طباعة

هـل ثبت ذِكْر آية الكرسي في أذكار الصباح والمساء؟؟

Posted in الأسئلة الحديثية

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين، فهذا بداية بحث في أذكار الصباح والمساء، ويُنشر من ذلك ما تم تبييضه أولاً بأول -إن شاء الله تعالى-

(هل ثبت ذِكْر آية الكرسي في أذكار الصباح والمساء)؟

عن أُبَـيّ بن كعب –رضي الله عنه- أنه كان لهم جُرْنٌ فيه تمر، وكان يتعاهده، فوجده ينقص، فحرسه، فإذا هو بدابَّةٍ تشبه الغلام المحتلم، قال: فسلَّمتُ فرَدَّ السلام، فقلت: مَنْ أنت: أَجِنٌّ أم إنس؟ قال: جِـنٌّ، قال: فناوِلْني يدك، فناوَلني يده، فإذا يدُ كَلْبٍ وشَعْر كَلْب، قال: هكذا خَلْق الجن؟ قال: لقد علمتِ الجنُّ ما فيهم أشدّ مني، قال له أُبَيّ: ما حملكَ على ما صنعتَ؟ قال: بلغنا أنك رجل تحب الصدقة، فأحبَبْنا أن نصيب من طعامك، قال أُبيّ: فما الذي يجيرنا منكم؟ - وفي رواية: فما الذي يحرزنا منكم؟- قال: هذه الآية، آية الكرسي، ثم غدا أُبَيٌّ إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأخبره، فقال: "صَدَق الخبيث".

-هذا الحديث هكذا، دون تصريح بأن آية الكرسي تُقرأ في أذكار الصباح والمساء، قد رواه كذلك: النسائي في "الكبرى" (6/239/برقم10796) وفي "عمل اليوم والليلة" برقم (960) وابن حبان (3/63/برقم784) والبخاري في "التاريخ الكبير" (1/28) والحارث في "مسنده" كما في "بُغية الباحث عن زوائد مسند الحارث" للهيثمي (2/952/برقم1051) وكما في "إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة" للبوصيري (8/45/برقم7591) وأبو الشيخ الأصبهاني في "العظمة" (5/1650/برقم1092) وأبو نعيم في "دلائل النبوة" (2/765-766/برقم544) والبيهقي في "دلائل النبوة" (7/108-109) والبغوي في "شرح السنة" (4/462-463/برقم1197) كلهم من طريق الأوزاعي ثنا يحيى بن أبي كثير ثني ابن أُبَيٍّ أن أباه أخبره أنه كان لهم جُرْن...... فذكره.
رواه عن الأوزاعي هكذا: مبشر بن إسماعيل، وهو صدوق، والوليد بن مسلم، وهو ثقة، والوليد بن مزيد، وهو ثقة ثبت، وهقل بن زياد كاتب الأوزاعي، وهو ثقة.
كلهم قالوا: (ابن أبي بن كعب أن أباه أخبره) هكذا ولم يسموا هذا الابن، وقال ابن حبان بعد إخراجه الحديث في (3/65/برقم784): "اسم ابن أُبيّ هو الطفيل بن أُبي بن كعب" اهـ وسيأتي أن هناك من الرواة من سمَّاه محمد بن أُبي، ولم أقف على من سماه بالطفيل، ولذا تعقبه المقدسي في "الأحاديث المختارة" فقال: "والذي عندي أن هذا القول وهم من أبي حاتم ابن حبان – والله أعلم- فإن هذا الحديث لم نجده من رواية الطفيل بن أُبي عن أبيه، وإنما وجدناه من رواية محمد بن أُبي" اهـ.
وإذا رجحنا أنه محمد بن أبي؛ فقد وثقه ابن سعد وابن حبان، وكانت له رؤية، فحديثه مما يُحتج به.

- لكن يَرِد إشكالان: الأول من جهة السند، والثاني من جهة المتن:
أما الذي من جهة المتن؛ فليس في هذه الطريق ذِكْر الصباح والمساء، إنما هو ذِكْر عام يحفظ الله به من قاله، وهكذا كل روايات الأوزاعي في هذا الحديث، ليس فيها ذكر الصباح والمساء.
وأما الذي من جهة السند: فقد جاءتْ روايات أخرى فيها أن الرواي عن أُبَيٍّ هو ابنه عبد الله، والرواي عن عبد الله هو عبدة بن أبي لبابة:
فقد أخرج ابن أبي الدنيا في "هواتف الجن" (صـ136-137/برقم174): ثني الحسن بن الصبَّاح ثنا مبشِّر بن إسماعيل عن الأوزاعي عن عبدة بن أبي لبابة عن عبدالله بن أُبي بن كعب أن أباه أخبره أنه كان له جُرْن فيه تمر...... فذكره، وبدون ذِكْر الصباح والمساء أيضًا.
ولو نظرنا في تلامذة مبشِّر بن إسماعيل: وجدنا الذي روى عنه الرواية الأولى بدون تسمية الابن: هو عبد الحميد بن سعيد، وهو لا بأس به، والذين رووه عنه بتسمية الابن عبد الله اختلفوا: فمنهم من رواه بذكر عبد الله، والرواي عنه عبدة بن أبي لبابة لا يحيى بن أبي كثير، وهذا الراوي هو الحسن بن الصبَّاح، وهو صدوق يهم، فعبد الحميد أحسن حالاً منه، إلا أن الحسن بن الصبَّاح قد توبع من أحمد بن إبراهيم الدورقي –أحد الحفاظ- بذكر عبدة وتسمية الابن عبد الله، لكنه جعل الرواي عن عبدة بن أبي لُبابة يحيى بن أبي كثير، أخرجه أبو يعلى الموصلي: أحمد بن إبراهيم الدورقي ثنا مبشر عن الأوزاعي عن يحي بن أبي كثير عن عبدة بن أبي لبابة عن عبد الله بن أُبي بن كعب أن أباه أخبره أنه كان له جرين فيه تمر، فذكره بتمامه، انظر "إتحاف الخيرة المهرة" (8/37/برقم7592) ومن طريق أبي يعلى أخرجه المقدسي في "المختارة" (4/37/برقم1262) وذكر الحافظ في "النكت الظراف على تحفة الأشراف" (1/38) إخراج أبي يعلى له في "مسنده الكبير" عن الدورقي.
فبهذا يكون الراجح عن مبشر بن إسماعيل رواية الحديث عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن عبدة عن عبد الله بن أبي عن أبيه، أي بإدخال عبدة بن أبي لبابة بين يحيى بن أبي كثير وعبد الله بن أُبَيِّ بن كعب، إلا أن مبشر بن إسماعيل نفسه ليس في درجة هقل والوليدين الذين رَوَوْا الحديث عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير، وفيه: (ثني ابن أُبي أن أباه أخبره) فمبشر بن إسماعيل نفسه "صدوق" فقط، وقد خالفه الثقات، ويحيى وإن كان مدلسًا إلا أنه صرح هنا بالتحديث عن ابن أبي بن كعب، فلو رجحنا رواية الجماعة عن الأوزاعي جعلْنا رواية مبشر هذه شاذة، وليس مبشر في منزلة من يُقبل منه الحديث هنا على الوجهين، والله أعلم.
- ومن الإشكالات التي في السند أيضًا: ما رواه النسائي في "الكبرى" (6/239/برقم1079) وفي "عمل اليوم والليلة" برقم (961): أنا أبو داود الطيالسي ثنا معاذ بن هانئ ثنا حرب بن شداد ثني يحيى ثنا الحضرمي بن لاحق التميمي ثني محمد بن أبي بن كعب، قال: كان لجدي جُرْن من تمر..... فذكره، وفيه: إذا قُلْتَها حين تُصبح؛ أُجِرتَ منا إلى أن تمسي، وإذا قلْتَها حين تُمسي، أُجِرْتَ منا إلى أن تصبح، فغدا أبي إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأخبره خبره، قال: "صَدَق الخبيث".
فقول محمد بن أبي بن كعب: (كان لجدِّي جُرْن من تمر) وقوله في آخر الحديث: (فغدا أبي إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم) فيه إشكالان:
الأول: أننا حملنا الكلام على ظاهره، وأن الجَدَّ جدُّ محمد بن أبي بن كعب؛ فهو كعب بن قيس، ولم يذكره أحد في الصحابة، ولا يُعرف إسلامه، ولا يُتصور إبقاؤه على شركه في المدينة، فإن كان المراد أن محمدًا هذا هو حفيد أبي بن كعب – كما سيأتي بعد ذلك- فسيأتي الكلام عليه هناك إن شاء الله تعالى.
الثاني: أن قوله: (فغدا أبي) هل المراد من ذلك: فغدا أُبَيّ أي أُبَيّ بن كعب؟ وسواء كان أبًا أو جَدًّا، أم المراد: فغدا أَبي" وهو أُبيّ ليسأل عما وقع في جرن أبيه كعب بن قيس؟ لكن هذا بعيد إذ لو كان والد أُبي مسلمًا لذُكر في الصحابة، ولو كان كافرًا لما أقره أحد على بقائه على الشرك بينهم، وأستبعد أن يكون المراد والد عمرًا والد محمد، لأنه ليس بصحابي، فالراجح الاحتمال الأول، والله أعلم.
وهذا سند فيه معاذ بن هانئ، وهو ممن يهم، وحرب بن شداد ثقة، والحضرمي لا بأس به.
- ومن نظر فيما سبق وما سيأتي وجد أن هناك خلافًا على الطيالسي: فقد رواه النسائي عنه بالوجه السابق، ورواه هارون بن عبد الله عن الطيالسي ثنا حرب بن شداد – دون ذِكْر معاذ بن هانئ- عن يحيى بن أبي كثير ثني الحضرمي بن لاحق عن محمد بن عمرو بن أُبي بن كعب عن جَدِّه أُبَيّ، أنه كان له جَرين تمر.....فذكره، وفيه ذكر الصباح والمساء.
أخرجه كذلك الحاكم في "المستدرك" (1/561-562) ومن طريقه البيهقي في "الدلائل" (7/109) والبخاري مختصرًا في "التاريخ الكبير" (1/27) وفيه: (محمد بن أبي قال: كان لجدي – يعني أُبيًّا- جرين من تمر) والمروزي كما في "مختصر قيام الليل" (صـ166-167) كما رواه البخاري، والشاشي في "مسنده" (3/338/برقم 1449) لكن دون ذكر الصباح والمساء، ورواه ابن عبد البر في "التمهيد" (16/269-270) لكن بذكر معاذ بن هانئ بين الطيالسي وحرب بن شداد، والتصريح بأن الرواي محمد بن أبي بن كعب، كما رواه البخاري، وأخرجه المقدسي في "المختارة" (4/34-35/برقم1261).
ومن تأمل هذه المواضع علم أن الذي رواه عن الطيالسي بالتصريح باسم محمد بن عمرو بن كعب هو هارون بن عبد الله، وهو ثقة، لكنه خالف البخاري والنسائي وابن بشار، فكلهم قالوا: محمد بن أُبي بن كعب، لكن في روايتهم إشكال آخر، فقد ذكروا قوله: "كان لجدي جرين" مما يدل على أنه حفيد، فإن كان حفيدًا لأُبي فيكون بينه وبين أُبيّ أب له، وهذه الرواية سمته عَمرًا، وإن كان ابنًا لأُبي حفيدًا لكعب؛ فقد سبق أن كعبًا لم يُذْكر في الصحابة......الخ.
لكن على كل حال فالنفس لا تطمئن إلى ذكر عمرو بين محمد وأُبَي؛ لمخالفة هارون لهؤلاء الثلاثة الكبار، ولما هو معروف عن أولاد أُبَيّ، فالمعروف من أولاد أُبي: الطفيل – وبه يُكنى- ومحمد، وعبد الله، والأولان يُحتج بهما، والثالث لا يُحتج به.
بقي أن يقال: هل قوله: "كان لجدي جرين" محفوظ؟ في نفسي شيء للإشكالات السابقة، فهل هو سبق قلم أو خطأ آخر؟ الله أعلم، فإن الأمر جالب للحيرة، حتى قال شيخنا الألباني – رحمه الله تعالى- أثناء كلامه على الاختلاف في المراد بمحمد هذا؟ : "وهذا اختلاف شديد، يقف الباحث أمامه حيران لا يستطيع الجزم بشيء منه!" اهـ من "الصحيحة" (7/740/برقم3245) وإن كان قد رجح – رحمه الله- رواية من قال: "محمد بن أبي بن كعب، قال: كان لجدي..." ثم قال: "هذا رأيي، ولكني لم أجد في الحفاظ المتقدمين من احتفل به، مثل الحافظ المزي والعسقلاني؛ فإنهما لم يترجما في "التهذيب" إلا لمحمد بن أُبَيّ بن كعب، لأنه هو المسمَّى عند النسائي دون محمد بن عمرو بن أُبيّ كما تقدم، فقالا: (محمد بن أبي بن كعب الأنصاري، أبو معاذ المدني، ويقال: محمد بن فلان ابن أُبَي...) فأشارا بقولهما: (فلان) إلى (عمرو) وإلى أن ذكْره بين (محمد) و(أُبي بن كعب) لا يصح....." إلى أن قال: "والذي يتبين لي من هذا البحث –وقد طال أكثر مما كنت أتصور-: أنه لم يتبين لي أن (ابن أبي بن كعب) هو (محمد) الابن، أم (محمد) الحفيد؟! مع جزم العسقلاني بأنه الأول، وقد وثقه ابن سعد (5/76) وابن حبان، كما تقدم، والآخر لم يوثقه إلا ابن حبان" اهـ.
- وقد جاء الحديث عن يحيى بن أبي كثير عن الحضرمي بن لاحق عن محمد – قال: كان أبي بن كعب جد محمد– قال: كان لأبي جُرْن من طعام ........وفيه ذِكْر الصباح والمساء.
أخرجه النسائي في "الكبرى" (6/239/برقم10798) وفي "عمل اليوم والليلة" برقم (962) من طريق شيبان عن يحيى به، وكذا الشاشي في "مسنده" (3/340/1450) من طريق شيبان به.
ورواه البخاري مختصرًا في "التاريخ الكبير" (1/27-28) من طريق أبان عن يحيى، وفيه: (محمد بن أبي بن كعب أن أبيًّا) وكذا رواه الطبراني في "الكبير" (1/201/برقم541) من طريق أبان عن يحيى به، وفيه: (محمد بن أبي عن أبيه) مع ذكر الصباح والمساء، وكذا أبو نعيم في "معرفة الصحابة" (1/192/690) من طريق أبان به، وكذا المقدسي في "المختارة" (4/33-34/برقم1260) من طريق أبان به، وشيبان ثقة صاحب كتاب، وفي روايته: (وكان أبي بن كعب جد محمد) وأبان ثقة له أفراد.
فالذي ينظر في هذا يجد أن قول شيبان أولى، لاسيما وقد تابعه حرب بن شداد كما سبق عند النسائي في "الكبرى" وفي "عمل اليوم والليلة" إلا أن ذكر الجد هنا مشكل لما سبق من كونه لا يصح حمله على والد أُبي، وهو كعب بن قيس الذي لم يعرف إسلامه أصلاً، ولو حملناه على حفيد أُبي؛ فالمزي والعسقلاني لم يرجحا ذلك، وهما حافظان، وأيضًا فلم أقف على ذكر رواية محمد بن عمرو بن أبي عن جَدِّه أُبي فيما تناولته يدي من كتب الرجال، مع أني لم أنشط للتوسع في بحث ذلك، أقول هذا للأمانة العلمية، فلعله لو توسع أحد رأى شيئًا آخر، وكذا لم أقف على نص يدل على رواية الحضرمي بن لاحق عن محمد بن عمرو بن أُبي هذا، فلْيُنظَر ذلك، والذي في "التاريخ الكبير" للبخاري، و"الجرح والتعديل" للرازي، و"الثقات" لابن حبان كل ذلك يؤكد ما قلْتُه، فإنهم ذكروا رواية محمد بن عمرو بن أُبي عن أم الطفيل امرأة أبيّ، ولم يذكروا روايته عن أُبي، وقد سبق أن ذكر محمد بن عمرو بن أبي غير محفوظ، إنما الإشكال في الرواية التي ذكرت أن أبيًّا هو جدُّ محمد.
هذا، والأوزاعي ذكر أن الرواي عن أُبَيٍّ ابنه – وإن أبهم اسمه- وتابعه أبان بن يزيد العطار، إلا أن الأوزاعي مع إمامته فقد كان في حديثه عن يحيى بعض الأوهام، وأبان نفسه على ثقته فله أفراد، فالأمر لا يزداد إلا إغلاقًا، وإن كان صنيع بعض الحفّاظ كالمزي والعسقلاني يدل على أن الرواي هو محمد بن أُبي عن أبيه أُبي.
- وإذا نظرنا إلى من تكلم على الحديث ممن سبق من العلماء: رأينا ابن حبان أدخله في "صحيحه" دون ذكر الصباح والمساء، وصححه الحاكم، وسكت عنه الذهبي مع ذكر الصباح والمساء، وقال المنذري في "الترغيب والترهيب" (1/458): رواه النسائي والطبراني بإسناد جيد، ووثق رجاله الهيثمي في "مجمع الزوائد" (10/118) وصححه من المعاصرين شيخنا الألباني – رحمه الله- في "صحيح الترغيب والترهيب" (1/417/برقم662) مع ذكر الصباح والمساء، وإن كان قد حكم على زيادة الصباح والمساء في "الصحيحة" (7/743/برقم3245) بالشذوذ!! مع أننا لو نظرنا فيما سبق رأينا أن الذي لم يرو الصباح والمساء – دون اختلاف عليه- عن يحيى بن أبي كثير هو الأوزاعي فقط؛ وقد رواها عن يحيى بن أبي كثير مخالفًا للأوزاعي جماعة، فرووها عن يحيى بن أبي كثير، وهم: حرب بن شداد، وشيبان، وأبان، فهذه زيادة لا غبار عليها لو تخلصنا من إشكال ذكر الجد في الروايات السابقة، ولولا موقف المزي والعسقلاني ومن مشّى الحديث، وقُرْب وجوه الاختلاف في ذِكْر الجد وعمه؛ لكان لقول من لين الحديث لاحتمال الانقطاع بين محمد وجده أُبي بن كعب، ولعدم توثيق معتبر لمحمد، لولا صنيع الحافظين السابقين، وما سبق من تجاذب وتقارب بين الرواة المختلفين؛ لكان لمن ليّن الحديث وجه، وإن كان قد يقال: الرواي المضعَّف إذا روى حديثًا في قصة؛ فإن ذلك قد يدل على ضبطه، والله أعلم.
وعلى كل حال فالنفس إلى ثبوت الحديث بهذه الزيادة أميْل، لاسيما مع وجود شاهد، سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
- وللحديث شاهد دون ذكر قصة الجني من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه- فقد جاء من طريق عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي عن زرارة بن مصعب عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "من قرأ حم المؤمن إلى [إِلَيْهِ المَصِيرُ] وآية الكرسي حين يصبح حُفظ بهما حتى يمسي، ومن قرأهما حين يمسي حُفظ بهما حتى يصبح"
أخرجه الترمذي (5/8/برقم2879) وقال: هذا حديث غريب، والدارمي (4/2132/3429) بلفظ: "لم ير شيئًا يكرهه...." والمروزي كما في "مختصر قيام الليل" (صـ167) من طريق عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبي هريرة به، بإسقاط زرارة بن مصعب وأبي سلمة، والطبراني في "الدعاء" برقــــم (322) بلفظ: "من قرأ آية الكرسي وأول حم المؤمن عُصم ذلك اليوم من كل سوء"دون ذكر الصباح والمساء، والعقيلي في "الضعفاء" (2/325) ترجمة المليكي بلفظ الطبراني، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" برقم (76)، وبرقم (687) بلفظ الطبراني، والبغوي في "شرح السنة" (4/464/1198) وفي تفسيره "معالم التنزيل" (1/269) والأصبهاني في "ذكر أخبار أصبهان" (1/233) وفيه: (عن ابن أبي مليكة عن زرارة به) والبيهقي في "الدلائل" (2/483)، (2/483-484) والنسفي في "القند في ذكر علماء سمرقند" (صـ281) ترجمة أبي طاهر عبد الواحد بن إبراهيم الميداني الصكوكي برقم (502) والحافظ في "نتائج الأفكار" (3/273) وقال: وفي سياق المتن مخالفة تقدم بيانها في باب الدعاء عند الصباح!! اهـ، وأخرجه قبل ذلك في (2/421) .
ومن نظر في ترجمة عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي وجد من أهل العلم من تركه، كالبخاري، والنسائي، وابن خراش، وهناك من اكتفى بتضعيفه ومشّاه ولم يتركه، ومنهم أبو حاتم، وأحمد، وابن معين الذي قال: ضعيف، وإن كان يطلق ذلك أحيانًا في الجرح الشديد، وكذا مشاه آخرون كابن عدي، والبزار، وغيرهما، وهو الأحوط عندي، وإن كان في النفْس نوع تردد، لكن لم يظهر لي ترك المليكي في هذا الموضع.
- وعلى هذا فالحديث يصلح أن يستشهد به في ذكر آية الكرسي من جملة أذكار الصباح والمساء، وأما أوائل حم المؤمن فلا تثبت بهذا الحديث، ولو رجحنا ضعف حديث أُبيٍّ لضعف محمد حفيد أُبي، ولاحتمال الانقطاع بينهما؛ فتضعف قصة الجني فقط من حديث أُبيّ، ويبقى ذكر آية الكرسي – لهذا الشاهد- في أذكار الصباح والمساء، وأنها عاصمة – بإذن الله تعالى- من قرأها صباحًا ومساءً من الجن، والله تعالى أعلم.



كتبه/ أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني
دار الحديث بمأرب
23/شوال/1431هـ