السؤال: نرى بعض الناس يحجز بعض الأماكن في المسجد , فيضع سجادةً ، أو كتابًا ، أو عمامةً ، أو غير ذلك , فمن رأى شيئًا من ذلك ؛ فلا يصلي في ذلك المكان , وإن صلى فيه ربما حدثت فتنة , فما حكم الشرع في ذلك ؟

الجواب : الأصل أن المساجد لله عز وجل , وليست لأحد دون أحد , ومن سبق إلى مكان فهو أولى به , وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله – كما في "مجموع الفتاوى " (22/189-191) : " وأما ما يفعله كثير من الناس : من تقديم مفارش إلى المسجد يوم الجمعة أو غيرها , قبل ذهابهم إلى المسجد ؛ فهذا منهي عنه باتفاق المسلمين , بل محرم , وهل تصح صلاته على ذلك المفروش ؟ فيه قولان للعلماء , لأنه غصب بقعة في المسجد بفرش ذلك المفروش فيها , ومنع غيره من المصلين الذين يسبقونه إلى المسجد أن يصلي في ذلك المكان .

ومن صلى في بقعة من المسجد مع منع غيره أن يصلي فيها , فهل هو كالصلاة في الأرض المغصوبة ؟ على وجهين , وفي الصلاة في الأرض المغصوبة قولان للعلماء , وهذا مستند من كره الصلاة في المقاصير التي يمنع الصلاة فيها عموم الناس " .

قال : " والمشروع في المسجد أن الناس يتمون الصف الأول , كما قال النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - : " ألا تَصُفُّونَ كما تصف الملائكة عند ربها ؟" قالوا : وكيف تصف الملائكة عند ربها ؟ قال : " يتمون الصف الأول فالأول , ويتراصون في الصف "1

وفي" الصحيحين 2 " عنه - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - أنه قال : " لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول , ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا , ولو يعلمون ما في التهجير ؛ لاستبقوا عليه " .

قال : والمأمور به أن يسبق الرجل بنفسه إلى المسجد , فإذا قدم المفروش , وتأخر هو ؛ فقد خالف الشريعة من وجهين : من جهة تأخره , وهو مأمور بالتقدم , ومن جهة غصبه لطائفة من المسجد , ومنعه السابقين إلى المسجد أن يصلوا فيه , وأن يتموا الصف الأول , ثم أنه يتخطى الناس إذا حضروا , وفي الحديث : " الذي يتخطى رقاب الناس , يتخذ جسرا إلى جهنم3 " , وقال النبي صلى الله عليه وسلم : للرجل " اجلس فقد آذيت 4

قال: " ثم إذا فرش هذا , فهل لمن سبق إلى المسجد أن يرفع ذلك , ويصلي موضعه ؟ فيه قولان : أحدهما : ليس له ذلك , لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه . والثاني : - وهو الصحيح - أن لغيره رفعه , والصلاة مكانه , لأن هذا السابق يستحق الصلاة في ذلك الصف المقدم , وهو مأمور بذلك أيضا ، ولا يتمكن من فعل هذا المأمور , واستيفاء هذا الحق , إلا برفع ذلك المفروش , وما لا يتم المأمور إلا به فهو مأمور به " .

قال : " وأيضا فذلك المفروش وضعه هناك على وجه الغصب , وذلك منكر , وقد قال النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- : " من رأى منكم منكرًا ؛ فليغيره بيده , فإن لم يستطع فبلسانه , فإن لم يستطع فبقلبه , وذلك أضعف الإيمان(5 " لكن ينبغي أن يراعى في ذلك أن لا يؤول إلا منكر أعظم منه , والله تعالى أعلم , والحمد لله وحده " اهـ . وبنحو ذلك قال - رحمه الله - في (22/193) و(24/216) .

هذا فيمن أرسل بسجادة أو نحوها , فتحجَّر مكانا في المسجد , لكن إذا سبق الرجل إلى مكان في المسجد ، فجلس فيه , ثم طرأ عليه طارئ , فقام منه ، ثم رجع إليه , فهو أحق به .

قال الخرقي : ومن قام من موضعه لعارضٍ لَحِقَه , ثم عاد إليه قريبا ؛ فهو أحق به " .

قال شيخنا ابن عثيمين - حفظه الله - في " الشرح الممتع " (5/135-137) : " فإذا حجز الإنسان المكان , وخرج من المسجد لعارض لحقه , ثم عاد إليه ؛ فهو أحق به , والعارض الذي يلحقه , مثل : يحتاج للوضوء , أو أصيب بأي شيء اضطره إلى الخروج , فإنه يخرج , وإذا عاد فهو أحق به " .

قال : " ولكن المؤلف - يعني الخرقي - اشترط فقال : ثم عاد إليه قريبًا , ولم يحدد القرب , وكل شيء أتى ولم يحدَّدْ , يُرْجَع فيه إلى العرف …" قال : " وظاهر كلام المؤلف : أنه لو تأخر طويلا ؛ فليس أحق به , فلغيره أن يجلس فيه . وقال بعض العلماء : بل هو أحق , ولو عاد بعد مدة طويلة , إذا كان العذر باقيًا , وهذا القول أصح ؛ لأن استمرار العذر كابتدائه , فإنه إذا جاز أن يخرج من المسجد , ويبقى المصلى إذا حصل له عذر , فكذلك إذا استمر به العذر , لكن من المعلوم أنه لو أقيمت الصلاة , ولم يزل غائبًا , فإنه يرفع - أي الشيء الموجود في المكان - " .

قال - حفظه الله - : " مسألة : لو فرض أنه رجع قريبًا أو بعيدًا - على قولنا : أنه مادام العذر فهو معذور - ووجد في مكانه أحدًا , فأبى أن يقوم , فحصل نزاع , فالواجب أن يدرأ النـزاع , وله أجر , ويجد مكانا آخر , إلا إذا أمكن أن يفسح الناس , بأن كان الصف فيه شيء من السعة , فهنا يقول : افسحوا , قال تعالى : ] يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فأفسحوا يفسح الله لكم [ " .

ثم ذكر الشيخ - حفظه الله - حديث أبي هريرة عند مسلم في ك / السلام , باب / إذا قام من مجلسه ثم عاد فهو أحق به , أن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - قال : " إذا قام أحدكم " - وفي رواية : "من قام من مجلسه , ثم رجع إليه ؛ فهو أحق به " وذكر أن أصحاب أحمد أخذوا بظاهر الحديث , ولم يقيدوه بالعود قريبا , ثم ذكر - حفظه الله - أنه بناء على استمرار العذر فهو أحق به , أما إن انتهى العذر , ولكنه تهاون وتأخر ؛ فلا يكون أحق به اهـ .

وهذا هو الذي تطمئن إليه النفس , والله تعالى أعلم .



([1]) أخرجه مسلم في ك / الصلاة , برقم (430) من حديث جابر بن سمرة , وقد خرجته بتوسع في تحقيقي "للفتح" ك / العلم , برقم (21) .

([2]) أخرجه البخاري في ك / الأذان , برقم (615) ومسلم في ك / الصلاة , برقم (437) .

([3]) أخرجه الترمذي وغيره , وضعفه شيخنا الألباني – حفظه الله – في " ضعيف سنن الترمذي " ص(57- 58) برقم (79) في باب كراهية التخطي يوم الجمعة بلفظ " من تخطَّى رقاب الناس يوم الجمعة ؛ اتخَذَ جِسْرًا إلى جهنم " اهـ .

([4]) أخرجه أبو داود (1119) والنسائي (1399) وغيرهما من حديث عبدالله بن بسر , وسنده حسن , وقد تكلمت عليه في تحقيقي "للفتح" ك/ الصلاة , برقم (41) .

([5]) أخرجه مسلم في ك/ الإيمان , برقم (49) من حديث أبي سعيد الخدري .