طباعة

نصرة المظلوم حق كفلته الشرائع السماوية ، والدساتير الدولية ، والفطرة الإنسانية

Posted in مقالات ومقابلات

نصرة المظلوم حق كفلته الشرائع السماوية ، والدساتير الدولية ، والفطرة الإنسانية
للشيخ أبي الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني حفظه الله 

الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، أما بعد:
فقد بلغني - في مصر حال وجودي لظروف علاجية طارئة - ما تعرض له إخواننا في مركز دماج العلمي بمحافظة صعدة من حصار الحوثية للمئات من طلبة العلم العُـزَّل رجالاً ونساءًا، شيوخًا وأطفالاً، حتى بلغ بهم الأمر مبلغًا يُرثى له من نفاد المواد الغذائية والضرورات المعيشية،
وكذلك منعهم خروج النساء والأطفال للعلاج في هذا البرد الشديد القارص، الأمر الذي لم نسمع به إلا في معاملة اليهود لإخواننا بفلسطين، ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد، بل أمطروهم في بيوتهم التي يتلون فيها كتاب الله وابلاً من القذائف والرصاص، مما جعل الأمر كارثة بكل المعاني، وهذا كله على مـرأى ومـسْمع من سلطة ومعارضة في الحكومة اليمنية، ومن قبائل سطَّر لها ولأسلافها التاريخ أشرف معاني الغيرة، والإغاثة، والنجدة، والرحمة، والنصرة للمظلوم، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ألا يخشى هؤلاء من سكوتهم عن ظلم الظالمين أن تحل بهم قارعة، أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون؟ ألا يستشعر الجميع – دولة وشعبًا – حق المسلم على المسلم، والعاقبة الوخيمة لهذه الانتهاكات؟ ألا يدركون أن ما أصبح بجارهم أمسى بدارهم؟ أما آن لهم أن يعرفوا خطورة الطائفة الحوثية، والإرهاب الفكري والدموي الذي تتعرض له البلاد اليمنية في عدة محافظات منهم؟ 

هذا، وقد حرص الدعاة والمصلحون على الحلول السلمية منذ عدة أسابيع، مما جعلهم لا يُصعِّدون الأمر بالفتاوى والبيانات التحريضية، حرصًا منهم على تجنيب البلاد المزيد من النوازل والكوارث، فما فيها يكفيها، ولكن كل ذلك باء بالفشل بسبب المراوغات والمكايد من المعتدين!

إنني - ومع انشغالي بأمور صحية مما جعلني بعيدًا عن واقع الحدث– أهيب بالجميع أن يمدوا يد العون والمساعدة لفك الحصار عن إخواننا المظلومين، وأن يبذلوا جهدهم في تخفيف كربتهم ونكبتهم، وأن يسارعوا في إغاثة لهفتهم، وأن يعلموا أن هذا واجب شرعي، ومن أفضل القربات إلى الله عز وجل، وأن يدركوا أن غفلتهم عن هذه الكارثة لن يرحمها لهم التاريخ، وأنهم بهذا التهاون يلوِّثون تاريخ أهل اليمن الناصع بالشهامة والمروءة والنخوة والرجولة.

وقد حث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على نصرة المظلوم وإعانته، فقال : "من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه" وقال أيضًا :"من نفَّس عن مسلم كُربة من كُرب الدنيا ، نفّس الله عنه كُربة من كُرب يوم القيامة " وأي كُربة أعظم مما يعاني منه الأطفال والنساء في دماج هذه الأيام؟
كما أهيب بالدعاة وطلاب العلم أن يقوموا بواجبهم بالتوعية الحكيمة الرشيدة المسؤولة للمجتمع في هذا الحدث الغريب على عُرْف اليمن واليمنيين، وأن يبذلوا قصارى جهدهم لحل الأزمة سلميًّا، فإن اليمن يمر بظروف قاسية – بكل المعاني – سياسيًّا ، واقتصاديًّا ، واجتماعيًّا ، وأمنيًّا ، وأخلاقيًّا .....الخ ، وليس بحاجة إلى مزيد من شلالات الدماء.

كما أهيب بإخواننا الذين لم يَسْلموا من أذى بعض إخوانهم في دماج من قبل ومن بعد بأن يتناسوا كل هذه الأمور- خلافًا لمن يدندن بذلك كما بلغني- ، فإن المقام مقام نصرة للمظلوم – أيًّا كان، فضلاً عن مسلم من أهل السنة والجماعة – وليس مقام عتاب، أو تأنيب، أو تشفٍّ، أو خذلان، فإن هذا كله مما يحرمه ديننا، ويستنكره العقلاء، ونحن لا نرضى بظلم غير المسلمين، فكيف بالمسلم الذي نجتمع معه في أكثر مسائل الديانة، والتي هي أعظم وأَجَلُّ من مسائل الخلاف، فلكل مقام مقال، ولكل مجال رجال، ونحن مسامِحون من قبل ومن بعد لكل من ظلمنا في حقوقنا برًّا كان أو فاجرًا.

هذا، وأملي في الله ثم فيمن يقف على هذا البيان عظيم بأن يبادروا ببذل المساعدات المادية والغذائية والعينية لإخواننا في دماج، ولكل من سعى في فكِّ الحصار عنهم وتخفيف المعاناة عنهم من القبائل الشرفاء، والمسؤولين النبهاء، والدعاة الأتقياء، والمصلحين الحكماء.
وأسأل الله أن يدفع عن بلاد المسلمين واليمن عامة وإخواننا في دماج خاصة كل سوء ومكروه، وأن يختار للجميع ما فيه خير الدنيا والآخرة، وأن يهدي الظالم، أو يكسر شوكته، وأن يجمع الكلمة على ما يحب ويرضى، إنه جواد كريم، برٌّ رحيم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته 

كتبه
أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني
القائم على دار الحديث بمأرب
من مدينة القاهرة المحروسة المنصورة
4/ محرم / 1433 هـ