(نصائح وتوجيهات، للخطباء والدعاة، في أوقات الفتن والأزمات)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فإن هذه المرحلة التي تمرّ بها بلادنا المسلمة تتطلّب من الخطباء والدعاة أن يتكلموا بما يهدئ ثائرة الناس، وبما يصون بيوت الله عن هيشات الأسواق، ويحفظ قلوب المسلمين ومودّتهم لبعضهم ما أمكن، ولذلك فأنصح بما يلي:
1- الحذر من شدة اللهجة في الخطاب على الطرفين، فإن هذا كمن يصبّ الزيت على النار، والرفق ما خالط شيئًا إلا زانه، وما فارق شيئًا إلا شانه، والحكمة في الدعوة مطلوبة دائمًا، وفي هذه الأيام الحاجة إليها أشد، وليس المقام مقام نَكْأ الجِراح، أو ذِكْر عيوب المخالفين، فإن النفوس لا تحتمل ذلك الآن، إنما المقام مقام تهدئة الفوران الذي في الشوارع، والبيوت، والمساجد، والمجالس، وغير ذلك، ولذا فلْيحذر من يُؤجِّج الخلاف من مآل صنيعه.
2- نصيحة الناس بحفظ ألسنتهم عن الثرثرة، والاشتغال بنقل الحديث هنا وهناك، وترويج الإشاعات، سواء في وسائل الإعلام، أو على مستوى الأفراد؛ فإن هذا مذموم دائمًا، لاسيما في أوقات الشدائد، وفيه تشبُّه بالمنافقين في الأزمات لإيقاع الفتنة، وإشعال نارها بين المسلمين، ورُبَّ كلمة يقولها المرء لا يُلقي لها بالاً من سخط الله، تهوي به في نار جهنم سبعين خريفًا.
3- التحذير من الجرأة على الدماء المسلمة، سواء كانت دماء المدنيين المتظاهرين سلميًّا، أو غيرهم من الأبرياء، أو كانت دماء الجيش أو الأمن، وتُذْكر الأدلة في حرمة دم المسلم، ويُتوسَّع في ذلك، وتُوجَّه نصيحة صريحة لكل طرف بما يلزمه شرعًا تجاه الطرف الآخر في هذا، وأن ما هم فيه لا يبيح دماء بعضهم بعضًا، فإن الإسلام لا يُحل دم المسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفْس بالنفس، والتارك لدينه، المفارق للجماعة، ومن سُنَن الجاهلية قتْل غيرِ المباشر للقتل.
4- إنكار الفساد الموجود بجميع صوره، والمطالبة بإصلاح ما أمكن منه، وبيان حق الرعية على الراعي، ويُنَبَّه على أن علاج الفساد يكون بالخير والرشاد لا بما هو أفسد منه، وقتْل امرئ مسلم أعظم عند الله من كثير من المنكرات الدنيوية التي يُراد تغييرها، والتأكيد على أن لغة الحوار المسؤول والهادف والجادِّ هي خير سبيل لحقْن الدماء، لقوة الشوكة عند جميع الأطراف، وإذا كان الحوار سبيل التفاهم في الأزمات العامة والخاصة في العالم من حولنا، وبين المؤمن والكافر؛ فكيف بين المؤمنين البين؟ بالإضافة إلى أن الفتن مهما أَنْشبتْ أظفارها، وفاحَ نتنُها؛ فلابد من الرجوع إلى العقل، والحوار، مع الحذر من المستقبل المجهول، والذي ربما يُفضي إلى ما لا طاقة للأمة به، ولا ينفع عند ذاك الندم، وإلقاء اللوم على الآخرين، فليتحمل كل منا مسؤولية قوله وعمله أمام الله، ثم أمام التاريخ والأجيال القادمة، وليست هذه أولى الأزمات ولا آخرها، لاسيما في اليمن، فالمطلوب أن نكون على مستوى المسؤولية، وأن نسلك الحكمة اليمانية في دفع هذه البليَّة.
5- لفْت أنظار الناس إلى أن المستفيد من القتل والتخريب هم أعداء الإسلام، والمتربصون بنا الدوائر، وأن مصالح الأمة، ومقدراتها، ومنشآت البلاد مِلْكٌ للشعب، لا للحاكم، والشعب هو الذي سيدفع الثمن غاليًا، من جرَّاء الحرق والتخريب والتدمير، فلا نكون ممن يخربون بيوتهم بأيديهم.
6- التحذير من الانزلاق في منزلق الحرب الأهلية، التي يستمر شرها إلى عدة أجيال، بدعوى الثأر القبلي، أو المناطقي، أو المذهبي، أوغيره.
7- التذكير بأن كل ما نعاني منه من أزمات ومحن بسبب الإعراض عن تحكيم شرع الله عز وجل، كما قال تعالى: [وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى] {طه:124} وغير ذلك من آيات.
8- تذكير الأمة بتاريخها وتاريخ أسلافها، وأن عزها منوط بطاعة الله وذِكْره، لا بمعصيته والغفلة عن دينه، وتذكيرها بأيام الله وسننه الكونية في قيام الأمم وسقوطها، وأخْذ العبرة من ذلك.
9- الحرص على حفظ المودة بين الناس البين، فإن الفتن مهما طالت؛ سوف تنتهي – إن شاء الله تعالى- ولا يبقى إلا المعروف والإحسان، فإياك وكُلَّ ما يُعْتَذر منه غدًا.
10- الحث على تقديم المصلحة العامة للأمة على المصلحة الخاصة، أو الشخصية، أو الحزبية، والحذر من التقليد الأعمى، والولاء الحزبي الضيق، والحرص على استعمال العقل السليم، والفطرة الصحيحة في كل ما يتلقاه المتظاهر أو الجندي من أوامر، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وإنما الطاعة في المعروف، وإذا لم يَقُمِ الناس بهذا الأمر لسبب من الأسباب؛ فلا أقلَّ من أن كل منطقة يتفق أهلها على تجنيب بلادهم القتال والفتن، والاتفاق على حماية المصالح العامة فيها، وحقوق الناس، وأموالهم، وأعراضهم، والتصدي لأي مُخرِّب فيها، أو من يحاول إثارة الفتنة بين أهلها، حتى تنكشف الغمة عند القيادات، وبذلك نكون قد ساعدنا في حل الأزمة، وتسييرها نحو الحوار النافع، ولا نزيد الطين بِلّة، فتنتهي الأزمة عند القيادات، وتبقى أزماتنا نحن لا يغطيها لَيْلٌ، ولا يسترها ذَيْلٌ!! 
11- الرجوع إلى العلماء المشهود لهم بتحري الحق، وقوْل الصِّدْق، وسؤالهم عن المخرج من هذه الأزمة، فإذا اختلفتْ كلمتهم؛ لزم البحث والسؤال عن أدلة كل من المختلفين، والتجرد في البحث عن الحق، لا مجرد الانتصار لهوى، أو عصبية، أو مصلحة عاجلة، فإن المرء إذا قُتل على هذا الحال؛ لقي الله وهو عليه غضبان. 
12- قيام الآباء والأمهات بواجبهم تجاه أبنائهم في تعليمهم ما يلزمهم في هذه الفترة، وتحذيرهم من الأفكار المنحرفة التي يستغل بعضهم الأزمة لترويجها.
13- نصيحة الناس بكثرة الدعاء والابتهال إلى الله تعالى في أوقات استجابة الدعاء، بكشْف الغمة، وجمْع الكلمة، والعفو والعافية من الفتن، وعدم المؤاخذة العامة بما فعل السفهاء منا.
14- الحث على التوبة إلى الله تعالى، فما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رُفع إلا بتوبة، قال تعالى: [ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ] {الرُّوم:41} وقال تعالى: [وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الجُوعِ وَالخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ] {النحل:112} فهذه المصائب ثمرة ذنوبنا، ولعل الله عز وجل أراد أن نتطهر منها، فعجَّل بعقوبتنا بهذه الأزمات، فافزعوا إلى حِصْن التوبة والإنابة، ومن لاذَ بالله؛ فقد استعاذ بمعاذ، فهو حسبنا ونعم الوكيل.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
كتبه
أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني
دار الحديث بمأرب
12 / ربيع ثاني / 1432هـ