكون الحديث في نفسه مشهوراً، لكن يزيد بعض الرواة في متنه زيادة تستغرب، وقد ذكر الترمذي أنَّ الزيادة إن كانت من حافظ يعتمد على حفظه؛ فإنها تقبل، يعني: وإن كان الذي زاد ثقة، لا يعتمد على حفظه لا تقبل.

قال: وهذا أيضاً ظاهر كلام الإمام أحمد، قال في رواية صالح: قد أنكر على مالك هذا الحديث يعني زيادته: «من المسلمين»، ومالك إذا انفرد بحديث هو ثقة، وما قال أحد ممن قال بالرأي أثبت منه، يعني في الحديث، وقال: قد رواه العمري الصغير والجمحي ومالك قال ابن رجب: فذكر أحمد أن مالكاً يُقبل تفرده، وعلل بزيادته في التثبيت على غيره، وبأنَّه قد توبع على هذه الزيادة.

قال: وقد ذكرنا هذه الزيادة، ومن تابع مالكاً عليها في كتاب الزكاة، ولا تخرج بالمتابعة عن أن تكون زيادة من بعض الرواة، لأنَّ عامة أصحاب نافع لم يذكروها.

وقد قال أحمد في رواية عنه: كنت أتهيّب حديث مالك: «من المسلمين» يعني: حتى وجدهمنحديث العمريَّيْن، قيل له: أمحفوظ هو عندك «من المسلمين»؟ قال: نعم.

قال: وهذه الرواية تدل على توقفه في زيادة واحد من الثقات، ولو كان مثل مالك، حتى يتابع على تلك الزيادة، وتدل على أن متابعة مثل العمري لمالك؛ مما يقوي رواية مالك، ويزيل عن حديثه الشذوذ والإنكار.

قال: وسيأتي فيما بعد إن شاء الله عن يحيى القطان نحو ذلك أيضاً -.

وكلام الترمذي ههنا يدل على خلاف ذلك، وأن العبرة برواية مالك، وأنَّه لا عبرة بمن تابعه ممن لا يعتمد على حفظه.

ثم ذكر أمثلة، ثم قال: فالذي يدل عليه كلام الإمام أحمد في هذا الباب: أنَّ زيادة الثقة للفظة في حديثمنبين الثقات، إن لم يكن مبرزاً في الحفظ والتثبت على غيره ممن لم يذكر الزيادة، ولم يتابع عليها، فلا يُقبل تفرده، وإن كان ثقة مبرزاً في الحفظ على من لم يذكرها: ففيه عنه روايتان، لأنه قال مرة في زيادة مالك: «من المسلمين» كنت أتهيبه، حتى وجدته من حديث العمريَّيْن، وقال مرة: إذا انفرد مالك بحديث: هو ثقة، وما قال أحد بالرأي أثبت منه...

قال: وأما أصحابنا الفقهاء، فذكروا في كتب أصول الفقه في هذه المسألة روايتين عن أحمد: بالقبول مطلقاً، وعدمه مطلقاً، ولم يذكروا نصاً له بالقبول مطلقاً، مع أنهم رجحوا هذا القول، ولم يذكروا به نصاً عن أحمد، وإنما اعتمدوا على كلامٍ له، لا يدل على ذلك، مثل قوله في فوات الحج: جاء فيه روايتان: إحداهما في زيادة دم، قال: والزائد أولى أن يُؤخذ، وهذا ليس مما نحن فيه، فإن مراده: أن الصحابة رَوى بعضهم فيمن يفوته الحج أن عليه القضاء، وعن بعضهم عليه القضاء مع الدم، فأخذ بقولمنزاد الدم، فإذا رُوي حديثان مستقلان في حادثة، وفي أحدهما زيادة، فإنَّها تُقبل من الثقة، كما لو انفرد الثقة بأصل الحديث، وليس هذا من باب زيادة الثقة، ولا سيما إذا كان الحديثان موقوفين على صحابيين وإنّما قد يكون أحياناً من باب المطلق والمقيد.

قال: وأما مسألة زيادة الثقة التي نتكلم فيها ههنا، فصورتها: أن يروى جماعة حديثاً واحداً بإسناد واحد، ومتن واحد، فيزيد بعض الرواة فيه زيادة، لم يذكرها بقية الرواة.

قال: ومن الأصحابمنقال في هذه المسألة: إنْ تَعَدَّدَ المجلس الذي نُقل فيه الحديث: قُبلت الزيادة، وإن كان المجلس واحداً، وكان الذي ترك الزيادة جماعة لا يجوز عليهم الوهم: لم تقبل الزيادة، وإن كان ناقل الزيادة جماعة كثيرة قُبلت، وإن كان راوي الزيادة واحداً، والنقصان واحداً، قُدم أشهرهما وأوثقهما في الحفظ والضبط.

قالوا: وإن خالفت الزيادة ظاهر المزيد عليه، لم تقبل، وحملوا كلام أحمد في حديث السعاية على ذلك.

قال: وليس في كلام أحمد تعرض لشيء من هذا التفصيل، وإنما يدل كلامه على ما ذكرناه أولاً.

ثم ذكر من نسب قبول الزيادة للشافعي؛ ما لم تخالف المزيد، وكان راويها ثقة، ثم قال:

وفي حكاية ذلك عن الشافعي نظر، فإنه قال في الشاذ: هو أن يروى ما يخالف الثقات، وهذا يدل على أن الثقة إذا انفرد عن الثقات بشيء، أنه يكون ما انفرد به عنهم شاذاً غير مقبول، والله أعلم اهـ كلام الشافعي.

وسيأتي نحوهمنكلام الحافظ ابن حجر، ورده على الشافعية المخالفين لهذا قال ابن رجب: ولا فرق في الزيادة بين الإسناد والمتن، كما ذكرنا في حديث النكاح بلا ولي، وقد تكرر في هذا الكتاب ذكر الاختلاف في الوصل والإرسال، والوقف والرفع، وكلام أحمد وغيره من الحفاظ يدور على اعتبار قول الأوثق في ذلك والأحفظ أيضاً.

قال: وقد قال أحمد في حديث أسنده حماد بن سلمة: أي شيء ينفع وغيره يرسله؟

قال: وذكر الحاكم أن أئمة الحديث على أن القول قول الأكثرين، الذين أرسلوا الحديث، وهذا يخالف تصرفه في «المستدرك».

قلت: وصنيع الحاكم في «معرفة علوم الحديث» في النوع السابع والعشرين من علوم الحديث (ص:112) وما بعدها يدل على ذلك وكذا ما صرّح في النوع الثالث من أقسام الصحيح المختلف فيه، في كتابه: «المدخل إلى معرفة الإكليل» حيث جعل مذهب المحدثين تقديم الأكثر، خلافاً للفقهاء، انظر مقدمة «جامع الأصول» لابن الأثير (1/170) و«توضيح الأفكار» (1/91) و«النكت» للحافظ (1/367) مختصراً.

وانظر صنيع الحاكم في النوع الثامن عشر في معرفة الشاذ من الحديث (ص:119) وما بعدها من «معرفة علوم الحديث».

قال ابن رجب يرحمه الله: وقد صنَّف في ذلك الحافظ أبوبكر الخطيب مصنفاً حسناً سماه: «تمييز المزيد في متصل الأسانيد» وقسمه قسمين:

أحدهما: ما حكم فيه بصحة ذكر الزيادة في الإسناد وتركها.

والثاني: ما حكم فيه برد الزيادة وعدم قبولها.

قال: ثم إن الخطيب تناقض، فذكر في كتاب «الكفاية» للناس مذاهب في اختلاف الرواة في إرسال الحديث ووصله، كلها لا تعرف عن أ؛د من متقدمي الحفاظ، إنما هي مأخوذة من كتب المتكلمين)([1]) ، ثم إنَّه اختار أن الزيادة من الثقة تقبل مطلقاً، كما نصره المتكلمون وكثير من الفقهاء، وهذا يخالف تصرفه في كتاب «تمييز المزيد».

قال: وقد عاب تصرفه في كتاب «تمييز المزيد» بعض محدثي الفقهاء، وطمع فيه لموافقته لهم في كتاب «الكفاية»...

ثم ذكر كلام البخاري في حديث: «لا نكاح إلا بِوَلي»، ثم قال:

وهذه الحكاية إن صحت، فإنّما مراده الزيادة في هذا الحديث، وإلا فمن تأمل كتاب «تاريخ البخاري» تبيّن له قطعاً أنَّه لم يكن يرى أنَّ زيادة كل ثقة في الإسناد مقبولة.

قال: وهكذا الدارقطني يذكر في بعض المواضع أن الزيادة من الثقة مقبولة، ثم يردُّ في أكثر المواضع زيادات كثيرة من الثقات، ويرجح الإرسال على الإسناد، فدل على أن مرادهم زيادة الثقة في مثل تلك المواضع الخاصة، وهي إذا كان الثقة مبرزاً في الحفظ.

وقال الدارقطني في حديث زاد في إسناده رجلان ثقتان رجلاً، وخالفهما الثوري فلم يذكره، قال: لولا أنَّ الثوري خالف؛ لكان القول قول من زاد فيه، لأنَّ زيادة الثقة مقبولة، وهذا تصريح بأنَّه إنما يقبل زيادة الثقة؛ إذا لم يخالفه من هو أحفظ منه -، اهـ من «شرح علل الترمذي» (2/630-639).

-         وقال الزيلعي في «نصب الراية» (1/336-337) أثناء كلامه على الإسرار بالبسملة في الصلاة الجهرية: فمن الناس من يقبل زيادة الثقة مطلقاً، ومنهم من لا يقبلها، والصحيح التفصيل، وهو أنها تقبل في موضع دون موضع، فتُقبل إذا كان الراوي الذي رواها ثقة حافظاً ثبتاً، والذي لم يذكرها مثله، أو دونه في الثقة، كما قبل الناس زيادة مالك بن أنس، قوله: «من المسلمين» في صدقة الفطر، واحتج بها أكثر العلماء، وتقبل في موضع آخر لقرائن تخصها، ومن حكم في ذلك حكماً عاماً فقد غلط، بل كل زيادة لها حكم يخصها، ففي موضع يجزم بصحتها... وفي موضع يغلب على الظن صحتها... وفي موضع يجزم بخطأ الزيادة... وفي موضع يغلب على الظن خطأها... وفي موضع يتوقف عن الزيادة... اهـ، وقد ذكر أمثلة لكل نوع ينازع في بعضها، والله أعلم.

وذكر الحافظ في «النكت»: أن ابن الصلاح قسم الزيادات إلى ثلاثة أقسام:

أحدها: ما يقع منافياً لما رواه الثقات، وهذا حكمه الرد يعني: لأنَّه يصير شاذاً.

والثاني: أنَّ لا يكون فيه منافاة، فحكمه القبول، لأنَّه جازم بما رواه، وهو ثقة، ولا معارض لروايته، لأن الساكت عنها لم ينفها لفظاً ولا معنى، لأنَّ مجرد سكوته عنها؛ لا يدل على أنَّ راويها وهم فيها.

والثالث: ما يقع بين هاتين المرتبتين، مثل زيادة لفظة في حديث لم يذكرها سائر من روى ذلك الحديث.

قال الحافظ: يعني وتلك اللفظة توجب قيداً في إطلاق، أو تخصيصاً لعموم، ففيه مغايرة في الصفة، ونوع مخالفة يختلف الحكم بها.

ثم نقل قول ابن الصلاح على القسم الأخير حيث قال: فهو يشبه القسم الأول من هذه الحيثية، ويشبه القسم الثاني من حيث أنه لا منافاة في الصورة، اهـ.

قال الحافظ: قلت: لم يحكم ابن الصلاح على هذا الثالث بشيء، والذي يجري على قواعد المحدثين، أنهم لا يحكمون عليه بحكم مستقل من القبول والرد، بل يرجحون بالقرائن، كما قدمناه في مسألة تعارض الوصل والإرسال، يعني: ما سبق في «النكت»(2/603).

قال: على أن القسم الأول الذي حكم عليه المصنف يعني: ابن الصلاح بالرد مطلقاً، قد نوزع فيه، وجزم ابن حبان والحاكم وغيرهما بقبول زيادة الثقة مطلقاً في سائر الأحوال، سواء اتحد المجلس أو تعدد، سواء أكثر الساكتون أو تساووا.

قال: وهذا قول جماعة من أئمة الفقه والأصول، وجرى على هذا الشيخ محيي الدين النووي في مصنفاته.

قال: وفيه نظر كثير، لأنَّه يرد عليهم الحديث الذي يتحد مخرجه، فيرويه جماعة من الحفاظ الأثبات على وجه، (ويرويه) ثقة دونهم في الضبط والإتقان على وجه، ويشتمل على زيادة تخالف ما رووه، إمّا في المتن، وإمّا في الإسناد، فكيف تقبل زيادته، وقد خالفه من لا يغفل مثلهم عنها، لحفظهم أو لكثرتهم، ولا سيّما إن كان شيخهم ممن يُجمع حديثه، وتُعتني بمروياته، كالزهري وأضرابه، بحيث يقال: إنَّه لو رواها، لسمعها منه حفاظ أصحابه، ولو سمعوها لرووها، ولَمَا تطابقوا على تركها، والذي يغلب على الظن في هذا وأمثاله تغليط راوي الزيادة، وقد نص الشافعي في «الأم» على نحو هذا، فقال في زيادة مالك ومن تابعه في حديث «فقد عتق منه ما عتق»: إنّما يغلط الرجل بخلاف من هو أحفظ منه، أو بأنَّ يأتي بشيء يشركه فيه من لم يحفظه عنه، وهم عدد، وهو منفرد، اهـ.

قال: فأشار إلى أنَّ الزيادة متى تضمنت مخالفة الأحفظ أو الأكثر عدداً، أنّها تكون مردودة.

وهذه الزيادة التي زادها مالك؛ لم يخالف فيها من هو أحفظ منه ولا أكثر عدداً فتقبل، وقد ذكر الشافعي رضي الله عنه هذا في مواضع، وكثيراً ما يقول: العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد... اهـ.

وذكر الحافظ كلام ابن خزيمة والترمذي والدارقطني وغيرهم، وقد سبق ذكره، والله أعلم.

هذا، وللحافظ كلام آخر في «نزهة النظر» (ص:70) حيث ذكر معنى ما ذهب إليه ابن الصلاح في التقسيم السابق مختصَراً، ثم قال بعد ذلك (ص:71-74): واشتهر عند جمع من العلماء القول بقبول الزيادة مطلقاً من غير تفصيل، ولا يتأتى ذلك على طريق المحدثين الذين يشترطون في الصحيح أن لا يكون شاذاً، ثم يفسرون الشذوذ بمخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، والعجب ممن أغفل ذلك منهم، مع اعترافه باشتراط انتقاء الشذوذ في حد الصحيح، وكذا الحسن.

قال: والمنقول عن أئمة الحديث المتقدمين: كعبدالرحمن بن مهدي ويحيى القطان وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني والبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم والنسائي والدارقطني وغيرهم: اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها، ولا يُعْرف عن أ؛د منهم إطلاق قبول الزيادة.

قال: وأعجب من ذلك إطلاق كثير من الشافعية القول بقبول زيادة الثقة، مع أنَّ نص الشافعي يدل على غير ذلك، فإنَّه قال في أثناء كلامه على ما يعتبر به حال الراوي في الضبط ما نصه: ويكون إذا شارك أحداً من الحفاظ لم يخالفه، فإن خالفه، فوُجِد حديثه أنقص، كان في ذلك دليل على صحة مخرج حديثه، ومتى خالف ما وصفت؛ أضر ذلك بحديثه. انتهى كلامه.

قال الحافظ: ومقتضاه أنَّه إذا خالف فوُجد حديثه أزيد؛ أضر ذلك بحديثه، فدل على أنَّ زيادة العدل عنده؛ لا يلزم قبولها مطلقاً، وإنّما تُقْبل من الحافظ، فإنَّه اعتبر أن يكون حديث هذا المخالف أنقص من حديث من خالفه من الحفاظ، وجعل نقصان هذا الراوي من الحديث دليلاً على صحته، لأنَّه يدل على تحريه، وجعل ما عدا ذلك مضراً بحديثه، فدخلت فيه الزيادة، فلو كانت عنده مقبولة مطلقاً؛ لم تكن مضرة بحديث صاحبها، والله أعلم اهـ.

هذا، وللحافظ كلام في «هدى الساري» سيأتي إن شاء الله تعالى، ولكنه يخالف هذا، والحق فيما حرره هنا، وله قول آخر في «النكت» (2/654) فيه أنَّ الشذوذ يقدح في الاحتجاج لا في التسمية، أي: أنه يسمى الشاذ صحيحاً، ولا يعمل به، وانظر «التدريب» (1/65-66).

-         وذكر شيخنا أبوعبدالرحمن سلمه الله في مقدمة «الإلزامات والتتبع» (ص:21) أنَّ الحافظ قال في «الفتح» (12/312): والتحقيق أنَّهما أي: الشيخان ليس لهما في تقديم الوصل عمل مطرد، بل هو دائر مع القرينة، مهما ترجح بها اعتمداه، وإلا فكم حديث أعرضا عن تصحيحه للاختلاف في وصله وإرساله. اهـ. وانظر أقوال جماعة من أهل العلم في «فتح المغيث» للسخاوي (1/245-252) في نوع زيادات الثقات.

-         وقال البيهقي في «المدخل إلى السنن الكبرى» (ص:92): وترجيح الأخبار إذا اختلفت بكثرة الرواة، وزيادة الحفظ والمعرفة، وتقدم الصحبة، من الأمول المعروفة فيما بين أهل المعرفة بالحديث، وقد أ×بر ذو اليدين رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بسهوه، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وعلى آسه وسلم على القوم، فقال: «أصدق ذو اليدين؟» فقال: نعم، وفي رواية أُخرى: فأومئوا: أي نعم، اهـ.

وقال ابن دقيق العيد في «الاقتراح في بيان الاصطلاح» (1/186-187) في تعريف الصحيح: وزاد أصحاب الحديث: أن لا يكون شاذاً ولا معللاً، وفي هذين الشرطين نظر على مقتضى مذهب الفقهاء، فإن كثيراً من العلل التي يعلل بها المحدثون الحديث، لا تجري على أصول الفقهاء، قال: ومن شرط الحد أن يكون جامعاً مانعاً، اهـ.

قال العراقي مجيباً على ذلك في «التقييد والإيضاح» (ص:20) والجواب أنَّ من يصنف في علم الحديث، إنّما يذكر الحد عند أهله، لامنعند غيرهم من أهل علم آخر... وكون الفقهاء والأصوليين لا يشترطون في الصحيح هذين الشرطين، لا يفسد الحد عند من يشترطهما، على أنَّ المصنف يعني: ابن الصلاح قد احترز عن خلافهم، وقال بعد أن فرغ من الحد وما يحترز به عنه: فهذا هو الحديث الذي يحكم له بالصحة بلا خلاف بين أهل الحديث... اهـ.

-         وقد قال البقاعي: إنَّ ابن الصلاح خلط هنا طريقة المحدثين بطريقة الأصوليين، فإنَّ للحذاق من المحدثين في هذه المسألة نظراً لم يحكه، وهو الذي لا ينبغي أن يُعدل عنه، وذلك أنَّهم لا يحكمون فيها بحكم مطرد، وإنّما يديرون ذلك على القرائن اهـ. من «توضيح الأفكار» (1/339-340).

-         وقال الذهبي في «الموقظة» (ص:52-53) في المضطرب والمعلل:

وإن كان الحديث قد رواه الثبت بإسناد، أ,قفه أ, أرسله، ورفقاؤه الأثبات يخالفونه، فالعبرة بما اجتمع عليه الثقات، فإن الواحد قد يغلط، وهنا قد ترجح ظهور غلطه، فلا تعليل، - أي فلا تُعِلُّ روايتُه روايتهم والعبرة بالجماعة، وإن تساوى العدد، واختلف الحافظان، ولم يترجح الحكم لأحدهما على الآخر، فهذا الضرب يسوق البخاري ومسلم الوجهين منه في كتابيهما، وبالأوْلى سُوقُهما لما اختلفا في لفظه، إذا أمكن جمع معناه.

قال: ومن أمثلة اختلاف الحافظين: أن يُسمى أحدهما في الإسناد ثقة، ويبدله الآخر بثقة آخر، أو يقول أحدهما: عن رجل، ويقول الآخر عن فلان، فيسمى ذلك المبهم، فهذا لا يضر في الصحة، فأما إذا اختلف جماعة فيه، وأتوا به على أقوال عدة، فهذا يوهن الحديث، ويدل على أن راويه لم يتقنه... اهـ.

-         وقد استدل ابن الوزير بقصة ذي اليدين على التوقف في قبول خبر الثقة عند الريبة، لسكوت الجماعة، واختصاص ذي اليدين بالخبر... وذهب ابن الوزير إلى التفصيل السابق، لا الحكم بالقبول المطلق. انظر «توضيح الأفكار» (1/345-346)، فقد قال: وأما إذا رواه ثقتان على سواء، أو قريبمنالسواء، فالحكم لمن زاد، وكذلك إذا كان أحدهما مثبتاً، والآخر نافياً، مع تساويهما أو تقاربهما، فالحكم للمثبت، وبين ذلك مراتب في القوة والضعف لا يمكن حصرها، بل ينظر الناظر في كل ما وقع فيه هذا التعارض، ويعمل بحسب قوة ظنه اهـ.

-         وقد نقل الحافظ في «النكت» (2/693-694) عن ابن الصباغ في «العدة» وفخر الدين الرازي قريباً من مذهب المحدثين، هذا ما يسر الله جمعه من أقوال المحدثين في هذه المسألة.

وهناك من ذهب إلى قبول الزيادة مطلقاً، وهم جمهور الفقهاء والأصوليين والمتكلمين، وهو صريح كلام الخطيب في «الكفاية» وابن القطان والبزار وابن الصلاح في بعض المواضع وابن حبان والحاكم في «المستدرك» والنووي وآخرين.

وهاك الأقوال في ذلك:

-         قال الخطيب في «الكفاية»:

قال الجمهور من الفقهاء وأصحاب الحديث: زيادة الثقة مقبولة، إذا انفرد بها، ولم يفرقوا بين زيادة يتعلق بها حكم شرعي، أو لا يتعلق بها حكم، وبين زيادة توجب نقصاناً، من أحكام تثبت بخبر ليست فيه تلك الزيادة، وبين زيادة توجب تغيير الحكم الثابت، أو زيادة لا توجب ذلك، وسواء كانت الزيادة في خبر رواه راويه مرة ناقصاً، ثم رواه بعد وفيه تلك الزيادة، أو كانت الزيادة قد رواها غيره، ولم يروها هو.

قال: وقال فريق ممن قبل زيادة العدل الذي ينفرد بها: إنما يجب قبولها إذا أفادت حكماً يتعلق بها، وأما إذا لم يتعلق بها حكم فلا.

وقال آخرون: يجب قبول الزيادة من جهة اللفظ دون المعنى.

قال: وحُكى عن فرقة ممن ينتحل مذهب الشافعي، أنَّها قالت: تقبل الزيادةمنالثقة إذا كانتمنجهة غير الراوي، فأما إن كان هو الذي روى الناقص، ثم روى الزيادة بعد، فإنَّها لا تقبل.

قال: وقال قوم من أصحاب الحديث: زيادة الثقة إذا انفرد بها غير مقبولة، ما لم يروها معه الحفاظ، وترك الحفاظ لنقلها، وذهابهم عن معرفتهم، يوهنها ويضعف أمرها، ويكون معارضاً لها.

قال: والذي نختاره من هذه الأقوال: إن الزيادة الواردة مقبولة على كل الوجوه، ومعمول بها إذا كان راويها عدلاً حافظاً، ومتقناً ضابطاً.

والدليل على ذلك عدة أمور:

أحدها: اتفاق جميع أ÷ل العلم على أنه لو انفرد الثقة بنقل حديث لم ينقله غيره، لوجب قبوله، ولم يكن ترك الرواة لنقله، إن كانوا عرفوه، وذهابهم عن العلم به: معارضاً له، ولا قادحاً في عدالة راويه، ولا مبطلاً له، وكذلك سبيل الانفراد بالزيادة، فإن قيل: ما أنكرت أن يكون الفرق بين الأمرين؛ أنَّه غير ممتنع سماع الواحد الحديث من الراوي وحده وانفراده به، ويمتنع في العادة سماع الجماعة لحديث واحد، وذهاب زيادة فيه عليهم، ونسيانها إلا الواحد، بل هو أقرب إلى الغلط والسهو منهم، فافترق الأمران؟

قال: قلت: هذا باطل من وجوه غير ممتنعة:

أحدها: أن يكون الراوي حدث بالحديث، في وقتين، وكانت الزيادة في أحدهما دون الوقت الآخر.

ويحتمل أيضاً، أن يكون قد كرر الراوي الحديث، فرواه أولاً بالزيادة، وسمعه الواحد، ثم أعاده بغير زيادة، اقتصاراً على أنَّه قد كان أتمه من قبل، وضبطه عند من يجب العمل بخبره، إذا رواه عنه، وذلك غير ممتنع.

وربما كان الراوي قَدْسَها عن ذكر تلك الزيادة لما كرر الحديث، وتركها غير متعمد لحذفها.

ويجوز أن يكون ابتدأ بذكر ذلك الحديث، وفي أوله الزيادة، ثم دخل داخل فأدرك بقية الحديث، ولم يسمع الزيادة، فنقل ما سمعه، فيكون السامع الأول قد وعاه بتمامه، وقد رُوِيَ مثل هذا في خبر جرى الكلام فيه بين الزبير بن العوام وبين بعض الصحابة،... وساق قصة، وأُخرى في ذلك.

ثم قال: ويجوز أن يسمع من الراوي الاثنان والثلاثة، (فينسى) اثنان منهما الزيادة، ويحفظها الواحد ويرويها، ويجوز أن يحضر الجماعة سماع الحديث، فيتطاول حتى يغشى النومُ بعضَهم، أو يشغله خاطر نفس وفِكْر قلب في أمر آخر، فيقتطعه عما سمعه غيره، وربما عرض لبعض سامعي الحديث أمر يوجب القيام، ويضطره إلى ترك استتمام الحديث، وإذا كان ما ذكرناه جائزاً فَسَدَ ما قاله المخالف... ثم ساق قصة في ذلك.

ثم قال: ويدل أيضاً على صحة ما ذكرناه: أنَّ الثقة العدل يقول: سمعت وحفظت ما لم يسمعه الباقون، وهم يقولون: ما سمعنا ولا حفظنا، وليس ذلك تكذيباً له، وإنّما هو إ×بار عن عدم علمهم بما علمه، وذلك لا يمنع علمه به، ولهذا المعنى وجب قبول الخبر إذا انفرد به دونهم، ولأجله أيضاً قُبلت الزيادة في الشهادة، إذا شهدوا جميعاً بثبوت الحق، وشهد بعضهم بزيادة حق آخر، وبالبراءة منه، ولم يشهد الآخرون.

قال: وأما علةمناعتل في ترك قبولها؛ ببُعْد ذهابها عن الجماعة، وحِفْظِ الواحد لها، فقد بيَّنا فسادها فيما تقدم، وجواز ذلكمنغير وجه.

وأما فَضْل من فَضَّل بين أن تكون الزيادة موجبة لحكم، أو غير موجبة له، فلا وجه له، لأنَّه إذا وجب قبولها مع إيجابها حكماً زائداً، فبِأنْ تُقبل إذا لم توجب زيادة حكم أوْلى؛ لأنَّ ما يثبت به الحكم أشد في هذا الباب.

ثم ذكر أحاديث فيها زيادة توجب حكماً.

قال: وأما فصْل من فصَّل بين أن تكون الزيادة في الخبرمنرواية راويه بغير زيادة، وبين أن تكون من رواية غيره، فإنه لا وجه له، لأنه قد يسمع الحديث متكرراً، تارة بزيادة، وتارة بغير زيادة، كما يسمعه على الوجهين من راويين، وقد ينسى الزيادة تارة، فيرويه بحذفها مع النسيان لها والشك فيها، ويذكرها فيرويها مع الذكر واليقين، وكما أنه لو روى الحديث ونسيه، فقال: لا أذكر أني رويته، وقد حَفِظ عنه ثقة، وجب قبوله برواية الثقة عنه، فكذلك هذا، وكما لو روى حديثاً مثبتاً لحكم، وحديثاً ناسخاً له، وجب قبولهما، فكذلك حكم خبره إذا رواه تارة زائداً، وتارة ناقصاً، وهذه جملة كافية اهـ (ص: 597-602) من «الكفاية» باب القبول في حكم خبر العدل إذا انفرد برواية زيادة فيه لم يروها غيره.

قلت: فهذه الأدلة التي استدل بها الخطيب يرحمه الله على قبول زيادة الثقة مطلقاً، هي غاية ما عند القوم، والجواب عليها يعتبر جواباً على كل من أطلق قبول زيادة الثقة، فأقول، وبالله التوفيق:

ما ذكره الخطيب يرحمه الله من الاحتمالات وارد وليس بمتعذر، لكن مع ورود هذه الاحتمالات؛ فلا يلتفت إلى ذلك لأمور:

الأول: لو نظرنا في قصة ذي اليدين، وهي متفق عليها من حديث أبي هريرة، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إحدى صلاتي العشي، فصلى بنا ركعتين، ثم سلّم، ثم انطلق إلى خشبة معروضة في مقدم المسجد، فقال بيديه عليها هكذا، كأنه غضبان، وخرج سَرَعانُ الناس([2]) منباب المسجد، فقالوا: قصرت الصلاة، وفي القوم أبو بكر وعمر، فهاباه أن يسألاه، وفي القوم رجل في يديه طول، كان يُسمى ذا اليدين، فقال: يا رسول الله! أقصرت الصلاة، أم نسيت؟ فقال: «لم أنْس، ولم تقصر الصلاة»، فقال: صليت ركعتين، فقال: «أكما يقول ذو اليدين»، فقالوا: نعم... الحديث.

فلو كان ما قال الخطيب يرحمه الله صواباً، لما رجع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى الجماعة، ليتثبت منهم فيها قاله ذو اليدين دونهم، ولماذا لم يعمل رسول الله بخبر ذي اليدين دون رجوع إلى جماعة المصلين، مستدلاً بأنه حفظ، وغيره لم يحفظ، أو أتقن وغيره شُغل أو ذهل بأمر آخر...؟ إلى آخر ما قاله الخطيب يرحمه الله -.

فلما توقف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في خبر ذي اليدين لانفراده عن الجماعة، توقفنا في خبر من انفرد بزيادة لم يروها من هو أحفظ منه أو أكثر، حتى يشهد لها ما يقويها، كما أقر الجماعةُ ذا اليدين على ما قال، والله أعلم.

الثاني: الأصل أنّنا لا نضيف خبراً إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا إذا تيقّنا ثبوته إليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو غلب على ظنّنا ذلك، لكن إذا تردد في النفس قبوله أو عدمه؛ فالأحوط للدين أنّنا لا تضيفه إليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

وما قاله أبوبكر الخطيب يرحمه الله من احتمال أن يحفظ الواحد، وينسى العدد الكثير... إلخ.

فقد يُقْلَبُ عليه، فيقال: ومن المحتمل أن يهم الواحد، فيضيف إلى شيخه ما سمعه من شيخ آخر، حيث قد ظن أن هذامنحديث هذا الشيخ، فرواه عنه، فلما لم يروه الجماعة، دل ذلك على وهم الواحد، وهذا الاحتمال وارد، وله أمثله كثيرة في كتب العلل، وكم من إمام فضلاً عمن دونه يسمع الحديث في المذاكرة عن شيخ: فيعْلَق في ذهنه، فيرويه مرسلاً أو مدلّساً أو غير ذلك، فيظن من وقف على حديثه، أنه سمعهمنالشيخ الذي سماه، وليس كذلك.

وكم من ثقة يقول فيه العلماء: دخل عليه حديث في حديث، أو حديثه هذا يشبه حديث فلان، ولا يشبه حديث فلان أي الذي سماه الراوي وإذا كان هذا محتملاً، وما ذكره الخطيب أيضاً محتمل، فما تطرق إليه الاحتمال سقط به تعين الاستدلال:

والأصل أنّنا لا نضيف إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا ما تيقّنا ثبوته إليه، أو على الأقل ما غلب على ظنّنا ثبوته إليه، ومع هذه الاحتمالات؛ فلا يحصل شيء من ذلك.

-         فإن قيل: الاحتمال الذي ذكرته بعيد، لأننا لو أخذنا بذلك لزم التوقف في جميع أخبار الثقات، واللازم باطل، فكذا الملزوم.

فالجواب: أنَّ اللازم باطل إذا نحن أطلقنا الوقف في خبر الثقات، أما إذا قيّدنا ذلك بظهور قرينة تدل على وهم الواحد المخالف للجماعة فلا بأس، والقرينة هنا عدم نقل الجماعة لهذه الزيادة، والدواعي متوفرة لنقلها، لو حدث بها شيخهم.

·       وقد يجاب على الخطيب أيضاً باحتمال آخر: وهو أن الشيخ الذي حدث الواحد بالزيادة، ولم يحدث بها الجماعة، لعله قد ظهر له أن هذه الزيادة ليست من حديثه، فكف عن روايتها، لا سيما إذا كان الجماعة قد أخذوها في عدة مجالس، وما حدث به المحدث في عدة مجالس على وتيرة واحدة بدون زيادة مقدم على ما حدث به مرة واحدة لشخص واحد في مجلس واحد مع الزيادة.

·       وما ذكره الخطيب يرحمه الله - من كون الراوي قد يدخل متأخراً، فلا يسمع الحديث بتمامه، فإن كان هذا راوي الناقصة فلا إشكال، وليس هذا موضع البحث، إنّما حَرْف النزاع فيما إذا زاد الواحد ونقص الباقون، أما ما ذكره الخطيب فغايته أن يكون: راوي الزائدة مثل راوي الناقصة.

وفي هذه الحالة فالزيادة من الثقة مقبولة، والمتوقع في مثل هذا أن يكون الجماعة قد افتتحوا مجلسهم مع الشيخ، ثم دخل الواحد بعد ذلك، فهذا الداخل تكون روايته ناقصة، ورواية الجماعة تامة، فأين هذا مما نحن فيه؟، ولم تجر العادة بأن يُفتتح المجلس بواحد فقط، ثم يأتي بقية المحدثين.

·       وما ذكره يرحمه الله من تطاول المجلس حتى يغشى النومُ بعض الجالسين، فالعادة في مثل هذا: أن يقع ذلك للعدد القليل، لا أن الجماعة يغشاهم النوم، ويبقى الواحد مستيقظاً، فيعي ما فاتهم فالأمر على عكس ما نحن فيه.

·       وكذا من ذهل عن بعض كلام الشيخ، أو من عرض له عارض، فقطع عليه المجلس، فالغالب أنَّ هذا يقع للواحد فيقوم، فيكون حديثه ناقصاً، بخلاف الجماعة الذين بقوا بعده، فأتموا سماع الحديث من الشيخ، ومستبعد أن يعرض عارض للجماعة، فيقوموا جميعاً، إلا الواحد فيبقى خلفهم، فيكون حديثه أتممنحديث الجماعة.

فكُلُّ الاحتمالات التي ذكرها الخطيب يرحمه الله ورودها على الواحد، أكثر من ورودها على الجماعة، وكذلك ورودها على الأقل في الحفظ والإتقان؛ أكثر من ورودها على الأعلى في الحفظ والإتقان، والذي قد عُرِف من شأنه التحري والتيقظ في مجالس الحديث، فلو قبلنا الزيادة مع هذه الاحتمالات، نكون قد عملنا بالزيادة مع الشك، أو مع غلبة الظن بعدم الثبوت، وفي هذا ما لا يخفى من الضعف.

الثالث: أن صنيع العلماء أهل الفهم والدراية بالحديث النبوي؛ على خلاف ما قال الخطيب يرحمه الله -، وهذه مئات بل ألوف الأسئلة التي وجهت للأئمة، فكانت أجوبتهم تتضمن إعلال بعض الروايات، لكون فلان زاد هذه الكلمة، أو زاد في الإسناد زيادة، وغيرهمنالثقات لا يروونها.

وما كنا لنرضى بمذهب الفقهاء والأصوليين والمتكلمين مذهباً، ونترك مذهب هؤلاء الجهابذة الأفذاذ، وصدق من قال:

فأما ما علَمتُ فقد كفاني                       وأما ما جهلتُ فجنِّبوني

الرابع: لو أخذنا بهذا القول المرجوح، فمتى يكون الحديث شاذا؟ فإن قيل: إذا خالفت الزيادةُ الأصلَ، مخالفة يتعذر الجمع بينها وبين الأصل، فحينذاك تكون شاذة، وقد قال بذلك الحافظ في «هدي الساري» (ص:347) في الفصل الثامن، حيث قال في أثناء كلامه على أقسام الأ؛اديث المنتقدة في «صحيح البخاري».

(القسم الثالث منها): ما تفرد بعض الرواة بزيادة فيه، دون من هو أكثر عدداً أو أضبط ممن لم يذكرها، فهذا لا يؤثر التعليل به، إلا إن كانت الزيادة منافية، بحيث يتعذر الجمع، أما إن كانت الزيادة لا منافاة فيها، بحيث تكون كالحديث المستقل، فلا، اللهم إلا إن وضح بالدلائل القوية أن تلك الزيادة مدرجة في المتن من كلام بعض رواته، فما كان من هذا القسم فهو مؤثر، كما في الحديث الرابع والثلاثين، اهـ.

وهذا الكلام يجاب عليه من وجوه:

1 أن الحافظ نفسه قد صرح بخلاف هذا في «النزهة»، و«الفتح»، و«النكت» وقد سبق ذكر ذلك عنه، بل قد رد على من خالف ذلك.

2 أن الحافظ نسب القول السابق إلى أئمة الحديث، بخلاف قوله هذا.

3 لا نسلم أنَّ الجمع يكون متعذراً بين الزيادة والأصل، إلا في الحديث المضطرب الذي يختلف فيه الرواة اختلافاً كثيراً، لا يمكن الجمع فيه بين الروايات، لكننا في هذه الحالة، لا نستطيع أن نقول: إنَّ الرواية الفلانية هي الأصل، والأخرى هي المزيدة؛ لأنَّ من شرط الاضطراب الموجب للاطرح: أن يتعذر الجمع، مع تكافؤ الطرق، فلا ترجيح مع الاضطراب، إذاً فما نحن بصدده لا نسلم فيه أن الجمع متعذر، وما من زيادة إلا ويمكن أن يخصص بها عموم، أو يقيد به مطلق، أو يفسر بها مجمل، أو يُعين بها مبهم، فأين تعذر الجمع إذاً؟ ولْيُكَذَّبنا المخالفون في ذلك بمثال واحد غير الحديث المضطرب، لأنَّ المضطرب لا ترجيح فيه، ومسألتنا في ترجيح رواية الجماعة على رواية الواحد عند تعذر الجمع بينهما على حد قولهم، وكتب العلل والتخاريج مليئة بشواهد لا تُحصى كثرة على صحة ما قررناه، بخلاف قول المخالف.

4 لو سلمنا للحافظ بإمكان تعذر الجمع بين الزيادة والأصل في المتون، فكيف نتصور هذا التعذر في زيادات الأسانيد؟!

فمن المعلوم أنَّ الزيادة في الإسناد تكون برفع موقوف، أو إسناد مرسل، أو تسمية مبهم، أو تعيين مهمل، أو تصريح مدلس بالسماع، أو قَرْن ضعيف بآخر يقويه، أو نحو ذلك، ويمكن الجمع بين كل هذا الاختلاف، بأن نقول في الرواية الزائدة: نشط الشيخ فزاد، أو كسل فنقص، فأين تعذر الجمع الذي يجعلنا نأخذ برواية الجماعة دون الواحد إذا؟

أم أنَّ أصحاب هذا المذهب يفرقون بين الزيادة في الأسانيد، وبين الزيادة في المتون؟ وهذا ما لا أعلمه عن أحد من القائلين بذلك، والله أعلم.

الخامس: -من وجوه الرد على ما ذكره الإمام أبوبكر الخطيب يرحمه الله -:

ما ادعاه بعض أهل العلم من التفرقة بين الزيادة التي تكون في مجلس واحد فترد، وبين الزيادة التي تكون في مجالس متعددة فتقبل، هذا التفصيل كما قال ابن رجب يرحمه الله لم يلتفت إليه الإمام أحمد ومن جرى مجراه في الإمامه والتقدم في هذا الفن.

أضف إلى ذلك من باب البيان أنَّ آلاف الأسئلة في العلل توجه للأئمة، فيطلق الإمام منهم القول يرد رواية فلان، لمخالفتهمنأولى منه، دون أن يعرج على نوع المجلس الذي جرى فيه التحديث، هل كان متحداً أو متعدداً؟.

ويزيد ذلك وضوحاً، أن الشيخ إذا روى حديثاً، ورواه عن سبعة من الرواة مثلاً، فرواه ستة على وجه، ورواه واحد فزاد فيه زيادة، فإن لم نعلم تعدد المجلس أو اتحاده وهذا حال أكثر الروايات -.

فالأصل في ذلك أن نقف في رواية الواحد، ونأخذ رواية الجماعة، لما سبق من أدلّة، وإن علمنا اتحاد المجلس، فالمخالفون مسلّمون بشذوذ الواحد هنا.

وإن علمنا بتعدد المجالس فلنعتبر كل راوٍ أخذه في مجلس، لأنّنا ليس عندنا دليل باجتماع بعضهم في مجلس واحد، وعلى ذلك فرواية الجماعة أيضاً أرجح، لأن الشيخ حدث كل واحد منهم على حدة، فما حدث به في ستة مجالس على وجه واحد، مقدم على ما حدث به على وجه آخر في مجلس واحد.

ولا يَرِدُ على ذلك أنَّه يلزم مما حررته توهيم الشيخ لا التلميذ المخالف للستة، والذي نراه من كلامهم توهيم التلميذ لا الشيخ؛ لأنَّ الذي نراه من كلامهم في توهيم التلميذ؛ عندما لا يُذكر تعدد المجلس، أمّا إذا ذُكر تعددالمجلس؛ فإنهم يوهمون الشيخ، أو يحمِّلونه العهدة، أو يقولون: الحديث عند الشيخ بالوجهين، وحدث كلاً بوجه، كما لا يخفى على من يطالع في أحكام العلماء على الأحاديث، والله أعلم.

السادس: ما ذكره الخطيب يرحمه الله من قياس قبول الزيادة على قبول الحديث المستقل: مردود، لما هو معلوم من الفرق بين تفرد الراوي بحديث لم يروه غيره، وبين تفرد الراوي بزيادة، شاركه من هو أحفظ منه، أو أكثر، على رواية الحديث بدونها، وقد قال الحافظ في «النكت» (2/690-691):

واحتج من قبل الزيادة من الثقة مطلقاً: بأنَّ الراوي إذا كان ثقة، وانفرد بالحديثمنأصله كان مقبولاً، فكذلك انفراده بالزيادة.

قال الحافظ: وهو احتجاج مردود، لأنَّه ليس كل حديث تفرد به أي ثقة، كان يكون مقبولاً، كما سبق بيانه في نوع الشاذ.

قال: ثم إن الفرق بين تفرد الراوي بالحديث من أصله، وبين تفرده بالزيادة: ظاهر؛ لأنَّ تفرده بالحديث؛ لا يلزم منه تطرق السهو والغفلة إلى غيرهمنالثقات، إذ لا مخالفة في روايته لهم، بخلاف تفرده بالزيادة، إذا لم يروها من هو أتقن منه حفظاً، وأكثر عدداً، فالظن غالب بترجيح روايتهم على روايته، ومبنى هذا الأمر على غلبة الظن... ثم ذكر الاحتمالات السابقة التي ذكرها الخطيب ثم قال:

والجواب عن ذلك: أن الذي يبحث فيه أهل الحديث في هذه المسألة، إنّما هو في زيادة بعض الرواةمنالتابعين فمن بعدهم، أمّا الزيادة الحاصلة من بعض الصحابة على صحابي آخر، إذا صح السند إليه، فلا يختلفون في قبولها... ثم ذكر أمثلة، ولعله أجاب بذلك؛ لأنَّ الأمثلة التي مثل بها الخطيب وقعت للصحابة رضي الله عنهم -.

ثم قال: وإنّما الزيادة التي يتوقف أهل الحديث في قبولهامنغير الحافظ، حيث يقع في الحديث الذي يتحد مخرجه، كمالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما -، إذا روى الحديث جماعة من الحفاظ الأثبات العارفين بحديث ذلك الشيخ، وانفرد دونهم بعض رواته بزيادة، فإنَّها لو كانت محفوظة، لما غفل الجمهور من رواته عنها، فتفرد واحد عنه بها دونهم، مع توفر دواعيهم على الأخذ عنه، وجمع حديثه؛ يقتضي ريبة توجب التوقف عنها اهـ.

والعجب من الخطيب يرحمه الله الذي عزا لأهل الحديث هذا القول الذي ارتضاه، مع أنَّ صنيع حذاقهم وأهل الشأن فيهم ليس كذلك، بل قد ذكر ابن رجب أن المذاهب التي ذكرها الخطيب في «الكفاية» لا تعرف عن أحد من متقدمي الحفاظ، إنّما هي مأخوذة من كتب المتكلمين... إلى آخر ما قد سبق ذكره عن ابن رجب يرحمه الله -.

وقد سبق أنَّ صنيع الخطيب في كتابه: «تمييز المزيد» يوافق ما عليه المحدثون، وكذلك صنيعه في الأحاديث التي ينتقدها في «تاريخ بغداد» تراه يسلك فيها مسلك حذاق المحدثين، فالله أعلم.

فإن قيل: إنَّ المباركفوري قد نصر القول بقبول زيادة الثقة، كما في «تحفة الأحوذي» (2/92-95) في ك/ الصلاة ب/ ما جاء في وضع اليمين على الشمال في الصلاة.

قلت: المباركفوري يرحمه الله يرد على النيموي صاحب «آثار السنن» عندما أعل زيادة: «على صدره» بالشذوذ، وعرَّف الحديث الشاذ بأنَّه: «ما رواه الثقة مخالفاً في نوع من الصفات، لما رواه جماعة من الثقات، أو من هو أوثق منه وأحفظ، وأعم من أن تكون المخالفة منافية للرواية الأُخرى أم لا؟

قال المباركفوري بعد نقله لهذا: وادعى أي: النيموي أن هذا هو مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وابن معين والبخاري وغيرهممنالمحدثين المتقدمين... ثم ذكر أمثلة استدل بها على ذلك.

وقد اعترض عليه المباركفوري بأنَّ تعريفه للشاذ ليس بصحيح، وليس هو مذهب المحدثين المتقدمين البتة، قال: وجه عدم صحته، أنَّ يلزم منه أن يكون كل زيادة زادها ثقة، ولم يزدها جماعة من الثقات، أو لم يزدها من هو أوثق منه، وليست منافية لأصل الحديث؛ شاذة غير مقبولة، واللازم باطل، فالملزوم مثله، والدليل على بطلان اللازم: أن كل زيادة هذا شأنها قبلها المحدثون المتقدمون، كالشافعي والبخاري وغيرهما، وكذا قبلها المتأخرون، إلا إن ظهرت لهم قرينة تدل على أنها وهم من بعض الرواة، فحينئذٍ، لا يقبلونها.

قال: ألا ترى أن الإمام البخاري يرحمه الله، قد أدخل في «صحيحه» من الأحاديث ما تفرد به بعض الرواة بزيادة فيه غير منافية، ولم يزدها جماعةمنالثقات، أو من هو أوثق منه وأحفظ، وقد طعن بعض المحدثين بإدخال مثل هذه الأحاديث في «صحيحه» ظناً منهم أن مثل هذه الزيادات ليست بصحيحة، وقد أجاب المحققون عن هذا الطعن: بأن مثل هذه الزيادات صحيحة... ثم ذكر ما سبق ذكره عن الحافظمن«هدي الساري» (ص:347)منالفصل الثامن واستدل بكلام الحافظ في تعذر الجمع...

هذا حاصل ما استدل به المباركفوري يرحمه الله، وقد سبق نقض هذه الأدلة التي استدل بها على وجه التفصيل، بما يغني عن إعادته، والذي يظهر لي أن كلام النيموي في هذا الموضع أدقمنكلام المباركفوري، وأما كون البخاري يخرج بعض هذه الزيادات، فنحن لا نمنع ذلك، إذا كانت هناك قرينة تدل على أن الراوي حفظ ما زاد، ولا شك أن للأئمة معرفة بالغة بهذه القرائن، الأمر الذي لا يتوفر لنا الآن، فموقفنا من هذه الزيادات: إذا صححها الأئمة صححناها، وإذا اختلفوا فيها رجحنا حسب القواعد، وإذا لم يتكلموا عنها أصلاً، وظهرت لنا قرينة أو أكثر على حسب قواعد أهل العلم في ذلك، تدل على أن راوي الزيادة ضبطها: صححناها، وإلا حكمنا عليه بالشذوذ، وأجرينا القاعدة التي عليها صنيع أكثر العلماء، والتي صرحوا بها في مواضع أكثر من أن تحصر، وذلك أنهم قد عللوا الحكم بالشذوذ لمخالفة من رواها لمن لم يروها، وهم أوثق منه إما عدداً أو وصفاً، والذي يتأمل في صنيعهم يجدهم لا يخرجون عن ذلك إلا لقرينة فأكثر، علمها من علمها، وجهلها من جهلها، والله تعالى أعلم.

(تنبيه):

انظر كلام ابن القطان والبزار في «النكت» للحافظ (2/603-604) وكذلك كلام ابن حبان والحاكم في «النكت» (2/687) وانظر مذاهب العلماء في «توضيح الأفكار» (1/339-343) وفي «المقنع» (1/191-208) وفي «الغاية» للسخاوي مختصراً (1/298).

تنبيه آخر: واعلم أن كثيراً ممن أطلق القول بقبول زيادة الثقة، لم يطرد ذلك في بعض المواضع، فالنووي يرحمه الله وهو ممن يطلق القبول، سلَّم بإعلال زيادة «وإذا قرأ فأنصتوا» وهكذا غيره.

تنبيه آخر: يظهر ليّ من صنيع حذاق المحدثين أنهم يعدون مجرد زيادة المرجوح مخالفة للأرجح إذا كانت تحمل زيادة في المعنى -، وإذا لم تكن منافية، خلافاً لما ذهب إليه من سبق ذكرهم، والله تعالى أعلم.



([1]) قلت: قد نقل قول الحذاق من الحفّاظ في جملة المذاهب التي ذكرها – كما سيأتي – لكنه رجح مذهب الفقهاء إلا أن يكون مراد ابن رجب – يرحمه الله – أنَّ الخطيب لم يذكر مذهب الحفاظ في الرجوع للقرائن إنّما أطلق عنهم رد الزيادة، فنعم، والله أعلم.

([2]) سَرَعان الناس وسَرْعانهم: أوائلهم المستبقون إلى الأمر اهـ من «اللسان» (8/152).