السؤال  : هل " الدهر " اسم من أسماء الله عز وجل أم لا ؟

الجواب : ليس الدهر اسمًا من أسماء الله – سبحانه وتعالى - والذي حمل من جعل الدهر اسمًا من أسماء الله – عز وجل – ما جاء في صحيح البخاري ك / التفسير , سورة الجاثية كما في " الفتح " (8/574) برقم (4826) من حديث أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - قال : " قال الله - عز وجل - : يؤذيني ابن آدم , يسب الدهر , وأنا الدهر , بيدي الأمر , أقلب الليل والنهار " :

وكذا أخرجه مسلم في كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها , ب / النهي عن سب الدهر برقم (5823-5827) وفي رواية عند مسلم : " قال الله عز وجل : يؤذيني ابن آدم , يقول :يا خيبة الدهر , فلا يقول أحدكم : يا خيبة الدهر , فإني أنا الدهر , أقلب ليله ونهاره , فإذا شئت قبضتهما " .

 

وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - خطأ من سمى الله عز وجل بـ " الدهر " فقال كما في " مجموع الفتاوى " (2/491) وما بعدها : " فقوله في الحديث : " بيدي الأمر , أقلب الليل والنهار " يبين أنه ليس المراد به أنه الزمان , فإنه – سبحانه – قد أخبر أن يقلب الليل والنهار , والزمان هو الليل والنهار , فدل نفس الحديث على أنه هو يقلب الزمان ويصرفه , كما دل عليه قوله تعالى : ] ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله وينـزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار [

وإزجاء السحاب : سوقه , والودق : المطر ..." قال : " وقد أخبر سبحانه بخلق الزمان في غير موضع , كقوله : ] وجعل الظلمات والنور [ وقوله : ] وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون [ وقوله : ] وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا [ وقوله : ] إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب [ وغير ذلك من النصوص التي تبين أنه خالق الزمان ، ولا يتوهم عاقل أن الله هو الزمان , فإن الزمان هو مقدار الحركة , والحركة مقدارها من باب الأعراض والصفات القائمة بغيرها : كالحركة , والسكون , والسواد , والبياض ولا يقول عاقل : إن خالق العالم هو من باب الأعراض والصفات المفتقرة إلى الجواهر والأعيان , فإن الأعراض لا تقوم بنفسها , بل هي مفتقرة إلى محل تقوم به , والمفتقر إلى ما يغايره لا يوجد بنفسه , بل بذلك الغير , فهو محتاج إلى ما به في نفسه من غيره , فكيف يكون هو الخالق ؟ "

ثم قال : " إذا تبين هذا ؛ فللناس في الحديث قولان معروفان لأصحاب أحمد وغيرهم :

أحدهما : - وهو قول أبي عبيدة , وأكثر العلماء - أن هذا الحديث خرج الكلام فيه لرد ما يقوله أهل الجاهلية ومن أشبههم , فإنهم إذا أصابتهم مصيبة , أو مُنِعُوا أغراضهم , أخذوا يسبون الدهر والزمان , يقول أحدهم : قبح الله الدهر الذي شتت شملنا , ولعن الله الزمان الذي جرى فيه كذا وكذا , وكثيرًا ما جرى من كلام الشعراء وأمثالهم نحو هذا , كقولهم : يا دهر فعلت كذا , وهم يقصدون سب من فعل تلك الأمور , ويضيفونها إلى الدهر , فيقع السب على الله تعالى , لأنه هو الذي فعل تلك الأمور وأحدثها , والدهر مخلوق له , هو الذي يقلبه ويصرفه .

والتقدير أن ابن آدم يسب من فعل هذه الأمور , وأنا فعلتها , فإذا سب الدهر , فمقصوده سب الفاعل , وإن أضاف الفعل إلى الدهر , فالدهر لا فعل له , وإنما هو الله وحده ..." .

قال : " والقول الثاني : قول نعيم بن حماد وطائفة معه من أهل الحديث والصوفيه : أن " الدهر " من أسماء الله تعالى , ومعناه القديم الأزلي " قال : " ورووا في بعض الأدعية : يادهر , ياديهور , ياديهار , وهذا المعنى صحيح , لأن الله هو الأول , وليس قبله شيء , وهو الآخر وليس بعده شيء , فهذا المعنى صحيح , إنما النـزاع في كونه يسمى : "دهر" بكل حال , فقد أجمع المسلمون – وهو مما علم بالعقل الصريح – أن الله سبحانه وتعالى ليس هو " الدهر " الذي هو الزمان ، أو ما يجري مجرى الزمان ، فإن الناس متفقون على أن الزمان هو الليل والنهار ... " اهـ .

وقال الإمام ابن القيم - رحمة الله عليه - في " زاد المعاد " (2/323-324) : " في هذا ثلاث مفاسد عظيمة :

إحداها : سبه من ليس بأهل أن يسب , فإن "الدهر" خَلْقُ مُسَخَّرٌ من خلق الله , منقاد لأمره , مذلل لتسخيره , فسابُّهُ أولى بالذم والسب منه .

الثانية : أن سبه متضمن للشرك , فإنما سبه لظنه أنه يضر وينفع , وأنه مع ذلك ظالم , قد ضر من لا يستحق الضرر , وأعطى من لا يستحق العطاء , ورفع من لا يستحق الرفعة , وحرم من لا يستحق الحرمان , وهو عند شاتميه من أظلم الظلمة , وأشعار هؤلاء الظلمة الخونة في سبه كثير جدًّا , وكثير من الجهال يصرح بلعنه وتقبيحه .

الثالثة : أن السب منهم إنما يقع على من فعل هذه الفعال , التي لو اتبع الحق فيها أهواءهم ؛ لفسدت السماوات والأرض , وإذا وقعت أهواؤهم حمدوا الدهر , وأثنوا عليه , وفي حقيقة الأمر : فرب الدهر تعالى هو المعطي المانع , الخافض الرافع , المعز المذل , والدهر ليس له من الأمر شيء , فمسبتهم للدهر مسبة لله عز وجل , ولهذا كانت مؤذية للرب تعالى ...

فساب الدهر دائر بين أمرين لابد له من أحدهما : إما سبه لله , أو الشرك به , فإنه إذا اعتقد أن الدهر فاعل مع الله ؛ فهو مشرك , وإن اعتقد أن الله وحده هو الذي فعل ذلك , وهو يسب من فعله ؛ فقد سب الله اهـ .

وبنحو هذا كله قال غير واحد , انظر " فتح الباري " للحافظ ابن حجر (8/574-575) (10/564-566) والذي ينظر في كلام أهل العلم يجد أن " الدهر " ليس اسما لله - عز وجل - لأسباب :

1- قول الله - عز وجل - في الحديث القدسي : " وأنا الدهر , بيدي الأمر , أُقَلِّبُ الليل والنهار " فالمقلِّب غير المقلَّب , والمراد : وأنا أدبر الدهر وأصرفه .

2- أن هذا الحديث خرج للرد على أهل الجاهلية الذين يسبون الدهر , سواء كانوا من الدهرية الذين يعتقدون أن الدهر هو الذي يضر وينفع , فقد قالوا – قاتلهم الله – كما قال الله عز وجل عنهم : ] وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر [ .

أو كان الذين يسبون الدهر يعتقدون أن الله هو الذي يضر وينفع , لكن يسبون الدهر لأنه ظرف لهذه المكروهات عندهم , وقد جاء عند ابن جرير الطبري في " تفسيره " في سورة الجاثية أن أبا هريرة روى عن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - أنه قال : " كان أهل الجاهلية يقولون : إنما يهلكنا الليل والنهار , وهو الذي يهلكنا ويميتنا ويحيينا , فقال الله في كتابه : ]وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر[ قال : فيسبون الدهر , فقال الله تبارك وتعالى : " يؤذيني ابن آدم بسب الدهر , وأنا الدهر , بيدي الأمر أقلب الليل والنهار " وقد صححه شيخنا مقبل بن هادي الوادعي - رحمه الله - في " الصحيح المسند من أسباب النـزول " (ص183) وذكره السيوطي موقوفا , وسواء كان مرفوعا أو موقوفا فهو شاهد صحيح لما نحن فيه , والله أعلم .

3- أن من المعلوم أن أسماء الله - عز وجل - قد بلغت في الحسن غايته , فهي الأسماء الحسنى , ومعلوم أن كل اسم يدل على معنى وصفة لله - عز وجل - وهذا لايكون في الأسماء الجامدة , و " الدهر " من الأسماء الجامدة , انظر ما قاله شيخنا ابن عثيمين – حفظه الله – في " القول المفيد " (2/358) وفي " القواعد المثلى " (ص12) .

4- ولو كان " الدهر " اسما من أسماء الله - عز وجل - لما عاب الله - تبارك وتعالى - على الذين قالوا : ] وما يهلكنا إلا الدهر [ فقال : ] ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون [ [الجاثية : 24] .

فلو كان الأمر على ما ذهب إليه ابن حزم ، ومن قال بأن " الدهر " اسم من أسماء الله - عز وجل - لكان هؤلاء مصيبين اهـ . بمعناه من " تيسير العزيز الحميد " للشيخ سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب - رحمهم الله جميعا - (ص 611) .

وقد ذكر الشيخ سليمان - رحمه الله - عدة أبيات من أشعار الذين يسبون الدهر , فقال : كقول ابن المعتز :

يا دهر ويحك ما أبقيتَ لي أحدًا     وأنت والدُ سوءٍ تأكل الولدا

وقول أبي الطيب :

قبحا لوجهك يا زمان فإنه       وجه له من كل قبح بُرقع

وقول الطرفي :

إن تبتلى بلئام الناس يرفعهم      عليك دهر لأهل الفضل قد خان

وقول الحريري :

ولا تأمن الدهر الخؤون ومكره     فكم خامل أخنا عليه ونابه

اهـ . (609)

(تنبيه) : نقل صاحب " معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى " (ص444-446) عدة أقوال للإمام أحمد - رحمه الله - في هذه المسألة , والصواب ما سبق ترجيحه .

(تنيبيه آخر) : شاع على ألسنة كثير من الناس : أصابني الدهر بكذا , أو أصابتني قوارع الدهر , أو ما سلمت من غائلة الدهر , أو نحو ذلك , فيضيف ما كان من مقادير الله - عز وجل - إلى الدهر , وهذا لا يجوز , سواء سب الدهر , أو لم يسبه , وفيه تشبه بأهل الباطل , والله المستعان .