سؤال: لا يخفى عليكم ما يجري على الساحة اليمنية من أحداث، وما جرى من قتْل لعدد من المعتصمين أمس الجمعة، وقد اختلفوا في عدد القتلى، وقد استنكر كثير من الناس هذا الفعل الشنيع، مع أن كل طرف يأتي برواية تبرئه وتدين الآخر، فما هو الموقف الشرعي من ذلك؟
هذا، ونحن نسمع من يُفتي بخلْع الحاكم من أجل هذا الحادث وغيره، ومن يرى أن الحاكم قد أدَّى ما عليه بالتنازل للمتظاهرين، ولا عليه بعد ذلك مِنْ قَتْل مَنْ قُتِل، وإن كثروا، فما هو الصواب في ذلك؟
وأخيرًا: ما حُكم السمع والطاعة للمتظاهرين إذا أصبحوا حكام البلاد؟


الجواب: الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، أما بعد:
أولا: فإن قتْل المسلم جريمة نكراء، ولم يرخِّص رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في قتْل المسلم سواء كان جنديًّا، أو مدنيًّا متظاهرًا، أو مدنيًّا آخر، إلا بإحدى ثلاث: "الثيب الزاني، والنفْس بالنفْس، والتارك لدينه، المفارق للجماعة" وما يجري هذه الأيام لا يُسوِّغ قتْل المسلم وإن أخطأ أو تجاوز، ما لم يكن أحد هذه الأمور الثلاثة، وهناك أساليب أخرى لعلاج الخطأ غير القتل.
وقد توعَّد الله – عز وجل- من أقدم على هذه الجريمة البشعة، ألا وهي جريمة القتل العمد بخمس عقوبات، فقال تعالى: [وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا] وقد نظر عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما- يومًا إلى الكعبة، فقال: "ما أعظمك، وأعظمَ حُرمتَك، والمؤمن أعظم حرمة منك" رواه الترمذي، وقد قال - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: "من أشار إلى أخيه بحديدة؛ فإن الملائكة تلعنه" رواه مسلم، هذا بمجرد الإشارة إليه، فكيف بالقتل؟ وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لأسامة بن زيد عندما قتل من تظاهر بالإسلام، محتجًّا بأنه قال هذه الشهادة بلسانه مصدقًا بها قلبه، فقال له: "هلا شَقَقْتَ عن قلبه، لتعرف أقالها تَعَوُّذًا أم لا"؟ فقال أسامة: استغفر لي يا رسول الله، فقال: "كيف أنت بلا إله إلا الله غدًا"؟ فما زال يكررها، حتى تمنى أسامة أنه لم يكن أسلم قبل يومئذٍ، أخرجه مسلم، فكيف بقتل مسلم لا خلاف في إسلامه؟!
ففي هذه الأدلة وغيرها ما يدل على أن الله - عز وجل- وملائكته والمؤمنين – بل وكل عاقل- يستنكرون هذه الجريمة، التي قرنها الله – عز وجل- بالشرك في بعض المواضع من كتابه الكريم، كما قال تعالى: [وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا] وكذا رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الذي قال في ذِكْر الكبائر: "الشرك بالله، وقتْل النفْس" أخرجه البخاري ومسلم.
وعلى كل حال فلستُ هنا في مقام القضاء لأصحح رواية هؤلاء أو أولئك، فالنفْس تموت كمدًا من هذه الجرأة على حدود الله، وما هي حجة فاعلها إذا لقي الله عز وجل؟ [أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ(4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ(5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ العَالَمِينَ(6) ] وإنها لدماء مسلمة، هي وغيرها مما جرى ويجري في جميع المحافظات، فيجب على من له عقل – فضلاً عن غيرة دينية- أن يستنكر هذا المنكر إذا علم به، حتى لا يشارك في الإثم، ونسأل الله أن يرحم موتانا وموتاهم وموتى جميع المسلمين، وأن يشفي مرضانا ومرضاهم ومرضى جميع المسلمين.
ثانيًا: الفتاوى التي لا تنضبط بالأدلة الشرعية – إفراطًا أو تفريطًا- لا يلزمنا منها شيء، وموقفنا الشرعي من قبل هذه الأحداث، وأثناءها، وبعدها: أن من آلتْ إليه الأمور، وبايعه الناس، أو جمهور أهل الشوكة، وسُمِّي أميرًا، أو حاكمًا، أو رئيسًا...الخ؛ فنحن نسمع له ونطيع في حدود طاعة الله - عز وجل- ورسوله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ولا ننـزع يدًا من طاعة، إلا بما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهو قوله: "إلا أن تروا كفرًا بواحًا لكم فيه من عند الله برهان" ولذلك فنحن دائمًا نؤكد على ضرورة التصرف لاسيما في الأزمات بتعقُّل ورويَّة، والسعي بالسفينة نحو شاطئ الأمان، وتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، ولو بتنازل أحد الطرفين عن بعض ما يراه الآخر، وأن نجعل من هذه الدماء والأنفس التي فَقدْناها حاجزًا بين اليمن والمزيد من الدماء والكوارث، وأن نرحم ضعف الشيبان الذين انحنى عُودُهم، ويهدِّدهم فَقْدُ فلذات أكبادهم، ومن يملؤون أعينهم، ووجوههم، وحياتهم بالابتسامة، وأن نرحم النساء اللاتي يهددهن الثُّكْل والترْميل، والصبيان الذين يهددهم شبحُ اليُتْم، ووحشية فقْد الآباء، فاتقوا الله أيها المتنازعون، واتقوا يومًا لا يجزي فيه والد عن ولده شيئًا، ويومًا تشيب منه مفارق الولدان، واحذروا سوء الخاتمة، وما دخل أحد في فتنة وخرج منها – إن خرج- إلا وتمنى أنه لم يدخلها، ونعوذ بالله أن نلقى الله بقطرة من دم مسلم، قولاً أو فعلاً، ونسأل الله – عز وجل- أن يجنب البلاد والعباد الفتن والفوضى، وأن يحفظ بلاد اليمن وغيرها مما يُكاد لها من الأمور التي تريق دماء أهلها، وتُمزِّق أوصالهم، وتفرق اجتماعهم، وتجعلهم لقمة سائغة للمتربصين.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أفتى بما فيه
الفقير إلى عفو ربه
أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني
مدير دار الحديث بمأرب
بتاريخ: 14 / 4 / 1432هـ
الموافق: 19 / 3 / 2011م