هل يُستشهد برواية المجهول والمبهم أم لا؟

المجهول: هو الذي لم يُجرَّح ولم يُعدَّل، وله أقسام: فمنه مجهول العين، ومنه مجهول الحال، والمستور.

وتقوية كثير من العلماء لحديث مجهول الحال والمستور مشهورة، وأما مجهول العين، الذي ما روى عنه إلا راوٍ واحدٌ ليس بشديد الجرح على المشهور فقد صرح الدارقطني يرحمه الله بأ،ه يعتبر به، فقال في «سننه» (3/174) عند الحديث (226):

وأهل العلم بالحديث لا يحتجون بخبر ينفرد بروايته رجل غير معروف، وإنما يثبت العلم عندهم بالخبر إذا كان (راويه) عدلاً مشهوراً، أو رجل قد ارتفع، اسم الجهالة عنه، وارتفاع اسم الجهالة عنه: أن يروي عنه رجلان فصاعداً، فإذا كان هذه صفته؛ ارتفع عنه اسم الجهالة، وصار حينئذ معروفاً، فأما من لم يرو عنه إلا رجل واحد، وانفرد بخبر، وجب التوقف عن خبره ذلك، حتى يوافقه غيره، والله أعلم، اهـ، وقد ذكر يرحمه الله ذلك في رجل في طبقة التابعين.

وما ذكره الإمام الدارقطني يرحمه الله من كون الراوي يكون معروفاً برواية رجلين عنه، ويرتفع عنه اسم الجهالة: فيه تفصيل، قد بيَّنه الإمام ابن رجب يرحمه تعالى في «شرح علل الترمذي» (1/81-85)، فارجع إليه، وأما اعتماده على رواية من هذه صفته، فقد خالف فيه كثيراً من أهل العلم، فإن مجرد رواية العدلي نفأ:ثر عن أحد الرواة؛ لا يلزم منها قبول روايته، واعتباره عدلاً وإن عُرفت عينه -، والشاهد من كلامه يرحمه الله قوله: «فأما من لم يرو عنه إلا رجل واحد.....» إلخ.

لكن إذا عُلم أن تلميذ المجهول ممن يروي عن التالفين الساقطين، ففي النفس شيء من الاستشهاد به، لا سيما إذا كان الشاهد له مجهول عين، انفرد بالرواية عنه من يروي عن المتروكين أيضاً، لأنَّ الراوي إذا انفرد بالرواية عنه من يأخذ عن كل أحد، ازداد توغلاً في الجهالة، فإذا انضم إلى ذلك نكارة في السند أو المتن، ترجح الظن بعدم الاستشهاد بما كان هذا سبيله، والله أعلم.

والمبهم: هو الذي لم يُسَمَّ، كقول الراوي: حدثني رجل، أو حدثني شيخ، أو نحو ذلك.

وقد استشهد الحافظ بالمجهول والمبهم، في مواضع كثيرة من كتبه، انظر: «نتائج الأفكار» (1/137) المجلس رقم (26)، (1/142-146-27،28) (1/179/34)، (2/48-49/123)، (2/112/139) وانظر «الإرواء» (2/55/342) و«الصحيحة» (2/228/635)، (2/384/748).

وقد قيَّد الشيخ بكر أبو زيد حفظه الله وسلمه الاستشهاد بالمبهم بكونه من القرون المشهود لها بالخير، قال: هذا عند بعضهم، وهو وجيه، اهـ من «التأصيل» (1/186). وهو كذلك، إلا إذا عُلم من حال من أبْهم أنَّه مشهور بالرواية عن المجروحين المتروكين، فذلك مما لا تطمئن معه النفس للاعتضاد به، وكذلك تقبل رواية المبهم إذا شهد له مبهم آخر، وظهر من السياق اختلاف المخرج، كأن يروي التابعي عن رجل عن صحابي، ويروي تابعي آخر، عن رجل عن صحابي آخر.

فالنفس تميل إلى الاستشهاد بما هذا سبيله، وإن كان من الممكن أن يكون المبهم عندهما واحداً، وهذه الصورة أقوى في النفس من رواية تابعين؛ كل منهما عن رجل عن صحابي واحد، فإن اختلفت طبقة المبهم أو المجهول فهو أولى بالقبول، وليس ذلك بشرط، حسب ما رأيت من صنيع العلماء الذين عزوت إلى مواضع من كتبهم بذلك.

هذا ما ترجح لي على ما في النفس من حرج والله أعلم -.