الراوي إذا كان مدلساً، وروى عن شيخ قد لازمه، وأكثر عنه، هل يزيل ذلك علة تدليسه وإن عنعن أم لا؟

سبق شيء من هذا في أسئلة أخرى

فأقول: المدلس إذا لازم الشيخ وأكثر عنه مع ثقته وتيقظه فالفرض أنَّ قد استوعب حديث شيخه وعرفه وميزه من حديث غيره، فإذا سمع أحداً يحدث عن شيخه حديثاً لا يعرفه؛ استنكره، بل وربّما كذَّب راويه.

فإذا روى الحديث عن شيخه بصيغة محتملة، فهو أحد أمرين:

أمّا أن يكون قد سمعه من شيخه، وفي هذه الحالة فلا إشكال.

وإمّا أن يكون قد سمعه من غيره عن شيخه، وهو يعلم أنه من حديث شيخه؛ لأنَّ الفرض معرفته لحديث شيخه؛ فإن حدث به عن شيخه بدون واسطة، فلا يضر الحديث؛ لأنَّ القصد من معرفة ثقة الواسطة؛ ثبوت الحديث للشيخ، وقد كفانا ذلك تلميذه بنسبته الحديث إلى شيخه، فدينه ومعرفته يمنعانه من نسبة الحديث المكذوب على شيخه إلى شيخه.

وقد قال العلامة المعلمي يرحمه الله في «التنكيل» (ص:865) في المسألة الرابعة عشر من المسائل الفقهية: وهذا ابن جريج أعلم أصحاب عطاء، وألزمهم له، جاء عنه أنه قال: لزمت عطاء سبع عشرة سنة، وقال: جالست عمرو بن دينار بعدما فرغت من عطاء،             وكان يدلس عن غير عطاء، فأما من عطاء لا، قال: إذا قلت: «قال عطاء»، فأما سمعته منه، وإن لم أقل: «سمعت».

قال: وإنما هذا لأنه كان يرى أنه قد استوعب ما عند عطاء، فإذا سمع رجلاً يخبر عن عطاء بما لم يسمعه منه، رأى أنه كذب، فلم يستحل أن يحكيه عن عطاء، وهذا كما قال أبو إسحاق: قال أبو صالح ذكوان وعبدالرحمن بن هرمز الأعرج: ليس أحد يحدث عن أبي هريرة، إلا علمنا أصادق هو أم كاذب، يريدان أنه إذا حدث عن أبي هريرة بما لم يسمعاه عنه، علماً أنه كاذب، لإحاطتهما بحديث أبي هريرة، وقال الإمام أحمد، ابن جريج أثبت الناس في عطاء...، اهـ.

وقد جاء في «تهذيب التهذيب» (6/406) ترجمة عبدالملك بن عبدالعزيز بن جريج، أن أبا بكر بن أبي خيثمة قال: حدثنا إبراهيم بن عرعرة عن يحيى بن سعيد عن ابن جريج قال: إذا قلت: «قال عطاء»، فأنا سمعته منه، وإن لم أقل: «سمعت».

وقد صحح شيخنا الألباني حفظه الله هذا السند في «الإرواء» (3/97/629)، ثم قال: فهذا نص منه: أن عدم تصريحه بالسماع من عطاء، ليس معناه أنَّه قد دلسه عنه، ولكن هل ذلك خاص بقوله: «قال عطاء»، أم لا فرق بينه وبين ما لو قال: «عن عطاء»؟ ثم قال: الذي يظهر لي الثاني، وعلى هذا: فكل روايات ابن جريج عن عطاء محمولة على السماع، إلا ما تبين تدليسه فيه، والله أعلم، اهـ.

وبنحو ذلك قال حفظه الله في «الصحيحة» (1/52/36) في حديث: «الأذنان من الرأس».

قلت: النفس إلى ما ذكره المعلمي يرحمه الله تميل، وإن كان هناك احتمال: أن المكثر عن شيخ وإن طالت ملازمته إياه، قد يفوته بعض الحديث من حديث شيخه، لكنه احتمال نادر، والنادر لا يُعَوَّل عليه، إلا إذا ظهرت قرينة تدل على النكارة في الحديث.

وقد أشار الحافظ الذهبي إلى هذا المعنى الذي دندن حوله العلامة المعلمي يرحمه الله -، فقال في «الميزان» (2/224) ترجمة سليمان بن مهران الأعمش: وهو يدلس، وربما دلس عن ضعيف، ولا يدري به، فمتى قال: «حدثنا» فلا كلام، ومتى قال: «عن» تطرّق إليه احتمال التدليس، إلا في شيوخ له أكثر عنهم: كإبراهيم وأبي وائل وأبي صالح السمان، فإنَّ روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتصال، اهـ.

وقد صحح الحافظ لابن جريج عن عطاء، كما في «نتائج الأفكار» (2/149-150) في المجلس، (150) مع أن ابن جريج قال: «عن عطاء».

وذهب  أخونا الفاضل الشيخ أبو إسحاق الحويني في «النافلة» (ص:29-30) برقم (108) إلى أن ابن جريج يُمَشَّى قولُه: إذا قال: قال عطاء، أما إذا أتى بصيغة محتملة أُخرى فلا، واستدل بأن المدلس إنما توزن أقواله وألفاظه أي ولا يقاس على أقواله.

والراجح عندي ما تقدم، لما قاله الذهبي والمعلمي يرحمهما الله تعالى -، ولأن الظاهر من كلام ابن جريج أنه يريد أن يقول: لا يلزمني أن أقوال: سمعت عطاءً، بل لو قلت لكم: «قال عطاء» وهذا على سبيل المثال لا الحصر فهو مما سمعته منه، إذ لو كان قد كتم نية أُخرى، وهي التفرقة بين «قال» وغيرها من الصيغ المحتملة، لكان مدلساً موهماً أيضاً في هذا القول، وهو خلاف الظاهر لمن تأمل.

ولو لم يقل ابن جريج ما قال؛ لكان في كلام الذهبي والمعلمي كفاية في قبول رواية ابن جريج عن عطاء مطلقاً، ما لم تظهر نكارة في الحديث، والله أعلم.

وقد يُستدل لأخينا الحويني سلمه الله بما قال الخطيب يرحمه الله في تفرقة الأئمة بين «عن» و«قال» عن المدلسين، فجعلوا «عن» أكثر في استعمال المدلسين من «قال» انظر «تغليق التعليق» (2/9) و«النكت» (2/601-602) و«هدى الساري» (ص:17) الفصل الرابع إلا أن الراجح ما قد تقدم، والعلم عند الله تعالى -.