وقد يستدل بعضهم على جواز اغتيال بعض من دخل بلاد المسلمين من الكفار، دون الرجوع إلى وليّ الأمر، بما أخرجه أبو داود والنسائي وغيرهما ([1]) من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما  - أن أعمى كانت له أم ولد، تشتم النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وتقع فيه، فينهاها؛ فلا تنتهي، ويزجرها؛ فلا تنـزجر، فلما كانت ذات ليلة، جعلتْ تقع فيه - أي: في النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وتشتمه، فأخذ - أي: الأعمى- المِغْول، ووضعه في بطنها، واتكأ عليها، فقتلها، فوقع بين رجليها  طفل، فلطخت ما هناك بالدم، فلما أصبح؛ ذُكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فجمع الناس، فقال: ((أُنْشِد الله رجلا، فعل ما  فعل، لي عليه حق؛ إلا قام)) فقام الأعمى يتخطى الناس ، وهو يتزلزل، حتى قعد بين يدي النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فقال: يارسول الله، أنا صاحبها، كانت تشتمك، وتقع فيك، فأنهاها؛ فلا تنتهي، وأزجرها؛ فلا تنـزجر، ولي منها اثنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلما كانت البارحة، جعلت تشتمك، وتقع فيك، فأخذتُ المِغْول، فوضَعْتُه في بطنها، واتكأْتُ عليها، حتى قتلتها، فقال النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((ألا اشهدوا أن دمها هدر )).اهـ.

قالوا: فهذا الأعمى قتلها لِسَبِّها رسولَ الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ولم ينكر عليه رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ذلك، ونحن نرى أن كثيرًا ممن دخل بلاد المسلمين من هؤلاء؛ يضرُّ ببلادنا أكثر من ضرر هذه الأَمَة، فلماذا تنكرون علينا قتلهم، وتوجبون علينا إرجاع أمرهم إلى ولاة الأمور ؟!

والجواب على ذلك من وجوه - إن شاء  الله تعالى -:

الأول: من المعلوم أن القاضي لا يقضي إلا بالبينة - لاسيما في الدماء - وفي هذه القصة قَبِلَ النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قول الأعمى - مع كونه قاتلًا - وعمل به، وأهدر دم هذه الأَمَة، فهذا حكم خاص بالنبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأنه يجوز له أن يقضي بعلمه، دون الرجوع إلى البينات - بخلاف القضاة - ولا يكون ذلك إلا بوحْي من الله عز وجل له - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.

وقد قال السندي في تعليقه على ((سنن النسائي))([2]):((ولعله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- علم بالوحي صِدْقَ قوله)).اهـ.

فإن قيل: هذا تخصيص للحديث دون مخصوص.

فالجواب: يُخَصِّص ذلك قول النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((لو يُعطَى الناس بدعواهم؛ لادَّعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المُدَّعَى عليه))([3]) فهذا الحديث يدل على أن العبرة ليست بمجرد الدعوى.

وقد قال - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم  أن يكون ألحن بالحجة من بعض؛ فأقضي له...)) الحديث ([4])

وهذا يدل على أن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-كان يقضي بين الناس بالبينات، وقد يقضي بعلمه أحيانا، وهذا من خصائصه - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وليس ذلك لغيره على الراجح من أقوال أهل العلم.

الثاني: مما يدل على أن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يكن مُرِّخِّصًا لآحاد الناس بقتل من استحق القتل: أن الأعمى قام يتخطى الناس، وهو يتزلزل، أي كان خائفًا من فعله، وفي رواية: ((يتدلدل)) أي يضطرب في مشيه، فلو كان الأعمى يعلم أنه مرَّخص له في فعله  هذا؛ لما خاف من عاقبة ذلك، ولما خشي من سخط النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.

وأيضًا: فالأعمى لم يأت معترفًا بفِعْلِهِ ابتداءً، بل جلس مع من جلس، ولم يقم مُخْبرًا بفعله إلا بعد أن وعظ الرسول- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الناس بقوله: ((أُنْشِدُ اللهَ رجلًا، فَعَل ما فَعَل، لي عليه حق؛ إلا قام)) فهذا يدل على أن الأعمى كان يعلم أنه ليس مرخَّصًا له في ذلك.

الثالث: لو سلمنا بضعف ما سبق؛ فالأعمى يرى أن هذه أم ولده، وأن السيد يجوز له - في نظره- أن يقتل جاريته إذا ارتكبتْ ما يوجب الحد، ومع كون هذا مرجوحًا بما سبق؛ فأنتم لستم بولاة أمر، ولا سادة لمن تقتلونه من المسلمين وغيرهم!!

الرابع: لو سلمنا بأن هذا الحكم جائز لآحاد الناس؛ فلا شك أن ذلك يكون كذلك إذا لم يؤدِّ إلى مفسدة أكبر، والواقع بخلاف هذا، فإن قتل المعاهَدين من آحاد الرعية - لو سلمنا جدلا بجوازه - يؤدي إلى مفاسد عظيمة، والواقع أكبر شاهد على أنكم لا تقتصرون على قتل المسلمين وغيرهم، بل تقتلون أنفسكم أيضًا ! فأين الدليل، وأين الدعوى ؟! والله المستعان!!

( تنبيـه ): أصحاب هذه الأفكار إذا عجز الواحد منهم عن تحقيق مراده؛ فإنه يبادر بقتل نفسه، وقتل إخوانه المشاركين معه إن أمكن؛ خشية أن يُقْبض عليهم، ويتعرضَوا لما يفضي إلى إفشاء سرِّهم، فجمعوا في ذلك عددًا من الجرائم، وهذه عاقبة من ترك منهج العلماء، ولقَّط دينه من هنا وهناك، فنعوذ بالله من خاتمة السوء!!



([1]) أبو داود (4361) والنسائي (4070) وانظر التخريج في كتابي ((كشف الغمة بيان خصائص رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- والأمة))ص (234) وسنده صحيح.

([2]) (4/108) ط. دار الفكر.

([3]) أخرجه البخاري في ((صحيحه)) برقم (4552) و مسلم في ((صحيحه)) برقم (1711) وانظر  زيادة: ((البينة على المدَّعي)) والكلام عنها في ((إرواء الغليل)) برقم (4261).

([4]) أخرجه البخاري في ((صحيحه)) (6967) ومسلم في ((صحيحه(( (1713).