هل هناك فرق في الاتصال بين قول الراوي: «عن فلان أنه قال كذا، أو فعل كذا» وبين قوله: (أن فلاناً قال كذا، أو فعل كذا) ؟

هذه مسألة الحديث المعنعن والمؤنّن: والكلام فيها على جهتين:

الجهة الأولى: قول الراوي: «عن فلان»، يعني شيخه الذي سمع منه في الجملة، فلا فرق بين هذا، وبين قوله: «أن فلاناً قال»، بشرط أن يكون الراوي عدلاً غير مدلس، وقد ثبت سماعه من هذا الشيخ في الجملة على تفاصيل في هذا الشرط الأخير -، والإسناد المعنعن الذي يقال فيه: فلان عن فلان عن فلان، فهو بهذه الشروط محمول أيضاً على الاتصال عند جماهير العلماء، فقد قال ابن الصلاح في «مقدمته»: عَدَّهُ بعض الناس من قبيل المرسل والمنقطع، حتى يتبين اتصاله بغيره.

ثم قال: والصحيح والذي عليه العمل: أنَّه من قبيل الإسناد المتصل، وإلى هذا ذهب الجماهير من أئمة الحديث وغيرهم، وأودعه المشترطون للصحيح في تصانيفهم، وقبلوه، وكاد أبو عمر بن عبدالبر الحافظ يدعي إجماع أئمة الحديث على ذلك، وادعى أبو عمرو الداني المقرئ الحافظ إجماع أهل النقل على ذلك، وهذا بشرط أن يكون الذي أضيفت العنعنة إليهم؛ قد ثبتت ملاقاة بعضهم بعضاً، مع براءتهممنوصمة التدليس، فحينئذٍ يُحمل على ظاهر الاتصال، إلا أن يظهر فيه خلاف ذلك...، اهـ من «التقييد» (ص:83-84).

وقد تعقب العراقيُّ ابنَ الصلاح كما في «التقييد» (ص:83-84) في قوله: «وكاد أبو عمر بن عبدالبر الحافظ يدعي إجماع أئمة الحديث، على ذلك» فقال: ولا حاجة إلى قوله: «كاد»، فقد ادعاه، ثم نقل ما في مقدمة «التمهيد» (1/12) وفيه: اعلم وفقك الله أني تأملت أقاويل أئمة أهل الحديث، ونظرت في كتب من اشترط الصحيح في النقل منهم ومن لم يشترطه.

فوجدتهم أجمعوا على قبول الإسناد المعنعن، لا خلاف بينهم في ذلك إذا جمع شروطاً ثلاثة، وهي:

عدالة المحدثين في أحوالهم، ولقاء بعضهم بعضاً مجالسة ومشاهدة، وأن يكونوا برآء من التدليس... ثم ساق سنده إلى شعبة أنه قال: فلان عن فلان ليس بحديث، قال وكيع: وقال سفيان: هو حديث.

قال أبو عمر: ثم إن شعبة انصرف عن هذا إلى قول سفيان، وقد أعلمتك أن المتأخرين من أئمة الحديث، والمشترطين في تصنيفهم الصحيح، قد أجمعوا على ما ذكرتُ لك، وهو قول مالك وعامة أهل العلم والحمدلله، إلا أن يكون الرجل معروفاً بالتدليس، فلا يقبل حديثه حتى يقول: حدثنا أو سمعت.

فهذا ما لا أعلم فيه خلافاً... ثم ذكر مثالاً عاب فيه أحمدُ بن حنبل على الوليد بن مسلم قوله: «عن» في منقطع، ليدخله في الاتصال، ثم قال: فهذا بيان أن «عن» ظاهرها الاتصال، حتى يثبت فيها غير ذلك، ومثل هذا عن العلماء كثير اهـ (1/12-14).

وقد تعقب الحافظ في «النكت» (2/583) على ابن الصلاح نقله عن أبي عمرو الداني، وقد أخذ الدانيُّ ما قال عن الحاكم، وكان الأوْلى أن ينقل ابنُ الصلاح عنه، لأنه من أئمة الحديث، وقد صنف في علومه، قال: وابن الصلاح كثير النقل من كتابه، قال: فالعجب كيف نزل عنه إلى النقل عن الداني، وقد قال الحاكم أي في «المعرفة» -: الأحاديث المعنعنة التي ليس فيها تدليس متصلة بإجماع أهل النقل، ثم تعجب الحافظ أيضاً من عدم نقل ابن الصلاح عن الخطيب، وقد ادعى الإجماع أيضاً في «الكفاية» التي هي معول المصنف في هذا المختصر، ثم تعقب الحافظ الخطيب في دعواه الإجماع، لقول الحارث المحاسبي، ونقله عن غيره الاختلاف في ذلك، ورجح في النهاية أن «عن» محمولة على الاتصال، وحمل الخلاف بين العلماء على ما كان قبل الوفاق...، اهـ من «النكت» (2/583-585) وقد قال ابن عبدالبر في مقدمة «التمهيد» (1/26): واختلفوا في معنى «أن» هل هي بمعنى «عن» محمولة على الاتصال بالشرائط التي ذكرنا، حتى يتبين انقطاعها، أو هي محمولة على الانقطاع، حتى يعرف صحة اتصالها؟

قال: وذلك مثل: مالك عن أن ابن شهاب أن سعيد بن المسيب قال كذا.

ومثل: مالك عن هشام بن عروة أن أباه قال كذا.

ومثل: حماد بن زيد عن أيوب أن الحسن قال كذا.

ثم قال: فجمهور أهل العلم على أن «عن» و«أن» سواء، وأن الاعتبار ليس بالحروف، وإنما هو باللقاء والمجالسة والسماع والمشاهدة، فإذا كان سماع بعضهممنبعض صحيحاً، كان حديث بعضهم عن بعض أبداً بأي لفظ ورد محمولاً على الاتصال، حتى تتبين فيه علة الانقطاع.

قال: وقال البرديجي: «أن» محمولة على الانقطاع، حتى يتبين السماع في ذلك الخبر بعينه من طريق آخر، أو يأتي ما يدل على أنه قد شهده وسمعه.

قال أبوعمر: هذا عندي لا معنى له، لإجماعهم على أن الإسناد المتصل بالصحابي، سواء قال فيه: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أو أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال أو: عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أو سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كل ذلك سواء عند العلماء، والله أعلم، اهـ وعندي أن في الاعتراض على كلام البرديجي بما ذكر عن الصحابة؛ نظراً، لأن غايته أن يكون مرسل صحابي، والأصل روايتهم عن الصحابة، وهم عدول، بخلاف من دونهم، ففيهم العدل وغيره، لكن يجاب على كلام البرديجي بما سبق من صنيع العلماء، وإن كانت «عن» ليست صريحة في السماع، لكنّها هي محمولة على ذلك، والله أعلم.

فإذا علمت أنّ «عَنْ» محمولة على الاتصال، فكذلك: «أن» بالشروط السابقة. ويضاف إلى ذلك في «أن» أن يكون الراوي يحكي شيئاً قولاً أو فعلاً يمكن أن يكون قد شهده وسمعه من شيخه.

الجهة الثانية: وذلك إذا قال الراوي: «إن فلاناً قال أو فعل»، مما لا يمكن أن يكون قد شهده الراوي، مثل أن لا يكون قد أدرك زمانه، كقول عروة: إن عائشة قالت للنبي: كذا وكذا، فهل هو مرسل، لعدم الإتيان بما يبين أنه رواه عن عائشة، أم هو متصل، لأن عروة قد عُرف بالرواية عن عائشة؟ بالظاهر أنه سمع ذلك منها؟

قال ابن رجب يرحمه الله بعد ذكره صورة المسألة: هذا فيه خلاف.

ثم قال: قال أبو داود: سمعت أبا عبدالله يعني أحمد قال: كان مالك زعموا أنه يرى «عن فلان» و«أن فلاناً» سواء، وذكر أحمد مثل حديث جابر: أن سُليكاً جاء والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يخطب، وعن جابر عن سُليك أنه جاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يخطب قال: وسمعت أحمد، قيل له: إن رجلاً قال: عن عروة، قالت عائشة: يا رسول الله، وعن عروة عن عائشة سواء؟ قال: كيف هذا سواء؟ ليس هذا بسواء... ثم ذكر أمثلة، وبيَّن أن أحمد لا يخالف مالكاً فيما إذا كانت «أنّ» فيما يمكن مشاهدته، وحمل تفرقة أحمد على ما إذا كان الراوي لا يمكن أن يدرك أو يشاهد ما حكى، بل تَرَجَّى حَمْل كلام البرديجي على هذا القسم.

قال: وأما رواية عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعروة أنَّ عائشة قالت للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهذا القسم الثاني، هو الذي أنكر أحمد التسوية بينهما.

قال: والحفاظ كثيراً ما يذكرون مثل هذا، ويعدونه اختلافاً في إرسال الحديث واتصاله، وهو موجود كثيراً في كلام أ؛مد وأبي زرعة وأبي حاتم والدارقطني وغيرهم من الأئمة.

قال ابن رجب: ومن الناس من يقول: هما سواء، كما ذُكر ذلك لأحمد، وهذا إنما يكون فيمن اشتهر بالرواية عن المحكي قصته، كعروة عن عائشة، أما من لم يعرف له سماع منه، فلا ينبغي أن يحمل على الاتصال، ولا عند من يكتفي بإمكان اللُّقيّ.

قال: والبخاري قد يخرج من هذا القسم في «صحيحه»: كحديث عكرمة أن عائشة قالت للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قصته امرأة رفاعة، وقد ذكرناه في كتاب النكاح، هذا على تقدير أن يكون عكرمة سمع من عائشة.

قال: وقد ذكر الإسماعيلي في «صحيحه»: أن المتقدمين كانوا لا يفرقون بين هاتين العبارتين، وكذلك ذكر أحمد أيضاً، أنهم كانوا يتساهلون في ذلك مع قوله: إنهما ليسا سواء، وأن حكمهما مختلف، لكن كان يقع ذلك منهم أحياناً على وجه التسامح وعدم التحرير.

قال: قال أحمد في رواية الأثرم في حديث سفيان عن أبي النضر عن سليمان بن يسار عن عبدالله بن حذافة في النهي عن صيام أيام التشريق: ومالك قال فيه: عن سليمان بن يسار أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعث عبدالله بن حذاقة.

قال أحمد: هو مرسل، سليمان بن يسار لم يدرك عبدالله بن حذافة، قال: وهم كانوا يتساهلون بين «عن عبدالله بن حذافة» وبين «أنَّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعث عبدالله بن حذافة».

قيل له: وحديث أبي رافع: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعثه يخطب ميمونة، وقال مطر عن أبي رافع؟ قال: نعم، وذاك أيضاً، اهـ من «شرح علل الترمذي» (2/601-605).

فالحاصل من كلام أهل العلم الذي تعرض له ابن رجب:

أن الراوي إذا قال: «إنّ فلان قال» وحكى روايةً يمكن أن يشهدها، فـ «أنّ» كـ «عن» فيهذه الحالة، وإن حكى رواية لا يمكن أن يشهدها، فالذي رجّحه أحمد أن الرواية لا تكون متصلة، وبعضهم لا يرى التفرقة، وحمل ابن رجب تسوية هؤلاء على الراوي المشهور بالرواية عن شيخه، أي أن الراجح أنه سمع ذلك منه، وإن كان الظاهر في الرواية الإرسال، لا سيما وقد عُرف عن المتقدمين التسامح وعدم تحرير العبارة في ذلك، كما قال أحمد والإسماعيلي، والله أعلم.

وقد تكلم الحافظ في «النكت» (2/590-592) على هذه المسألة، وجعل كلام مالك في التسوية، وكلام أ؛مد في التفرقة، أن ذلك كله ليس على إطلاقه، قال: وذلك يتبين من نص سؤال كل منهما عن ذلك.

أما مالك، فإنه سئل عن قول الراوي: «عن فلان أنه قال كذا» و«أن فلاناً قال كذا» فقال: هما سواء، وهذا واضح.

وأما أحمد، فإنه قيل له: إن رجلاً قال: عن عروة عن عائشة، وعن عروة أن عائشة رضي الله عنها سألت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هل هما سواء؟ فقال: كيف يكونان سواء؟ ليسا سواء.

قال الحافظ: فقد ظهر الفرق بين مراد مالك وأحمد.

قال: وحاصله أن الراوي إذا قال: «عن فلان»، فلا فرق أن يضيف إليه القول أو الفعل في اتصال ذلك عند الجمهور، بشرطه السابق، وإذا قال: «إن فلاناً» ففيه فرق: وذلك أن يُنظر: فإن كان خبرها أي خبر إنّ قولاً لم يتعد لمن لم يدركه، وذلك بأن يقول: إنَّ فلاناً قال، فـ «قال» هي الخبر، التحقت بحكم «عن» بلا خلاف، كأن يقول التابعي: إن أبا هريرة رضي الله عنه قال كذا، فهذا نظير ما لو قال: عن أبي هريرة أنه قال: سمعت كذا.

وإن كان خبرها أي خبر إنّ فعلاً، نُظِر: إن كان الراوي أدرك ذلك؛ التحقت بحكم «عن»، وإن كان لم يدركه؛ لم تلتحق بحكمها.

قال: فكون يعقوب بن شيبة قال في رواية عطاء عن أبن الحنفية: إن عماراً مرّ بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: هذا مرسل، إنما هو من جهة كونه أضاف إلى الصيغة الفعل الذي لم يدركه ابن الحنفية، وهو مرور عمار، إذ لا فرق بين أن يقول ابن الحنفية: إن عماراً مرّ بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم, وإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مرّ بعمار؛ فكلاهما سواء في ظهور الإرسال ولو كان أضاف إليها أي إلى الصيغة القول، كأن يقول: عن ابن الحنفية أن عماراً قال: مررت بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لكان ظاهر الاتصال، اهـ.

وقد صرح بذلك العراقي في «التقييد» (ص:86) مقوياً لقولمنحكم بالإرسال في مثل قول عروة: إن عائشة قالت: يا رسول الله! أو سألت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

وإنّما الفرق بين اللفظين، لأن عروة في اللفظ الأول يعني أن عائشة قالت يا رسول الله!، أو سألَتْ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يسند ذلك إلى عائشة ولا أدرك القصة، وإلا فلو قال عروة: إنَّ عائشة قالت: قلت: يا رسول الله! لكان ذلك متصلاً، لأنَّه أسند ذلك إليها.

قال: وأما اللفظ الثاني، وهو قوله: عروة عن عائشة، فأسنده عروة إليها بالعنعنة، فكان ذلك متصلاً، فما فعله أحمد ويعقوب بن شيبة صواب، ليس مخالفاً لقول مالك، ولا لقول غيره، وليس في ذلك خلاف بين أهل النقل.

قال: وجملة القول فيه أن الراوي إذا روى قصة أو واقعة: فإن كان أدرك ما رواه، بأن حكى قصة وقعت بين يدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وبين بعض أصحابه، والراوي لذلك صحابي قد أدرك تلك الواقعة، حكمنا لها بالاتصال، وإن لم نعلم أنَّ الصحابي شهد تلك القصة وإن علمنا أنه لم يدرك الواقعة، فهو مرسلُ صحابيِّ، وإن كان الراوي كذلك تابعياً، كمحمد بن الحنفية مثلاً، فهي منقطعة، وإن روى التابعي عن الصحابي قصة أدرك وقوعها، كان متصلاً، ولو لم يصرح بما يقتضي الاتصال، وأسندها إلى الصحابي بلفظ: «أن فلاناً قال» أو بلفظ «قال: قال فلان» فهي متصلة أيضاً، كرواية ابن الحنفية الأولى يعني قوله: عن عمار قال بشرط سلامة التابعيمنالتدليس، كما تقدم، وإن لم يدركها ولا أسند حكايتها إلى الصحابي؛ فهي منقطعة، كرواية ابن الحنفية الثانية يعني قوله: إن عماراً مر بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

قال: فهذا تحقيق القول فيه، وممن حكى اتفاق أهل النقل على ذلك الحافظ أبو عبدالله بن المواق في كتاب «بغية النقاد»، فذكر مِنْ عند أبي داود حديث عبدالرحمن بن طرفة أن جده عرفجة قطع أنفه يوم الكلاب... الحديث، وقال: إنه عند أبي داود هكذا مرسل، قال: وقد نبّه ابن السكن على إرساله، فقال... فذكر الحديث مرسلاً، قال ابن المواق: وهو أمر بيّن لا خلاف بين أهل التمييز من أهل الشأن في انقطاع ما يروى كذلك، إذا عُلم أن الراوي لم يدرك زمان القصة، كما في هذا الحديث، قال: وذكر نحو ذلك أيضاً في حديث أبي قيس: أن عمرو بن العاص كان على سرية... الحديث في التيمّم من عند أبي داود أيضاً، وكذلك فعل ذلك غيره، وهو أمر واضح بيّن، والله أعلم، اهـ.

وبنحو كلام العراقي هذا، انظر «الشذا الفياح» (1/160-164) و«التدريب» (1/214) وما بعدها. وقد ذكر الحافظ في «النكت» (2/591-593) أن شيخه أي العراقي -، نقل عن أبن المواق تحرير ذلك، واتفاق المحدثين على الحكم بانقطاع ما هذا سبيله، قال: وهو كما قال، لكن في نقل الاتفاق نظر، ونقل كلاماً لابن عبدالبر يشير إلى الاختلاف في ذلك، ثم قال: قلت: وهذا وإن كنا لا نسلمه لأبي عمر -، فإنه يخدش في نقل الاتفاق. ([1])

ثم نقل الحافظ عن ابن خزيمة ما يدل على انقطاع ما كان من هذا الباب، اهـ ملخصاً.

وخلاصة القول في هذه المسألة الثانية: أن الراوي غير الصحابي إذا قال: إنَّ فلاناً قال كذا، وكان ما حكاه لم يشهده، فالراجح في ذلك الحكم بعدم الاتصال، وإن لم يكن الراوي مدلساً، لأنَّه لم يُسند ذلك إلى من فوقه، ولم يشهد وقوع ما حكى عن شيخه، كما قال الحافظ العراقي يرحمه الله -.

إلا إذا ظهرت قرينة تدل على الاتصال، كأن يأتي الحديث من طريق أُخرى محفوظة، بإسناد ذلك إلى الشيخ أو ما يدل على أنَّ الراوي تسامح في التعبير عند روايته، ولم يحرر عبارته، كما قال أحمد والإسماعيلي، أو يكون الراوي مشهوراً بالرواية عن شيخه، كما قال ابن رجب يرحمه الله مع الحاجة لمزيد تحرير له -، أو يخرج الحديث كذلك البخاري أو مسلم، ولم ينتقد عليهما أو أحدهما في ذلك، فإنه يُحمل في هذه الحالة على ظهور قرينة لهما أو أحدهما تدل على الاتصال، أما هذه الصيغة المجردة بالشرط السابق فلا تدل على الاتصال والله أعلم.

(تنبيه):

قد ترد صيغة «عن» في غير السماع، بل وفي غير الاتصال أو الرواية أصلاً، انظر «شرح علل الترمذي» لابن رجب (2/603)، و«التبصرة والتذكرة» للعراقي (1/165-167) (172-173)، و«النكت» (2/586) وما بعدها، و«توضيح الأفكار» (1/336-337).



([1]) وأشار المعلمي – يرحمه الله – إلى الخلاف في ذلك، كما في «التنكيل» (ص:274) في نهاية القسم اللآول في القواعد.