كتب للقراءة

أطواق النجاة في بيان حال من حكم بغير ما أنزل الله

أطواق النجاة في بيان حال من حكم بغير ما أنزل الله

2– التَّقْنِين

صورتها: أن يَحْكُم بغير ما أنزل الله بحكمٍ أَتَى به من عند نَفْسِه.

بمعنى أنه هو الذي اخترع ذلك الحكم أو القانون، ولا يكون مُسْتَحِلًّا، ولا جَاحِدًا، ولا مُكَذِّبًا، ولا مُفَضِّلًا، ولا مُسَاوِيًا،… إلخ، ولا يَنْسب الحكمَ الذي جاء به لدين الله، هذا شَرْطٌ لعدم تكفيره الكفر الأكبر، وهذا الشرط قد يظهره الحاكم بغير ما أنزل الله عند سؤاله عن الدافع له بحكمه بغير ما أنزل الله، وكثيرًا ما يكون في حقيقته غير ذلك، وقد ينقدح هذا في نفوسنا، لاسيما مع قرائن قد تدعمه؛ لكن الله-جل شأنُه- ما كلفنا إلا بالعمل بالظاهر، وسرائر العباد نَكِلُها إلى مولاهم، وليست إلينا!!.

حُكْمُها: الكفرُ الأصغرُ.

وذلك لعدم وجود دليل يوجب تكفيره كُفْرًا أكبر، فالشريعة لم تُعَلِّق الكُفْرَ الأكبر على مَصْدر الحُكْم، ومن الذي وضعه، إنما علّقته بأمور اعتقادية كما مرَّبنا، كما أن الأدلة لم تفرق بين من حَكَمَ بحُكْم غيره ومن حَكَمَ بحُكْم نفسه؛ فالكل من عند غير الله -جل شأنه-.

وإذا كنَّا لا نُكَفِّر الحاكم بغير ما أنزل الله في قضية واحدة للأسباب السابق ذِكْرها؛ فكذلك لا نُكَفِّره إذا حكم بغير ما أنزل الله في اثنتين بالشرط السابق ذِكْرُهُ، وإذا سَلَّمْنا بهذا؛ فكذلك لا نُكَفِّره فيما فوق ذلك من أعداد ما لم يَسْتَحِلّ، أو يُفَصِّل، أو يقول بالمساواة… إلخ، ومن فَرَّقَ بين عدد من القضايا وغيره؛ طُولِبَ بالدليل على التفرقة، والله أعلم.

ومع أن هذه الحالة من أشد الحالات نزاعًا بين طلاب العلم في هذا الزمان، إلا أن العلماء الكبار في هذا العصر -وهم أئمتنا وتاج رؤوسنا-: ومنهم الأئمة: ابن باز، والألباني، وابن عثيمين -رحمهم الله جميعا- اتفقوا على عدم التكفير بها، اتباعًا منهم لما كان عليه السلف.

فقد قال سماحة الشيخ ابن باز – رَحِمَهُ اللهُ –: «فإذا سَنَّ قانونًا، يتضمن أنه لا حَدَّ على الزاني، أو لا حَدَّ على السارق…: فهذا قانونٌ باطلٌ، وإذا اسْتَحَلَّهُ الوالي؛ كَفَرَ».([119])

وانظر كلام شيخنا الألباني – رَحِمَهُ اللهُ – بعدم تكفير من شَرَعَ القانونَ إلا إن اسْتَحَلَّهُ، في «سلسلة الهدى والنور».([120])

فقد سئل – رَحِمَهُ اللهُ –: «سؤال: فيه بعض العلماء يقولون على قول الله -سبحانه وتعالى-: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ] {المائدة:44} [ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ] {المائدة:45}… إلى آخره.

يقولون حين يقولون: هذا يُخْرِج من الملة، وفيه منهم من يقول: ليس مخرجًا من الملة، مع العلم اليوم أكثر البلدان -إلا من رحم الله- يَحْكُمون بالقوانين، فهل هؤلاء الذين يَحْكُمون بالقوانين يَخْرُجون من الملة، والعياذ بالله، أم لا يخرجون من الملة؟

الجواب: تفسير الآيات الثلاث هذه التي أشرتَ إليها: ذَكَرَ إمامُ المفسرين وهو: محمد بن جرير الطبري أن معنى هذه الآية: [ﮪ ﮫ ﮬ] {المائدة:44} إذا استحل الحكم بغير ما أنزل الله؛ فيكون شَأْنُهُ شأْنَ الكفار، لكن يجب أن يلاحَظَ أن الاستحلال قسمان: استحلالٌ قلبيٌّ، واستحلالٌ عمليٌّ.

الذي يُخْرِجُ من الملة هو: الاستحلالُ القلبيُّ، أما الاستحلالُ العمليُّ: فكل الأوساط واقعون فيه، الذي يَسْرِق، والذي يزني، والذي يَغِشُّ، والذي.. إلى آخره، كلهم يواقعون هذه المعاصي، ويرتكبونها، ويستحلونها عمليًا، ولا فرق بين هؤلاء، وبين من يحكم بغير ما أنزل الله، كُلُّهم مُجْرِمُون، كُلُّ الأوساط، ولكن كما قيل: حَنَانَيْكَ بعضُ الشرِّ أَهْوَنُ من بعض.

ذاك الذي يرابي، والربا من أكبر الكبائر -كما تعلمون- إن استحل ذلك بقلبه؛ ارتد عن دينه! وإذا اعترف بمعصيته؛ فهو فاسقٌ، أمره إلى الله، وداخلٌ في عموم قوله تعالى: [ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ] {النساء:48}.

كذلك كل من يحكم بغير ما أنزل الله، إن حَكَمَ بما حَكَمَ به -ولو في حَكُومة واحدة، مِشْ ضروري في كل الأحكام، ولو في حَكُومة واحدة- إذا رأى أن هذا الحكم هو الذي يَصْلُح لهذا الزمان بخلاف حُكْم الإسلام؛ فقد ارتد عن دينه، ليس في كل الأحكام، ولو في حُكْم واحد، فما بالك إذا كان يَسْتَحْسِنُ الحُكْمَ بكل القوانين، التي هو يطبقها على الأمة، فإن اسْتَحَلَّ ذلك قلبيًا؛ فهو مرتد عن دينه، أما لو حوسِبَ ونُوقِشَ، فقيل له: لماذا أنت تفعل هكذا، وهذا خلاف الشرع؟ فقال: الله يتوب علينا، وإن شاء الله نتمكن من الحكم بما أنزل الله؛ فهذا ليس كُفْرُه كُفْرَ مِلَّةٍ، وإنما هو كُفْر عَمَليٌّ.

لذلك فمما استفدناه من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في كُتبه: تقسيمُ الكُفْر إلى قسمين، بل إلى أربعة أقسام، لكن هما في النتيجة قسمان: كُفْرٌ عمليٌّ، وكُفْرٌ اعتقاديٌّ، كُفْرٌ لفظيّ، وكُفْرٌ قَلْبي، كُفْرٌ لفظي، وكفر قلبي، الكفر اللفظي لا يُخْرِج من الملة، الذي يُخرج هو الكفر القلبي.

السائل: يقول السائل: ما هو التفسير الصحيح لقول ربنا -تبارك وتعالى- في كتابه: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ] {المائدة:44}.

الجواب: نعم، التفسير الصحيح هو ما جاء في «تفسير ابن جرير الطبري» و «تفسير ابن كثير الدمشقي»، أن المقصود بـ «الكافرون» هنا: هم الذين لا يؤمنون بشريعة الله -تبارك وتعالى- أي: لا يَحْكُمون بما أنزل الله؛ لأنهم لا يرون ما أنزل الله شَرْعًا صالحًا للحكم به في كل زمان، وفي كل مكان، فكل من اعتقد هذا الاعتقادَ، كاليهود الذين في حَقِّهم نزلت هذه الآيةُ الكريمةُ؛ يكون كافرًا مرتدًا عن دينه.

ولكن هنا شيءٌ لابُدَّ مِن ذِكْرِهِ: إن آمن بشريعة الله -تبارك وتعالى- وأنها صالحة لكل زمان، ولكل مكان، ولكنه لا يَحْكُم فعلًا بها، إما كُلًّا وإما بَعْضًَا أو جُزْءً؛ فله نصيب من هذه الآية، له نصيب من هذه الآية، لكن هذا النصيب لا يَصِلُ به إلى أن يَخْرُج عن دائرة الإسلام، فيجب أن نعلم أن هناك إيمانًا، وهناك إسلامًا، الإيمانُ هو الذي اسْتَقَرَّ في القلب، والإسلامُ: هو أَثَرُ هذا الإيمانِ الذي يَظْهَر على الجسد والأبدان، وبنسبة قوة الإيمان الذي يكون القلب المؤمن؛ يكون صلاحُ ظاهر هذا الإنسان، واستقامةُ جوارحه وبدنه.

كما أشار -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- إلى هذه الحقيقة بقوله في حديث النعمان بن بشير، الذي أوله: «إنَّ الحلالَ بَيِّنٌ، والحرامَ بَيِّنٌ…» إلى أن يقول -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: «ألا وإنَّ في الجسد مُضْغَةً، إذا صَلَحَتْ؛ صَلَحَ الجسدُ كُلُّه، وإذا فَسَدَتْ؛ فَسَدَ الجسدُ كُلُّه، ألا وهي: القلب».

فصلاح الظاهر مرتبط بصلاح الباطن، بشهادة هذا الحديثِ وبعضِ الأحاديث الأخرى، التي سبق ذكرها في ابتداء هذه الجَلْسَة، لكن إذا كان بنسبة قوة الإيمان يكون نسبةُ الصلاح في البدن كما ذكرنا، هذا الصلاح الظاهر هو الإسلام، فإذا المسلم أَخَلَّ بشيء من الأحكام الإسلامية؛ فالإخلال هذا لا يُخْرِجُه عن دائرة الإسلام، قد يخرجه عن دائرة الإيمان المطلق، أي: الكامل، بعض العلماء يفسرون قوله -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- في الحديث الصحيح: «لا يَزْني الزاني حين يَزْني وهو مؤمن» هل الزاني إذا زنى كَفَرَ وارْتَدَّ عن دينه؟

الجواب: لا أحد من المسلمين الذين هم على طريقة أهل السنة والجماعة يقولون: بأن الزنا أو غير الزنا – من المعاصي، بل ومن الكبائر – يُخْرِجُ المسلمَ من دائرة الإسلام.

إذًا: ما معنى قوله -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: «لا يَزْني الزاني حين يَزْني وهو مؤمن؟» أي: لا يكون مؤمنًا كامِلَ الإيمان، لكن هو بذلك لا يَخْرُجُ عن دائرة الإسلام، وشَبَّهَ بعضُهم الإيمانَ بدائرةٍ، وحَوْلَ هذه الدائرة دائرةٌ أخرى تحيط بالدائرة الأولى، فحينما زنى الزاني؛ خرج من الدائرة الأُولى أي: الإيمانُ الكاملُ، لكنه ما خرج من الدائرة الأخرى، وهي: دائرةُ الإسلام؛ فهو لا يزال مسلمًا.

كذلك كل من يَعْصِي الله -عَزَّ وَجَلَّ- أيَّ معصية كانت، لا يجوز إخراجُهُ من الدائرة الأخرى الكُبرى، وهي: دائرة الإسلام، إلا إذا جَحَدَ شيئًا مما يتعلق بالدائرة الأولى أي: دائرة الإيمان، فإذا أنكر ما جاء في الشرع، وهذا الإنكارُ له علاقةٌ بالإيمان؛ حينئذ خَرَجَ عن دائرة الإيمان، وعن دائرة الإسلام.

فالآية السابقة: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ] {المائدة:44} إن كان الذي لا يَحْكُم يُنْكِر صلاحَ الشريعة أن يُحْكَم بها في كل زمان ومكان؛ فقد خرج عن الدائرتين: دائرةِ الإيمان، ودائرةِ الإسلام أي: صار مرتدًا عن دين الله -تبارك وتعالى-.

أما إن كان يؤمن بما في الدائرة الأُولى وهو: وجوب الحكم بما أنزل الله، لكن هو فِعْلًا كما قلنا آنفًا: لا يَحْكُم بما أنزل الله، إما كُلاًّ وإما جُزْءًا؛ فحينئذ خرج عن دائرة الإيمان الدائرة الكاملة، ولكنه لا يزال داخل الدائرة الأخرى، وهي دائرة الإسلام، لذلك قال تَرْجُمان القرآن عبد الله بن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قال: ليس الأمر في تفسير هذه الآية: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ] {المائدة:44} كما يقولون: أي: كما يقولون الغُلاةُ قديمًا، ويقول بعضهم اليوم حديثًا: إنه الكفر بعينه؟ قال: لا، ابن عباس يقول: لا، إنما هو كُفْرٌ دون كُفْرٍ، إنما هو كُفْرٌ دون كُفْرٍ، وهذه الجملة التي نَطَقَ بها تَرْجُمان القرآن، وفَسَّر بها تلك الآيةَ الكريمةَ، عليها شواهدُ عديدةٌ جدًا من السنة، بل ومن القرآن الكريم.

في الحديث الصحيح المتفق على صحته بين الشيخين: أنه -عَلَيْهِ السَّلَامُ- قال: «سِبَابُ المسلم فُسُوقٌ، وقِتَالُهُ كُفْرٌ».

فالمسلمُ حينما يقاتل أخاه المسلمَ؛ كَفَر بِنَصِّ هذا الحديث كُفْرًا، لكن احْفَظُوا جيدًا كلمة عبد الله بن عباس: «كُفْرٌ دون كُفْرٍ» ما الدليل على ذلك؟ أدلة كثيرة كما قلت آنفًا، منها: قوله -تبارك وتعالى-: [ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ] {الحجرات:9}.

فإذًا: هنا طائفتان من المؤمنين اقتتلوا، إحداهما: باغيةٌ، إحداهما مُعْتَدِيَةٌ، أُمِرَتْ الطائفةُ المُسْلِمَةُ المُحِقَّةُ أن يقاتِلُوا الطائفةَ الباغيةَ، لكن نحن نرى هنا في نص الآية أن الله -عَزَّ وَجَلَّ- ما رفع عنهم اسْمَ الإيمان، وهو قوله -تبارك وتعالى-: [ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ] {الحجرات:9}.

فإذًا: هؤلاء البغاة الذين يقاتلون أهلَ الحق هم مؤمنون من جهة، ولكن وقعوا في الكفر من جهة أخرى، ذلك هو معنى قول ابن عباس: «كُفْرٌ دون كُفْرٍ».

فإذًا: الآية المسئول عنها: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ] {المائدة:44}.

إنما تعني كُفْرَ جُحُودٍ، أو كُفْرَ عَمَلٍ؟ فمن جَحَدَ شرعيةَ العملِ بالقرآن؛ فهو كافر مرتد عن دينه، ومن اعترف وأَقَرَّ بذلك؛ فهو مؤمن، ولكنه إيمانُهُ ناقِصٌ؛ لأنه لا يَعْمَلُ بما يؤمن به، من هنا قال أهل العلم: بأن الإيمان يزيد، ويَنْقُصُ، وزيادتُه الطاعةُ، ونقصانُهُ المعصيةُ». اهـ ([121])

قلتُ: في بعض ما أطلق سماحة الشيخ – رَحِمَهُ اللهُ – أشياء تحتاج إلى قيود، كقوله – رَحِمَهُ اللهُ -: «لا يجوز إخراجه من الدائرة الكبرى -وهي دائرة الإسلام- إلا إذا جحد شيئًا مما يتعلق بالدائرة الأولى، -أي دائرة الإيمان-…» وهذه القيود والتفاصيل قد ذكرها سماحة الشيخ – رَحِمَهُ اللهُ – في غير ما موضع من كتبه وأشرطته، بما يوافق معتقد أهل السنة، فرَحِمَهُ اللهُ رحمة واسعة.

وقال شيخنا العلامة ابن عثيمين – رَحِمَهُ اللهُ –: «الحُكْم بغير ما أنزل الله ليس بكفر مُخْرِجٍ عن الملة، لكنه كُفْرٌ عمليٌّ أصغر؛ لأن الحاكم بذلك خرج عن الطريق الصحيح، ولا يُفَرَّق في ذلك بين الرجل الذي يأخذ قانونًا وضعيًا مِنْ قِبَلِ غيره ويُحَكِّمُه في دولته، وبين من يُنْشِئ قانونًا، ويضع هذا القانون الوضعي؛ إذ المهم هو هل هذا القانون يخالف القانون السماوي أم لا؟([122])

ويُلْحَق بهذه الصورة صورةٌ أخرى قريبةٌ منها، وهي:

🕮 🕮 🕮