فإن قيل: إن المستفيد من بيانكم لهذه الأخطاء التي عندنا: هم الحكام الظلمة، وأنتم تتزلفون لهم بذلك، وليس الوقت مناسبًا لبيان هذه الأخطاء!!

فالجواب: هذا الكلام منكم حسب فهمكم القاصر، والذي ينطلق من سوء الظن بمخالفكم - وإن كان في علم أحمد أوتُقَى سفيان - فترمونه بأنه عميل، أوجاسوس، وأنه متزلِّف لفلان أو لفلان... ونحو ذلك، كما أن كلامكم منطلق من عاطفة جياشة، لا من قواعد أهل العلم.

فاحذر - أيها الراغب في النجاة - من الجمع بين الجهل والظلم، وقد قال تعالى:
) وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا (([1])والله المستعان.

ثم إذا كنتم قد عرفتم - أيها الشباب خطأكم؛ فلماذا لا تعلنون توبتكم ؟! فلقد كان هذا أهدى سبيلًا، وأقوم قيلا، وكان ذلك خيرًا لكم وللمسلمين من طلبكم السكوت عن بيان أخطائكم التي قد ملأت آثارها السيئةُ السهل والجبل، مع أن هذا البيان ليس فيه إجحاف لكم، ولاتهور في الحكم عليكم، والله المستعان!!  

وعلى كل حال: فالبيان - لهذه الأخطاء - من علماء السنة ودعاتها وطلاب العلم يُراد به أمور، منها:

1ـــ براءة الذمة ببيان الحق للناس، فإن الله - عز  وجل   - قد حَذَّر من مغبة تضييع ذلك، فقال: ) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ (([2])، وقال سبحانه: ) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ (([3]) وقوله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((مَنْ سُئل عن علم فكتمه؛ ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار))([4]) فالأمر دين، فإذا تحققت المصلحة العظمى من البيان؛ وجب القيام به، دون وكْس ولا شطط، والله أعلم.

2 ـــ النصح للمخالف، وإزالة الشبهة عن قلبه، فالقلوب ضعيفة، والشبهات خطّافة، ومن أزال شبهة عن قلب مؤمن؛ فقد نفَّس عنه كُربة من كُرب الدنيا، وأزاح عنه بلاءً، ولا يخفى ثواب من كان كذلك - إذا صدق الله عزوجل في ذلك -.

ومعلوم أن أقرب سبيل لذلك: الإنصاف للمخالف، وسرد الأدلة الدالة على الحق، والتلطف ما أمكن في العبارات، دون مجاملة في بيان حقيقة المخالف، وهذا ما أرجو أنني قد قمت به، وما أبرئ نفسي من التقصير، فاللهم غفرانك.

3 ـــ الدفاع عن السنة ومنهج السلف الصالح، فيُذَبُّ عن السنة ما ليس منها، فتظهر السنة في بهائها وجمالها، بخلاف ما إذا سكت العلماء، وتكلم الحدثاء، فعند ذلك يُوَسَّد الأمر إلى غير أهله، وإذا كان ذلك كذلك؛ فانتظِرِ الساعة،كما أخبر المصطفى - صلوات ربي وسلامه عليه -.

4 ـــ حماية المتمسكين بالسنة من دخول الشبهات عليهم، وصيانتهم من هذه الأفكار المنحرفة، والتي عجَّتْ بها الساحة!!

5 ـــ لزوم طريقة العلماء في الذب عن الدين بالحكمة والموعظة  الحسنة - وإن سخط الناس - واحتساب ذلك عند الله سبحانه.

6 ـــ الدفاع عن علماء الدعوة، وبيان صحة مذهبهم، وسلامة طريقتهم، واعتدال منهجهم،لاسيما في زمن كثر فيه الجفاة عنهم، واختلفت مشاربهم - أصلحنا الله وإياهم -.

7 ـــ لو سلمنا بأن جميع مخالفيكم غير مخلصين في بيان أخطائكم!! فهذه أدلتهم - حسب علمي - فما هو جوابكم عنها، سواء كانوا مخلصين أم لا ؟ ودَعُوكم من نِيَّتِهم، فهذا بينهم وبين بارئهم!! ألم يُجِبِ السلف عن أدلة مخالفيهم دون النظر إلى نياتهم ؟! إن هذا الأسلوب الذي تسلكونه؛ ليس أسلوب أهل العلم، إنما هو أسلوب من ينقاد وراء العواطف، ويتكئ على اتهام الآخرين في نياتهم!! فاتركوا نية مخالفكم وراء النجم، وأجيبوا على أدلتهم!!  

وإن تعجب فعجب بعد سرد هذه المقاصد الشرعية في بيان الأخطاء الخلفية؛ أن تجد من تضيق عليه المخارج الصحيحة، ولا يجد - لسوء ظنه - إلا اتهام العلماء وطلاب العلم؛ بأنهم ما ردوا عليه أو على طائفته؛ إلا تزلُّفًا لفلان أو لفلان!!

فهل يغيب عن هذا المتقوِّل على عباد الله بالباطل: أن أهل السنة لم يُفْتُوا بما يُرضي الحكام في عدة أمور؛ عندما وجدوها تخالف النص الصريح ؟! وهل يفوت هذا المتقوِّل أن من أراد الدنيا؛ علم كيف يأتي أبوابها من غير طريق العلم ؟! فإن يحيى بن معين رأى طالب علم قد غدَا في طلب الحديث، ومعه محبرة وقلم، فقال له: بَشِّرْ أهلك بالإفلاس؛ وذلك لأن أهل الحديث يرون طلب العلم أحب إليهم من كراسي المسؤولين!! كما أنه يغلب على أهل الحديث الفقر لعدم اشتغالهم بأسباب التوسع في الدنيا، اشتغالًا بالعلم وتحصيله والدعوة إلى الله تعالى، مع أن الله - عز  وجل   - لو بسط لهم في الرزق؛ لما كان هذا حرامًا ولا مخالفًا للسنة، وقد كان من المحدثين من هو كذلك، فإلى الله المشتكى!!

هذا، مع عِلْم كثير من الذين يتهمون العلماء وطلاب العلم بالنفاق والتزلف: بأنهم وأصحابهم أقرب إلى الحكام منّا، وأنهم يظفرون بكثير مما يريدون منهم، ونحن - في حالات كثيرة - ما سَلِمْنا من جور الحكام وظلمهم!! لكن الأمر دين، ونعوذ بالله أن نكون ممن قال الله فيهم: ) وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (([5])!!

فقد وجدنا مَنْ إذا أُعْطِي من عَرَض الدنيا وزارة أو إدارة أو غير   ذلك؛ مدح الحكام!! فإذا مُنِع من ذلك؛ أعلن تكفيرهم، وأسهب في ذكر مثالبهم، ودندن حول الجهاد في سبيل الله، وشنَّع وجدَّع في المجامع العامة والخاصة!! 

ولو نظرنا في الوظائف الرفيعة، والمكانات العالية، والتجارات الرائجة في كثير من المجتمعات، وكذا لو نظرنا في الإمكانيات المادية، والوسائل العصرية... إلى غير ذلك مما يتزلف الناس للحكام من أجله؛ لرأينا طلاب العلم المتبعين لمنهج السلف - في أكثر البلدان - أقل الجماعات حظًّا في ذلك، وأبعدهم منـزلة من هذه الأمور - مع أن ذلك لو تيسر لهم؛ لما كان حرامًا عليهم، فالمهم استعمال النعم في طاعة الله، لا استعمال طاعة الله للظَّفَر بِعَرَضِ الدنيا - ومع كون علماء السلفيين أقل الناس حظًّا مما في أيدي الحكام في معظم البلدان؛ إلا أن القوم لا يرعوون عن اتهام أهل السنة بالقبائح والشنائع، ومن ساءت فعاله ساءت ظنونه!! فما علينا إلا المضيّ في طريق الحق، ولنا عِظَةٌ وعِبْرَةٌ بسلفنا، فقد قيل فيهم: جبناء، كما قال الخوارج لأبي مجلز السدوسي، وقيل فيهم: لا يفقهون الواقع، كما قيل قديمًا:

إن تَسْأَلـوا عن مذهبي لم أَبُحْ بـه      وأكتـمه كتـمانه  لِيَ أسـلم

فـإن حنفـيًّا قلـت قالوا بأنـني      أُبيح الطِّلا وَهْوَ الشراب المحـرّم

وإن مـالكيًّا قلت  قالوا بأنــني       أُبيح لهم لَحْم الكلاب وهُمْ  هُمُ

وإن شافعـيًّا قلـت قالوا  بأنـني      أُبيح نكاح البنتِ والبنتُ تَحْـرم

وإن حنبليًّا قـلت قالـوا  بأنـني      بغيض حلــولي ثقيل مُجَسِّـمُ

وإن قلت من أهل الحديث وحِـزْبه     يقولون تَيْس ليس يدري ويفهـم

تعحبت من هذا الزمان  وأهلــه      فما أحَدٌ من ألسن الناس يسلـم

وعلى كل حال: فأين آثار من اتهم أهل السنة بذلك، من آثار أهل السنة في الأمة سلفًا وخلفًا ؟!

ولقد جرَّبْنا كثيرًا من المفلسين العاجزين في ميدان الحجج والبراهين؛ يُعَوِّلون - بكثرة - على الطعن في نية المخالف، ورميه باللَّهث وراء الدنيا، والتزلّف لفلان أو لفلان، ونحو ذلك، وما أشبه هذا بما قيل:   ((رمتني بدائها وانْسلَّتْ))!!  

فامضوا يا أهل الحديث على طريق سلفكم، فلكل خلف سلف، ولكل سلف خلف، وعند الله تجتمع الخصوم، والله تعالى أعلم وأحكم.



([1]) [ الأحزاب: 72 ].

([2]) [ آل عمران: 187 ].

([3]) [ البقرة: 159 ].

([4]) وهو حديث صحيح عند ابن ماجه برقم (264) وغيره.

([5]) [ البقرة: 58 ].