كتب للقراءة

أطواق النجاة في بيان حال من حكم بغير ما أنزل الله

أطواق النجاة في بيان حال من حكم بغير ما أنزل الله

فصل (شبهاتٌ والجوابُ عليها)

  • فصل (شبهاتٌ والجوابُ عليها(

الشبهة الأولى

  • اعترض بعضُهم: بأن ما وَرَدَ من تفسير عن ابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-إنما هي آثار ضعيفةُ السند؛ فلا يُحتج بها.

والجواب:

أثر ابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- صحيح؛ فقد سبق الكلام على مصادر تخريجه وحال أسانيده بما يَدْفَعُ قَولَ من ضعَّفه، بل قد تلَّقاه كثيرٌ من الأئمة عنه بالقبول، وقد سبقت بعض الطرق إليه بألفاظ قريبة المعنى من اللفظ المشهور، وهو (كُفْرٌ دون كُفْر) وهي طرق ثابتة عنه، وعن تلامذته.

وقد احتج به شيخ الإسلام ابن تيمية – رَحِمَهُ اللهُ – كما في «مجموع الفتاوى» ([123])

وكذا الإمام ابن القيم – رَحِمَهُ اللهُ – في «مدارج السالكين» ([124])

وقال العلامة الفقيه محمد بن صالح العثيمين – رَحِمَهُ اللهُ – كما في «فتنة التكفير»: «احتج الشيخ الألباني بهذا الأثر عن ابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-، وكذلك غيره من العلماء، الذين تَلَقَّوْهُ بالقبول، وإن كان في سنده ما فيه، لكنهم تَلَقَّوْهُ بالقبول؛ لِصِدْقِ حقيقته على كثير من النصوص… لكن لما كان هذا لا يُرْضِي هؤلاء المفتونين بالتكفير؛ صاروا يقولون: (هذا الأثر غير مقبول)، ولا يصح عن ابن عباس، فيقال لهم: كيف لا يصح وقد تَلَقَّاه من هو أكبر منكم وأفضل وأعلم بالحديث؟!! وتقولون لا نَقْبَلُ؟!!، فيكفينا أن علماءَ جهابذةً، كشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم وغيرهما تَلَقَّوْهُ بالقبول، ويتكلمون به ويَنْقُلونه؛ فالأثر صحيح». اهـ.

قلت: والآن إليك التفصيلَ في الكلام على هذا الأثر من الناحية الحديثية:

جاء عن ابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في هذا ألفاظ منها:

اللفظ الأول: «كُفْرٌ لا يَنْقُلُ عن الملة».

رواه ابن نصر المروزي([125]) من طريق عبد الرزاق عن سفيان عن رجلٍ عن طاووس عن ابن عباس به، وفي إسناده رجلٌ مُبْهَمٌ؛ فلا يَصِحُّ بهذا اللفظ، وإن صَحَّ بمعناه من جهة أخرى.

واللفظ الثاني: «إنه ليس بالكُفر الذي يَذْهبون إليه، إنه ليس كُفرًا ينقُل عن الملة».

رواه -أيضًا- ابن نصر المروزي([126]) من طريق ابن عيينة عن هشام بن حُجَيْر عن طاووس عن ابن عباسٍ.

وهشام ضعيف؛ ضَعَّفَه الإمامُ أحمد، ويحيى بن معين، والعقيلي وجماعة، وقال علي بن المديني: قرأت على يحي بن سعيد: حدثنا ابن جريج عن هشام بن حجير، فقال يحي بن سعيد: خَلِيقٌ أن أَدَعَهُ. قلت: أَضْربُ على حديثه؟ قال نعم.

وقال ابن عيينة: لم نكن نأخذ عن هشام بن حجير ما لا نجده عند غيره.([127])

فلا يَصِحُّ أيضا بهذا اللفظ، وإن ثبت بمعناه.

واللفظ الثالث: «كُفْرٌ دون كفر».

رواه الحاكم([128]) من طريق ابن عيينة عن هشام بن حُجَيْرٍ عن طاووس عن ابن عباس، وفيه هشام بن حُجَيْر؛ فلا يَصِحُّ.

واللفظ الرابع: «هي به كُفْر».([129])

واللفظ الخامس: «هي به كفرٌ، وليس كفرًا بالله وملائكته وكتبه ورسله».([130])

ولكن، في اللفظين الرابع والخامس وقْفتان:

الأولى: قال أحمد بن حنبل -كما في ترجمة معمر في «تهذيب» المزي وابن حجر-: حديث عبد الرزاق عن معمر أَحَبُّ إليَّ من حديث هؤلاء البصريين، كان يتعاهد كُتُبَهُ، ويَنْظُر فيها باليمن، وكان يحدثهم حِفْظًا بالبصرة – يعني معمرًا-. اهـ

قلت: واللفظ الرابع من رواية عبد الرزاق عن معمر، وأما رواية عبد الرزاق عن سفيان عن رجل عن طاوس… فسبقت باللفظ الأول، ولا يُعِلُّ هذه الروايةَ.

والثانية: وأما الكلام على الأثر من جهة الدراية، فقول ابن عباس «هي به كُفْر» ليس معناه كُفْرًا أكبر.

فلفظة «هي به كُفْر» من ألفاظ الكُفْر الأصغر؛ للآتي:

1 – قول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمْ-» اثنتان في الناس هما بهم كُفْر: النياحةُ، والطعنُ في الأنساب» ([131]) ومعلومٌ أنهما كبيرتان لا يَكْفُر من ارتكبهما إلا بشروط أخرى.

2 – قول ابن عباس في الرواية الثابتة: «وليس كمن كَفَرَ بالله وملائكتِهِ وكُتبِهِ ورسلِهِ».

3 – ما أخرجه عبد الرزاق -بسند صحيح-([132]) عن ابن طاوس عن أبيه قال: سئل ابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- عن الذي يأتي امرأته في دُبُرِها؛ فقال: هذا يسائلني عن الكفر!.

قلت: ومع ذلك يُشْتَرَطُ الاستحلالُ للتكفير بذلك بالإجماع.

4 – إيراد ابن بطة – رَحِمَهُ اللهُ – لأثر ابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-هذا في «الإبانة» ([133]) تحت باب:

«ذِكْر الذنوب التي تصير بصاحبها إلى كُفْر غير خارج به من الملّة»،

وذكر ضمن هذا الباب: الحكم بغير ما أنزل الله، وأورد آثار الصحابة والتابعين على أنه كفر أصغر غير ناقل من الملة».

فابنُ بطة – رَحِمَهُ اللهُ – أَعْلَمُ بألفاظ السلف من غيره من المعاصرين.

وأما حَمْلُ الأثر على من يَحْكُم بغير ما أنزل الله في مسألة أو اثنتين؛ فهذا تَحَكُّمٌ لا دليل عليه؛ إذْ أن نَصَّ الآية عامٌّ، وتفسيرَ ابنِ عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- لها عامٌّ، ولا يُسْتَثْنى منه إلا ما أَجْمَعُوا عليه: كالحكم بغير ما أنزل الله استحلالًا، أو جحودًا، أو استكبارًا،… إلخ، والتي تكون جميع الذنوب معها كفرًا أكبرًا بإجماع أهل السنة.

وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية – رَحِمَهُ اللهُ – كما في «مجموع الفتاوى»([134]): أن الإمام أحمد – رَحِمَهُ اللهُ – سئل عن الكفر المذكور في آية الحكم؛ فقال: «كفر لا يَنْقُلُ عن الملة؛ مِثْلُ الإيمانِ، بعضِهِ دون بعضٍ، فكذلك الكفر، حتى يجيء من ذلك أَمْرٌ لا يُخْتَلَفُ فيه». اهـ

يعني حتى يأتي بالأمر المجمع عليه في التكفير به.

وهذا ما صرح به ابن عباس نفسه في رواية علي بن أبي طلحة:

فقد قال ابن جرير الطبري – رَحِمَهُ اللهُ – في «تفسيره»: «حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ] [سورة المائدة آية: 44]، قَالَ: «مَنْ جَحَدَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ؛ فَقَدْ كَفَرَ، وَمَنْ أَقَرَّ بِهِ؛ وَلَمْ يَحْكُمْ؛ فَهُوَ ظَالِمٌ فَاسِقٌ.

وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ عِنْدِي بِالصَّوَابِ: قَوْلُ مَنْ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ فِي كُفَّارِ أَهْلِ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الْآيَاتِ فَفِيهِمْ نَزَلَتْ، وَهُمُ الْمَعْنِيُّونَ بِهَا، وَهَذِهِ الْآيَاتُ سِيَاقُ الْخَبَرِ عَنْهُمْ، فَكَوْنُهَا خَبَرًا عَنْهُمْ أَوْلَى.

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّ اللَّهَ -تَعَالَى ذِكْرُهُ- قَدْ عَمَّ بِالْخَبَرِ بِذَلِكَ عَنْ جَمِيعِ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، فَكَيْفَ جَعَلْتَهُ خَاصًّا؟

قِيلَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَمَّمَ بِالْخَبَرِ بِذَلِكَ عَنْ قَوْمٍ كَانُوا بِحُكْمِ اللَّهِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ فِي كِتَابِهِ جَاحِدِينَ، فَأَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ بِتَرْكِهِمُ الْحُكْمَ عَلَى سَبِيلِ مَا تَرَكُوهُ كَافِرُونَ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي كُلِّ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ جَاحِدًا بِهِ، هُوَ بِاللَّهِ كَافِرٌ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ؛ لِأَنَّهُ بِجُحُودِهِ حُكْمَ اللَّهُ بَعْدَ عِلْمِهِ أَنَّهُ أَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ: نَظِيرُ جُحُودِهِ نُبُوَّةَ نَبِيِّهِ بَعْدَ عِلْمِهِ أَنَّهُ نَبِيُّ». اهـ([135])

🕮 🕮 🕮

الشبهة الثانية

  • الحُكْمُ بغير ما أنزل الله.. عبادةٌ.. قال الله -سبحانه وتعالى-: [ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ] {يوسف:40}.. فمن زَعَمَ اشتراطَ الاستحلال في تكفير الحاكم بغير ما أنزل الله؛ فعليه أن يَشْتَرِطَ ذلك أيضًا في تكفير الواقع في دعاء غير الله، وسائر العبادات التي تُصْرَفُ لغير الله!!

والجواب:

كل ما أوجبه الله -جل وعلا- أو استحبه على عباده؛ فهو مما يَعْبُدُ العبادُ ربَّهم بأدائه، لكن ليس كل ما كان كذلك كان تَرْكُهُ عن هوًى وشهوةٍ مع الإقرار بأن مخالفةَ هذا الواجب حرامٌ، ومخالِفَهُ مُسْتَحِقٌّ للعقاب -ونحو ذلك-؛ كان تركُه كفرًا أكبر؛ كَبِرِّ الوالدين، فهذا واجب لا شك فيه، ومما يتعبَّد المرء ربَّه به، فلو عقَّ إنسانٌ والديه، وأطاع هواه وشيطانه في العقوق، ولم يَسْتحِل ذلك العقوق؛ هل يكون قد صرف عبادةً لغير الله؛ فيكون كافرا؟

وأيضًا: صاحب المثال الذي ذكرتُه -وهو العاق- لم يصرف عبادة لغير الله؛ إنما ترك واجبا وعبادةً لله، وعصى الله فيها، وكذلك الحاكم بغير ما أنزل الله، ترك عبادة الانقياد لحكم الله، والتكفير بالمعصية يُشترط فيه الاستحلال؛ فلا وجه لهذه الشبهة!!

وكذلك إكرام الضيف عبادة، فهل من لم يُكْرم ضيفه، أو من أكرمه رياءً وسمعةً، يُطلق فيه القول بأنه صرف عبادة لغير الله؛ فيَكْفُر بذلك كفر أكبر دون اشتراط الاستحلال ونحوه، وقِسْ على ذلك كلَّ أعمال البرِّ والمروءة، هل يكون المُقَصِّرُ فيها أو التَّاركُ لها تاركًا لعبادة؛ فَيَكْفُرُ دون اشتراط الاستحلال ونحوه في حقه لمجرد فعله المعصية؟! لو فتحنا هذا الباب؛ ما سَلِمَ أحدٌ من الكُفْر الأكبر، وكَفَى بقولٍ يؤول إلى هذا سقوطًا وقُبْحًا، والله أعلم.

🕮 🕮 🕮

الشبهة الثالثة

  • الحُكْمُ من خصائصِ الله -تعالى ذِكْره-، فهو فَرْعٌ عن توحيد الإلهية، فمن حَكَم بغير ما أنزل الله؛ فلسانُ حالِهِ أنه يدَّعي الإلهية، وينازع الله -جل وعلا- في ألوهيته.

والجواب:

نعم (الحكم) من خصائص الله -جل وعلا-، وكذلك (الخلق)؛ فهما قرينان كما في قوله تعالى: [ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ] {الأعراف:54}.

قال الحافظ ابن كثير – رَحِمَهُ اللهُ – في تفسيرها: «أَنَّهُ الْمُتَصَرِّفُ فِي خَلْقِهِ بِمَا يَشَاءُ، فَلَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ، وَهُوَ الْمُتَصَرِّفُ، فَكَمَا خَلَقَهُمْ كَمَا يَشَاءُ، وَيُسْعِدُ مَنْ يَشَاءُ، وَيُشْقِي مَنْ يَشَاءُ، وَيُصِحُّ مَنْ يَشَاءُ، وَيُمْرِضُ مَنْ يَشَاءُ، وَيُوَفِّقُ مَنْ يَشَاءُ، وَيَخْذُلُ مَنْ يَشَاءُ؛ كَذَلِكَ يَحْكُمُ فِي عِبَادِهِ بِمَا يَشَاءُ، فَيُحِلُّ مَا يَشَاءُ، وَيُحَرِّمُ مَا يَشَاءُ، وَيُبِيحُ مَا يَشَاءُ، وَيَحْظُرُ مَا يَشَاءُ، وَهُوَ الذِي يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ، لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ». اهـ.

قلت: وليس كل من نازع الله -جل ثناؤه- في شيء يَخُصُّه كَفَر:- فالمسْتَكْبِر -مثلا- منازع لله [ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ] {الحشر:23}، ومع ذلك لم يَكْفُر من تكبر على جاره أو صديقه… إلخ بمجرد ذلك إلا بالاستحلال ونحوه.

– وكذلك المُصَوِّر، الذي يَخْلُقُ كخَلْقِ الله؛ مُنَازِعٌ لله في خلقه، فهو -جل وعلا- وهو [ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ] {الحشر:24}، ومع ذلك لم يَكْفُر بفعله إلا بالاستحلال!!

وهكذا يمكن التمثيل بأنواع كثيرة من المعاصي، التي فيها منازعة لله -جل شأنه- في بعض خصائصه، لكن لا يكفُر كل من ارتكبها إلا باستحلالٍ ونحوه.

🕮 🕮 🕮

الشبهة الرابعة

  • إلزامُ الحكامِ الناسَ الذين تحت ولايتهم بهذه القوانين قرينةٌ دالةٌ على الاستحلال الذي سبق بيانه، وهو كُفْر أكبر.

يرى البعض أن العملَ بالقوانين، وإلزامَ الناس بها نوعٌ من الإباحة المؤدي إلى الاستحلال، ويبررون ذلك بأمور، منها:

1- مَنْـحُ التراخيـص التجـارية لمزاولة المحرمات، كالترخيص للبنوك بمزاولة الربا، والترخيص بفتح المراقص، وصالات القمار (الميسر) والخَمَّارات، وبيوت الدعارة في بعض البلدان.

2 – النصُّ على إباحـةِ ما حـرم الله بإطلاقٍ، كإباحة الردّة بالنصِّ في الدساتير على أن (حـريــة الاعتقــاد مكفولة).

3 – كما استدل بعض من قال: إن الاستحلال يُعْرَفُ بالفعل؛ بما صح في الرجل الذي تزوج امرأةَ أبيه، فأمر النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمْ- بِقَتْلِهِ، وتخميس ماله، وعَقْد لواءٍ لحربة، وهذا كله دليل على تكفيره، دون أن ينصُّوا على استحلاله أو ما كان في معناه!!

ولفظ الحديث هو: عن يزيد بن البراء عن أبيه -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: مَرَّ بي عَمِّي الحارث بن عمرو-رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ومعه لواءٌ قد عَقَدَهُ له رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمْ- قال: فسألته؟ قال: بَعَثَني رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمْ- أن أَضْرِبَ عُنُقَ رجلٍ تَزَوَّجَ امرأةَ أبيه.([136])

وفي بعض ألفاظ الحديث أنه: «أَخَذَ مالَهُ».

وجاءت زيادة أنه: «خمَّسَ مَالَه».

والحديث بزيادة التخميس هذه؛ قال عنه الإمام ابن القيم – رَحِمَهُ اللهُ -: «قال يحيى بن معين: هذا حديث صحيح». اهـ([137])

وقال عنه الحافظ ابن حجر – رَحِمَهُ اللهُ -: «إسناده حسن». اهـ([138])

ومحل الاسْتِشْهاد عندهم: أن الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمْ-قَتَلَه أو أَمَر بقتله دون أن يَسْتَفْسِرَ منه؛ هل اسْتَحَلَّ الفاحشةَ التي ارتكبها أم لا؟ فدل هذا عندهم على أن الفعل بذاته استحلالٌ مُكَفِّر؛ فهم يرون أن إصدار القوانين من الاسْتحلال العَمَلي المُكَفِّر، وأيضا: فتخميسُ المال يَدُل على أنه اعتبره فيئًا، والفَيْءُ هو: «كلُّ مالٍ أُخِذَ من الكفار بغير قتال».([139])

وهذا يدل على أنه قُتل مرتدًا.([140])

وهذه الشبهة حقيقةً هي من أقوى الشُّبَهِ في هذه المسألة؛ ألا وهي عدم التفصيل في مسألة الاستحلال، وأن الفعل هنا يدل على الاستحلال؛ فإن بعضَ من يُكَفِّر الأعيان بتحكيم القوانين اعتبر القرائن الحالية في الحكم على الشخص بالاستحلال.

والجواب:

1 – لسانُ الحال، أو القرائنُ الحالية ليْسَا مُعْتَبَريْنِ بإطلاقٍ في التكفير؛ فإنهما من الأمور المحتملة، والكُفر لا يُعْرَف إلا بالدليل الذي لا شبهة فيه، ولا تكفير مع الاحتمال، كما هو معلوم من قواعد أهل السنة في هذا الباب.

يقول أبو حامد الغزالي – رَحِمَهُ اللهُ –: «الكفر حُكْم شَرْعِيٌّ، كالرِّقِّ والحرية مثلًا؛ إذْ معناه: إباحةُ الدم، والحكْمُ بالخلود في النار، ومَدْرَكُهُ شَرْعِيٌّ، فَيُدْرَك إما بِنَصٍّ، وإما بقياسٍ على منصوصٍ». اهـ([141])

ويُؤَكِّد القاضي عياضٌ – رَحِمَهُ اللهُ – أن: «كَشْفَ اللَّبْس فيه -أي في التكفير- مَوْرِدُهُ الشرعُ، ولا مجال للعقل فيه». اهـ([142])

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رَحِمَهُ اللهُ -: «الكفر حُكْمٌ شرعيّ، و إنما يَثْبُتُ بالأدلة الشرعية». اهـ([143])

وقال أيضا – رَحِمَهُ اللهُ –: «الكفر ليس من الأحكام التي يَسْتَقِلُّ بها العقل». اهـ([144])

وقال أيضا – رَحِمَهُ اللهُ –: «التكفير لا يكون بأمر مُحْتَمَل». اهـ([145])

وقال أيضا – رَحِمَهُ اللهُ -: «الكفر حُكْمٌ شَرْعِيٌّ مُتَلَقًّى عن صاحب الشريعة، والعَقْلُ قد يُعْلَمُ به صوابُ القول وخطؤه، وليس كل ما كان خطأً في العقل؛ يكون كُفْرًا في الشرع، كما أنه ليس كل ما كان صوابًا في العقل؛ تجب في الشرع معرفته». اهـ([146])

ونقل ابن الوزير – رَحِمَهُ اللهُ – الإجماع على ذلك كله، فقال -: «التكفير سَمْعِيٌّ مَحْضٌ، لا مَدْخَل للعقل فيه،…، والدليل على الكفر والفِسْقِ لا يكون إلاَّ سَمْعِيًا قَطْعِيًا، ولا نزاع في ذلك». اهـ([147])

2 – الاسْتِحْلَالُ أَمْرٌ قَلْبِيٌّ؛ وذلك أن حقيقته هي: «اعتقاد حِلِّ الشيء المحرِّم».

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رَحِمَهُ اللهُ -: «والاستحلال: اعتقاد أنها حلالٌ له». اهـ([148])

وقال الشاطبي – رَحِمَهُ اللهُ -في «الاعتصام»: «لَفْظُ الِاسْتِحْلَالِ إِنما يُستعمل فِي الأَصل فِيمَنِ اعْتَقَدَ الشَّيْءَ حَلَالًا». اهـ([149])

وقال الإمام ابن القيم – رَحِمَهُ اللهُ –: «فإن المستحل للشيء هو: الذي يَفْعَلُه معتقدًا حِلَّه». اهـ([150])

وما كان أمرًا قلبيًّا؛ فإنه لا يُعْرَفُ إلا بالتصريح بما في النفس عن اختيار وعلم وقصد، فلا يؤخذ الاستحلال (القلبي) من القرائنِ الحَالِيَّةِ، مهما استفاضَتْ أو قَوِيَتْ؛ لأن الاستحلال من أعمال القلب، وما في القلوب لا يعلمه إلا علام الغيوب، إلا أن يُصَرِّح به صاحبه؛ وهكذا في كل أعمال القلب.

ولا اعتبار للقرائن في الحكم على ما في القلب، إلا أن تكون هذه القرائن كُفْرًا في ذاتها؛ فتشمل ما هو أَشَدُّ من الاستحلال، أو تدلُّ عليه بدلالة التضَمُّن.

فكُفر الظاهر -مثلًا-؛ دليل على كفر الباطن؛ كأن يكون هذا الرجل المستحل -مثلًا- قد أعلن خروجه عن الإسلام إلى النصرانية، فهذه قرينة تدل على أن أفعاله إنما تُبْنَى على أصول الكفر الذي اختاره: مِن عَدَم تحريم المحرمات، أو اعتقاد حِلِّها.

وقد تكون القرائن الظاهرة:

1 – اعتقاداتٍ (كإعلان الحاكم الكُفْر، أو الردة، أو كونه كافرًا بالأصل).

2 – أو أفعالًا (كإهانة كتاب الله أو وطْئه وتمزيقه) أو (مَنْعه إقامةَ الصلاة في جميع البلاد).

3 – أو أقوالًا (كتصريحه بوحشية الحدود، أو عدم ملائمة الشريعة للعصر مثلًا).

فهذه القرائن تشتمل على الاستحلال أو الاحتقار والاستهزاء بلا شك، وتدل عليه، وفي الوقت نفسه هي كُفْر في ذاتها.

3 – يلزم القائل بأن الاستحلال القلبي يُعْرَفُ بِعِظَمِ الفعل أو التمادي فيه؛ يلزمه تكفير أصحاب البنوك الربوية، وبيوت الفاحشة؛ لكون القرائن الحالية قد دَلَّتْ على تفضيلهم الزنى والربى على العفاف والحلال من الكسْب، وقِسْ على ذلك كلَّ من ترك فعل واجب، وارتكب مقابله من المُحَرَّمات، كالسرقة، وقطع الطريق، وقتل النفوس، وجمع العصابات التي تنفذ ذلك، ووضع لوائح تفصيلية لإدارة هذه المؤسسات أو العصابات، أو الثواب أو العقاب لمن قام بها أو قَصَّر فيها.

ومعلومٌ أن اغتيال عصابةٍ لشخصٍ كبيرٍ-رئيسًا كان أو نحوه- وكذلك سَطْوُ العصابة على بنكٍ عليه حراسةٌ مُشَدَّدةٌ، وكذلك الإعداد لإقامةِ ليلةٍ ساهرةٍ بين الخنا والفجور… إلخ معلومٌ أن تنفيذ ذلك يحتاج إلى إعدادٍ وترتيبٍ لمدة أشهر أو أكثر، ومع ذلك لو سألتَ كثيرًا منهم عن حكم ذلك عندهم؛ أقرُّوا بالحرمة وعدم الجواز، مع أن واقعهم مَن اطَّلع عليه لا يكاد يتردد -إذا لم يرجع إلى منهج العلماء- في أنهم مستحلُّون لتلك الكبائر، وهم كفار!!! وهذا معلوم البطلان.

– وهاكَ بعضَ الأدلة على أنه لا أَثَر للقرائن في الحكم على صاحب الفعل المحَرَّم أو ما في معناه بالاستحلال المُكَفِّر، ولابد في اعتبار الاستحلال من النطق بحل الحرام الـمُجْمع عليه، وفي معناه تحريم الحلال الـمُجْمع عليه:

حديث أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-، إذ يَقُولُ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- إِلَى الحُرَقَةِ، فَصَبَّحْنَا القَوْمَ؛ فَهَزَمْنَاهُمْ، وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَلَمَّا غَشِينَاهُ؛ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَكَفَّ الأَنْصَارِيُّ؛ فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا؛ بَلَغَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: «يَا أُسَامَةُ، أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» قُلْتُ: كَانَ مُتَعَوِّذًا، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا، حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ.([151])

وفي رواية: «فكيف تصنع بـ (لا إله إلا الله) إذا جاءتْ يوم القيامة؟!» ([152]).

وفي رواية: «بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْحُرَقَةِ مِنْ جُهَيْنَةَ قَالَ: فَصَبَّحْنَاهُمْ فَقَاتَلْنَاهُمْ، فَكَانَ مِنْهُمْ رَجُلٌ إِذَا أَقْبَلَ الْقَوْمُ كَانَ مِنْ أَشَدِّهِمْ عَلَيْنَا، وَإِذَا أَدْبَرُوا كَانَ حَامِيَتَهُمْ. قَالَ: فَغَشِيتُهُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ» ([153]).

فلو كان الأخذ بالقرائن معتبرًا في الحكم بالتكفير على ما في القلوب؛ لكان اجتهاد أسامة بن زيد -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أولى بهذا الاعتبار؛ فقد اجتمع في ذلك الرجل من القرائنِ التي تُقَوِّي القول بعدم صِدْقِ إسلامه ما لا يكاد أن يجتمع في غيره، ومع هذا فقد أَلْغَى النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمْ- اجتهادَ ذلك الصحابي الجليل، ولم يَقْبَلْ منه أَخْذَه بالقرائن للحُكْم على ما في القلوب؛ فاجتهادُ غير الصحابي أَوْلى بالإلغاء.

قال الخطابي – رَحِمَهُ اللهُ -: «وفي قوله:(هلّا شَقَقْتَ عن قلبه) دليل على أن الحكم إنما يَجْرِي على الظاهر، وأن السرائر موكولة إلى الله سبحانه». اهـ([154]).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رَحِمَهُ اللهُ -: «وكذلك الإيمان؛ له مَبْدَأٌ وكمالٌ، وظاهرٌ وباطنٌ، فإذا عُلِّقَت به الأحكامُ الدنيوية من الحقوق والحدود: كحقن الدم والمال والمواريث والعقوبات الدنيوية؛ عُلِّقَت بظاهره، ولا يمكن غير ذلك؛ إذْ تعليق ذلك بالباطن مُتَعَذِّر، وإن قُدِّرَ أحيانًا؛ فهـو مُتَعَسِّر عِلْمًا وقُدْرةً، فـلا يُعْلَم ذلك عِلْمًا يَثْبُتُ به في الظاهر، ولا يمكن عقوبةُ من لم يُعْلَمْ ذلك منه في الباطن» ([155]).

4 – وأما الاستدلال بقصة الرجل الذي نكح امرأة أبيه على جعْل العمل الظاهر للمعصية دليلا على استحلالها؛ فلا يستقيم؛ لأن الحديث محمول على أن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- عَلِمَ أن ذلك الرجلَ قد اسْتَحَلَّ ذلك الذنبَ في قرارة قلبه، وذلك لأمور:

  1. أن أهل الجاهلية -إلى عَهْد قريبٍ قبل هذه الحادثة- كانوا يَسْتَحِلَّون نكاحَ امرأة الأب، ويرونه من الإِرْثِ، فالرجل فَعَلَ ما كان أهل الجاهلية يفعلون؛ فأقدم عليه معتقدًا حِلَّهُ.

و العلماء -رحمهم الله- حَمَلُوا الحديثَ على أن ذلك الرجلَ قد عُلِمَ منه الاستحلال:

فقد قال الإمام أحمد – رَحِمَهُ اللهُ -: «نرى -والله أعلم- أن ذلك منه على الاستحلال». اهـ([156]).

وقال الطحاوي – رَحِمَهُ اللهُ -: «فِي تِلْكَ الْآثَارِ أَمَرَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالْقَتْلِ، وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ الرَّجْمِ، وَلَا ذِكْرُ إِقَامَةِ الْحَدِّ، وَقَدْ أَجْمَعُوا جَمِيعًا أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَتْلٌ، إِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ – فِي قَوْلِ مَنْ يُوجِبُ عَلَيْهِ الْحَدَّ – عَلَيْهِ الرَّجْمُ إِنْ كَانَ مُحْصَنًا، فَلَمَّا لَمْ يَأْمُرِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الرَّسُولَ بِالرَّجْمِ، وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِالْقَتْلِ؛ ثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ الْقَتْلَ لَيْسَ بِحَدٍّ لِلزِّنَا، وَلَكِنَّهُ لِمَعْنًى خِلَافِ ذَلِكَ: وَهُوَ أَنَّ ذَلِكَ الْمُتَزَوِّجَ فَعَلَ مَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الِاسْتِحْلَالِ، كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَصَارَ بِذَلِكَ مُرْتَدًّا، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ يُفْعَلَ بِهِ مَا يُفْعَلُ بِالْمُرْتَدِّ، وَهَكَذَا كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ وَسُفْيَانُ -رَحِمَهُمَا اللهُ-، يَقُولَانِ فِي هَذَا الْمُتَزَوِّجِ: إِذَا كَانَ أَتَى فِي ذَلِكَ عَلَى الِاسْتِحْلَالِ؛ أَنَّهُ يُقْتَلُ، فَإِذَا كَانَ لَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَنْفِي مَا يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ وَسُفْيَانُ؛ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ مُخَالِفَهُمَا لَيْسَ بِالتَّأْوِيلِ أَوْلَى مِنْهُمَا.

وَفِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَقَدَ لِأَبِي بُرْدَةَ الرَّايَةَ» وَلَمْ تَكُنِ الرَّايَاتُ تُعْقَدُ إِلَّا لِمَنْ أُمِرَ بِالْمُحَارَبَةِ، وَالْمَبْعُوثُ عَلَى إِقَامَةِ حَدِّ الزِّنَا، غَيْرُ مَأْمُورٍ بِالْمُحَارَبَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا: أَنَّهُ بَعَثَهُ إِلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ دَخَلَ بِهَا، فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْعُقُوبَةُ -وَهِيَ الْقَتْلُ- مَقْصُودًا بِهَا إِلَى الْمُتَزَوِّجِ لِتَزَوُّجِهِ؛ دَلَّ ذَلِكَ أَنَّهَا عُقُوبَةٌ وَجَبَتْ بِنَفْسِ الْعَقْدِ لَا بِالدُّخُولِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا وَالْعَاقِدُ مُسْتَحِلٌّ لِذَلِكَ.

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَهُوَ عِنْدَنَا عَلَى أَنَّهُ تَزَوَّجَ وَدَخَلَ بِهَا!!

قِيلَ لَهُ: وَهُوَ عِنْدَ مُخَالِفِكَ: عَلَى أَنَّهُ تَزَوَّجَ وَاسْتَحَلَّ، فَإِنْ قَالَ: لَيْسَ لِلِاسْتِحْلَالِ ذِكْرٌ فِي الْحَدِيثِ؛ قِيلَ لَهُ: وَلَا لِلدُّخُولِ ذِكْرٌ فِي الْحَدِيثِ؛ فَإِنْ جَازَ أَنْ تَحْمِلَ مَعْنَى الْحَدِيثِ عَلَى دُخُولٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ فِي الْحَدِيثِ؛ جَازَ لِخَصْمِكَ أَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى اسْتِحْلَالٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ فِي الْحَدِيثِ، وَقَدْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ حَرْفٌ زَائِدٌ عَلَى مَا فِي الْآثَارِ الْأُوَلِ:

حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: ثنا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ، «عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْبَرَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَقِيَ خَالَهُ وَمَعَهُ رَايَةٌ، فَقُلْتُ لَهُ: إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ؟ فَقَالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَى رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةَ أَبِيهِ أَنْ أَقْتُلَهُ، وَآخُذَ مَالَهُ» وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ غَيْرِ الْبَرَاءِ:

مَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُدَ وَفَهْدٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْوَرْدِ قَالُوا: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُنَازِلٍ الْكُوفِيُّ قَالَ: ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي كَرِيمَةَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَعَثَ جَدَّهُ مُعَاوِيَةَ إِلَى رَجُلٍ عَرَّسَ بِامْرَأَةِ أَبِيهِ أَنْ يَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَيُخَمِّسَ مَالَهُ» فَلَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ بِأَخْذِ مَالِ الْمُتَزَوِّجِ وَتَخْمِيسِهِ؛ دَلَّ ذَلِكَ أَنَّ الْمُتَزَوِّجَ كَانَ بِتَزَوُّجِهِ مُرْتَدًّا مُحَارِبًا؛ فَوَجَبَ أَنْ يُقْتَلَ لِرِدَّتِهِ، وَكَانَ مَالُهُ كَمَالِ الْحَرْبِيِّينَ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ الَّذِي لَمْ يُحَارِبْ كُلٌّ قَدْ أَجْمَعَ فِي أَخْذِ مَالِهِ». اهـ([157])

ويقول ابن جرير الطبري – رَحِمَهُ اللهُ – في شرح حديث البراء:».. وكان الذي عَرَّسَ بزوجة أبيه مُتَخَطِّيًا بفعله حُرْمَتَيْنِ، وجامِعًا بين كبيرتين من معاصي الله، إحداهما: عَقْدُ نكاحٍ على مَنْ حَرَّمَ الله عَقْدَ النكاح عليه بنص تنزيله بقوله:- [ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ] {النساء:22}. والثانية:- إتيانُهُ فَرْجًا مُحَرَّمًا عليه إتيانُهُ، وأَعْظَمُ من ذلك تَقَدُّمُهُ على ذلك بِمَشْهَدٍ من رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وإعلانُهُ عَقْدَ النكاح على مَنْ حَرَّمَ الله عليه عَقْدَهُ عليه بنص كتابه، الذي لا شُبْهَةَ في تحريمها عليه، وهو حاضِرُهُ؛ فكان فِعْلُهُ ذلك مِنْ أَدَلِّ الدليل على تكذيبه رسولَ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فيما آتاه به عن الله -تعالى ذِكْرُهُ- وجحودِهِ آيةً مُحْكَمَةً في تنزيله … فكان بذلك مَنْ فَعَلَهُ حُكْمُ القَتلِ وضَرْبِ العنق، فلذلك أمر رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِقَتْلِهِ وضَرْبِ عُنُقِهِ؛ لأن ذلك كان سُنَّتَهُ في المرتد عن الإسلام». اهـ([158]).

ويقول الحافظ ابن كثير – رَحِمَهُ اللهُ – عن هذا النكاح:».. فمن تعاطاه بعد هذا؛ فقد ارْتَدَّ عن دينه، فَيُقْتَلُ، ويَصِير مَالُهُ فَيْئًا لبيت المال». اهـ ([159])

وقال السندي – رَحِمَهُ اللهُ -: «(نَكَحَ امرأَةَ أبيه): على قواعد أهل الجاهلية؛ فإنهم كانوا يتزوجون بأزواج آبائهم، يَعُدُّون ذلك من باب الإِرْثِ، ولذلك ذَكَر الله تعالى النهيَ عن ذلك بخصوصه بقوله: [ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ] {النساء:22}… فالرجل سَلَكَ مَسْلَكُهُم في عَدِّ ذلك حلالًا؛ فصار مرتدًا، فقُتل لذلك، وهذا تأويل الحديث عند من لا يقول بظاهره». اهـ([160])

وقال الشوكاني – رَحِمَهُ اللهُ -: «لا بد مِنْ حَمْلِ الحديث على أن ذلك الرجل… عالم بالتحريم، وفعَلَهُ مُسْتَحِلًّا؛ وذلك من موجِبَات الكُفر» اهـ([161]).

ولو كان كُفْرُ مَنْ تزوج امرأة أبيه لمجرد وقوعه عليها من دون استحلال قلبي؛ لَكَفَّروا من زنا بامرأة أبيه، وهذا باطل.

ثم إن الحديث فيه ذِكْرٌ للراية، مما يَدُلُّ على أنه كان محاربًا؛ حيث إن الراية إنما تُعَدُّ في الحروب، وبه قال أبو بكر الجصاص: «قيل له: إنما فَعَلَ ذلك؛ لأن الرجل كان محاربًا مع استحلاله لذلك حَرْبِيًّا؛ فكان ماله مغنومًا؛ لأن الراية إنما تُعَدُّ للمحاربة». اهـ([162])

ويرى البعضُ أن قَتْلَ الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- للرجل إنما كان حَدًّا، وليس رِدَّةً، وذَكَر هذا الاحتمالَ الماورديُّ – رَحِمَهُ اللهُ -.([163])
وعلى سبيل التَّنَزُّل للمخالفين؛ فهذا النصُّ فيه اشتباهٌ، ويجب حَمْلُهُ على النصوص المحكمة الأخرى، التي دَلَّتْ على عدم اعتبار القرائن الظاهرة في الكَشْف عما في القلب؛ كحديث أسامة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- المتقدم، وإجماع أهل السنة على عدم كُفْر العصاة دون الكفر الأكبر؛ بل والمُصرِّين عليها -وإن عَظُمَتْ ذنوبهم- مع أنهم مُجْمِعُون على كُفْرِ من استحل محرمًا وإن استحله بالقول دون العمل، وحَمْلُ المتشابه على المُحْكَم؛ هو سبيل أهل السنة، خلافًا لأهل البدع.

ويمكن أن نقول: إنما فَعَلَ الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- ما فَعَل مع ذاك الرجل على وَجْهِ الاختصاص؛ لكونه اطَّلَعَ على ما في قلب ذاك الرجل بوحْيٍ من الله -عَزَّ وَجَلَّ- فأَمَر بقتله، فتبقى الحادثةُ خاصةً لا يُقاسُ عليها، بدليل أن الرسول لم يَقْتُلْ قَتْلَ رِدَّةٍ كلَّ من خالف قطعيات التشريع، ولو طردْنا تكفير فاعل المعاصي باعتبار القرائن الحالية؛ لكفرنا الكثير من عصاة الأمة؛ فالزاني والسارق والمنتهب وغيرهم لا يكاد الواحد منهم يظفر بمطلوبه إلا بعد إعداد وترتيب وجلسات وتدابير،… إلخ، ولو عاملناهم بما يقول المخالف؛ لكانت قرائن الحال دالة على استحلالهم، ومن ثمَّ على كُفرهم؛ وفي هذا فسادٌ عظيم، كما لا يخفى!!

5- ثم لو سلمنا أنه يكفر بمجرد فعله وإعلانه، أو اشتهاره عنه؛ فما كفَّره ولا أمر بقتله إلا وَلي الأمر، وهو رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- وهذا بخلاف مَسْلك المخالفين!!

6 – أن إصدار تراخيص مزاولة الحرام، أو العمل بالقوانين التي تجيز بعض المحرمات يعتبر ذنبًا مُغَلَّظًا من الذنوب المحرمة، وصاحبُ الذنب لا يَكْفُر ما لم يَسْتَحِلَّه، كما قال بذلك الفقهاء.

قال شارح العقيدة الطحاوية– رَحِمَهُ اللهُ –: «فليس بين فقهاء الأمة نزاع في أصحاب الذنوب؛ إِذْ كانوا مُقِرِّين باطنا وظاهرا بما جاء به الرسول، وما تواتر عنهم أنهم من أهل الوعيد». اهـ ([164])

وفَرَّق العلامة ابن خُوَيْز مَنْداد المالكي – رَحِمَهُ اللهُ -في التعامل بين المستحل وغير المستحل، فقال:

«ولو أن أهل بلد اصطلحوا على الربا استحلالًا كانوا مرتدين، والحكم فيهم كالحكم في أهل الردة، وإن لم يكن ذلك منهم استحلالًا؛ جاز للإمام محاربتهم». اهـ([165]).

7- وهذا الذي قررناه من عدم معرفة الاستحلال بقرائن الأحوال من غير تصريح بالاستحلال، هو ما قرره علماؤنا المعاصرون -عليهم رحمة الله.

فقد قال الشيخ العثيمين – رَحِمَهُ اللهُ – في «لقاء الباب المفتوح»([166]): «الاستحلال: هو أن يعتقد حلّ ما حرّمه الله، أما الاستحلال الفعليّ؛ فيُنْظَر: إن كان هذا الاستحلال مما يكفِّر؛ فهو كافر مرتدّ، فمثلًا: لو أنّ الإنسان تعامل بالرِّبا، لا يعتقد أنّه حلال، لكنّه يُصِرُّ عليه؛ فإنه لا يَكْفُر؛ لأنّه لا يستحلّه، ولكن لو قال: إنَّ الرِّبا حلال، ويعني بذلك الرِّبا الذي حرَّمه الله؛ فإنه يَكْفُر؛ لأنّه مكذِّب لله و رسوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الاستحلال إذَنْ: استحلالٌ فِعْلِيٌّ، واستحلال عَقَدِيّ بقلبه، فالاستحلال الفعليّ: يُنْظَر فيه للفعل نفسه، هل يُكَفِّر أم لا؟ و معلوم أن أَكْلَ الرِّبا لا يَكْفُر به الإنسان، لكنّه من كبائر الذُّنوب، أما لو سَجَدَ لِصَنَم؛ فهذا يَكْفُر؛ لماذا؟ لأن الفعل يُكَفِّر؛ هذا هو الضابط، لكن لابد من شَرْطٍ آخر: وهو ألا يكون هذا المُسْتَحِلُّ معذورًا بجهله، فإن كان معذورًا بجهله؛ فإنه لا يَكْفُر». اهـ

وسُئِلَ العلامة الشيخ ابن عثيمين – رَحِمَهُ اللهُ – أيضا:

«بالنسبة للاستحلال؛ إذا أَقْدَمَ شخصٌ على أي معصية من المعاصي؛ سواء من الكبائر أو غيرها، وأَصَرَّ عليها، هل بمجرد عملِهِ وإصرارهِ يُحْكَمُ عليه بأنه استحل هذا الشيء؟

أم أن الاستحلال عَمَلٌ قلبي، لا يَظْهَر إلا أن يَتَفَوَّه به الشخص؟!

الجواب:

«أي نعم؛ الثاني هو الحقُّ؛ لأن كثيرًا مِن الناس يُصِرُّون على المعاصي، (ويعتقدون) أنها حرام؛ لكن يقولون: (عجزنا أن نَفْتَكَّ منها)، وتجده إذا فَعَلَ المعصيةَ يستغفر الله منها؛ بل إن بعض الناس يَنْذِر نَذْرًا مُغَلَّظًا: ألاَّ يفعل هذه المعصيةَ، ولكنه يَعْجَز؛ فلابد من هذا، يعني: أن يَتَفَوَّه بالاستحلال». اهـ.([167])

وقد سئل سماحة الشيخ ابن باز – رَحِمَهُ اللهُ – عن هذه المسألة التي نحن بصددها بعينها؛ فقد سُئِل عَمَّنْ لا يُحَكِّم شَرْعَ الله؛ قال: «لا يَكْفُر إلا إذا استحله، ولو ادَّعَى أنه لا يَسْتَحِلُّه؛ فَنَأْخُذُ بظاهر كلامه، ولا نَحْكُم بِكُفْره» اهـ.([168])

وجاء في شريط «الدمعة البازية»: قال سماحة الإمام ابن باز – رَحِمَهُ اللهُ -: «الأصْلُ: عدمُ الكُفر حتى يَسْتَحِلَّ، يكون عاصيا، وأَتى كبيرة، ويَسْتَحِقُّ العقابَ، كُفْرٌ دون كُفْرٍ حتى يَسْتَحِلَّ».

فقال السائل: حتى يستحل؟!! الاستحلال في قلبه، ما ندري عنه؟

فقال الإمام ابن باز – رَحِمَهُ اللهُ -: «هذا هو: إذا ادَّعَى ذلك، إذا ادَّعَى أنه يستحله». اهـ

وقال شيخنا الألباني – رَحِمَهُ اللهُ –: «فكل المعاصي – وبخاصة ما فشا في هذا الزمان من استحلال عَمَلِيٍّ للربا والزنى وشُرب الخمر وغيرها – هي من الكفر العملي، فلا يجوز أن نُكَفِّر العصاةَ المُتَلَبِّسين بشيء من المعاصي لمجرد ارتكابهم لها، واستحلالهم إياها عمليا، إلا إذا ظهر يقينًا لنا منهم، يقينا ما يَكْشِفُ لنا عما في قرارة نفوسهم، أنهم لا يُحَرِّمُون ما حَرَّم الله ورسوله اعتقادا، فإذا عرفنا أنهم وقعوا في هذه المخالفة القلبية؛ حَكَمْنا حينئذ بأنهم كَفَرُوا كُفْرَ رِدَّةٍ…. إذًا الكُفْر الاعتقادي ليس له علاقةٌ أساسيةٌ بمجرد العمل، إنما علاقَتُهُ الكبرى بالقَلْب، ونحن لا نستطيع أن نعلم ما في قلب الفاسق والفاجر والسارق والزاني والمرابي… ومن شابههم إلا إذا عَبَّرَ عما في قلبه بلسانه، أما عَمَلُهُ فيُنْبِئُ أنه خالف الشرع مخالفة عملية». انتهى كلام شيخنا الألباني – رَحِمَهُ اللهُ -([169])

وقال شيخنا الألباني – رَحِمَهُ اللهُ – أيضا في تعليقه على قول الطحاوي: (ولا نُكَفِّر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يَسْتَحِلَّهُ) قال:

«قلت: يعني استحلالا قلبيا اعتقاديا، وإلا فَكُلُّ مُذْنِبٍ مُسْتَحِلٌّ لذنبه عَمَلِيًّا، أي مُرْتَكِبٌ له، ولذلك فلا بُدَّ مِن التفريق بين المستحِلِّ اعتقادا؛ فهو كافر إجماعا، وبين المستحل عَمَلًا لا اعتقادا؛ فهو مذنب يستحق العذابَ اللائقَ به، إلا أن يَغْفِرَ الله له، ثم يُنَجِّيهِ إيمانُهُ؛ خلافا للخوارج والمعتزلة، الذين يَحْكُمون عليه بالخلود في النار، وإن اختلفوا في تسميته كافرا أو منافقا، وقد نَبَتَتْ نابتةٌ جديدةٌ، اتَّبعوا هؤلاء في تكفيرهم جماهير المسلمين رؤوسًا ومرؤوسين، اجْتَمَعْتُ بطوائفَ منهم في سوريا ومكة وغيرهما، ولهم شُبهات كشبهات الخوارج، مثل النصوص التي فيها: مَنْ فَعَلَ كذا؛ فقد كَفَر، وقد ساق الشارح -رَحِمَهُ اللهُ تعالى- طائفةً منها هنا، ونَقَلَ عن أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص: أن الذنب -أيَّ ذَنْبٍ كان- هو كُفْرٌ عَمَلِيٌّ لا اعتقادي، وأن الكُفر عندهم على مراتب: كُفْر دون كُفْرٍ، كالإيمان عندهم..». اهـ ([170])

وسُئِلَ العلامةُ صالح بن فوزان الفوزان -حفظه الله-:

ما هي الضوابط التي ينبغي لطالب العلم أن يعرفها؛ لكي يَحْكُم على فلانٍ من الناس بأنه مُسْتَحِلٌّ للمعصية -المُجْمَعِ على تحريمها- بحيث يَكْفُر المُسْتَحِلُّ لهذه المعصية؟

الجواب:

«الضوابط التي تدل على استحلال المعصية:

أنْ يُصَرِّحَ الشخصُ بأنها حلال: إما بلسانه، وإما بقلمه؛ يعني: يَكْتُب أنها حلالٌ، أو يقول: إنها حلال؛ حينئذٍ يُحْكَم عليه أنه مُسْتَحِلٌّ لها.

وبدون ذلك لا يُحكم على استحلاله لها؛ حتى يَثْبُتَ عليه إما بالقول: أن يُصَرِّحَ بلسانه،

وإما بالكتابة، وإما بأن يشهد عليه شاهدان عدلان من المسلمين -فأكثر- بأنه يقول بحل الزنا، أو حِلِّ الخمر، أو حِلِّ الربا، وما أَشْبَهَ ذلك.

حينئذٍ يُحكم عليه بالاستحلال؛ إما بإقراره كلاميًّا، أو كتابيًّا، وإما بالشهادة عليه». اهـ.([171])

وقال الشيخ الفوزان – حفظه الله -أيضًا جوابًا على سؤال: هل وجود البنوك الربوية، وَوَضْعُها في البلاد دليلٌ على استحلال الربا واستباحته؟:

«أَكْلُ الربا لا يدل على استباحة الربا، أَكْلُ الربا كبيرةٌ من كبائر الذنوب، والتعاملُ بالربا كبيرةٌ ومُوبِقَةٌ من المُوبِقَاتِ؛ لكن لا يدل هذا على كُفْر المرابي؛ إلا إذا اسْتَحَلَّه، ولولم يَأْخُذْهُ([172])إذا قال: (الربا حلال)؛ فهو كافر، ولو لم يأخذ الربا، فإذا جمع بين الجريمتين، وقال: (الربا حلال)، وأَخَذَهُ؛ فهذه جريمتان، والعياذ بالله: أَكْلُه كَبِيرةٌ وفِسْقٌ، واسْتِحْلَالُهُ كُفْر». اهـ([173])

وقال معالي الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ -حفظه الله تعالى-: «فصار إذَنْ هنا عندنا في لفظ الاستحلال عند بعض أهل العلم على هذا الحديث أن الاستحلال: منه ما يرجع إلى استحلال الفعل، ومنه ما يرجع إلى استحلال الحكم.

فإذا كان الاستحلال للحكم: يعني استحلالًا للمحرم، يعني أن يعتقد أن هذا المحرم حلال، وأما إذا كان الاستحلال للفعل: يعني جعل فِعْلَهُ حلالًا له، ليس من جهة أنه ليس حرامًا عليه؛ لكن من جهة إقدامِهِ عليه وفِعْلِهِ له؛ يعني اسْتَحَلَّهُ من جهة الفعل، لا من جهة الحكم، قالوا: هذا هو حال أولئك، وهذا الذي يناسب الوعيد؛ لأن الوعيد الذي جاء في آخره يناسب العصاة لا الكفار.

فمن هنا يظهر لنا أن لفظ الاستحلال خاض فيه أقوام كثيرًا في هذا الزمن، ومنهم من تكلم في الاستحلال الظاهر، وأن المعاصي الظاهرة قد تكون استحلالا؛ يعني يستدل بظهور الذنوب والكبائر على أن الحالَ استحلالٌ لها…(كلمة غير واضحة) عندهم، واستدلوا عليه بأشياء، وهذا عند أهل العلم غير مُسَلَّمٍ». انتهى كلامه -حفظه الله-([174])

* فإن قيل:

الآية [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ] [سورة المائدة آية: 44]، لم تَشْتَرِطْ استحْلالًا.. ولا انْعِقَادَ قَلْبٍ!!

فالجواب:

وكذلك لم تَسْتَثْنِ الآية مَنْ خرج عن حكم الله في قضية واحدة أو قضايا قليلة؛ فلو قلنا بظاهرها؛ لَقُلْنا بقول الخوارج بالإجماع، وهذا ضلالٌ ومروقٌ!!

وأيضًا: فالآيات وصفتْ من حكم بغير ما أنزل الله بثلاثة أوصاف، وهي: (الكافرون) (الظالمون) (الفاسقون)؛ فهل يصح أن يستدل القائل بوصف (الكافرون) وخَصمه يتمسك بوصْفي (الظالمون) و (الفاسقون) فيؤمن كل منا ببعض الكتاب دون بعضه؟

إذَنْ: فلا بُدَّ مِن الرجوع إلى فهم السلف الصالح: الصحابة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- ومن بعدهم من أئمة القرون المفضلة، ومن تبعهم بإحسان من أئمة الأمة، وقد رجعنا إلى ذلك -كما سبق في أوائل هذا الكتاب- وتقرر عدمُ التكفير إلا إذا صَحِبَ الحكمَ بغير ما أنزل الله اعتقادٌ قلبي بالاستحلال ونحوه، وهذا ما قرره العلماء بلا نزاع، والله أعلم.

(تتمة لهذا الأمر): لا يلزم من التشريع الاستحلال؛ فكم من شيخِ قبيلةٍ يحكم بالأسلاف والأعراف بين المتخاصِمَيْنِ في الدماء، والأموال، والحقوق، وما يَسْتوْجب الحدودَ، وكم كلَّمناهم في الحرمة العظيمة في عدم تحكيم شرع الله -جل وعلا- وكان جوابهم: نحن نتمنى أن تكون لنا دولة قوية تُحكِّم شرع الله، لكن مع عدم وجود ذلك؛ فنحن نحكم بالأسلاف والأعراف بين الناس؛ لنطفئ ما استطعنا عليه من الفتن، أو نقلِّل الشرَّ بذلك، وإلا فلو تركناهم، ولم نحكم بينهم؛ لازداد شَرُّهم، وعادتْ فتنتهم على البلاد والعباد بفوضى عارمة، وفتنٍ كاسحة، وأنا أقطع بأن الكثير منهم صادق في ذلك، وغير مبغض لشرع الله، بدليل أنه نفسه يتحاكم إلينا إذا حصل بينه وبين أحدٍ خصومةٌ، مع أنهم يُقَسِّمُون المسائلَ إلى قسميْن: قِسْم يُرجَع فيه إلى شرع الله، وهو ما دون الدماء، وقِسْم تختص به الأسلافُ والأعرافُ، وهو ما يتصل بالدماء وما يُلْحَق بها من تعزيرات وغرامات مالية، وهذا في ذاته – لو كانوا مستحلِّين له، لا لكونهم فعلوا ذلك لغياب الدولة – لكان إيمانًا منهم ببعض الكتاب، وكُفْرًا بالبعض، وهذا في ذاته كُفرٌ مُسْتَقِلٌّ، لكن لم نكفِّرهم لعدم استحلالهم ما فعلوا، أو لعدم إقرارهم بكراهية الشريعة ونحوها.

أقول هذا؛ وأعْلَمُ أن هناك فرقًا ما بين حال هؤلاء المشايخ، وحال كثير من حكام الدُّول، لكن هذا الفارق لا يكْفي في تجاوز القواعد والأدلة وأقوال أهل العلم السابقة المجمع عليها، فالأسلم لدين المرء: أن لا يخوض في أمر التكفير لمرتكبي المعاصي بالنظرة الشرعية إلا بالاستحلال القولي الصريح، لا بالاستحلال العملي المحتمل، وعند تنزيل الكفر على حاكم بعينه لا بد أن تُراعى بقية الشروط والموانع، وأنصح طالب العلم أن يكتفي بالكلام على الحكم العام، ويُحَذِّر من الحكم بغير ما أنزل الله، ويوضِّح الأدلة الدالة على تحريم ذلك، ويذكر عاقبة من لم يحكِّم شرع الله في أمره كله في الحال والمآل، ويترك مسألة تنزيل الحكم العام أو المطلق على حاكم بعينه لكبار أهل العلم -إن تيسر لهم ذلك-؛ وإلا فلا تكفير مع الاحتمال وإن قَلَّ، والله أعلم.

🕮 🕮 🕮

الشبهة الخامسة

  • استدل بعضُ المخالفين في التكفير بصورة التقنين: بأن اختراع الحاكم بغير ما أنزل الله لذلك القانون يُعَدُّ منازعةً منه لله تعالى في شيءٍ من خصائصه وهو: التشريع.

* والجواب:

لابد أنْ يُفصَّل في حاله، وذلك لأن المقنِّن لا يخلو من إحدى حالتين:

الحالة الأولى: أن يقوم بالعمل، ويَدَّعِي لنفسه حَقَّ التشريع بالتصريح، لا بمجرد الفعل، أو يستهزئ بحكم الله كُلًّا أو بعضًا بعد علمه بأنه حكم الله تعالى… إلى غير ذلك من الحالات الاعتقادية السابقة؛ فهذا كافرٌ الكفر الأكبر بلا شك؛ لأنه مُسْتَحِلٌّ لأمْرٍ قد أجمعوا على تحْرِّيمِهِ، وأنه بذلك يكون مُضادًّا لله–جل ثناؤه في أمره- في أمره.

الحالة الثانية: أن يقوم بهذا العمل الظالم، ولا يَدَّعِي لنفسه ذلك؛ فهذا لا يَكْفر لأمْرَيْن:

1.لا دليل على كُفْرِه، ولا تكفير إلا بدليل لا يَقْبَل الاحتمال.

2.عدم تكفير أهل السنة للمُصَوِّرين الذين لا يَسْتَحِلُّون التصوير المحرم؛ فقد قال الله عنهم في الحديث القدسي: «ومَنْ أَظْلَمُ ممَّن ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي؟».([175])

وقال عنهم الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمْ-: «أَشَدُّ الناس عذابًا يوم القيامة: الذين يُضَاهُون بخَلْقِ الله».([176])

ولا فَرْقَ بينهما من جهة منازعة الله -جل شأنه- في بعض خصائصه؛ إذ المُصَوِّرُ جَعَلَ نَفْسَهُ مضاهيا لله -جل ثناؤه- في الخلْق، ولا خالق إلا الله
-جل شأنه-، والمُشَرِّعُ جَعَلَ نَفْسَهُ مُشَرِّعًًا مع الله، ومضاهيا لله -جل وعلا- في الأمر والله -عَزَّ وَجَلَّ- يقول: [ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ] {الأعراف:54}، فالمُصَوِّر يَلْزَمُ على قولكم أن يكون كافرا عند من قَرَّرَ هذا؛ مع أنه لا يَكْفُر باتفاق أهل السنة، ويَلْزَم المخالفَ أن يكفِّره كالخوارج!!

ونحو ذلك المستكبر على خلْق الله -جل وعلا- فقد نازع الله (العزيز الجبار المتكبر) في بعض خصائصه -تبارك وتعالى-… وقِسْ على ذلك أمورًا كثيرة، والله أعلم.

🕮 🕮 🕮

الشبهة السادسة

  • استدل بعضُ المخالفين على التكفير بهذه الحالة؛ بأن المُقَنِّنَ أَصْبَحَ طاغوتًا، يُتَحَاكَمُ إليه من دون الله.

وهذا الاسْتِدْلالُ على التكفير للحاكم بغير ما أنزل الله بإطلاق غير صحيح، وبيانُ خطئه من وَجْهَيْن:

الوجه الأول: أن الطاغوت قد يكون كافرًا، وقد لا يكون كافرا، إنما يكون عاصيا فقط؛ فالطاغوت يُطْلَقُ على: (كُلِّ رأس في الضلالة)، (وكُلِّ مَنْ جاوَزَ الحدَّ) وذلك أنه مُشْتَقٌّ من الطغيان، الذي هو: مجاوزة الحد.

قال القرطبي – رَحِمَهُ اللهُ -: «أي: اتْرُكُوا كُلَّ معبود دون الله؛ كالشيطان، والكاهن، والصنم، وكُلَّ من دعا إلى الضلال». اهـ([177])

وقال الفيروز آبادي – رَحِمَهُ اللهُ -: «والطاغوت:… وكُلُّ رأسِ ضلالٍ، والأصنامُ، وما عُبِدَ مِنْ دون الله، ومَرَدَةُ أهلِ الكتاب». اهـ ([178])

وقد أطلق أهلُ العلم وَصْفَ الطاغوت على أهل الذنوب غير المكفرة.

فقد قال الراغبُ الأصفهاني – رَحِمَهُ اللهُ –: «الطاغوتُ: عبارةٌ عن: كُلِّ مُتَعَدٍّ، وكُلِّ مَعْبود من دون الله… ولِمَا تَقَدَّمَ: سُمّي الساحِرُ، والكاهِنُ، والمارِدُ من الجن، والصارِفُ عن طريق الخير: طاغوتًا». اهـ([179])

وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب – رَحِمَهُ اللهُ –: «والطواغيتُ كثيرةٌ، والمُتَبَيَّنُ لنا منهم خمسة: أولُهُم الشيطانُ، وحاكمُ الجَوْر، وآكِلُ الرشوة، ومَنْ عُبِدَ فَرَضِيَ، والعَاملُ بِغَيْرِ عِلْمٍ». اهـ([180])

وقال العلامة الشيخ ابن عثيمين – رَحِمَهُ اللهُ –: «وعلماء السوء الذين يَدْعُون إلى الضلالِ والكُفِر، أو يدعون إلى البِدَعِ، أو إلى تحليلِ ما حَرَّم الله، أو تحريمِ ما أَحَلَّ الله: طواغيت». اهـ([181])

فلو كان كل طاغوت كافرًا؛ لَمَا جاز لهم هذا الإطلاق، ولَمَا جَمَعُوا في التمثيل بالطواغيت بين أصنافٍ: منهم الكافر، ومنهم غير الكافر باتفاق!! أو لَلَزِمَ منه أن يكونوا مُكَفِّرين بالذنوب.

الوجه الثاني: يَلْزَم من هذا القول تكفيرُ من اتفق أهلُ السنة على عدم تكفيره، وهو من قَنَّنَ للذنب؛ إذ لا فرق – في التقنين – بين من قَنَّنَ كيفية ارتكاب الذنب، وبين من قَنَّنَ الحكم بغير ما أنزل الله؛ إِذْ الكُلُّ واقعٌ في تقنين وإعداد وترتيب الوقوع في أمرٍ محرم.

مثاله: عصابَةٌ نَذَرَتْ نَفْسَها لِقَطْع الطريق، وجَعَلَتْ عليها رئيسًا، ورَسَمَتْ لنفسها نظامًا، وجعلت لكل منهم أَسْهُمًا معلومة فيما حصَّلوه بالقتل والنهْب وقطع الطريق، فكان هذا الرئيس هو الذي يدعوهم، وينظم لهم كيفية ومواعيد وموضع الاعتداء، وقَطْع السبيل، وإخافَةِ المسلمين وإرهابِهم، فَيَمْتَثِلُون أَمْرَهُ، وهو الذي يأمرهم فيأْتَمرون، ويَنْهَاهم فيَنْتَهُون؛ فهذا الرجلُ أصبحَ مُقَنِّنًا للذنْب، مع أنه ليس بكافر.

ولو كان الأصل الذي بُني عليه التكفير بالتقنين -عند المخالفين- صحيحًا؛ لوجب تكفير مثل هذا، مع أنه من أصحاب الذنوب، الذين اتفق أهل السنة على عدم تكفيرهم لمجرد فِعْلهم.

🕮 🕮 🕮

الشبهة السابعة

  • واستدل البعضُ على التكفير بالتشريع العام باللازم؛ فرأى أن هذا الحاكم لم يَسْتَبْدِلْ حُكْمَ الله بحكم نفسه أو حكم غيره، ثم يجعل ما جاء به حُكْمًا عامًا على من تحت ولايته؛ إلا وهو يَعْتَقِدُ أنه أَنْفَعُ وأَصْلَحُ مِن حُكْم الله!!

* والجواب:

هذا الاستدلالُ مردودٌ من أربعة أوجه:

الوجه الأول: ما قرره أهل العلم من أن لازم المذهب لا يكون مذهبًا إلا إذا عَرَفَهُ صاحبه والْتَزَمَهُ، وأن المرء قد يعتقد خلافَ ما يَلْزَمُ من قوله، حتى وإن كان التلازمُ قَوِيًّا، بحيث يُنْسَبُ القائلُ للتناقض والاضطراب لو لم يَلْتَزِمْ ذلك اللازم، ومعلومٌ أن هناك فرقًا بين الحُكْم على الرَّجل بأنه متناقض، وبين الحُكْم عليه بأنه كافر!!

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رَحِمَهُ اللهُ –: «ولازِمُ المذهبِ لا يجب أن يكون مذهبًا، بل أَكْثَرُ الناس يقولون أقوالًا، ولا يَلْتَزِمُون لوازِمَها؛ فلا يَلْزَمُ إذا قال القائلُ ما يستلزم التعطيلَ أن يكون مُعْتَقِدًا للتعطيل، بل قد يكون معتقدًا للإثبات، ولكن لا يَعْرِفُ ذلك اللُّزُوم». اهـ([182])

وقال – رَحِمَهُ اللهُ – أيضا: «فما كان من اللوازم يرضاه القائل بعد وضوحه له؛ فهو قولُهُ، و ما لا يرضاه؛ فليس قولَهُ، وإن كان متناقضًا… فأما إذا نَفَى هوَ اللزومَ؛ لم يَجُز أن يُضَافَ إليه اللازمُ بحالٍ». اهـ([183]).

الوجه الثاني: أن هذا اللازم ليس مطردا في جميع من حكم بغير ما أنزل الله، فقد يتخلف؛ إذ قد يوجد من يَفْعَلُ ذلك وهو يعتقد أن الشريعة أَنْفَعُ من حُكْمِه، وقد تَقَدَّم تمثيلُ شيخ الإسلام ابن تيمية – رَحِمَهُ اللهُ – بالأقوال الموهمة للتعطيل، وأنه لا يلزم منها أن يكون قائلوها من أهل التعطيل، وكما سبق من حال كثير من مشايخ القبائل الذين يحكمون بالأسلاف والأعراف دون أحكام الشريعة؛ لغياب الدولة القوية التي تحكم بالشريعة.

وتَخَلُّفُ اللازم برهانٌ على عَدَمِ ظُهوره عند المُخالف؛ فلا يَصِحُّ التمسُّكُ به، لا سيما في مسائل التكفير للأعيان التي لا يُعْتَبَرُ فيها إلا اليقين ونحوه.

الوجه الثالث: أن أهل السنة لا يُكَفِّرون إلا بأمرٍ لا احتمال فيه؛ وذلك لأَنَّ الحدودَ تُدرَأُ بالشبهات، والتكفير أَوْلَى بأن يُدْرَأَ بورود احتمال عدم التكفير- وإن قلَّ وجوده – مع كثرة أو قوة احتمال التكفير وتعدُّد وجوهه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رَحِمَهُ اللهُ -: «مَنْ ثَبَتَ إسلامُهُ بيقين؛ لم يَزُلْ ذلك عنه بالشك». اهـ([184])

وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب – رَحِمَهُ اللهُ –: «ولا نُكَفِّر إلا بما أَجْمَعَ عليه العلماء كلُّهم». اهـ([185])

الوجه الرابع: يَلْزَمُ منه تكفير من اتَّفَقَ أهلُ السنة على عدم تكفيره، وهو الشخصُ المُشَرِّعُ للذنْب – الذي دون الشرك –؛ فلو أن أبًا شَرَّعَ الذنب في أهله، وأَلْزَمَهُم به، وخالف مَنْ يُنْكِر عليه من أولاده، ولم يَسْتَمِعْ لمن يناصحه، بل ربما عاقب من خالفه من أولاده؛ فلا يَكْفُر الأبُ عند أهل السنة بذلك، بينما يَلْزَمُه أن يَكْفُر عند من الْتزَم القولَ بهذه المقالة.

(تنبيه) سبق في آخر الجواب على الشبهة الرابعة نَقْضُ الاستدلالِ بأن المرء لا يُشَرِّعُ قانونًا في الناس إلا وهو يُعْتَقِدُ أنه أَصْلَحُ وأَنْفَعُ من حُكْم الله -عَزَّ وَجَلَّ-؛ فارْجِعْ إليه للأهمية.

🕮 🕮 🕮

الشبهة الثامنة

  • قالوا: الأصْلُ عند الإطلاق: انصرافُ الكُفْرِ للكُفْر الأكبر، وقد قال تعالى: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ] [سورة المائدة آية: 44].

وقد يقولون: لقد اسْتَقْرَأَ شيخُ الإسلام ابن تيمية – رَحِمَهُ اللهُ – لفظ (الكُفْر) المعرَّف بـ (أل) فوجد أنه لا يأتي إلا أريد به الكُفْرَ الأكبر، فقال – رَحِمَهُ اللهُ -: «والكُفْر المعرَّف: يَنْصَرِفُ إلى الكفر المعروف، وهو المُخْرِجُ عن الملة».([186])

* والجواب:

1 – نعم: الأَصْلُ في إطلاق الكفر أنه ضِدُّ الإيمان، وهو الكُفر الأكبر، لكن قد يتخلَّف هذا الأصل إذا ظَهَرَتْ قرينةٌ صارفةٌ عن ذلك، وقد جاء ما يجعل المراد بالكفر في الآية: الكفر الأصغر، وهو تفسيرُ ابنِ عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- للكفر المذكور في الآية، وكذا تفسير عدد من أصحابه، وهم من أئمة التابعين، وتَبِعَهُم على ذلك أئمةُ السلف كما سبق، وكذلك وَصْفُه -سبحانه وتعالى- من حكم بغير ما أنزل الله بالظلم والفسق أيضا؛ فلماذا تحملون هذا الفعل على وصْف واحدٍ من الثلاثة؟ وقد سبق كلام علماء الأمة سلفًا وخلفًا في حمل الكفر الأكبر على المستحل، لا مجرد الفعل.

2 – أن اسْتِقْراء شيخ الإسلام – رَحِمَهُ اللهُ – جاء على المصدر، وهو (الكُفْر) بينما جاءت الآية باسم الفاعل (الكافر) وفَرْقٌ بينهما؛ إذ المصدر يدل على الفعل وَحْدَه، أما اسم الفاعل فهو دال على الفعل وعلى من قام بالفعل، وهو (الفاعل).

لذلك فقد جعل شيخ الإسلام ابنُ تيمية نَفْسُه – رَحِمَهُ اللهُ – القولَ بأن المراد بالكفر في الآية هو الكفر الأصغر؛ قولًا لبعض أئمة السنة، بل لعامة السلف.

قال العلامة الشيخ ابن عثيمين – رَحِمَهُ اللهُ –: «مِن سوء الفهم: قَوْلُ مَن نَسَبَ لشيخ الإسلام ابن تيمية أنه قال: (إذا أُطْلِقَ الكُفْر فإنما يُرَادُ به كُفْرٌ أكبر)؛ مستدلًا بهذا القول على التكفير بآية [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ] [المائدة: 44]! مع أنه ليس في الآية أن هذا هو (الكُفر)! وأما القول الصحيح عن شيخ الإسلام: فهو تَفْرِيقُهُ – رَحِمَهُ اللهُ – بين (الكُفْر) المعرَّف بـ (أل)و (كُفْر) مُنَكَّرًا، فأما الوصْفُ فيَصْلُح أن نقول فيه: (هؤلاء كافرون) أو (هؤلاء الكافرون) بناءً على ما اتَّصَفوا به من الكُفر الذي لا يُخْرِج من الملة، فَفَرْقٌ بين أن يُوصَفَ الفِعْلُ وأن يوصَفَ الفاعِلُ».([187])

🕮 🕮 🕮

الشبهة التاسعة

  • فإن قيل: أليس التكفير بالترك هو ظاهر قول الله -عَزَّ وَجَلَّ-: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ] [المائدة: 44]؟

* فالجواب: بلى، هو ظاهر الآية، ولكن أهل السنة والجماعة أَجْمَعُوا على عدم الأَخْذِ بهذا الظاهر، بل نسبوا أَخْذَ الآية على ظاهرها إلى الخوارج والمعتزلة؛ فلا يجوز أن يَسْلُك مسلكهم من يقول: أنا من أهل السنة.

قال الآجري – رَحِمَهُ اللهُ -: «ومما يَتْبَعُ الحروريةُ من المتشابه قولُ الله -عَزَّ وَجَلَّ-: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ] [المائدة: 44]، ويقرؤون معها: [ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ] {الأنعام:1}، فإذا رَأَوْا الإمامَ يَحْكُم بغير الحق؛ قالوا: قد كَفَرَ! ومَنْ كَفَرَ؛ فقد عَدَلَ بربه! فهؤلاء الأئمة مُشْرِكون؛ فَيَخْرُجُونُ، فَيَفْعَلُون ما رأيتَ؛ لأنهم يتأولون هذه الآية». اهـ([188])

وقال ابن عبد البر – رَحِمَهُ اللهُ -: «وقد ضَلَّتْ جماعةٌ من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة في هذا الباب؛ فاحْتَجُّوا بهذه الآثار ومثلها في تكفير المذنبين، واحتجوا من كتاب الله بآياتٍ ليست على ظاهرها، مثل قوله -عَزَّ وَجَلَّ: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ] [المائدة: 44]». اهـ([189])

وقال السمعاني – رَحِمَهُ اللهُ -: «وَاعْلَم أَن الْخَوَارِج يستدلون بِهَذِهِ الْآيَة، وَيَقُولُونَ: من لم يحكم بِمَا أنزل الله فَهُوَ كَافِر، وَأهل السّنة قَالُوا: ‌لَا ‌يكفر ‌بترك الحكم». اهـ([190])

وقال أبو بكر الجصاص – رَحِمَهُ اللهُ –: «وَقَدْ تَأَوَّلَتْ الْخَوَارِجُ هَذِهِ الْآيَة عَلَى تَكْفِيرِ مَنْ تَرَكَ الْحُكْمَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ غَيْرِ جُحُودٍ لَهَا، وَأَكْفَرُوا بِذَلِكَ كُلَّ مَنْ عَصَى اللَّهَ بِكَبِيرَةٍ أَوْ صَغِيرَةٍ». اهـ([191])

وقال أبو العباس القرطبي – رَحِمَهُ اللهُ -: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ] [سورة المائدة آية: 44]: يحتج بظاهره مَنْ يُكَفِّر بالذنوب، وهم الخوارج، ولا حُجَّة لهم فيه». اهـ([192])

وقال أبو حيان الأندلسي – رَحِمَهُ اللهُ -: «واحْتَجَّتِ الخَوارِجُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ كُلَّ مَن عَصى اللَّهَ تَعالى؛ فَهو كافِرٌ، وقالُوا: هي نَصٌّ في كُلِّ مَن حَكَمَ بِغَيْرِ ما أنْزَلَ اللَّهُ؛ فَهو كافِرٌ، وكُلُّ مَن أذْنَبَ؛ فَقَدْ حَكَمَ بِغَيْرِ ما أنْزَلَ اللَّهُ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كافِرًا». اهـ([193])

وقال محمد رشيد رضا – رَحِمَهُ اللهُ -: «أما ظاهر الآية؛ لم يَقُلْ به أحد من أئمة الفقه المشهورين، بل لم يَقُلْ به أحد». اهـ([194])

🕮 🕮 🕮

الشبهةُ العاشرةُ

  • ومنهم من يقول: الحكم بغير ما أنزل الله يكون كفرا أكبر إذا كان تشريعًا عامًّا!! وهذا كما هو في الدُّول التي تُحْكَمُ بغير شرع الله، في محاكمها، وقوانينها، وأنظمتها… إلخ.

* والجواب: ما هو مرادكم بـ «التشريع العام»؟ هل مرادكم: أن يحكم بغير ما أنزل الله في جميع الأحكام؟ فإن كان كذلك: فماذا تقولون فيمن حَكم في الجميع بغير ما أنزل الله إلا حكما أو حُكْميْن؛ فحَكَم فيهما بما أنزل الله؟ فإن قالوا: لا يَكْفُر؛ لأنه – حينئذٍ – لم يَحْكُم بتشريعٍ عام مُسْتَوعِبٍ لكل أحكام الشريعة!!

قيل: فما هو قولكم فيمن غيَّرَ كل أحكام الشريعة إلا ثلاثة أحكام… أو أربعة… أو عشرة… أو مائة… إلخ؟ فإن وضَعُوا حَدًَّا للعدد الذي عنده يكون الحكم بغير ما أنزل الله كفرا أكبر؛ طُولِبوا بالدليلِ المفَرِّق بين هذا العدد وما قبله وما بعده من أعداد؟ ولا دليل معهم يُعتمد عليه، كما مَرَّ بنا من قبلُ؛ فما بقي إلا التَّحَكُّم، وهو مَعِيبٌ!!

ثم إن البلاد الإسلامية -بل بعض بلاد الكفر من النصارى وغيرهم- والتي تُحَكِّم القوانين الوضْعيةَ، لم تغَيِّر كل أحكام الشريعة؛ فلا زالتْ أحكامُ المواريث، والأحوال الشخصية، والزواج، والطلاق… وغير ذلك منصوصًا عليها في دساتيرهم، بل بعض الدول الغربية -كما أُخْبِرْتُ- تُحَكِّم المواريث الإسلامية، أو كثيرا أو بعضًا منها؛ لما رأَوْه أنها أعْدَل من آرائهم!!

فصحَّ بعد هذا: أن مناط تكفير الحاكم بغير ما أنزل الله كفرًا أكبر: هو الاستحلال ونحوه، لا «التشريع العام» ولا التقنين… ونحو ذلك، كما سبق، والله أعلم!!

🕮 🕮 🕮

الشبهةُ الحاديةَ عَشْرةَ

  • الاستدلالُ على التكفير في الحكم بغير ما أنزل الله بعقيدة التلازم بين الظاهر والباطن، التي قَرَّرَها أهلُ السنة؛ فمن فَعَل الكفر ظاهرا؛ فيلزم من ذلك كُفرُه في الباطن!!.

* والجواب:

هذا الاستدلال لا يستقيم لأمرين:

1-لأنه استدلال بما لا دلالة فيه على المراد، فقد مَرَّ بنا أن الفِعْل الظاهر هنا – وهو الحكم بغير ما أنزل الله – ليس في مرتبة الكفر بإطلاق، إنما الغالب عليه المعصية، وقد يكون عن اجتهاد وتأويل، وإن كانت هذه الصورة الأخيرة ليست موضوع الكتاب.

2-ولأنه استدلال بمحل النزاع؛ وهو معيب ومردود!!

وبيانُ ذلك أن يقال: إن اعتقاد أهل السنة في مسألة التلازم بين الظاهر والباطن يقتضي أن يكون عند المرء من الصلاح أو الفساد في الظاهر بِقَدْرِ ما عنده من الصلاح أو الفساد في الباطن.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رَحِمَهُ اللهُ -: «ثم القلبُ هو الأَصْلُ؛ فإذا كان فيه مَعْرِفَةٌ وإِرَادَةٌ؛ سَرَى ذلك إلى البدن بالضرورة، ولا يمكن أن يتخلف عما يريده القلب، ولهذا قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في الحديث الصحيح: «أَلاَ وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ؛ صَلَحَ لها سائرُ الجسد، وَإِذَا فَسَدَتْ؛ فَسَدَ لها سائرُ الجسد؛ ألا وهي القلب»… فإذا كان القلبُ صالحًا بما فيه من الأعمال عِلْمًَا وعَمَلًا قَلْبِّيًا؛ لَزِمَ ضرورةً صلاحُ الجسد بالقول الظاهر، والعملِ بالإيمان المطلق، كما قال أئمة الحديث: قَوْلٌ وعَمَلٌ، قَوْلٌ باطنٌ وظاهرٌ، وعَمَلٌ باطنٌ وظاهرٌ، والظاهرُ تابعٌ للباطن، لَازِمٌ له، متى صَلُحَ الباطن؛ صَلُحَ الظاهر، وإذا فَسَدَ؛ فَسَدَ». اهـ([195])

وتطبيقًا لهذا الأصل؛ فإنه يقال: لا شك أن من غيَّر أحكام الشريعةَ، أو حَكَم بغير ما أنزل الله؛ فإن لديه من الفساد في الباطن قَدْرًا كبيرًا، يُساوي ذلك القَدْرَ الذي قد ظَهَر منه، وهو: الحُكْم بغير ما أنزل الله في كثيرٍ أو قليلٍ.

لكن مَحَلَّ البحْثِ هو: أن يُنْظَرَ لهذا الفساد الذي في الظاهر – والذي نتج عن فسادٍ مِثْلِهِ في الباطن –: هل بَلَغَ بصاحبه حَدَّ الكُفر الأكبر؛ ليُحْكَمَ عليه بالكفر الأكبر ظاهرا أو باطنا؟ أم لا؟..

إن الجواب على هذا السؤال: يَدْعُو إلى النظر في الأدلة الشرعية الأخرى، التي حَكَمَتْ على هذا الظاهر، ولا علاقَةَ له من قريبٍ أو بعيد -في هذا المقام الذي نحن نتنازع فيه- بقاعدة التلازُمِ بين الظاهر والباطن.

ثم إن المخالف قد يقول: ذلك القَدْر- وهو الحُكْم بغير ما أنزل الله – الذي في الظاهر حُكْمُهُ الكُفْرُ الأكبر.

فيقال له: فما الدليل على أن ذلك القَدْرَ قد أَوْصَلَ صاحِبَهُ إلى الكُفر الأكبر؟.. فإن اسْتَدَلَّ بقاعدة التلازم بين الظاهر والباطن؛ فقد اسْتَدَلَّ بمحَلِّ النزاع، وبما لا دلالة فيه على المقصود؛ فلَزِمَهُ أن يَسْتَدِلَّ بدليلٍ آخر، وهذا هو المراد.

ويَزْدَادُ الأمرُ وضُوحًا: إذا قررنا أنه لا يختلف أهل السنة في عدم تكفير الزاني- مثلا، وأن الزنى من الكبائر والفواحش – ولو زنا عدة مرات؛ فهو مسلمٌ عاصٍ، ما لم يسْتَحلّ الزنا، وينطق بحلِّه بلسانه!.. فأنت ترى أن ازدياد العاصي في ارتكاب الذنب؛ قد دلَّ على زيادة فساده في الباطن، ولكن إيصال هذا الفساد إلى حَدِّ الكفر المُخْرِجِ من الملة لا تَعَلُّقَ له بقاعدة التلازم، بل يؤخذ من الأدلة الشرعية الأخرى التي بَيَّنَتْ حُكْمَ هذا الظاهر، وقد دلت الأدلة وأقوال السلف والخلف -كما سبق ذكرها- على عدم وقوع من حكم بغير ما أنزل الله في الكفر الأكبر ما لم يَسْتَحِلَّ، أو يُفَضِّل الحكمَ بغير ما أنزل الله على الحكم بما أنزل الله، أو سَاوَى بينهما… إلى غير ذلك مما سبق من الصُّوَر المكفِّرة لمن وقع في الحكم بغير ما أنزل الله؛ وذلك باتفاق أهل السنة.

يقول شيخنا الألباني – رَحِمَهُ اللهُ – تعليقًا على قول الله تعالى: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ] [سورة المائدة آية: 44]: «من آمن بشريعة الله -تبارك وتعالى-، وأنها صالحة لكل زمان ولكل مكان، ولكنه لا يَحْكُم – فعلًا – بها؛ إما كُلًّا وإمّا بَعْضًا أو جزءًا؛ فله نصيب من هذه الآية! له نصيب من هذه الآية، لكن هذا النصيب لا يَصِلُ به إلى أن يَخْرُجَ من دائرة الإسلام». اهـ([196])

🕮 🕮 🕮

الشبهةُ الثانيةَ عَشْرةَ

  • أن اشْتِراطَ الاستحلال في تكفير مَنْ حَكَم بغير ما أنزل الله، إنما هو قولُ المرجئة الضالِّين.

قالوا: إن القول بكُفْر الحاكم بغير ما أنزل الله لا يكون إلا بشرط الاستحلال ونحوه من الأمور الاعتقادية السابقة إنما هو قول المرجئة؛ فإن الشيء إذا سماه الله كُفْرا؛.. لا يكون الاستحلال فيه شَرْطًا.. هذا هو الأصل، وإلا فاستحلال أيِّ شيء حَرَّمَهُ الله يقينا أو بإجماعٍ؛ فهو كُفْرٌ قولًا واحدًا؟؟

* والجواب على ذلك من وجوه:

الوجه الأول:

قولهم: «الشيء إذا سماه الله كُفرا.. لا يكون الاستحلال فيه شرطًا..» نعم، هذا هو الأصل، وهو كلام صحيح، ولكن لا يمنعنا ذلك من إطلاق هذا الشرط في الأفعال التي هي من جملة المعاصي -كمسألتنا هذه على الراجح من فهم السلف، بل هو القول الوحيد عندهم، وإن سماها الله كفرا، فيكون كفرًا دون كفرٍ- ولهذا ترى جميع أهل العلم يشترطون الاستحلال في بعض الأفعال التي وُصِفَتْ بالكفر، والمراد به الكُفر الأصغر.

ومن ذلك قول النووي – رَحِمَهُ اللهُ -: «مذهب أهل السنة والفقهاء: وهو أن من حَمَلَ السلاحَ على المسلمين بغير حَقٍّ ولا تأويلٍ، ولم يَسْتَحِلَّهُ؛ فهو عاصٍ ولا يَكْفُرُ بذلك، فإن اسْتَحَلَّه؛ كَفَرَ» اهـ.([197])

فالاستحلال لا يَشْتَرِطُهُ أهلُ السنة في تكفير العاصي إلا في الأعمال غير الكفرية كالمعاصي، وأما الأعمال الكفرية؛ فإنهم لا يشترطون ذلك-خلافًا للمرجئة! -، فإن المُواقِع للكُفْرِ الأكبر يَكْفُر، سواء استحل الفِعْلَ المُكَفِّر أم لا؛ هذا مع مراعاة ضوابطِ تنزيل الحُكْم العام أو المطلق على الشخص المعين.

قال الشيخ العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمهم الله جميعا-: «وإنما يَحْرُم التحكيمُ إذا كان المُسْتَنَدُ إلى شريعةٍ باطلةٍ تخالف الكتابَ والسنةَ، كأحكام اليونان والإفرنج والتتر، وقوانينهم التي مصدرها آراؤهم وأهواؤهم، وكذلك سوالفِ البادية، وعاداتِهم الجاريَةِ، فمن اسْتَحَلَّ الحُكْم بهذا في الدماء أو غيرها؛ فهو كافر..». اهـ([198])

وقال – رَحِمَهُ اللهُ -: «وما ذكرتُهُ عن الأعراب من الفَرْقِ بين من اسْتَحَلَّ الحكم بغير ما نزل الله، ومن لم يَسْتَحِلَّ؛ فهو الذي عليه العمَلُ، وإليه المرجع عند أهل العلم» اهـ..([199])

وقال العلامة سليمان بن سحمان – رَحِمَهُ اللهُ – شارحًا القولَ السابقَ:

«يعني: أن من اسْتَحَلَّ الحُكْمَ بغير ما أنزل الله، ورَأَى أن حُكْمَ الطاغوت أَحْسَنُ مِن حُكْمِ الله، وأن الحَضَرَ لا يَعْرِفُون إلا حُكْم المواريث، وأن ما هم عليه من السوالف والعادات هو الحق، فمن اعتقد هذا؛ فهو كافر، وأما من لم يَسْتَحِلَّ هذا، ويرى أن حُكْمَ الطاغوت باطل، وأن حكم الله ورسوله هو الحَقّ؛ فهذا لا يَكْفُر، ولا يَخْرُج من الإسلام» اهـ.([200])

وسُئِل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز – رَحِمَهُ اللهُ – عن حكم سَنِّ القوانين الوضْعية؟ وهل يَكْفُر الحاكم بِسَنِّهِ هذه القوانينَ؟

فأجاب – رَحِمَهُ اللهُ -: «إذا كان القانون يوافق الشرع؛ فلا بأس به..، أما القوانين التي تخالف الشرع؛ فلا يجوز سَنُّها، فإذا سَنَّ قانونا يتضمن أنه لا حَدَّ على الزاني أو السارق أو شارب الخمر؛ فهذا قانون باطل، وإذا اسْتَحَلَّهُ الوالي؛ كَفَرَ..». اهـ([201])

وسُئِل عن تبديل القوانين؟

فأجاب – رَحِمَهُ اللهُ -: «إذا اسْتَبَاح [أي: اسْتَحَلَّ] الحكم بقانون غير الشريعة؛ يكون كافرًا كُفْرًا أكبر، أما إذا فَعَلَ ذلك لأسبابٍ خاصةٍ، عاصِيًا لله، ويَعْلَمُ أنه مُحَرَّمٌ؛ يكون كُفْرًا دون كُفْر، كما قال ابن عباس.. أي إذا اسْتَحَلَّ الحُكْم بقانون، أو اسْتَحَلَّ الحُكْم بكذا أو كذا غيرِ الشريعة؛ يكون كافرًا، أما إذا فَعَلَهُ لرشوةٍ، أو لِعَدَاوةٍ بينه وبين المحكوم عليه، أو لِأَجْلِ إرضاءِ بعض الشعب، أو ما أَشْبَهَ ذلك؛ فهذا يكون كُفْرًا دون كُفْر» اهـ.([202])

✍ قلت: فلو كان الحكم بالقوانين المخالفة للشريعة كفرًا مُطلقًا – أي سواء استحلّ أم لا-، لم يَكُن لهؤلاء الأكابر من أهل العلم والفضل والتُّقَى تقييدُه بالاستحلال، وقد اشتد نكيرُهم على المرجئة لاشتراطهم ذلك في الأعمال الكفرية؛ فدل هذا على أن اشتراطَهَم الاستحلالَ في التكفير لمن حَكَم بالقوانين؛ على أن الحكم بها لا زال – في الأصل – في دائرة المعصية، وليس كُفْرًا.

الوجه الثاني:

أن الذي ينبغي أن نفهمه: أن مُطْلَقَ الاشتراك مع أهل البدع في بعض ما هم عليه من دون نَظَرٍ إلى حقيقة هذا المذهب؛ لا يقتضي الإِلْحَاقَ بهم في كل باطلهم؛ فإن أهل السنة اشتركوا مع الخوارج والمعتزلة في أن العمل من الإيمان، وأن الإيمان اعتقاد وقول وعمل، كما أنهم اشتركوا مع المرجئة في عدم تكفير مرتكب الكبيرة، واشتركوا مع مرجئة الفقهاء في أنه يستحق الذم، وأنه مُتَوَعَّدٌ في الآخرة بعقاب الله.

وخالفوا الخوارج والمعتزلة والمرجئة: فقالوا: الإيمان حقيقةٌ مرَّكبَةٌ، قد يَذْهَب بَعْضُه، ويَبْقَى بعضُه، وقالت الخوارج والمعتزلة: بل هو شيء واحد؛ إذا زال بعضُه زال كُلُّه.

وخالفوا المرجئة فقالوا: مرتكب الكبيرة ناقصُ الإيمان، والمرجئة قالت: هو مؤمن كامل الإيمان.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رَحِمَهُ اللهُ – عن الرافضة: «ليس كلُّ ما أنكره بعضُ الناس عليهم -أي على أهل البدع- يكون باطلًا؛ بل مِن أقوالهم أقوالٌ خالفهم فيها بعضُ أهل السنة ووافقهم بعضٌ، والصواب مع مَن وافقهم، لكنْ ليس لهم مسألة انفردوا بها أصابوا فيها، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعُدُّ مِنْ بِدَعِهِمُ الْجَهْرَ بِالْبَسْمَلَةِ، وَتَرْكَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ إِمَّا مُطْلَقًا، وَإِمَّا فِي الْحَضَرِ، وَالْقُنُوتَ فِي الْفَجْرِ، وَمُتْعَةَ الْحَجِّ، وَمَنْعَ لُزُومِ الطَّلَاقِ الْبِدْعِيِّ، وَتَسْطِيحَ الْقُبُورِ، وَإِسْبَالَ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي تَنَازَعَ فِيهَا عُلَمَاءُ السُّنَّةِ، وَقَدْ يَكُونُ الصَّوَابُ فِيهَا الْقَوْلَ الَّذِي يُوَافِقُهُمْ، كَمَا يَكُونُ الصَّوَابُ هُوَ الْقَوْلَ الَّذِي يُخَالِفُهُمْ، لَكِنَّ الْمَسْأَلَةَ اجْتِهَادِيَّةٌ؛ فَلَا تُنْكَرُ إِلَّا إِذَا صَارَتْ شِعَارًا لِأَمْرٍ لَا يَسُوغُ، فَتَكُونُ دَلِيلًا عَلَى مَا يَجِبُ إِنْكَارُهُ، وَإِنْ كَانَتْ نَفْسُهَا يَسُوغُ فِيهَا الِاجْتِهَادُ، وَمِنْ هَذَا: وَضْعُ الْجَرِيدِ عَلَى الْقَبْرِ؛ فَإِنَّهُ مَنْقُولٌ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِلِ»([203]).

ومن هذا الباب: قول الحافظ ابن عبد البر – رَحِمَهُ اللهُ –: «هَذَا قَوْلٌ([204]) قَدْ قَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ مِمَّنْ يَقُولُ: الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، وَقَالَتْ بِهِ الْمُرْجِئَةُ أَيْضًا، (إِلَّا أَنَّ الْمُرْجِئَةَ) تَقُولُ: (الْمُؤْمِنُ) الْمُقِرُّ مُسْتَكْمِلُ الْإِيمَانِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ أَئِمَّةِ (أَهْلِ) السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي تَارِكِ الصَّلَاةِ، فَأَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ: فَإِنَّ الْمُرْجِئَةَ قَالَتْ: تارك الصلاة مؤمن مُسْتَكْمِلُ الْإِيمَانِ، إِذَا كَانَ مُقِرًّا غَيْرَ جَاحِدٍ، وَمُصَدِّقًا غَيْرَ مُسْتَكْبِرٍ، وَحُكِيَتْ هَذِهِ الْمَقَالَةُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَسَائِرِ الْمُرْجِئَةِ، وَهُوَ قَوْلُ جَهْمٍ». اهـ.([205])

وعليه: فإن مُطْلَقَ المشاركة مع المرجئة أو غيرهم من أهل البدع والأهواء في بعض ما هم عليه -مع الاختلاف معهم في أصول مذهبهم- لا يقتضي إلحاقًا بهم، ومن ثَمَّ فلا حاجة إلى التشنيع بغير موجِبٍ!!

الوجه الثالث:

قد نَصَّ أئمة السلف – رحمة الله عليهم – على بعض المسائل التي مَن قالها، فقد فارق المرجئةَ، وبَرِئَ من الإرجاء.

فقد قال البربهاري – رَحِمَهُ اللهُ -: «ومن قال: (الإيمان قولٌ وعملٌ، يزيد وينقص)؛ فقد خَرَجَ من الإرجاء كُلِّهِ: أَوَّلِهِ وآخِرِهِ» ([206]).

وسُئل الإمام أحمد بن حنبل – رَحِمَهُ اللهُ – عمن قال: (الإيمان يزيد وينقص)؟ فقال: «هذا برئَ من الإرجاء».([207])

وقال عبد الرحمـن بن مهـدي – رَحِمَهُ اللهُ -: «إذا تـَرَكَ الاسْتِثْنَـاءَ؛ فهو أَصْلُ الإرجاء».([208])

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رَحِمَهُ اللهُ – عن المرجئة الذين يشترطون الاستحلال في تكفير من سب النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «رَأَوْا أن الإيمانَ: هو تصديقُ الرسول فيما أَخْبَرَ به، ورَأَوْا أن اعتقادَ صِدْقِهِ لا يُنَافي السَّبَّ والشَّتْمَ… فهذا مَأْخَذُ المرجئة ومُعْتَضِديهم، وهم الذين يقولون: الإيمان: هو الاعتقاد والقول» ([209]).

الوجه الرابع:

أن بعض كبار العلماء المعاصرين([210]) الذين اختلفوا مع العلماء من السلف والخلف، الذين لم يُكفِّروا في هذه المسألة- وهي الحكم بالقوانين الوضعية – لم يختلفوا في مناط التكفير في هذه المسألة، أَلَا وهو: الإرجاعُ في التكفير إلى الاعتقاد والاستحلال([211])، كُلُّ ما في الأمر: أنهم استدلّوا بالاستحلال العملي – وهو غير مكَفِّر – على الاستحلال القلْبي – وهو المكَفِّر -، ولا يكون ذلك كذلك إلا إذا صرح الحاكم بلسانه بالاستحلال، والله أعلم، وبصورة أَوْضَحَ: أن هؤلاء العلماء لم يُكَفِّرُوا من يَحْكُم بالقوانين الوضعية لمجرد أن الحكم بهذه القوانين كفر أكبر، بل لأن العدول عن حكم الشرع – ولو في مسألة واحدة -.

🕮 🕮 🕮

الشبهةُ الثالثةَ عشرةَ

  • إن هذه الصورة -الحكم بالقوانين الغربية أو الأعراف البَدَويَّة- لم تَكُن معروفةً عندهم، وهي صورة حديثة لم تكن معروفة من قبل؛ ولعل السلف تكلموا على حال دون ما نحن فيه من صُور المنازعة لله في الحُكْم والتشريع.

* والجواب:

لا نُسَلِّم بذلك؛ فواقع القوانين والأعراف الجاهلية كان معلومًا من أوائل الدعوة؛ بل وقبل الدعوة؛ فقد قال تعالى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ] {المائدة:104}.

وقوله: [ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ] {لقمان:21}.

ويَدُلُّكَ على ذلك: قولُ الحافظ ابن كثير – رَحِمَهُ اللهُ – في «تفسيره»: «يُنْكِرُ تَعَالَى عَلَى مَنْ خَرَجَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ المُحْكَمِ، الْمُشْتَمِلِ عَلَى كُلِّ خَيْرٍ، النَّاهِي عَنْ كُلِّ شَرٍّ، وَعَدَلَ إِلَى مَا سِوَاهُ مِنَ الْآرَاءِ وَالْأَهْوَاءِ وَالِاصْطِلَاحَاتِ، الَّتِي وَضَعَهَا الرِّجَالُ بِلَا مُسْتَنَدٍ مِنْ شَرِيعَةِ اللَّهِ، كَمَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَحْكُمُونَ بِهِ مِنَ الضَّلَالَاتِ وَالْجَهَالَاتِ، مِمَّا يَضَعُونَهَا بِآرَائِهِمْ وَأَهْوَائِهِمْ، وَكَمَا يَحْكُمُ بِهِ التَّتَارُ مِنَ السِّيَاسَاتِ الْمَلَكِيَّةِ». اهـ

فَدَلَّ قوله – رَحِمَهُ اللهُ -: «كما كان أهل الجاهلية يَحْكُمون به» على أن صورة الحكم هذه، التي هي بـ (الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله) كانت معروفةً لديهم، وكانت عن تفضيل لأحكامهم على أحكام غيرهم، بل واحتقار منهم لما خالفها… ونحو ذلك، وكلُّها سياساتٌ وقوانينُ وأعرافٌ باطلةٌ، سواءً كانت مكتوبةً أو محفوظةً، وهؤلاء الكفار الذين تتناولهم الآيةُ، تركوا ما أنزل الله، واتَّبَعوا ما وجدوا عليه آباءهم من الأعراف والقوانين الجاهلية، غير متجردين من اعتقاد استحسانها وتفضيلها على ما سواها، فهل يُتَصَوَّرُ أن يُفَسِّرَ حَبْرُ الأمة وتُرْجُمانُ القرآن هذه الآية غافلًا عن تلك الآيات البينات وما كانت تُمَثِّلُهُ واقعًا مؤلما؟!

ثم من أكبر الأدلة على وجود هذه الصورة في زمن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمْ-:

استدلالُ من يُكَفِّر بهذه الصورة: بحديث اليهوديين اللذيْن زَنَيَا([212])؛ حتى إن بعض المخالفين يُسَمِّيها بـ «التشريع العام».

وحتى لو سَلَّمْنا -تَنَزُّلًا- أن واقعنا مغايرٌ كُلَّ المغايرة للواقع الذي نزلت فيه الآية؛ فالعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، فإذا كان ابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- – ذكر تفسيره للآية في الرد على الخوارج في زمانه؛ فلا يمنع هذا أن يكون هذا التفسير ردًا على الخوارج من ناحية، وإِعْلامَ الناسِ بتفسير الآية من ناحية أخرى؛ فيكون شاملًا لحكام زمانه وزماننا؟!، ومعلوم أن العبرة (بما قال) لا (لمن قال)

فإن قيل: إن ابن عباس – رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا – فسَّر الآية للخوارج، فقال: كفر لا يَنْقُل عن الملة؛ ليدفع غُلُوَّهم في التكفير، أو يعني بذلك حكام زمانهم، والفرق بينهم وبين حكام زماننا واضح؟

فالجواب: أن ابن عباس – رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا – لما فَسَّر الآية فَسَّرها تفسيرًا مطلقًا دون التقيد بما سبق، فلماذا نُحَمِّلُ كَلَامَهُ ما لا يَحْتَمِلُ، ونُقَوِّلُهُ ما لم يَقُلْ؟!، ثم إن ابن عباس – رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا – لم يذكر تفسيره ردًا على الخوارج!، كما تزعُمون!!، فهذا تَحَكُّمٌ ظاهرٌ ليس عليه أَدْنى دليل، فهذه رواياتُ الأثر بين يديك في دواوين السنة، ليس في واحدة منها: أن خارجيًا سأله، وإنما السائل إما (رجل!) أو (طاووس) أو (تفسير مباشر عنه – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – للآية)، والسائل في كل الروايات سأل ابن عباس – رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا – عن تفسير الآية، أو كُنْهِ الكُفْر المذكور بها، ولم يَسْأَلْهُ عن قول الخوارج في حُكَّام زمانهم، كما تزعُمون!.

وإذا كان السائل لابن عباس – رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا – خارجيا، كما تدَّعون؛ فماذا تستفيدون من ذلك انتصارا لمذهبكم؟ فإذا كان جوابه لدفْع غلُوِّهم في التكفير؛ فهو جواب أيضا لدفع غُلُوِّكم أنتم في التكفير!! ثم إن العلماء استدلُّوا بهذا الأثر في كل زمان على حكام زمانهم الذين حكموا بغير ما أنزل الله في كثير أو قليل؛ فلا وجه لتخصيص أثر ابن عباس – رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا – بزمان معين، أو طائفة معينة، والله أعلم.

وأيضًا: لا خلاف في أن هذه الصورة في الحُكْم من صُوَر منازعة العبد ربَّه في الحاكمية والتشريع، لكن النزاع بيننا في: هل يلزم من المنازعة هنا الكفر الأكبر، أم لا؟ وقد ظهر – كما سبق – أن هذا ليس بلازم، ولا شك أن من اتَّبَعَ هواه -حاكما كان أو محكوما-؛ فقد انْسَلَخَ بقدْر ذلك من الإِذْعان والانْقِيادِ والرضا والتسليم بحكم الله -جل وعلا- ومع ذلك لا يَلْزَمُ من ذلك الكفرُ الأكبرُ، والله أعلم.

🕮 🕮 🕮

الشبهةُ الرابعةَ عَشْرةَ

  • اسْتَدَلَّ البعضُ بكلام للحافظ ابن كثير – رَحِمَهُ اللهُ – على أن الحكم بالقوانين الوضعية كُفْرٌ بالإجماع.

فقد قال الحافظ ابن كثير – رَحِمَهُ اللهُ -:

«وفي ذلك كُلِّهِ مخالفةٌ لشرائع الله المنزَّلَةِ على عباده الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- فمن تَرَكَ الشرعَ المُحْكَمَ المُنَزَّلَ على محمد بن عبد الله خاتمِ الأنبياء، وتحاكَمَ إلى غيره من الشرائع المنسوخة؛ كَفَر، فكيف بمن تحاكم إلى «الياسق» وقَدَّمها عليه؟ من فَعَلَ ذلك؛ كَفَرَ بإجماع المسلمين». اهـ

* والجواب:

أولًا: قلت: لو فَرَضْنا جَدَلًا أن الحافظَ ابن كثير – رَحِمَهُ اللهُ – يَقْصُد بكلامه هذا هنا فيما تستدلون به من كلامه التشريعَ العامَّ – كما تدَّعون -؛ فالإجماعُ الذي ذكره – رَحِمَهُ اللهُ – محمول على من قدَّم تشريعه على شرع الله، كما صرح الحافظ- رَحِمَهُ اللهُ – بقوله: «… وقدمها عليه» وإلا فهو منقوضٌ بما نقلناه سابقًا عن كثير من العلماء بخلاف هذا القول فيمن حكم بغير ما أنزل الله دون استحلال أو نحوه!!

ثانيًا: غير أن الحافظ ابن كثير – رَحِمَهُ اللهُ – إنما قَصَدَ الذين يُفَضِّلُون حُكْم «الياسق» على حُكْم القرآن والسنة، كما يدل على ذلك آخر كلامه، وقد سبق عن الحافظ ابن كثير – رَحِمَهُ اللهُ – في تفسيره([213]) التكفير لمن تحاكم إلى غير حُكْم الله مُقَدِّما له على حُكْم الله؛ فيؤخذ بكلامه كله، لا ببعضه دون بعض!! ولعله – رَحِمَهُ اللهُ – يعني بقوله: «وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة» أهل الكتاب الذين نزلت فيهم تلك الآياتُ الثلاث، فقد كانوا يفضِّلون شرائعهم المنسوخة والمبدَّلة على حكم الله المُحْكَم، وسواء صَحَّ هذا أم لا؛ فلا يُنْسَب للحافظ ابن كثير – رَحِمَهُ اللهُ – إلا ما يقتضيه مجموعُ كلامه، لا بعضَ كلامه المحتمل، ويؤيد ذلك: أن بقية كلام علماء السنة تؤيد قول من قال: الحاكم بغير ما أنزل الله لا يَكْفُر كُفرا أكبر بمجرد حكمه بغير ما أنزل الله؛ إلا إذا استحل ذلك، أو فَضَّلَه وقَدَّمَه على شرع الله… إلخ، والله أعلم.

فمناط التكفير المُجْمع عليه عند أهل السنة: التحكيم للقوانين مع التقديم لها على الشرع المُحْكَم سواءً قَلَّ ذلك أو كَثُرَ!!

فلو كان مجرد التحاكم إليه تفضيلًا؛ لَتَم تَكْفِيرُه بالحكم بغير ما أنزل الله، ولو في مسألةٍ واحدة.

ولو كان مقصودُه مجردَ التقنين _ وليس هذا صريحًا ولا ظاهرًا في كلامه _ فقد تقدم كلام شيخ الإسلام في هذا.

وليس مجرد التقنين كُفْرًا؛ بدليل أن الفقهاء اعتبروا أن الديار التي تَطْغَى فيها أحكام الإسلام على أحكام الكفر دار إسلام.

والتتار كان شأنهم الاستحلال، فحُكْمُهم ينتقل إلى من كان مِثْلَهم، لا مجرد من ترك الحكم بما أنزل الله مع إقراره بأنه الحق، وما سواه باطل.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رَحِمَهُ اللهُ -: «إنهم – أي التتار – يجعلون دينَ الإسلام كدين اليهود والنصارى، وأن هذه كلَّها طرقٌ إلى الله بمنزلة المذاهب الأربعة عند المسلمين، ثم منهم من يُرَجِّحُ دينَ اليهود أو دينَ النصارى، ومنهم من يُرَجِّحُ دينَ المسلمين». اهـ

وسأَنْقُلُ نصَّ كلام شيخ الإسلام ابن تيمية – رَحِمَهُ اللهُ – بطوله؛ لأهميته، وفيه وَصْفٌ لما كان عليه التتار من أنواع الكفر والضلال؛ حتى يتأنىَّ المُتَسرِّعون في التكفير، مع اختلاف الحال بين التتار وبين من قاسوهم عليهم من المسلمين؛ يقول – رَحِمَهُ اللهُ -:

«وَقَدْ شَاهَدْنَا عَسْكَرَ الْقَوْمِ؛ فَرَأَيْنَا جُمْهُورَهُمْ لَا يُصَلُّونَ، وَلَمْ نَرَ فِي عَسْكَرِهِمْ مُؤَذِّنًا وَلَا إمَامًا، وَقَدْ أَخَذُوا مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وَذَرَارِيِّهِمْ، وَخَرَّبُوا مِنْ دِيَارِهِمْ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ فِي دَوْلَتِهِمْ إلَّا مَنْ كَانَ مِنْ شَرِّ الْخَلْقِ، إمَّا زِنْدِيقٌ مُنَافِقٌ، لَا يَعْتَقِدُ دِينَ الْإِسْلَامِ فِي الْبَاطِنِ، وَإِمَّا مَنْ هُوَ مِنْ شَرِّ أَهْلِ الْبِدَعِ: كَالرَّافِضَةِ، وَالْجَهْمِيَّة، والاتحادية، وَنَحْوِهِمْ، وَإمَّا مَنْ هُوَ مِنْ أَفْجَرِ النَّاسِ وَأَفْسَقِهِمْ، وَهُمْ فِي بِلَادِهِمْ -مَعَ تَمَكُّنِهِمْ- لَا يَحُجُّونَ الْبَيْتَ الْعَتِيقَ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يُصَلِّي وَيَصُومُ؛ فَلَيْسَ الْغَالِبُ عَلَيْهِمْ إقَامَ الصَّلَاةِ، وَلَا إيتَاءَ الزَّكَاةِ، وَهُمْ يُقَاتِلُونَ عَلَى مُلْكِ «جنكسخان»، فَمَنْ دَخَلَ فِي طَاعَتِهِمْ؛ جَعَلُوهُ وَلِيًّا لَهُمْ -وَإِنْ كَانَ كَافِرًا- وَمَنْ خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ؛ جَعَلُوهُ عَدُوًّا لَهُمْ -وَإِنْ كَانَ مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ- وَلَا يُقَاتِلُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَلَا يَضَعُونَ الْجِزْيَةَ وَالصَّغَارَ، بَلْ غَايَةُ كَثِيرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ مَنْ أَكَابِرِ أُمَرَائِهِمْ وَوُزَرَائِهِمْ أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُ عِنْدَهُمْ كَمَنْ يُعَظِّمُونَهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، كَمَا قَالَ أَكْبَرُ مُقَدَّمِيهِمْ الَّذِينَ قَدِمُوا إلَى الشَّامِ، وَهُوَ يُخَاطِبُ رُسُلَ الْمُسْلِمِينَ، وَيَتَقَرَّبُ إلَيْهِمْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ، فَقَالَ: هَذَانِ آيَتَانِ عَظِيمَتَانِ جَاءَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ: «مُحَمَّدٍ»، و«جنكسخان»، فَهَذَا غَايَةُ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ أَكْبَرُ مُقَدَّمِيهِمْ إلَى الْمُسْلِمِينَ: أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ، وَأَكْرَمِ الْخَلْقِ عَلَيْهِ، وَسَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ، وَخَاتَمِ الْمُرْسَلِينَ، وَبَيْنَ مَلِكٍ كَافِرٍ مُشْرِكٍ، مِنْ أَعْظَمِ الْمُشْرِكِينَ كُفْرًا وَفَسَادًا وَعُدْوَانًا، مِنْ جِنْسِ «بُخْتِ نَصَّرَ» وَأَمْثَالِهِ.

وَذَلِكَ أَنَّ اعْتِقَادَ هَؤُلَاءِ التَّتَارِ كَانَ فِي «جنكسخان» عَظِيمًا؛ فَإِنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ، مِنْ جِنْسِ مَا يَعْتَقِدُهُ النَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ، وَيَقُولُونَ: إنَّ الشَّمْسَ حَبَّلَتْ أُمَّهُ، وَأَنَّهَا كَانَتْ فِي خَيْمَةٍ، فَنَزَلَتْ الشَّمْسُ مِنْ كُوَّةِ الْخَيْمَةِ، فَدَخَلَتْ فِيهَا حَتَّى حَبِلَتْ، وَمَعْلُومٌ عِنْد كُلِّ ذِي دِينٍ أَنَّ هَذَا كَذِبٌ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ وَلَدُ زِنًا، وَأَنَّ أَمَّهُ زَنَتْ فَكَتَمَتْ زِنَاهَا، وَادَّعَتْ هَذَا حَتَّى تَدْفَعَ عَنْهَا مَعَرَّةَ الزِّنَا، وَهُمْ مَعَ هَذَا يَجْعَلُونَهُ أَعْظَمَ رَسُولٍ عِنْدَ اللَّهِ فِي تَعْظِيمِ مَا سَنَّهُ لَهُمْ، وَشَرَعَهُ بِظَنِّهِ وَهَوَاهُ، حَتَّى يَقُولُوا لِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْمَالِ: هَذَا رِزْقُ «جنكسخان»، وَيَشْكُرُونَهُ عَلَى أَكْلِهِمْ وَشُرْبِهِمْ، وَهُمْ يَسْتَحِلُّونَ قَتْلَ مَنْ عَادَى مَا سَنَّهُ لَهُمْ هَذَا الْكَافِرُ الْمَلْعُونُ، الْمُعَادِي لِلَّهِ وَلِأَنْبِيَائِهِ وَرَسُولِهِ وَعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ.

فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ مِنْ مُقَدَّمِيهِمْ كَانَ غَايَتُهُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ: أَنْ يَجْعَلَ مُحَمَّدًا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِمَنْزِلَةِ هَذَا الْمَلْعُونِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ كَانَ أَقَلَّ ضَرَرًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ هَذَا، وَادَّعَى أَنَّهُ شَرِيكُ مُحَمَّدٍ فِي الرِّسَالَةِ، وَبِهَذَا اسْتَحَلَّ الصَّحَابَةُ قِتَالَهُ وَقِتَالَ أَصْحَابِهِ الْمُرْتَدِّينَ، فَكَيْفَ بِمَنْ كَانَ فِيمَا يُظْهِرُهُ مِنْ الْإِسْلَامِ، يَجْعَلُ مُحَمَّدًا «كجنكسخان»، وَإِلَّا فَهُمْ مَعَ إظْهَارِهِمْ لِلْإِسْلَامِ يُعَظِّمُونَ أَمْرَ «جنكسخان» عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْمُتَّبِعِينَ لِشَرِيعَةِ الْقُرْآنِ، وَلَا يُقَاتِلُونَ أُولَئِكَ الْمُتَّبِعِينَ لِمَا سَنَّهُ «جنكسخان»، كَمَا يُقَاتِلُونَ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ أَعْظَمُ، أُولَئِكَ الْكُفَّارُ يَبْذُلُونَ لَهُ الطَّاعَةَ وَالِانْقِيَادَ، وَيَحْمِلُونَ إلَيْهِ الْأَمْوَالَ، وَيُقِرُّونَ لَهُ بِالنِّيَابَةِ، وَلَا يُخَالِفُونَ مَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ، إلَّا كَمَا يُخَالِفُ الْخَارِجُ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ لِلْإِمَامِ.

وَهُمْ يُحَارِبُونَ الْمُسْلِمِينَ، وَيُعَادُونَهُمْ أَعْظَمَ مُعَادَاةٍ، وَيَطْلُبُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الطَّاعَةَ لَهُمْ، وَبَذْلَ الْأَمْوَالِ، وَالدُّخُولَ فِيمَا وَضَعَهُ لَهُمْ ذَلِكَ الْمَلِكُ الْكَافِرُ الْمُشْرِكُ الْمُشَابِهُ لِفِرْعَوْنَ أَوْ النمروذ وَنَحْوِهِمَا؛ بَلْ هُوَ أَعْظَمُ فَسَادًا فِي الْأَرْضِ مِنْهُمَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: [ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ] {القصص:4}، وَهَذَا الْكَافِرُ عَلَا فِي الْأَرْضِ: يَسْتَضْعِفُ أَهْلَ الْمِلَلِ كُلَّهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَمَنْ خَالَفَهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ بِقَتْلِ الرِّجَالِ، وَسَبِّي الْحَرِيمِ، وَبِأَخْذِ الْأَمْوَالِ، وَبِهَلْكِ الْحَرْثِ وَالنَّسْلِ، وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ، وَيَرُدُّ النَّاسَ عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ سُنَنِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، إلَى أَنْ يَدْخُلُوا فِيمَا ابْتَدَعَهُ مِنْ سُنَّتِهِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَشَرِيعَتِهِ الكُفْرية، فَهُمْ يَدَّعُونَ دِينَ الْإِسْلَامِ، وَيُعَظِّمُونَ دِينَ أُولَئِكَ الْكُفَّارِ عَلَى دِينِ الْمُسْلِمِينَ، وَيُطِيعُونَهُمْ، وَيُوَالُونَهُمْ أَعْظَمَ بِكَثِيرِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمُوَالَاةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْحُكْمِ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَ أَكَابِرِهِمْ بِحُكْمِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَا بِحُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَكَذَلِكَ الْأَكَابِرُ مِنْ وُزَرَائِهِمْ وَغَيْرِهِمْ يَجْعَلُونَ دِينَ الْإِسْلَامِ كَدِينِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَإِنَّ هَذِهِ كُلَّهَا طُرُقٌ إلَى اللَّهِ، بِمَنْزِلَةِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبِعَةِ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يُرَجِّحُ دِينَ الْيَهُودِ أَوْ دِينَ النَّصَارَى، وَمِنْهُمْ مَنْ يُرَجِّحُ دِينَ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا الْقَوْلُ فَاشٍ غَالِبٌ فِيهِمْ، حَتَّى فِي فُقَهَائِهِمْ وَعُبَّادِهِمْ، لَا سِيَّمَا الْجَهْمِيَّة مِنْ الِاتِّحَادِيَّةِ الْفِرْعَوْنِيَّةِ وَنَحْوِهِمْ؛ فَإِنَّهُ غَلَبَتْ عَلَيْهِمْ الْفَلْسَفَةُ، وَهَذَا مَذْهَبُ كَثِيرٍ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ أَوْ أَكْثَرِهِمْ، وَعَلَى هَذَا كَثِيرٌ مِنْ النَّصَارَى أَوْ أَكْثَرُهُمْ، وَكَثِيرٌ مِنْ الْيَهُودِ أَيْضًا؛ بَلْ لَوْ قَالَ الْقَائِلُ: إنَّ غَالِبَ خَوَاصِّ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ وَالْعُبَّادِ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ؛ لِمَا أَبْعَدَ.

وَقَدْ رَأَيْت مِنْ ذَلِكَ وَسَمِعْت مَا لَا يَتَّسِعُ لَهُ هَذَا الْمَوْضِعُ، وَمَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْمُسْلِمِينَ، وَبِاتِّفَاقِ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ: أَنَّ مَنْ سَوَّغَ اتِّبَاعَ غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ، أَوْ اتِّبَاعَ شَرِيعَةٍ غَيْرِ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَهُوَ كَافِرٌ، وَهُوَ كَكُفْرِ مَنْ آمَنَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ، وَكَفَرَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: [ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ] {النساء:150-151}.

وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى دَاخِلُونَ فِي ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْمُتَفَلْسِفَةُ يُؤْمِنُونَ بِبَعْضٍ وَيَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ، وَمَنْ تَفَلْسَفَ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى يَبْقَى كُفْرُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ، وَهَؤُلَاءِ أَكْثَرُ وُزَرَائِهِمْ الَّذِينَ يَصْدُرُونَ عَنْ رَأْيِهِ غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ هَذَا الضَّرْبِ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَهُودِيًّا مُتَفَلْسِفًا، ثُمَّ انْتَسَبَ إلَى الْإِسْلَامِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْيَهُودِيَّةِ وَالتَّفَلْسُفِ، وَضَمَّ إلَى ذَلِكَ الرَّفْضَ، فَهَذَا هُوَ أَعْظَمُ مَنْ عِنْدَهُمْ مِنْ ذَوِي الْأَقلَامِ، وَذَاكَ أَعْظَمُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُمْ مِنْ ذَوِي السَّيْفِ.

فَلْيَعْتَبِرْ الْمُؤْمِنُ بِهَذَا.

وَبِالْجُمْلَةِ: فَمَا مِنْ نِفَاقٍ وَزَنْدَقَةٍ وَإِلْحَادٍ إلَّا وَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي أتْبَاعِ التَّتَارِ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَجْهَلِ الْخَلْقِ وَأَقَلِّهِمْ مَعْرِفَةً بِالدِّينِ، وَأَبْعَدِهِمْ عَنْ اتِّبَاعِهِ، وَأَعْظَمِ الْخَلْقِ اتِّبَاعًا لِلظَّنِّ، وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ.

وَقَدْ قَسَّمُوا النَّاسَ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ: يال، وَبَاعَ، وداشمند، وطاط – أَيْ: صَدِيقُهُمْ، وَعَدُوُّهُمْ، وَالْعَالِمُ، وَالْعَامِّيُّ – فَمَنْ دَخَلَ فِي طَاعَتِهِمْ الْجَاهِلِيَّةِ وَسُنَّتِهِمْ الكُفْرِيَّة؛ كَانَ صَدِيقَهُمْ.

وَمَنْ خَالَفَهُمْ؛ كَانَ عَدُوَّهُمْ -وَلَوْ كَانَ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَأَوْلِيَائِهِ- وَكُلُّ مَنْ انْتَسَبَ إلَى عِلْمٍ أَوْ دِينٍ سَمَّوْهُ «داشمند» كَالْفَقِيهِ، وَالزَّاهِدِ، وَالْقِسِّيسِ، وَالرَّاهِبِ، وَدَنَّانِ الْيَهُودِ، وَالْمُنَجِّمِ، وَالسَّاحِرِ، وَالطَّبِيبِ، وَالْكَاتِبِ، وَالْحَاسِبِ، فَيُدْرِجُونَ سَادِنَ الْأَصْنَامِ، فَيُدْرِجُونَ فِي هَذَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ وَأَهْلِ الْبِدَعِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ، وَيَجْعَلُونَ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ نَوْعًا وَاحِدًا، بَلْ يَجْعَلُونَ الْقَرَامِطَةَ الْمَلَاحِدَةَ الْبَاطِنِيَّةَ الزَّنَادِقَةَ الْمُنَافِقِينَ -كالطوسي وَأَمْثَالِهِ- هُمْ الْحُكَّامُ عَلَى جَمِيعِ مَنْ انْتَسَبَ إلَى عِلْمٍ أَوْ دِينٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَكَذَلِكَ وَزِيرُهُمْ السَّفِيهُ الْمُلَقَّبُ بِـ«الرَّشِيدِ» يَحْكُمُ عَلَى هَذِهِ الْأَصْنَافِ، وَيُقَدِّمُ شِرَارَ الْمُسْلِمِينَ: كَالرَّافِضَةِ وَالْمَلَاحِدَةِ عَلَى خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ، حَتَّى تَوَلَّى قَضَاءَ الْقُضَاةِ مَنْ كَانَ أَقْرَبَ إلَى الزَّنْدَقَةِ وَالْإِلْحَادِ وَالْكُفْرِ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ، بِحَيْثُ تَكُونُ مُوَافَقَتُهُ لِلْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ مِنْ الْيَهُودِ وَالْقَرَامِطَةِ وَالْمَلَاحِدَةِ وَالرَّافِضَةِ عَلَى مَا يُرِيدُونَهُ أَعْظَمَ مِنْ غَيْرِهِ، وَيَتَظَاهَرُ مِنْ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ بِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ لِأَجْلِ مَنْ هُنَاكَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ». اهـ([214])

فهذا يدلك على أنهم استحلوا الحكم «بالياسق» دون القرآن، وهل يُقاس كثير من أهل زماننا بهؤلاء في هذه الظلمات من الكفر والعداوة للإسلام؟!

ولو كان الحافظ ابن كثير – رَحِمَهُ اللهُ – يقصد مجرد التحكيم؛ لانتهى الأمرُ إلى تكفير من يحكم بغير ما أنزل ولو في مسألة واحدة، فقوله: «فمن ترك الشرع المُحْكَم المُنَزَّل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء، وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة؛ كفر»، تدخل فيه هذه الصورة.

وانظر قول الحافظ ابن كثير – رَحِمَهُ اللهُ – في «تفسيره»([215]) أيضًا:

«وقوله: [ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ] {المائدة:50} يُنْكِرُ تَعَالَى عَلَى مَنْ خَرَجَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ المُحْكَم، الْمُشْتَمِلِ عَلَى كُلِّ خَيْرٍ، النَّاهِي عَنْ كُلِّ شَرٍّ، وَعَدَلَ إِلَى مَا سِوَاهُ مِنَ الْآرَاءِ وَالْأَهْوَاءِ وَالِاصْطِلَاحَاتِ، الَّتِي وَضَعَهَا الرِّجَالُ بِلَا مُسْتَنَدٍ مِنْ شَرِيعَةِ اللَّهِ، كَمَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَحْكُمُونَ بِهِ مِنَ الضَّلَالَاتِ وَالْجَهَالَاتِ، مِمَّا يَضَعُونَهَا بِآرَائِهِمْ وَأَهْوَائِهِمْ، وَكَمَا يَحْكُمُ بِهِ التَّتَارُ مِنَ السِّيَاسَاتِ الْمَلَكِيَّةِ الْمَأْخُوذَةِ عَنْ مَلِكِهِمْ «جِنْكِزْخَانَ»، الَّذِي وَضَعَ لَهُمُ «اليَاسق» وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ كِتَابٍ مَجْمُوعٍ مِنْ أَحْكَامٍ قَدِ اقْتَبَسَهَا عَنْ شَرَائِعَ شَتَّى، مِنَ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ وَالْمِلَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَفِيهَا كَثِيرٌ مِنَ الْأَحْكَامِ أَخَذَهَا مِنْ مُجَرَّدِ نَظَرِهِ وَهَوَاهُ، فَصَارَتْ فِي بَنِيهِ شَرْعًا مُتَّبَعًا، يُقَدِّمُونَهَا عَلَى الْحُكْمِ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ؛ فَهُوَ كَافِرٌ يَجِبُ قِتَالُهُ، حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ –صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ– فَلَا يُحَكِّمُ سِوَاهُ فِي قَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ». اهـ

والحافظ ابن كثير – رَحِمَهُ اللهُ – يتكلم هنا أيضًا على التفضيل، وإلا فإنه يُعَلِّقُ تَرْك القتال على تحكيم الشريعة في القليل والكثير، وتفضيلها على ما سواها.

ثالثًا: ونسأل المعترض: مَنْ حَكَّمَ «الياسق» على ما كان أهله يحْكمون به في مسائل معدودة، هل يَكْفُر أو لا يَكْفُر؟

إن قال: لا يَكْفُر.

قلنا: كيف لا يَكْفُر والحافظ ابن كثير – رَحِمَهُ اللهُ – يقرر قتاله حتى يَتْرُك الحكم بالياسق كُلِّيًّا، أي في القليل والكثير؟!

وهذا يدل على أنه – رَحِمَهُ اللهُ – قَصَدَ الذين جمعوا مع ترك التحاكم إلى الشرع الإسلامي التفضيل للياسق على الشرع الإسلامي.

وكلام السلف السابقين لا فرق فيه بين من حَكَم تقنينًا أو حَكَم حالًا _ فيدخل في عمومه الحالتان، ومن فَرَّق؛ فعليه الدليل _

رابعًا: نورد نَصًّا محكمًا للحافظ ابن كثير – رَحِمَهُ اللهُ – في هذه المسألة:

فقد قال – رَحِمَهُ اللهُ – في «تفسير القرآن العظيم» ([216]): «[ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ] {المائدة:44}؛ لأنهم جَحَدُوا حُكْم الله قَصْدًا منهم وعنادًا وعَمْدًا، وقال ههنا: [ﯭ ﯮ ﯯ] {المائدة:45} لأنهم لم يُنْصِفُوا المظلومَ من الظالم في الأمر الذي أمر الله بالعدل والتسوية بين الجميع فيه؛ فخالفوا وظلموا وتَعَدَّوا». اهـ

فعلَّل – رَحِمَهُ اللهُ – كُفْرهم بالجحود والعناد، علمًا بأنه – رَحِمَهُ اللهُ – نَقَلَ آثار ابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- وتلاميذه -رحمهم الله- وأقَرَّها، ولم يعترض عليها، وكل هذا يدل على عدم صحة فهمهم لكلام الحافظ ابن كثير؛ لمعارضته لبقية كلامه – رَحِمَهُ اللهُ – ولو سلَّمنا أنه يقول بقول المخالفين؛ فالحقُّ أحقُّ أن يُتَّبَع، ولا يلزمنا الأخذ بقوله – رَحِمَهُ اللهُ – لمخالفته تفسير ابن عباس وتلامذته والمفسرين وغيرهم من أهل العلم قرنا بعد قرن، إلى هذا الزمان، والله أعلم.

🕮 🕮 🕮

الشبهة الخامسةَ عَشْرةَ

  • كما أن الذين يُطلقون حُكْمَ التكفير على كُلِّ من حكم بغير ما أنزل الله، لمجرد حُكمه بغير ما أنزل، أو تحاكمه إليه، دون التقيُّد في ذلك باعتقاده، كالاستحلال، أو الجحود… إلخ: يَحْتَجُّون بقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رَحِمَهُ اللهُ – حيث قال:

«فإن الحاكم: إذا كان دَيِّنًا، لكنه حَكَم بغير عِلْم؛ كان من أهل النار، وإن كان عالمًا، لكنه حَكَم بخلاف الحق الذى يَعْلَمُه؛ كان من أهل النار، وإذا حكم بلا عَدْلٍ ولا عِلْمٍ؛ كان أَوْلَى أن يكون من أهل النار، وهذا إذا حكم في (قضية معينة) لشخص.

وأما إذا حَكَم حُكْمًا عامًّا في دين المسلمين: فجَعَلَ الحَقَّ باطلًا والباطلَ حقًّا، والسُّنةَ بدعةً والبدعةَ سُنَّةً، والمعروفَ مُنْكرًا والمنكرَ معروفًا، ونهى عما أمر الله به ورسولُه، وأَمَر بما نَهَى الله عنه ورسولُه؛ فهذا لَوْنٌ آخر، يَحْكُم فيه ربُّ العالمين، وإلهُ المرسَلِين…) اهـ.([217])

واستدلوا بذلك على أن شيخ الإسلام يكفِّر من حكم بغير ما أنزل الله حكما عاما، وهو التشريع العام في نظرهم!!

* والجواب على هذا الاحتجاج بالآتي:

أولًا: إن الكلام عند علماء البيان ثلاثةٌ: سِبَاقٌ، ولِحَاقٌ، وسِيَاقٌ؛ فهذا الكلام يَسْبِقُه كلامٌ، ويَعْقُبُه كلامٌ، فإذا نَزَعْتَ جزءًا من الكلام في الوسط عَمَّا قَبْلَهُ وبَعْدَهُ؛ أعطاك معنىً مغايرًا لما وُضِعَ الكلامُ له.

وأَخْذُ الكلام من السياق دون مراعاته: قَلْبٌ للحقائق، وإخراجٌ لمعانٍ جديدة لم يوضَعْ لها الكلام.

وبالنسبة لهذا النص الذي يحتج به المخالفون في هذه المسألة؛ قد الْتَبَسَ على البعض أن هذا القول من شيخ الإسلام – رَحِمَهُ اللهُ – يتناول التفريق بين (الحكم في قضية معينة) وبين (الحكم في التشريع العام) – على حَدِّ اصطلاحهم -، وهذا وَهْمٌ منهم.

ولتوضيح مقصد شيخ الإسلام – رَحِمَهُ اللهُ – من هذا الكلام؛ يجب علينا أن نقرأ كلامه – رَحِمَهُ اللهُ – من بدايته، وبالوقوف على الموضع الذي جاء ضِمْنُهُ هذا الكلامُ المحتجُّ به؛ نَجِدُهُ في رسالته الموسومة بـ (رسالة في حدود سلطة الحاكم).([218])

وهذه الرسالة قد كتبها شيخ الإسلام – رَحِمَهُ اللهُ – بعد خروجه من السجن؛ تفصيلًا لبيان حدود سلطة الحاكم، وما له أن يَحْكُم فيه، وما ليس له أن يَحْكُم فيه، وكان قد كتب قبل ذلك في هذا الموضوع أيضًا وهو في سجن مصر جوابًا على (رسالة أو ورقة) أُرْسِلَتْ إليه في حَبْسِهِ([219]).

وسأذكر نَصَّ كلامه – رَحِمَهُ اللهُ – مختصرًا، حاذفًا منه كل الأقوال التي ليس لها علاقة قويَّة بموضوع كلمته التي يُحتج بها.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رَحِمَهُ اللهُ –:

«فيما جعل الله للحاكم أن يَحْكُم فيه، وما لم يجعل لواحد من المخلوقين الحُكْمَ فيه، بل الحكم فيه على جميع الخلق -لله تعالى- ولرسوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ليس لأحدٍ من الحُكَّام أن يَحْكُم فيه على غيره، ولو كان ذلك الشخص من آحاد العامَّة.

وهذا مثل الأمور العامَّة الكليِّة، التي أَمَرَ الله جميعَ الخلق أن يؤمنوا بها، ويَعْمَلوا بها، وقد بَيَّنَهَا في كتابه وسنة رسوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بما أَجْمَعَتْ عليه الأمة، أو تَنَازَعَتْ الأمة فيه، إذا وقع فيه نزاع بين الحكام وبين آحاد المسلمين: من العلماء، أو الجُنْد، أو العامة، أو غيرهم؛ لم يَكُنْ للحاكم أن يَحْكُمَ فيها على من ينازعه، ويُلْزِمَهُ بقوله، ويَمْنَعَهُ من القول الآخر؛ فضلا عن أن يؤذِيَهُ أو يعاقِبَهُ.

مثل أن يتنازع حاكم أو غير حاكم في قوله: [ﯤ ﯥ ﯦ…] {النساء:43}.

وكذلك تَنَازَع المسلمون في الوضوء من خروج الدم بالفصاد والحجامة والجرح والرعاف، وفي «القيء… وكذلك في الوضوء مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ، ومَسِّ المرأة لشهوة…

وكذلك تنازعوا في كثير من مسائل الفرائض، كالجَدِّ والمُشَرَّكة وغيرهما، وفي كثير من مسائل الطلاق والإيلاء وغير ذلك، وكثير من مسائل العبادات في الصلاة والصيام والحج، وفي مسائل زيارات القبور… وتنازعوا: أيُّ المَسْجِدَيْنِ أفضلُ: المسجد الحرام، أو مسجد النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-…

فهذه الأمور الكلية: ليس لحاكم من الحكام -كائنا من كان، ولو كان من الصحابة – أن يَحْكُم فيها بقوله على من نازعه في قوله، فيقول: أَلْزَمْتُه أن لا يَفْعَلَ ولا يُفْتِيَ إلا بالقول الذي يوافق لمذهبي؛ بل الحكم في هذه المسائل لله ورسوله، والحاكمُ واحدٌ من المسلمين، فإن كان عنده عِلْمٌ؛ تَكَلَّمَ بما عنده، وإذا كان عند منازعِهِ عِلْمٌ؛ تَكَلَّم به، فإن ظَهَرَ الحَقُّ في ذلك، وعُرِفَ حُكْمُ اللهِ ورسولهِ؛ وجب على الجميع اتباعُ حُكْمِ الله ورسوله، وإن خَفِيَ ذلك؛ أُقِرَّ كُلُّ واحد على قوله، أُقِرَّ قائلُ هذا القول على مذهبه، وقائلُ هذا القول على مذهبه، ولم يكن لأحدهما أن يمنع الآخر إلا بلسان العلم والحجة والبيان، فيقول ما عنده من العلم، وأما باليد والقهر؛ (فليس له أن يحكم إلا في المُعَيَّنَةِ) التي يُتَحاكم فيها إليه، مثل مَيْتٍ مات، وقد تنازع ورثته في قَسْمِ تَرِكَتِهِ؛ فَيُقَسِّمها بينهم إذا تحاكموا إليه، وإذا حَكَمَ هنا بأحد قولي العلماء؛ أَلْزَمَ الخَصْمَ بحُكمه….

فمن خرج عن الكتاب والميزان؛ قُوتل بالحديد، فالكتاب والعدل متلازمان، والكتاب هو المُبَيِّنُ للشرع؛ فالشرعُ هو العدلُ، والعدلُ هو الشَّرْعُ، ومَنْ حَكَمَ بالعدل؛ فقد حَكَمَ بالشَّرْع، ولكن كثيرا من الناس ينسبون ما يقولونه إلى الشرع، وليس من الشرع؛ بل يقولون ذلك إما جَهْلًا، وإما غَلَطًا، وإما عَمْدًا وافتراءً، وهذا هو الشرعُ المُبَدَّلُ الذي يَسْتَحِقُّ أصحابُهُ العقوبة؛ ليس هو الشَّرْعَ المُنَزَّلَ الذي جاء به جبريل من عند الله إلى خاتم المرسلين، فإن هذا الشَّرْعَ المُنَزَّلَ كُلُّه عَدْلٌ، ليس فيه ظُلْمٌ ولا جَهْلٌ… وقد يقول كثير من علماء المسلمين: أهلِ العلم والدين، من الصحابة والتابعين، وسائر أئمة المسلمين، كالأربعة وغيرهم أقوالا باجتهادهم؛ فهذه يَسُوغُ القولُ بها، ولا يَجِبُ على كل مسلم أن يَلْتَزِمَ إلا قول رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ فهذا شَرْعٌ دَخَلَ فيه التأويلُ والاجتهادُ…. ومن كان هكذا؛ لم يَكُن لأحد أن يَذُمَّهُ ولا يَعِيبَهُ ولا يُعَاقِبَهُ، ولكن إذا عُرِفَ الحقُّ؛ بخلاف قوله؛ لم يَجُزْ تَرْكُ الحَقِّ الذي بَعَثَ الله به رسولَهُ لقول أحد من الخلق، وذلك هو الشرع المُنَزَّلَ من عند الله، وهو الكتاب والسنة، وهو دين الله ورسوله…

فالحلال ما حَلَّله اللهُ ورَسولُه، والحَرامُ ما حَرَّمه اللهُ ورَسولُه، والدِّينُ ما شَرَعَهُ اللهُ ورَسولُه؛ وليس لأحَدٍ أن يَخرُجَ عن شَيءٍ مِمَّا شَرَعه الرَّسولُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وهو الشَّرعُ الذي يجِبُ على وُلاةِ الأمرِ إلزامُ النَّاسِ به… وليس المراد بالشرع اللازم لجميع الخلق: حُكْمَ الحاكم- ولو كان الحاكم أفضلَ أهلِ زمانه -؛ بل حُكْم الحاكم العالم العادل يَلْزَمُ قوما مُعَيَّنِين، تحاكموا إليه في قضية معينة؛ لا يَلْزَمُ جميعَ الخلق، ولا يَجِبُ على عالم من علماء المسلمين أن يُقَلِّدَ حاكما لا في قليل ولا في كثير، إذا كان قد عرف ما أمر الله به ورسوله؛ بل لا يجب على آحاد العامة تقليدُ الحاكم في شيء؛ بل له أن يَسْتَفْتِي من يجوز له استفتاؤه، وإن لم يكن حاكما، ومتى تَرَكَ العالمُ ما عَلِمَهُ من كتاب الله وسنة رسوله، واتَّبَعَ حُكْمَ الحاكم المخالف لحكم الله ورسوله؛ كان مرتدًّا كافرًا يستحق العقوبة في الدنيا والآخرة… ولو ضُرِبَ وحُبِسَ وأُوذِيَ بأنواع الأذى؛ لِيَدَعَ ما عَلِمَهُ من شَرْعِ الله ورسوله، الذي يجب اتباعُه، واتَّبَعَ حُكْمَ غيره؛ كان مُسْتَحِقًّا لعذاب الله، بل عليه أن يَصْبِر وإن أُوذِيَ في الله؛ فهذه سُنَّةُ الله في الأنبياء وأتباعهم… وهذا إذا كان الحاكم قد حكم في مسألة اجتهادية، قد تنازع فيها الصحابة والتابعون، فَحَكَم الحَاكِمُ بقول بعضهم، وعند بعضهم سنة لرسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تخالِفُ ما حَكَم به؛ فعَلَى هذا أن يَتَّبِعَ ما عَلِمَ مِنْ سُنَّة رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ويَأْمُرَ بذلك، ويُفْتِيَ به، ويَدْعُو إليه، ولا يُقَلِّدَ الحاكم؛ هذا كلُّه باتفاق المسلمين…

فالشرع الذي يجب على كل مسلم أن يَتَّبِعَهُ، ويجب على ولاة الأمر نَصْرُهُ والجهادُ عليه: هو الكتاب والسنة.

وأما حُكْم الحاكم؛ فذاك يقال له: قضاءُ القاضي؛ ليس هو الشرع الذي فرض الله على جميع الخلق طاعَتَهُ؛ بل القاضي العالم العادل يصيب تارة ويخطئ تارة، ولو حَكَم الحاكم لشخص بخلاف الحق في الباطن؛ لم يَجُزْ له أَخْذُهُ، ولو كان الحاكم سيد الأولين والآخرين…. و «القضاة ثلاثة أنواع»… فالقاضي الذي هو من أهل الجنة إذا حَكَمَ للإنسان بما يَعْلَمُ أنه غيرُ حَقٍّ؛ لم يَحِلَّ له أَخْذُه؛ لسنة رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وإجماع المسلمين، فكيف إذا حَكَمَ في الدين الذي ليس له أن يَحْكُم فيه؛ بل هو فيه واحد من المسلمين: إن كان له عِلْمٌ؛ تَكَلَّمَ، وإلا سَكَتَ؛ مثل أن يَحْكُم بأن السفر إلى غير المساجد الثلاثة مشروعٌ مُسْتَحَبٌّ، يُثابُ فاعِلُهُ، وأن من قال: إنه لا يُسْتَحَبُّ؛ يُؤْذَى ويُعَاقَبُ أو يُحْبَسُ؛ فهذا الحكم باطل بإجماع المسلمين؛ لا يحل لمن عرف دين الإسلام أن يَتَّبِعَهُ، ولا لوليِّ أَمْرٍ أن يُنَفِّذَهُ، ومن نَفَّذَ مثل هذا الحكم، ونَصَرَهُ؛ كان له حُكْمُ أمثاله: إن قامت عليه الحجة، التي بَعَثَ الله بها رسولَهُ، وخالفها؛ استحقُّوا العقابَ، وكذلك إنْ أَلْزَمَ بمثل هذا جَهْلا، وأَلْزَم الناسَ بما لا يَعْلَم؛ فإنه مُسْتَحِقٌّ للعقاب، فإن كان مُجْتَهِدًا مُخطئا؛ عُفِيَ عنه، وقد فرض الله على ولاة أمر المسلمين اتباعَ الشرع، الذي هو الكتاب والسنة، وإذا تنازع بعضُ المسلمين في شيء من مسائل الدين، ولو كان المنازع من آحاد طلبة العلم؛ لم يكن لولاة الأمور أن يُلْزِمُوهُ باتباع حُكْمِ حَاكِمٍ؛ بل عليهم أن يبينوا له الحَقَّ، كما يُبَيَّنُ الحَقُّ للجاهل المتعلِّمِ، فإن تَبَيَّنَ له الحقُّ الذي بَعَثَ الله به رسولَهُ، وظَهَرَ، وعَانَدَهُ بعد هذا؛ اسْتَحَقَّ العقاب….

وإذا قالوا: إنا قُلْنا الحق، واحتجوا بالأدلة الشرعية؛ لم يكن لأحد من الحكام أن يُلْزِمَهُم بمجرد قوله، ولا يَحْكُم بأن الذي قاله هو الحقُّ دون قولهم، بل يُحَكِّم بينه وبينهم الكتابَ والسنةَ.

والحقُّ الذي بَعَثَ الله به رسولَهُ لا يُغَطَّى، بل يَظْهَر، فإن ظَهَرَ؛ رجع الجميع إليه، وإن لم يَظْهَر؛ سَكَتَ هذا عن هذا، وسَكَتَ هذا عن هذا؛ كالمسائل التي تقع، يتنازع فيها أهلُ المذاهب، لا يقول أحد: إنه يجب على صاحب مَذْهَبٍ أن يَتَّبِعَ مذهب غيره؛ لكونه حاكما؛ فإن هذا يَنْقَلب، فقد يصير الآخر حاكما؛ فَيُحْكَم بأن قوله هو الصواب.

فهذا لا يمكن أن يكون كلُّ واحد من القولين المتضادَّيْن يَلْزَم جميعَ المسلمين اتباعُهُ؛ بخلاف ما جاء به الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فإنه من عند الله؛ حقٌّ وهُدًى وبيانٌ، ليس فيه خطأٌ قطُّ، ولا اختلافٌ، ولا تناقضٌ…

وهذا إذا كان الحكام قد حَكَموا في مسألة فيها اجتهادٌ ونزاعٌ معروفُ، فإذا كان القول الذي قد حكموا به لم يَقُلْ به أحد من أئمة المسلمين، ولا هو مذهب أئمتهم الذين ينتسبون إليهم؛ ولا قاله أحد من الصحابة والتابعين؛ ولا فيه آية من كتاب الله وسنة رسوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بل قولهم يخالف الكتابَ والسنةَ وإجماعَ الأئمة؛ فكيف يَحِلُّ مع هذا أن يُلْزَمَ علماء المسلمين باتباع هذا القول، ويُنَفَّذَ فيه هذا الحكمُ المخالفُ للكتاب والسنة والإجماع؟ وأن يقال: القولُ الذي دلَّ عليه الكتابُ والسنةُ وأقوالُ السلف لا يُقالُ، ولا يُفْتَى به، بل يعاقَبُ ويُؤْذَى من أَفْتَى به، ومن تَكَلَّم به،.. ويُؤْذَى المسلمون في أنفسهم وأهليهم وأموالهم؛ لكونهم اتَّبَعُوا ما عَلِمُوه من دين الإسلام…؟!

وليس للحاكم أن يَحْكُم بأن هذا أَمَرَ به رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وأن هذا العملَ طاعةٌ أو قُرْبَةٌ، أو ليس بطاعةٍ ولا قُرْبَةٍ، ولا بأن السفر إلى المساجد والقبور وقبر النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُشْرَعُ أو لا يُشْرَع، ليس للحكام في هذا مَدْخَلٌ، إلا كما يَدْخُل فيه غيرهم من المسلمين؛ بل الكلام في هذا لجميع أمة محمد -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فمن كان عنده عِلْمٌ؛ تَكَلَّم بما عنده من العلم….

ولهذا كان من أصول السنة والجماعة: أن مَنْ تَوَلَّى بعد رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كالخلفاء الراشدين وغيرهم: لا يجب أنْ يَنْفَرِدَ واحدٌ منهم بِعِلْمٍ لا يَعْلَمُه غيره؛ بل عِلْمُ الدين الذي سَنَّهُ الرسولُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يشترك المسلمون في معرفته، وإذا كان عند بعضهم من الحديث ما ليس عند بعض؛ بَلَّغَهُ هؤلاء لأولئك؛ ولهذا كان الخلفاء يسألون الصحابةَ في بعض الأمور: هل عندكم عِلْمٌ عن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ فإذا تَبَيَّن لهم سُنَّةُ الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ حَكَمُوا بها… وعمر بن الخطاب قد قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فيه: «إنه قد كان في الأُمَمِ قَبْلَكم مُحَدَّثُون، فإن يَكُنْ في أُمتي أَحَدٌ؛ فعُمر»([220])، ورُوِيَ «أنه ضُرِبَ الحَقُّ على لسانه وقلبه»([221])،وقال: «لو لم أُبْعَثْ فيكم؛ لَبُعِثَ فيكم عمر»([222] ومع هذا فما كان يُلْزِمُ أحدا بقوله، ولا يَحْكُم في الأمور العامة؛ بل كان يشاوِرُ الصحابةَ، ويراجَعُ، فتارةً يقول قولًا؛ فَتَرُدُّهُ عليه امرأة([223])؛ فيرجع إليها… وكان في مسائل النزاع: مثل مسائل الفرائض والطلاق يرى رَأْيًا، ويرى علي بن أبي طالب رَأْيًا، ويرى عبد الله بن مسعود رَأْيًا، ويرى زيد بن ثابت رَأْيًا؛ فلم يُلْزِمْ أحدا أن يأخُذَ بقوله، بل كل منهم يفتي بقوله، وعمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- إمامُ الأمَّةِ كُلِّها، وأَعْلَمُهُمْ وأَدْيَنُهُم وأَفْضَلُهُم، فكيف يكون واحد من الحكام خيرا من عمر؟!

هذا إذا كان قد حكم في مسألة اجتهاد، فكيف إذا كان ما قاله لم يَقُلْهُ أحدٌ من أئمة المسلمين: لا الأربعة، ولا من قبلهم من الصحابة والتابعين؟…

والله -سبحانه- لم يَرْضَ بحكْمِ واحدٍ بين الزوجين، إذا خِيفَ الشِّقَاقُ بينهما؛ فإنه لا يُعْلَمَ أيُّهما الظالم؛ وليس بينهما بَيِّنَةٌ؛ بل أَمَرَ بحَكَمَيْن؛([224])…

قال – رَحِمَهُ اللهُ -: «فهنا لما اشْتَبَهَ الحَقُّ؛ لم يجعل اللهُ الحكَمَ لواحدٍ، وهو في قضية معينة بين زوجين، ولو حَكَمَ حاكمٌ واحدٌ بين الزوجين في أَمْرٍ ظاهرٍ؛ لم يَنْفُذْ حُكْمُه باتفاق المسلمين، فكيف بأمور الدين والعبادات التي يشترك فيها جميعُ المسلمين، وقد اشتبهت على كثير من الناس؟ هذا بإجماع المسلمين: لا يَحْكُم فيه إلا اللهُ ورسولهُ، فمن كان عنده عِلْمٌ مما جاء به الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ بَيَّنَهُ وأَوْضَحَهُ للمسلمين…

ووليُّ الأمر إن عَرَفَ ما جاء به الكتاب والسنة؛ حَكَمَ بين الناس به، وإنْ لم يَعْرِفْهُ، وأَمْكَنَهُ أن يَعْلَم ما يقول هذا وما يقول هذا حتى يَعْرِفَ الحَقَّ؛ حَكَمَ به؛ وإن لم يُمْكِنْهُ لا هذا ولا هذا؛ تَرَكَ المسلمين على ما هم عليه، كُلٌّ يَعْبُد الله على حسب اجتهاده؛ وليس له أن يُلْزِمَ أحدا بقبول قول غيره -وإن كان حاكما- وإذا خرج ولاةُ الأمور عن هذا؛ فقد حَكَمُوا بغير ما أنزل الله، ووقَعَ بأسُهُم بينهم…

فإن الحاكم إذا كان دَيِّنًا، لكنه حَكَمَ بغير عِلْمٍ؛ كان من أهل النار، وإن كان عالما، لكنه حَكَمَ بخلاف الحَقِّ الذي يَعْلَمُهُ؛ كان من أهل النار، وإذا حَكَمَ بلا عَدْلٍ ولا عِلْمٍ؛ كان أَوْلَى أن يكون من أهل النار، وهذا إذا حَكَمَ في قضية معينة لشخص.

وأما إذا حَكَمَ حُكْمًا عامًا في دين المسلمين، فجعل الحَقَّ باطلًا والباطلَ حقًّا، والسُّنَّة بدعةً والبدعةَ سُنَّةً، والمعروفَ منكرًا والمنكرَ معروفًا، ونَهَى عما أَمَرَ الله به ورسوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وأَمَرَ بما نَهى الله عنه ورسوله؛ فهذا لَوْنٌ آخَرُ، يَحْكُم فيه ربُّ العالمين، وإلهُ المرسَلَين، مالكُ يومِ الدين، الذي [ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ] {القصص:70} [ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ] {الفتح:28}. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم». اهـ([225])

انتهى كلام شيخ الإسلام – رَحِمَهُ اللهُ – باختصار كبير، ومن أراد الرجوع لأصل الرسالة؛ فليرجع إليها، وقد ظهر من كلامه – رَحِمَهُ اللهُ – أنه يعني بالحُكْم العام الفتوى التي يُفتي بها العالم بالحلال والحرام؛ على أنه حكم عام في الدين، والمسألة فيها خلاف بين علماء الأمة، فلا يجوز لحاكم –أي قاضٍ في قضية معينة- أن يجعل حكمه بين متخاصمين عامًا في الأمة؛ لكونه يرجح من مذاهب العلماء هذا القول، ولكونه حاكما في ذلك الوقت، بخلاف العالم الذي يفتي فتوى عامة؛ فإنه يبلِّغ فيها عن الله، وحُكْمُه -في الأصل- عامٌّ للسائل وغيره، بخلاف القاضي؛ فهو حُكْمٌ خاصٌّ لمعيَّنٍ أو عليه، ولا يعني شيخ الإسلام – رَحِمَهُ اللهُ – هنا بالحكم العام التشريعَ العامَّ، كما يظن من احتج بكلامه على تكفير من حكم بغير ما أنزل الله بقانون جاهلي!!

ومما يزيد قولَهُ السابقَ وضوحًا:

قولُهُ – رَحِمَهُ اللهُ – كما في «منهاج السنة النبوية»: وَقَالَ تَعَالَى: [ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ] {الشورى:10}، وَقَالَ: [ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ] {النساء:59} فَالْأُمُورُ الْمُشْتَرَكَةُ بَيْنَ الْأُمَّةِ لَا يُحَكَّمُ فِيهَا إِلَّا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُلْزِمَ النَّاسَ بِقَوْلِ عَالِمٍ وَلَا أَمِيرٍ وَلَا شَيْخٍ وَلَا مَلِكٍ، وَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ فَهُوَ كَافِرٌ، وَحُكَّامُ الْمُسْلِمِينَ يَحْكُمُونَ فِي الْأُمُورِ الْمُعَيَّنَةِ، لَا يَحْكُمُونَ فِي الْأُمُورِ الْكُلِّيَّةِ، وَإِذَا حَكَمُوا فِي الْمُعَيَّنَاتِ؛ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَحْكُمُوا بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ؛ فَبِمَا فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَإِنْ لَمْ يَجِدُوا؛ اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ بِرَأْيِهِ» اهـ..([226])

✍ قلت: فتأمل قوله – رَحِمَهُ اللهُ -: «ومن اعتقد أنه يحكم بين الناس بشيء من ذلك… فهو كافر»، فالتكفير في الحكم بغير ما أنزل الله عند شيخ الإسلام راجع إلى الاعتقاد لا لمجرد الحكم كما يظن المخالف، سواء كان حكمًا عامًا أو في قضيةٍ معينةٍ بين شخصين متنازعين، والله أعلم.

وأَوْضَحُ منه قولُ الإمام ابن القيم – رَحِمَهُ اللهُ – كما في «إعلام الموقعين»؛ فقد قال – رَحِمَهُ اللهُ –:

«وَأَمَّا الْحَاكِمُ فَحُكْمُهُ جُزْئِيٌّ خَاصٌّ، لَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ وَلَهُ.

فَالْمُفْتِي: يُفْتِي حُكْمًا عَامًّا كُلِّيًّا: أَنَّ مَنْ فَعَلَ كَذَا؛ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ كَذَا، وَمَنْ قَالَ كَذَا؛ لَزِمَهُ كَذَا، وَالْقَاضِي: يَقْضِي قَضَاءً مُعَيَّنًا عَلَى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ، فَقَضَاؤُهُ خَاصٌّ مُلْزِمٌ، وَفَتْوَى الْعَالِمِ عَامَّةٌ غَيْرُ مُلْزِمَةٍ، فَكِلَاهُمَا أَجْرُهُ عَظِيمٌ، وَخَطَرُهُ كَبِيرٌ» اهـ.([227])

فتبين للقارئ أن شيخ الإسلام يقصد بقوله: (حُكْمًا عامًا) أي فتوى عامة، ومن الأدلة على ذلك: قولُه: (وأما مَنْ حَكَمَ حُكْما عامًّا في دين المسلمين…)، فيكون معنى كلامه: أنه ليس من سلطة الحاكم أن يُفْتِيَ أو يَحْكُم في مسألة دينية بحكم يترجح له فيه وجه من وجوه اختلاف العلماء يقطع بصوابه -اعتمادًا على سلطته- دون أن يبين ذلك بالحجة بالكتاب والسنة؛ فكيف إذا كان ذلك الحُكْمُ ليس مؤيدًا بكتاب ولا سنة ولا قول أحد من أئمة المسلمين المعتبرين، بل هو مخالف لذلك؛ فهذا يفضي إلى قَلْب السنةِ بدعةً والبدعةِ سنةً… إلخ.

ويتبين بهذا أيضًا: بطلانُ ما نُسِبَ إليه من التفريق بين الحكم في قضية معينة والحكم العام -على اصطلاح المعاصرين المخالفين-؛ فإنه قصد بالحكم العام: الأمور الكلية في الدين، أو الفتوى العامة المنسوبة للدين، وأن من ترجح له قول من مسائل الخلاف فلا يستعمل سلطته في فرضه على غيره من أهل العلم وأنه من دين الله تعالى بدون حجة شرعية؛ وإلا فما فائدة قوله «في دين المسلمين»؟!، وقَصَدَ «بالقضية المعينة» أو «المعينات» قضاءَ الحاكم بين الخَصْمين، اللذْين ارْتَضَيَا حُكْمَهُ بينهما.

ومما يوضح ما ذكرتُ هنا: أن شيخ الإسلام – رَحِمَهُ اللهُ – نَفْسَه قد أَوْضَحَ سببَ كتابته لهذه الرسالة من السجن؛ فإنه قال في جوابه على ورقة أُرْسِلَتْ له في السجن مُوَضِّحًًا سَبَبَ حَبْسِهِ -كما في «الفتاوى» -:

«فَأَنَا لَمْ يُدَّعَ عَلَيَّ دَعْوَى يَخْتَصُّ بِهَا الْحَاكِمُ مِنْ الْحُدُودِ وَالْحُقُوقِ: مِثْلَ قَتْلٍ، أَوْ قَذْفٍ، أَوْ مَالٍ، وَنَحْوِهِ، بَلْ فِي مَسَائِلِ الْعِلْمِ الْكُلِّيَّةِ: مِثْلَ التَّفْسِيرِ، وَالْحَدِيثِ، وَالْفِقْهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَهَذَا فِيهِ مَا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ، وَفِيهِ مَا تَنَازَعَتْ فِيهِ، وَالْأُمَّةُ إذَا تَنَازَعَتْ – فِي مَعْنَى آيَةٍ أَوْ حَدِيثٍ أَوْ حُكْمٍ خَبَرِيٍّ أَوْ طَلَبِيٍّ – لَمْ يَكُنْ صِحَّةُ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَفَسَادُ الْآخَرِ ثَابِتًا بِمُجَرَّدِ حُكْمِ حَاكِمٍ؛ فَإِنَّهُ إنَّمَا يُنَفَّذُ حُكْمُهُ فِي الْأُمُورِ الْمُعَيَّنَةِ دُونَ الْعَامَّةِ، وَلَوْ جَازَ هَذَا؛ لَجَازَ أَنْ يَحْكُمَ حَاكِمٌ بِأَنَّ قَوْله تَعَالَى: [ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ] {البقرة:228} هُوَ الْحَيْضُ وَالْأَطْهَارُ، وَيَكُونُ هَذَا حُكْمًا يَلْزَمُ جَمِيعَ النَّاسِ قَبولُهُ، أَوْ يَحْكُمُ بِأَنَّ اللَّمْسَ فِي قَوْله تَعَالَى: [ﯤ ﯥ ﯦ] {النساء:43} هُوَ الْوَطْءُ، وَالْمُبَاشَرَةُ فِيمَا دُونَهُ، أَوْ بِأَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ هُوَ الزَّوْجُ أَوْ الْأَبُ وَالسَّيِّد، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ».

ثم قال– رَحِمَهُ اللهُ -: «وَأَمَّا إلْزَامُ السُّلْطَانِ فِي مَسَائِلِ النِّزَاعِ بِالْتِزَامِ قَوْلٍ بِلَا حُجَّةٍ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ فَهَذَا لَا يَجُوزُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُفِيدُ حُكْمُ حَاكِمٍ بِصِحَّةِ قَوْلٍ دُونَ قَوْلٍ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، إلَّا إذَا كَانَ مَعَهُ حُجَّةٌ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهَا، فَيَكُونُ كَلَامُهُ قَبْلَ الْوِلَايَةِ وَبَعْدَهَا سَوَاءً، وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الْكُتُبِ الَّتِي يُصَنِّفُهَا فِي الْعِلْمِ.

نَعَمْ، الْوِلَايَةُ قَدْ تُمَكِّنُهُ مِنْ قَوْلِ حَقٍّ، وَنَشْرِ عِلْمٍ قَدْ كَانَ يَعْجِزُ عَنْهُ بِدُونِهَا، وَبَابُ الْقُدْرَةِ وَالْعَجْزِ غَيْرُ بَابِ الِاسْتِحْقَاقِ وَعَدَمِهِ، نَعَمْ، لِلْحَاكِمِ إثْبَاتُ مَا قَالَهُ زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ كَانَ ذَلِكَ الْقَوْلُ مُخْتَصًّا بِهِ؛ كَانَ مِمَّا يَحْكُمُ فِيهِ الْحُكَّامُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْأَقْوَالِ الْعَامَّةِ؛ كَانَ مِنْ بَابِ مَذَاهِبِ النَّاسِ اهـ

وقال أيضًا – رَحِمَهُ اللهُ -([228]) جوابًا على ورقة أُرْسِلَتْ إليه في السجن، في رمضان سنة ست وسبعمائة:

«وَشَأْنُ هَذِهِ «الْقَضِيَّةِ «وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا أَكْبَرُ مِمَّا يَظُنُّهُ مَنْ لَا يُرَاعِي إلَّا جُزْئِيَّاتِ الْأُمُورِ، وَلِهَذَا كَانَ فِيمَا خَاطَبْتُ بِهِ أَمِينَ الرَّسُولِ عَلَاءَ الدِّينِ الطيبرسي أَنْ قُلْت: هَذِهِ «الْقَضِيَّةُ «لَيْسَ الْحَقُّ فِيهَا لِي، بَلْ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ شَرْقِ الْأَرْضِ إلَى مَغْرِبِهَا، وَأَنَا لَا يُمْكِنُنِي أَنْ أُبَدِّلَ الدِّينَ، وَلَا أُنَكِّسَ رَايَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا أَرْتَدَّ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ لِأَجْلِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، نَعَمْ يُمْكِنُنِي أَنْ لَا أَنْتَصِرَ لِنَفْسِي، وَلَا أُجَازِيَ مَنْ أَسَاءَ إلَيَّ، وَافْتَرَى عَلَيَّ، وَلَا أَطْلُبَ حَظِّي، وَلَا أَقْصِدَ إيذَاءَ أَحَدٍ بِحَقِّي، وَهَذَا كُلُّهُ مَبْذُولٌ مِنِّي -وَلِلَّهِ الْحَمْدُ- وَنَفْسِي طَيِّبَةٌ بِذَلِكَ، وَكُنْت قَدْ قُلْت لَهُ: الضَّرَرُ فِي هَذِهِ «الْقَضِيَّةِ «لَيْسَ عَلَيَّ؛ بَلْ عَلَيْكُمْ؛ فَإِنَّ الَّذِينَ أَثَارُوهَا مِنْ أَعْدَاءِ الْإِسْلَامِ، الَّذِينَ يُبْغِضُونَهُ وَيُبْغِضُونَ أَوْلِيَاءَهُ وَالْمُجَاهِدِينَ عَنْهُ، وَيَخْتَارُونَ انْتِصَارَ أَعْدَائِهِ مِنْ التَّتَارِ وَنَحْوِهِمْ، وَهُمْ دَبَّرُوا عَلَيْكُمْ حِيلَةً يُفْسِدُونَ بِهَا مِلَّتَكُمْ وَدَوْلَتَكُمْ، وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى بُلْدَانِ التَّتَارِ، وَبَعْضُهُمْ مُقِيمٌ بِالشَّامِ وَغَيْرِهِ». اهـ

وقال أيضًا – رَحِمَهُ اللهُ -([229]): «وَلِهَذَا لَمَّا ذَكَرَ الطيبرسي الْقُضَاةَ وَأَجْمَلَهُمْ، قُلْت لَهُ: إنَّمَا دَخَلَ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ ابْنُ مَخْلُوفٍ، وَذَاكَ رَجُلٌ كَذَّابٌ فَاجِرٌ، قَلِيلُ الْعِلْمِ وَالدِّينِ…

وَقُلْت: مَا لِابْنِ مَخْلُوفٍ وَالدُّخُولُ فِي هَذَا؟ هَلْ ادَّعَى أَحَدٌ عَلَيَّ دَعْوَى مِمَّا يَحْكُمُ بِهِ؟!([230])

أَمْ هَذَا الَّذِي تَكَلَّمْتُ فِيهِ هُوَ مِنْ أَمْرِ الْعِلْمِ الْعَامِّ، مِثْلَ: تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ، وَمَعَانِي الْأَحَادِيثِ، وَالْكَلَامِ فِي الْفِقْهِ، وَأُصُولِ الدِّينِ، وَهَذِهِ الْمَرْجِعُ فِيهَا إلَى مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهَا وَالتَّقْوَى لِلَّهِ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ السُّلْطَانُ وَالْحَاكِمُ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ؛ تَكَلَّمَ فِيهَا مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، وَإِذْ عُزِلَ الْحَاكِمُ؛ لَمْ يَنْعَزِلْ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ ذَلِكَ، كَالْإِفْتَاءِ وَنَحْوِهِ، وَلَمْ يُقَيَّدْ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ بِالْوِلَايَةِ، وَإِنْ كَانَ السُّلْطَانُ وَالْحَاكِمُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ وَلَا التَّقْوَى فِيهِ؛ لَمْ يَحِلَّ لَهُ الْكَلَامُ فِيهِ، -فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ حَاكِمًا-!! وَابْنُ مَخْلُوفٍ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ، وَلَا التَّقْوَى فِيهِ، قُلْتُ: فَأَمَّا الْقَاضِي بَدْرُ الدِّينِ فَحَاشَا لِلَّهِ… أَنْ يَدْخُلَ فِي هَذَا الْحُكْمِ الْمُخَالِفِ لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ…

  • قُلْتُ: وَمَنْ أَصَرَّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ الَّذِي حَكَمَ بِهِ ابْنُ مَخْلُوفٍ هُوَ حُكْمُ شَرْعِ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَهُوَ بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ كَافِرٌ؛ فَإِنَّ صِبْيَانَ الْمُسْلِمِينَ يَعْلَمُونَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ: أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ لَا يَرْضَى بِهِ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى، فَضْلًا عَنْ الْمُسْلِمِينَ.». اهـ

🕮 🕮 🕮

الشبهة السادسةَ عشرةَ

  • الاستدلال من المخالفين بكلام الشيخ أبي الأشبال أحمد شاكر وأخيه محمود شاكر – رَحِمَهُمَا اللهُ تعالى – على تكفير من حكم بالقانون الوضعي في البلاد الإسلامية دون مراعاة بالتفصيل لاعتقاد الحاكم:

حيث يقول – رَحِمَهُ اللهُ -:

«فانظروا أيها المسلمون في جميع البلاد الإسلامية، أو البلاد التي تنتسب للإسلام، في أقطار الأرض -إلى ما صنع بكم أعداؤكم ‌المبشِّرون ‌والـمـُسْتَعْمِرون: إِذْ ضربوا على المسلمين قوانين ضالة مدمرة للأخلاق والآداب والأديان، قوانين إفرنجية وثنية، لم تُبْنَ على شريعة ولا دين، بل بُنيت على قواعد وضعها رجل كافر وثني، أبى أن يؤمن برسول عصره -عيسى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- وأَصَرَّ على وثنيته، إلى ما كان من فسقه وفجوره وتهتُّكه!.

هذا هو «جوسْتِنْيان»، أبو القوانين، وواضِعُ أُسُسِها فيما يزعمون، والذي لم يسْتَحْيِ رجل من كبار رجالات مصر، المنتسبين -ظلمًا وزورًا- إلى الإسلام، أن يترجم قواعد ذاك الرجل الفاسق الوثني، ويسميها مُدَوَّنة «جوسْتِنْيان» ! سُخريةً وهُزءا بـ «مدونة مالك»، إحدى موسوعات الفقه الإسلامي، المبني على الكتاب والسنة، والمنسوبة إلى إمام دار الهجرة.

فانظروا إلى مبلغ ذلك الرجل من السَّخَف، بل من الوقاحة والاستهتار!

هذه القوانين التي فرضها على المسلمين أعداءُ الإسلام السافرو العداوة، هي في حقيقتها دين آخر جعلوه دينًا للمسلمين، بدلًا من دينهم النَّقِيِّ السامي؛ لأنهم أوجبوا عليهم طاعَتَها، وغرسوا في قلوبهم حُبَّها وتقديسَها والعصبيةَ لها.

حتى لقد تجري على الألسنة، والأقلام كثيرا كلمات: «تقديس القانون» و «قُدْسِية القضاء» و «حُرْمة المحكمة» وأمثال ذلك من الكلمات التي يَأْبَوْن أن تُوصَف بها الشريعةُ الإسلاميةُ، وآراءُ الفقهاء الإسلاميين.

بل هم حينئذٍ يصفونها بكلمات «الرجعية» و«الجمود» و«الكهنوت»، «شريعة الغاب» إلى أمثال ما ترى من المنكرات في الصحف والمجلات والكتب العصرية، التي يكتبها أتباع أولئك الوثنيين!

ثم صاروا يطلقون على هذه القوانين ودراساتها كلمة: «الفقه» و«الفقيه» و«التشريع» و «المُشرِّع»، وما إلى ذلك من الكلمات التي يطلقها علماء الإسلام على الشريعة وعلمائها.

ويَنْحَدِرون، فيتجرؤون على الموازنة بين دين الإسلام وشريعته وبين دينهم المفترى الجديد!!

ثم نَفَوْا شريعتهم الإسلامية عن كل شيء، وصرح كثير منهم في كثير من أحكامِهَا القطعيةِ الثبوت والدلالة: بأنها لا تُنَاسب هذا العصر، وأنها شُرعَتْ لقوم بِدائِيين غير مُتَمَدِّنين؛ فلا تصلح لهذا العصر الإفرنجي الوثني!! خصوصًا في الحدود المنصوصة في الكتاب، والعقوبات الثابتة في السنة»

إلى أن قال – رَحِمَهُ اللهُ –:

«وصار هذا الدينُ الجديدُ هو القواعد الأساسية، التي يتحاكم إليها المسلمون في أكثر بلاد الإسلام، ويَحْكُمون بها، سواء منها ما وافق في بعض أحكامه شيئًا من أحكامه الشريعةَ وما خالفها، وكله باطل وخروج؛ لأن ما وافق الشريعة إنما وافقها مصادفة؛ لا اتباعًا لها، ولا طاعة لأمر الله وأمر رسوله، فالموافق والمخالف كلاهما مُرْتَكِسٌ في حمأة الضلالة، يقود صاحِبَهُ إلى النار؛ لا يجوز لمسلم أن يخضع له، أو يرضى به».([231])

ثم ذكر – رَحِمَهُ اللهُ – كلام الحافظ ابن كثير – رَحِمَهُ اللهُ – في تفسير قوله تعالى: [ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ] {المائدة:50}، وذكر كلامه في اتباع (الياسق)، فقال الشيخ أحمد شاكر – رَحِمَهُ اللهُ -:

«أقول: ‌أفيجوز -‌مع ‌هذا- في شرع الله أن يُحْكَم المسلمون في بلادهم بتشريع مُقْتَبَسٍ عن تشريعات أوربا الوثنية الملحدة؟ بل بتشريع تدخله الأهواء والآراء الباطلة، يغيرونه ويبدلونه كما يشاؤون، لا يبالي واضعه أَوَافَقَ شِرْعَةَ الإسلام أم خالفها؟.

إن المسلمين لم يُبْلَوْا بهذا قَطُّ -فيما نعلم من تاريخهم- إلا في ذلك العهد، عهد التتار، وكان من أسوأ عهود الظلم والظلام، ومع هذا فإنهم لم يخضعوا له؛ بل غَلَب الإسلامُ التتارَ، ثم مَزَجَهُم، فأدخلهم في شِرْعَتِهِ، وزال أثر ما صنعوا بثبات المسلمين على دينهم وشريعتهم، وبأن هذا الحكم السيئ الجائر كان مصدره الفريقَ الحاكم إذْ ذاك؛ لم يَنْدَمِجْ من أفراد الأمم الإسلامية المحكومة، ولم يتعلموه، ولم يُعَلِّموه أبناءهم؛ فما أسرع ما زال أثره.

أفرأيتم هذا الوصف القوي من الحافظ ابن كثير -في القرن الثامن- لذاك القانون الوضعي، الذي صنعه عَدُوُّ الإسلام «جنكز خان»؟ أَلَسْتُم ترونه يَصِف حال المسلمين في هذا العصر، في القرن الرابع عشر؟ إلا في فرق واحد، أشرنا إليه آنفًا: أن ذلك كان في طبقة خاصة من الحكام: أتى عليها الزمان سريعًا؛ فاندمجت في الأمة الإسلامية، وزال أثر ما صَنَعَتْ.

ثم كان المسلمون الآن أسوأ حالًا وأشد ظلمًا منهم؛ لأن أكثر الأمم الإسلامية الآن تكاد تندمج في هذه القوانين المخالفة للشريعة، والتي هي أشبه شيء بذاك «الياسق» الذي اصطنعه رجل كافر ظاهر الكفر، هذه القوانين التي يصطنعها ناس ينتسبون للإسلام، ثم يتعلمها أبناء المسلمين، ويفخرون بذلك آباءً وأبناءً، ثم يجعلون مَرَدَّ أمرهم إلى معتنقي هذا «الياسق العصري» ويُحَقِّرون من يخالفهم في ذلك، ويُسَمُّون من يدعوهم إلى الاستمساك بدينهم وشريعتهم «رجعيًا» و«جامدا» !!، إلى مثل ذلك من الألفاظ البذيئة؛ بل إنهم أدخلوا أيديهم فيما بقى في الحكم من التشريع الإسلامي، يريدون تحويله إلى «ياسقهم الجديد»، بالهُوَيْنا واللين تارة، وبالمَكْر والخديعة تارة، وبما ملكت أيديهم من السلطات تارات، ويُصَرِّحون -ولا يَسْتَحْيُون- بأنهم يعملون على فَصْل الدولة عن الدين!!.

أفيجوز إِذَنْ -مع هذا- لأحد من المسلمين أن يعتنق هذا الدين الجديد، أعني التشريع الجديد! أو يجوز لأبٍ أن يُرْسِل أبناءه لِتَعَلُّم هذا، واعتناقِهِ واعتقادِهِ والعملِ به، عالمًا كان الأب أو جاهلًا؟!.

أو يجوز لرجل مسلم أن يلي القضاء في ظل هذا «الياسق العصري»، وأن يعمل به، ويُعرض عن شريعته البينة؟! ما أظن أن رجلًا مسلمًا يَعْرِف دينه، ويؤمن به جملة وتفصيلًا، ويؤمن بأن هذا القرآن أنزله الله على رسوله كتابًا محكمًا، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبأن طاعته وطاعة رسوله الذي جاء به واجبةٌ قطعيةُ الوجوب في كل حال؛ ما أظنه يستطيع إلا أن يجزم غير متردد ولا متأول بأن ولاية القضاء في هذه الحال باطلة بطلانًا أصليًا؛ لا يلحقه التصحيح ولا الإجازة!

إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضحة وضوح الشمس: هي كُفْر بواحٌ، لا خفاء فيه، ولا مداورة.

ولا عُذْر لأحد ممن ينتسب للإسلام -كائنًا من كان- في العمل بها، أو الخضوع لها، أو إقرارها؛ فَلْيَحْذَرْ امرؤ لنفسه، و «كلُّ امرئ حَسِيبُ نفسه»، ألا فلْيَصْدَعْ العلماء بالحق غير هَيَّابين، ولْيُبَلِّغوا ما أُمروا بتبليغه غير متوانين ولا مُقَصِّرين.

سيقول عني عبيد هذا «الياسق العصري» وناصروه: إنِّي جامِدٌ، وإنِّي رَجْعِيٌّ، وما إلى ذلك من الأقاويل؛ ألا فليقولوا ما شاؤا؛ فما عَبَأْتُ يومًا ما بما يقال عني، ولكني قلت ما يجب أن أقول».([232])

وقال الشيخ أحمد شاكر – رَحِمَهُ اللهُ – في «عمدة التفسير» ([233]) – معلقًا على آثار ابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا – وغيره في تفسير آيات سورة المائدة بأن المراد بها كفر دون كفر -: «وهذه الآثار – عن ابن عباس وغيره – مما ‌يلعب ‌به ‌المُضَلِّلون -في عصرنا هذا-، من المنتسبين للعلم، ومن غيرهم من الجرآء على الدين: يجعلونها عُذْرا، أو إباحة للقوانين الوثنية الموضوعة، التي ضُرِبَتْ على بلاد الإسلام، وهناك أثر عن أبي مجلز، في جدال الإباضية إياه، فيما كان يصنع بعض الأمراء من الجور، فيَحْكُمون في بعض قضائهم بما يخالف الشريعة، عَمْدا إلى الهوى، أو جَهْلا بالحكم، والخوارج من مذهبهم: أن مرتكب الكبيرة كافر؛ فهم يجادلون، يريدون من أبي مجلز أن يوافقهم على ما يرون من كُفْر هؤلاء الأمراء؛ ليكون ذلك عُذْرا لهم فيما يرون من الخروج عليهم بالسيف، وهذان الأثران رواهما الطبري: (12025، 12026) وكَتَبَ عليهما أخي السيد محمود محمد شاكر تعليقا نفيسا جدا، قويا صريحا، فرأيتُ أن أُثْبِتَ هنا نَصَّ أُولَى روايتي الطبري، ثم تعليقَ أخي على الروايتين. فروى الطبري: (12025)، عن عمران بن حدير: قال: «أتى أبا مجلز ناس من بني عمرو بن سدوس، فقالوا: يا أبا مجلز، أرأيت قول الله: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ] {المائدة:44} أَحَقُّ هو؟ قال: نعم، قالوا: [ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ] {المائدة:45} أَحَقُّ هو؟ قال: نعم، قالوا: [ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ] {المائدة:47} أَحَقُّ هو؟ قال: نعم. قال: فقالوا: يا أبا مجلز، فيحكم هؤلاء بما أنزل الله؟ قال: هو دينهم الذي يدينون به، وبه يقولون، وإليه يَدَّعُون، فإن هم تركوا شيئا منه؛ عرفوا أنهم قد أصابوا ذنبا، فقالوا: لا والله، ولكنك تَفْرَقُ! قال: أنتم أَوْلَى بهذا مني! لا أرى، وإنكم تَرَوْن هذا ولا تُحَرِّجون! ولكنها أُنْزِلَتْ في اليهود والنصارى وأهل الشرك، أو نحوا من هذا».

ثم روى الطبري: (12026) نحو معناه، وإسناداه صحيحان، فكتب أخي السيد محمود بمناسبة هذين الأثرين ما نصه:

«اللهم إني أبرأ إليك من الضلالة، وبعد؛ فإن أهل الريب والفتن ممن تَصَدَّروا للكلام في زماننا هذا، قد تَلَمَّسَ المعذرةَ لأهل السلطان في تَرْكِ الحكم بما أنزل الله، وفي القضاء في الدماء والأعراض والأموال بغير شريعة الله، التي أنزلها في كتابه، وفي اتخاذهم قانونَ أهل الكفر شريعةً في بلاد الإسلام، فلما وقف على هذين الخبرين؛ اتخذهما رَأْيًا يرى به صواب القضاء في الأموال والأعراض والدماء بغير ما أنزل الله، وأن مخالفة شريعة الله في القضاء العام لا تُكَفِّر الراضِيَ بها، والعامِلَ عليها، والناظِرُ في هذين الخبرين: لا محيص له عن معرفة السائل والمسئول، فأبو مجلز (لاحِقُ بن حُمَيْدٍ الشيباني السدوسي) تابعيٌّ ثقة، وكان يُحِبُّ عَلِيًّا – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -، وكان قوم أبي مجلز، – وهم بنو شيبان – من شيعة علي يوم الجمل وصِفِّين، فلما كان أمر الحَكَمَيْن يوم صِفِّين، واعتزلَتْ الخوارجُ؛ كان فيمن خرج على علي – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – طائفة من بني شيبان، ومن بني سدوس بن شيبان بن ذُهْل، وهؤلاء الذين سألوا أبا مجلز، ناسٌ من بني عمرو بن سدوس (كما في الأثر: 12025)، وهم نَفْرٌ من الإباضية (كما في الأثر: 12026)، والإباضية من جماعة الخوارج الحَرُورِيَّة، هم أصحاب عبد الله بن إباض التميمي، وهم يقولون بمقالة سائر الخوارج في التحكيم، وفي تكفير علي – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – إذْ حَكَّم الحَكَمَيْن، وأن عليا لم يَحْكُم بما أنزل الله في أمر التحكيم.

ثم إن عبد الله بن إباض قال: إن من خالف الخوارج؛ كافر ليس بمشرك، فخالف أصحابَهُ، وأقام الخوارجُ على أن أحكام المشركين تَجْري على من خالفهم، ثم افترقت الإباضية بعد عبد الله بن إباض الإمام افتراقًا لا ندري معه – في أمر هذين الخبرين – من أي الفِرَقِ كان هؤلاء السائلون، بيد أن الإباضية كلها يقول: إن دُورَ مخالفيهم دُورُ توحيد، إلا معسكر السلطان؛ فإنه دارُ كُفْرٍ عندهم، ثم قالوا أيضًا: إن جميع ما افترض الله سبحانه على خَلْقِه إيمانٌ، وأن كل كبيرة؛ فهي كُفْر نِعْمَةٍ، لا كُفْر شِرْكٍ، وأن مرتكبي الكبائر في النار خالدون مخلدون فيها، ومِن البَيِّنِ أن الذين سألوا أبا مجلز من الإباضية، إنما كانوا يريدون أن يلزموه الحجة في تكفير الأمراء؛ لأنهم في معسكر السلطان، ولأنهم ربما عَصَوْا أو ارتكبوا بعضَ ما نهاهم الله عن ارتكابه، ولذلك قال لهم في الخبر الأول (رقم: 12025): «فإن هم تركوا شيئًا منه؛ عرفوا أنهم قد أصابوا ذنبًا»، وقال لهم في الخبر الثاني: «إنهم يعملون بما يعلمون أنه ذنب». وإِذَنْ، فلم يَكُنْ سؤالهم عما احتج به مبتدعةُ زماننا: من القضاء في الأموال والأعراض والدماء بقانون مخالف لشريعة أهل الإسلام، ولا في إصدار قانون مُلْزِمٍ لأهل الإسلام، بالاحتكام إلى حُكْم غير حُكْم الله في كتابه، وعلى لسان نبيه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فهذا الفعل إِعْراضٌ عن حُكْم الله، ورغبةٌ عن دينه، وإيثارٌ لأحكام أهل الكفر على حُكْم الله – سبحانه وتعالى – وهذا كُفْر لا يَشُكُّ أحد من أهل القبلة على اختلافهم في تكفير القائل والداعي إليه، والذي نحن فيه اليوم، هو هَجْرٌ لأحكام الله عامة بلا اسْتِثْناء، وإيثارُ أحكام غير حُكْمه في كتابه وسنة نبيه، وتعطيلٌ لكل ما في شريعة الله، بل بلغ الأمر مبلغ الاحتجاج على تفضيل أحكام القانون الموضوع على أحكام الله المُنَزَّلة، وادعاء المحتجين لذلك بأن أحكام الشريعة إنما نَزَلَتْ لزمانٍ غير زماننا، ولِعللٍ وأسبابٍ انْقَضَتْ؛ فسقطتْ الأحكامُ كلُّها بانقضائها؛ فأين هذا مما بيناه من حديث أبي مجلز والنفر من الإباضية من بني عمرو بن سدوس!! ولو كان الأمر على ما ظنوا في خبر أبي مجلز، أنهم أرادوا مخالفة السلطان في حكم من أحكام الشريعة؛ فإنه لم يَحْدُث في تاريخ الإسلام أن سَنَّ حاكم حُكما، وجَعَلَه شريعةً مُلْزِمةً للقضاء بها.

هذه واحدة، وأخرى: أن الحاكم الذي حكم في قضية بعينها بغير حكم الله فيها، فإنه إما أن يكون حَكَم بها وهو جاهل؛ فهذا أمره أَمْر الجاهل بالشريعة، وإما أن يكون حَكَم بها هَوًى ومعصية؛ فهذا ذنبٌ تناله التوبة، وتَلْحَقُه المغفرة، وإما أن يكون حَكَم بها متأولا حُكْما خالف به سائر العلماء؛ فهذا حُكْمُه حُكْم كلِّ متأول، يَسْتَمِدُّ تأويلَهُ من الإقرار بنص الكتاب، وسنة رسول الله.

وأما أن يكون كان في زمن أبي مجلز أو قبله أو بعده حاكم حكم بقضاء في أمر، جاحدًا لحكم من أحكام الشريعة، أو مُؤْثِرًا لأحكام أهل الكفر على أحكام أهل الإسلام؛ فذلك لم يَكُنْ قط؛ فلا يمكن صَرْفُ كلام أبي مجلز والإباضيين إليه؛ فمن احتج بهذين الأثرين وغيرهما في غير بابهما، وصَرَفَهما إلى غير معناهما؛ رغبةً في نُصرة سلطان، أو احتيالا على تسويغ الحكم بغير ما أنزل الله، وفَرْضِه على عباده؛ فحكمه في الشريعة حُكْم الجاحد لحكم من أحكام الله: أن يُسْتتاب، فإن أَصَرَّ وكابَرَ وجاحَدَ حُكْمَ الله، ورَضِيَ بتبديل الأحكام؛ فحُكْم الكافرِ المُصِرِّ على كُفره معروفٌ لأهل هذا الدين. وكتبه محمود محمد شاكر». اهـ

* الجواب:

1 – معلوم أن بعض الأوصاف والمواقف الزائغة -من المفتونين بالقوانين الوضعية- من شريعة الإسلام التي ذكرها الشيخ أبو الأشبال أحمد شاكر وأخوه الشيخ محمود شاكر -رَحِمَهُمَا اللهُ- أنها أوصاف كفرية، لا يُنازع عاقل في كُفر من قال بها -إذا قامت عليه الحجة الرسالية، وأُزيلتْ عنه شبهاتُه العالقةُ في ذهنه، فإن أصرَّ على ذلك وعاند بعد ذلك؛ فقد كفر- وعلى هذا فنحن لا ننازع من نازعنا في هذا الصنف، إنما ننازعه في حاكم مسلم، يدعي أنه مُحبٍّ لدين الإسلام، ويقر بأركان الإسلام وأصوله وحلاله وحرامه- ولو كان إقراره إقرارًا جُمَليًّا أو فيه ما فيه من المراوغة في قلبه- ثم حكم بغير ما أنزل الله في كثيرٍ أو قليلٍ، سواء كان حكمه جُزئيًا في قضية ما، أو جَلَبَ القوانين الوضعية لبلاده، وهو مع ذلك يُقِرُّ إذا سُئل بأن حكم الله هو الحق، ولا يسخر به، ولا يستهزئ بأحكامه، لكنه لشهوة، أو شبهة، أو نوع نفاق، وضعف إيمان، وجهل، أو ضغوط عليه من الداخل أو الخارج فَعَلَ ما فَعَلَ، فهل يكفر هذا الصنف من الناس بإطلاق ودون تفصيل، أم لا؟ ومعلوم أن الواقع والحال في هذا الزمان من الحكام فيهم هذا وهذا، والأصل أننا: لا نكفِّر مسلمًا، ثبت إسلامه يقينًا إلا بمكفِّرٍ صريحٍ، وقد استوفى هذا المسلمُ شروطَ تطبيق هذا الحكم عليه، وانتفتْ عنه موانعه، فلسْنا هنا في مقام الدفاع عن سلطان لا يرفع بالدين ولا بأحكام الشريعة رأسًا، أو يستهزئ ببعض أحكامها، أو جميع أحكامها… ونحو ذلك، فإن من صرح بأقوال كفرية قد ارتكب الكفر، وتبقى مراعاة شروط الحكم على المعين، بل نحن في مقام ضبط الحكم الشرعي، ومتى يكون الحكم بغير ما أنزل الله كفرا، ومتى يكون معصية دون الكفر؟ ولابد من التفرقة بين إصدار حكم الكفر على الفعل دون الفاعل إلا بشروط وموانع.

أما من كَفَر؛ فعليه كفره، ونبرأ إلى الله منه ومن فعله.

فإن قيل: لم يتيسر لنا أن ندخل على الحاكم؛ كي نقيم عليه الحجة؟

فالجواب: وليس تكفير المسلم بعينه حِمْلًا ثقيلًا على أكتافنا أو ظهورنا، ولا بد أن نتخلَّص منه، ونُلْقِيَهُ من فوق ظهورنا، فنكفِّرَه بعينه بدون مراعاة شروط هذا الحكم، إنما يكفي لبراءة ذمتنا: أن ننكر الحكم بغير ما أنزل الله، وأن نحذِّر المسلمين منه، وأن نوضِّح للمسلمين خطورة الحكم بغير ما أنزل الله – وإن كان في حق البعض في دائرة المعاصي لا الكفر الأكبر – ونبين لهم أنه مع ذلك فهو أكبر عند الله من الكبائر المشهورة: كالزنى، والسرقة، وشرب الخمر، وقتْل النفس المحرمة؛ لأن معصية وصفها الله – جل وعلا – بالكفر أعظم عند الله – جل ثناؤه – من معصية كبيرة لم توصفْ بالكفر، أما تكفير المسلم الذي ثبت إسلامه بيقين دون مراعاة الشروط والموانع؛ ففيه خطورة بالغة؛ لأن اليقين -وهو الحكم من قبل بإسلام الحاكم- لا يُزال إلا بيقين، أو لا يُزال بالشك، والله أعلم.

فقد ابتُلِي المسلمون بمجموعةٍ من الرجال، الذين ترَبَّوْا على موائد الغرب، وكانوا يعملون سماسرة للاستعمار، وطلائعَ للغزو الثقافي أو الفكري، ويُمَثِّلُون بلغة العصر ما يُسمَّى بـ«الطابور الخامس»، وكانوا دعاةَ إلحادٍ وإباحيةٍ، يريدون القضاء على دين هذه الأمة، والتشكيك في أصول الشريعة، بإيحائهم إلى ضعفاء الإيمان والنفوس: أنها لا تَصْلُح لزمانهم؛ لأنها نزلت في أهل بادية لا مدنية، وفي زمن غابر، وإنما الدِّينُ والتَّمَسُّكُ به هو سبب تَخَلُّفِ هذه الأمة.. إلى آخر هذه الادعاءات الفاجرة الكافرة، التي جعلت العلماء الصادقين يبينون حقيقة هذه الدعاوى، وحقيقة من يقف وراءها، وقد انبرى علماؤنا – سلفا وخلفا- للردِّ على هؤلاء الملاحدة، وهؤلاء هم الذين يعنيهم الشيخان آل شاكر – رَحِمَهُمَا اللهُ – في قضية الحكم بالقوانين الوضعية.([234])

وانظر إلى ما كتبه الشيخ أحمد شاكر – رَحِمَهُ اللهُ – في «عمدة التفسير» في تعليقه على حد السرقة، فقد قال- رَحِمَهُ اللهُ -:

«فانظروا إلى ما فعل بنا ‌أعداؤنا ‌المبشِّرون ‌المُسْتَعْمِرون! لعبوا بديننا، وضربوا علينا قوانين وثنية ملعونة مُجْرِمَة، نسخوا بها حكم الله وحكم رسوله، ثم رَبَّوْا فينا ناسًا ينتسبون إلينا، أَشْرَبُوهم في قلوبهم بُغْضَ هذا الحكم، ووضعوا على ألسنتهم كلمة الكفر: أن هذا حُكْمٌ قاسٍ لا يناسب هذا العصر الماجن، عصر المدنية المتهتكة! وجعلوا هذا الحكم -أي حكم الشريعة- موضع سخريتهم وتَنَدُّرِهم! فكان عن هذا: أن امتلأتْ السجون -في بلادنا وحدها- بمئات الألوف من اللصوص، بما وضعوا في القوانين من عقوبات للسرقة ليست برادعة، ولن تكون أبدًا رادعة، ولن تكون أبدًا علاجًا لهذا الداء المستشري».

ثم يقول – رَحِمَهُ اللهُ –:

«ولقد جادَلْتُ منهم رجالًا كثيرًا من أساطينهم؛ فليس عندهم إلا أنَّ حُكْم القرآن في هذا لا يناسب هذا العصر!! وأن المجرم إِنْ هو إلا مريض يجب علاجه لا عقابه، ثم يَنْسَوْن قولَ الله – سبحانه – في هذا الحكم بعينه: [ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ] {المائدة:38}، فالله – سبحانه – وهو خالق الخلق، وهو أعلم بهم، وهو العزيز الحكيم- يجعل هذه العقوبة للتنكيل بالسارقين، نصًا قاطعًا صريحًا، فأين يذهب هؤلاء الناس؟!.

هذه المسألة عندنا -نحن المسلمين-: هي من صميم العقيدة، ومن صميم الإيمان، فهؤلاء المنتسبون للإسلام، المنكرون حَدَّ القطْع، أو الراغبون عنه -سنسألهم: أتؤمنون بالله، وبأنه خَلَقَ هذا الخلق؟ فسيقولون: نعم، أفتؤمنون بأنه يَعْلَم ما كان وما يكون، وبأنه أعلم بِخَلْقه من أنفسهم وبما يُصْلِحهم وما يضرهم؟ فسيقولون: نعم، أفتؤمنون بأنه أرسل رسوله محمدًا بالهدى ودين الحق، وأنزل عليه هذا القرآن من لَدُنْهُ هُدًى للناس وإصلاحًا في دينهم ودنياهم؟ فسيقولون: نعم، أفتؤمنون بأن هذه الآية بعينها: [ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ] {المائدة:38} من القرآن؟ فسيقولون: نعم، أفتؤمنون بأن تشريع الله قائمٌ مُلْزِمٌ للناس في كل زمان وفي كل مكان، وفي كل حال؟ فسيقولون: نعم، إِذَنْ فأنَّىَ تصرفون؟!، وعلى أي شرع تقومون؟! أما من أجاب -ممن ينتسب للإسلام- على أي سؤال من هذه السؤالات بأن: لا؛ فقد فَرَغْنا منه، وعَرَفْنا مصيره، وقد أَيْقَنَ كل مسلم: من عالم أو جاهل، مُثَقَّفٍ أو أُمِّيٍّ: أن من يقول في شيء من هذا: «لا»؛ فقد خَرَج من الإسلام؛ فلن نجادلهم في هذا، ولن نسايرهم في الحديث عنه؛ إذ لم يؤمنوا بمثل ما آمنا، ولن يرضَوْا عنا أبدًا إلا أن نقول مثل قولهم! وعياذًا بالله من ذلك».([235])

فظهر من هذا وما قبله أن الشيخ أحمد شاكر – رَحِمَهُ اللهُ – يتكلم عن أناس ينطقون بكلمات كفرية صريحة، لا عمن يظهر الإيمان بالشريعة الإسلامية، وانقياده لها، لكن من حيث الواقع فإنه يخالف ذلك، فيحكم بالقوانين الوضعية، وهذا هو الصنف الذي نخالف القائلين بإطلاق تكفيرهم، لا من نطق بالكلمات الكفرية الدالة على الاعتقاد الفاسد: استحلالا كان، أو جحودا، أو استهزاءً… إلخ.

✍ قلت: والسؤال في هذا الموضع لمن يستدل بقول الشيخ أحمد شاكر – رَحِمَهُ اللهُ – هذا علينا: لو أن إنسانًا أجاب على كل هذه الأسئلة بقوله: «نعم، أُومِنُ بذلك كله»، ثم مع ذلك حكم بغير ما أنزل الله، أو جَلَب الشريعة الجاهلية من هذه القوانين الوضعية لبلاده: لشهوة، أو غرض دنيوي، أو لشبهة علقت بذهنه، أو خشية الفوضى عليه من الداخل، أو المحاصرة والتضييق عليه من الخارج، فهل يكون كافرًا كفرا أكبر، كالذي يُجيب عن هذه الأسئلة أو بعضها بقوله: «لا»؟

فإن قلتم: هما سواء؛ ساويْتُم بين المختلفيْن!!

وإن قلتم: ليسا سواءً؛

قلت: فهذا هو قولنا بعينه، وأنه لا يلزم إطلاق التكفير على كل من حكم بغير ما أنزل الله، بل في المقام تفصيل: فمن حكم بغير ما أنزل الله -سبحانه وتعالى- مُقرًّا في الظاهر لنا، وباطنه على الله – جل وعلا- بأن حكم الله -جل وعلا- حق لازم له ولجميع الخلق في كل العصور، وأن الله – سبحانه وتعالى- أعلم بمصلحة عباده في صفاته وأفعاله وأحكامه؛ فهو مسلم على معصيته، ومن حكم بالحكم الوضعي مُستحلا له، أو مفضِّلا له على شرع الله، أو مُساويا بينه وبين شرع الله، أو مُسْتهزئا بشرع الله، أو متهما له بعدم صلاحيته لزماننا، أو قسْوته… ونحو ذلك؛ فهو كافر بعد استيفائه الشروطَ وانتفاء الموانع عنه، كما هو مقرر في شروط تكفير المعين الذي كان الأصل فيه الإسلام، والله أعلم.

أَضِفْ إلى ذلك: أن كلام الشيخ – رَحِمَهُ اللهُ – فيما يظهر أنه يتكلم على أعداء الله الذين يُزَيِّنون الحكم بغير ما أنزل الله لجهلة المسلمين بهذه الدعاوَى الفاسدة الزائغة الفاجرة!!

2 – ومما يؤكد ذلك: أن نقرأ كلامه الواضح الذي كتبه – رَحِمَهُ اللهُ -، وفيه الاعتراف منه، بولاية حكام عصره، وبعض ولاة الأمر – مع جلبهم القوانين الوضعية إلى بلادهم-، بل وفي مدح بعضهم، بل وفى الدفاع عنهم متطوعًا – رَحِمَهُ اللهُ – لذلك، وبدون تكليف مِن أحدٍ له، بل اتهم قاتليهم والخارجين عليهم بأبشع الاتهامات، كما في مقاله النفيس «الإيمان قَيْدُ الفَتْك»، وهذه فقراتٌ من ذاك المقال:

فقد قال – رَحِمَهُ اللهُ -: «رُوِّع العالَمُ الإسلامي والعالَمُ العربي، بل كثيرٌ من الأقطار غيرهما باغتيال الرجل، الرجل بمعنى الكلمة، النقراشي([236])، الشهيد -غفر الله له، وأَلْحَقَه بالصديقين والشهداء والصالحين-…

القاتِلُ السياسيُّ يَقْتُل مطمئنَّ النفس، راضِيَ القلب، يعتقد أنه يفعل خيرًا؛ فإنه يعتقد بما بُثَّ فيه من مغالطات: أنه يفعل عملًا حلالًا جائزًا – إن لم يعتقد أنه يقوم بواجب إسلامي قَصَّر فيه غيره- فهذا مرتدٌّ، خارج عن الإسلام، يجب أن يعامَلَ معاملةَ المرتدين، وأن تُطَبَّق عليه أحكامُهم في الشرائع([237])، وفي القانون: هم الخوارج، كالخوارج القدماء، الذين كانوا يقتلون أصحاب رسول الله، ويَدَعون من اعترف على نفسه بالكفر، وكان ظاهرهم -أي الخوارج الأولين- كظاهر هؤلاء الخوارج، بل خيرًا منه…

أما النقراشي: فقد أكرمه الله بالشهادة، له فضلُ الشهداء عند الله وكرامتُهم، وقد مات مِيتَةً كان يتمناها كثير من أصحاب رسول الله، تمناها عمر بن الخطاب حتى نالها؛ فكان له عند الله المقام العظيم، والدرجات العُلَى، وإنما الإثم والخزي على هؤلاء الخوارج القتلة مُسْتَحِلِّي الدماء، وعلى من يدافع عنهم، ويريد أن تتردَّى بلادنا في الهُوَّةِ التي تردَّتْ فيها أوربة، بإباحة القتل السياسي، أو تخفيف عقوبته؛ فإنهم لا يعلمون ما يفعلون، ولا أريد أن أتهمهم بأنهم يعرفون ويريدون.

والهُدى هُدى الله». اهـ([238])

وللشيخ أحمد شاكر – رَحِمَهُ اللهُ – كلامٌ كثيرٌ منفردًا أو مع غيره من علماء «جماعة أنصار السنة» في الاعتراف بولاية حكام عصره ومبايعتهم، فضلا عن عدم تكفيرهم- مع حكمهم بالقوانين الوضعية- وبدون اعتراض من أحد من أهل العلم في عصرهم، سواء في مصر أو في غيرها، والمجلة كما هو معلوم كانت تجوب العالم الإسلامي، وبخاصة بلاد المملكة العربية السعودية، وفيها من أهل العلم الكبار مَن لا يُمَرِّرون شاردة ولا واردة إلا وعلقوا عليها بالأدلة الشرعية.([239])

وسأورد شيئًا من ذلك؛ ليتبين للقارئ منهج الشيخ – رَحِمَهُ اللهُ – وغيره من علماء عصره من حكام زمانهم الذين ساد في البلاد في زمانهم المحاكم التي تحكم بالقوانين الوضعية:

وثيقة هامة في مبايعة جماعة أنصار السنة المحمدية لملك البلاد «فاروق الأول»:

ففي مساء الاثنين الموافق 17 شوال سنة 1356، 20 ديسمبر سنة 1937 انعقدت الجمعية العمومية لجماعة أنصار السنة المحمدية برئاسة فضيلة الأستاذ الشيخ حامد الفقي، الرئيس الدائم للجماعة، فتكلم فضيلة الرئيس، وبيَّن للأعضاء ما قام به مجلس الإدارة من الأعمال، وما بلغت الدعوة من الانتشار، ثم تلاه وكيل الجماعة، ثم المراقب، فكاتم السر، ثم تقدم حضرة أمين الصندوق، وعرض ميزانية الجماعة.

ثم أُجْرِيَتْ عملية الانتخابات…

وبهذه المناسبة أبرقت الجماعة برقية ولاء وإخلاص إلى جلالة الملك، هذا نصها: حضرة صاحب المعالى، كبير الأمناء، عابدين مصر، نرجو أن ترفعوا إلى السدة الملكية: أن الجمعية العمومية لجماعة أنصار السنة المحمدية بمناسبة انعقادها السنوي لانتخاب مجلس الإدارة: تُقَدِّمُ خالصَ الولاء لجلالة الفاروق الأول، حامي الإسلام، وتسأل الله أن يطيل بقاءه؛ حِصْنًا للإسلام، وناصرًا للسنة المحمدية، وأن يؤيده بنصره العزيز.

رئيس الجماعة: محمد حامد الفِقِي.

ثم تلقت الجماعة الرد الآتي من السراي الملكية:

حضرة المحترم الأستاذ محمد حامد الفِقِي، رئيس جمعية أنصار السنة المحمدية، أتشرف بإبلاغ حضرتكم وحضرات الأعضاء الشُّكْرَ السامي على ما أعربتم عنه من الولاء، وصادق التمنيات لحضرة صاحب الجلالة مولانا الملك المعظم.

كبير الأمناء.

نشرت بالعدد 8 السنة الأولى ص 24..

ملاحظة هامة:

لم يُذْكَر اسم الشيخ أحمد شاكر ضمن أعضاء مجلس الإدارة – وإن كان أحد هيئة علماء الجماعة – نظرًا لأنه كان يعمل قاضيًا بالمحاكم الشرعية، والقانون يَحْظُر على القضاة أن يكونوا ضمن أعضاء مجلس إدارات الجمعيات.

وكتب فضيلة الشيخ حامد الفِقِي مقالة افتتاحية للعدد الثاني للسنة الأولى جمادى الأول سنة 1356 هـ أطال فيها الكلام عن دعوة الإسلام منذ زمن رسول الله – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – حتى عصره، وختم المقال بقوله: «فأَسَّسْتُ مع خيرة من إخواني جماعة أنصار السنة من نحو عشرين سنة مَضَتْ، وأصبح لها – والحمد لله – عدة فروع في القاهرة وغيرها، وأصبح – بحمد الله – ينضوي تحت لواء التوحيد الخالص والسنة المحمدية الصحيحة – لا بالدعوى والاسم والزِّيِّ – عددٌ غير قليل.

وهذه مجلة «الهدي النبوي» وليدة هذه الفكرة، واللسانُ المُعَبِّر عن هذه الدعوى، والقلم الراسم لهذه الخطة، وهي أخت «الإصلاح» التي كنتُ أُصْدِرها ببلد الله الحرام، يوم كنت متشرفا بالمُقَام بأم القرى، ومجاورا لبيت الله المشرف، وخادما لحكومة جلالة الإمام المُصْلح، والملك الراشد المُخْلِص: عبد العزيز آل سعود، أدام الله تأييده ونصره وتسديده.

وإني لأنتهز هذه الفرصة السعيدة، التي أَظَلَّت بتولي جلالة الملك الشاب الصالح (فاروق الأول) مقاليد مصر الدستورية، واستلامه زمام الملك في هذه الأيام الميمونة؛ ببلوغ سن الرشد – وهو دائمًا راشد – فأقدم باسم جماعة أنصار السنة المحمدية الولاء الخالص لجلالته، وأسأل الله الكريم أن يحفظه للإسلام في مصر كالئًا وحافظًا، وأن يُقِرَّ به عيون المسلمين، وأن يوفقه لإحياء ما اندرس من الدين، وإماتة ما قام سوقُهُ من البدع والمنكرات، وأن يُرْجِع الإسلام في مصر إلى مكانته في المحاكم والمدارس والإدارة وفي كل مرافق الحياة المصرية، كما أسأله أن يؤيد ملوك المسلمين جميعًا، وأن يجمع كلمتهم ضد عدو الله وعدوهم، وأن يعيد بهم للإسلام مَجْدَه التالد، وعِزَّه الخالد، وأسأله أن يسدد خطواتنا على سبيله المستقيم، وأن يجعل هذه الصحيفة راشدةً، وأن يباعدها من الخطأ والزلل والقول في الدين وعلى الله بغير علم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

محمد حامد الفِقِي رئيس جماعة أنصار السنة.

ونلاحظ دائمًا أن شيوخ الجماعة دائمًا ينتهزون أي فرصة من مبايعة أو تهنئة أو تأييد لسياسة موافقة للشرع، ينتهزونها فرصة لدعوة حكام البلاد إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، كما كان هدى السلف الصالح، ولا ينشرون على الناس مثالب الحكام لتهييجهم عليهم.

3 – وبالنظر في المواضع التي اسْتَدَل بها مَن اسْتَدَل مِن تعليقٍ للشيخ أحمد شاكر على «عمدة التفسير» واستشهاده بكلام أخيه العلامة محمود محمد شاكر – رَحِمَهُمَا اللهُ – في تعليقه على «تفسير الطبري» – رَحِمَهُ اللهُ -.

نلاحظ الآتي:

أولًا: الشيخ – رَحِمَهُ اللهُ – يصحح الآثار عن ابن عباس – رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- وتلامذته–رحمهم الله-، وفيها التفصيل فيمن حكم بغير ما أنزل الله، ومتى تكون هذه المعصية كفرا، ومتى تكون فسْقا وفجورا دون الكفر الأكبر، وهذا ما نقرِّره في هذا الكتاب – ولله الحمد -.

ثانيًا: لم يعترض الشيخ أحمد شاكر – رَحِمَهُ اللهُ – على تفسير الحافظ ابن كثير – رَحِمَهُ اللهُ – للآيات، ولا على قوله الذي نقله عن الطبري وأيده بقوله: «رواه ابن جرير، ثم اختار أن الآية المراد بها أهل الكتاب، أو من جَحَدَ حكم الله المُنَزَّل في الكتاب». أي أن الآية إذا حملنا ظاهرها على الكفر الأكبر؛ فهي ليست في المسلمين الذين يقعون في هذه المعصية، أو هي في أهل الجحود والنكران والاستحلال… ونحو ذلك.

ثالثًا: لا يعترض الشيخ – رَحِمَهُ اللهُ – على من استدل بالنصوص على ما تدل عليه في عدم إطلاق التكفير، ولا بد من مراعاة التفصيل، ولو كان الشيخ – رَحِمَهُ اللهُ – في هذا المقام يَكْتب ما يَكْتب للاعتراض على قول ابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- وحاشاه؛ لحاول أن يَرُدَّ النص الذي جاء عنه – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – على طريقة أهل الحديث، أو على طريقة الأصوليين، ولكن لا اعتراض أصلًا منه – رَحِمَهُ اللهُ – على عبارة (كفر دون كفر) في هذا الموضع، لكن ذلك يكون بمراعاة ضوابط هذا الحكم.

وعلى هذا؛ فاعتراض الشيخ – رَحِمَهُ اللهُ – إنما هو على الذين يستدلون بالنصوص على غير ما تدل عليه، أو بعبارته هو: «مما يَلْعب به المضلِّلون في عصرنا هذا… يجعلونها عُذْرا، أو إباحة للقوانين الوثنية الموضوعة».

وهذا منهم بيِّنٌ جدًّا في الاستحلال – نعوذ بالله من الخذلان – ونحن لا ننازع في تكفير المستحل، أو المستهزئ، أو الجاحد، أو المكذب، أو الشاكِّ في لزوم الشريعة لجميع المكلَّفين في كل زمان ومكان على اختلاف فضائلهم، وأجناسهم، ولغاتهم، وألوانهم… إلخ، مع ضرورة مراعاة شروط تنزيل الحكم العام على الأعيان- وكلام الإمام الطبري-، واستشهاد الشيخ بكلام أخيه الشيخ/ محمود شاكر – رَحِمَهُمَا اللهُ – لا يخرج البتة عما ذكرنا، وإلا لما استشهد به.

رابعًا: مما يؤكد أن هذا هو مقصد الشيخ محمود شاكر – رَحِمَهُ اللهُ -:

كلمته في نهاية التعليق، وهي التي تبين مذهبه في المسألة بقوله – رَحِمَهُ اللهُ -: «واقرأ كلمة أبي جعفر – أي الإمام الطبري – رَحِمَهُ اللهُ – – بعد ص: 358 من أول قوله: (فإن قال قائل)، ففيه قولٌ فَصْلٌ». ا. هـ

✍ قلت: ولهذا نحتاج هنا إلى أن ننقل كلام الإمام الطبري – رَحِمَهُ اللهُ – كاملًا؛ ليتضح مراد الشيخ محمود شاكر – رَحِمَهُ اللهُ – فقد قال الطبري – رَحِمَهُ اللهُ -:

«فإن قال قائل: فإن الله -تعالى ذِكْره- قد عمَّ بالخبر بذلك عن جميع منْ لم يحكم بما أنزل الله، ‌فكيف ‌جعلته ‌خاصًّا؟

قيل: إن الله – تعالى – عَمَّ بالخبر بذلك عن قومٍ كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين، فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكمَ، على سبيل ما تركوه؛ كافرون، وكذلك القولُ في كل من لم يحكم بما أنزل الله جاحدًا به، هو بالله كافر، كما قال ابن عباس؛ لأنه بجحوده حُكْمَ الله بعدَ عِلْمِه أنه أنزله في كتابه؛ نظير جحوده نبوّة نبيّه بعد علمه أنه نبيٌّ».([240])

والشيخ محمود شاكر – رَحِمَهُ اللهُ – يقول عن هذه المقولة للطبري: «ففيه قولٌ فَصْلٌ». فاتضح بهذا أن كلام الشيخ أحمد شاكر وكلام أخيه الشيخ محمود شاكر – رَحِمَهُمَا اللهُ – حجة لنا لا علينا، والمطلوب جمع كلامهما – رَحِمَهُمَا اللهُ – في هذا الموضع؛ ليتضح مرادهما بجلاء!!

خامسًا: من طالع مقالات الشيخ محمود شاكر – رَحِمَهُ اللهُ – يجد منه ثناء واضحا على بعض الملوك والحكام والرؤساء وهم ممن أدخل هذه القوانين في بلادهم، مما يدل على أن يفرق بين الحكم العام على الفعل والحكم الخاص على الفاعل أو المعيَّن!!([241])

ومن أمثلة ذلك: مقال له بعنوان: «معهد الصحراء بيت الحكمة»، يقول فيه:

كتب صديقي «إسماعيل مظهر» -في مقتطف يناير سنة 1940 – كلمة بليغة يصف فيها «رهين المحبسين»، محبِس الصحراء، ومَحْبس النسيان، وهو معهد الصحراء القائم على مشارف الصحراء المترامية، في «مصر الجديدة»، وقد شيده «الأسد المصريُّ» الملك فؤاد – رحمة الله عليه – من ماله خاصة؛ ليكون مأوى للعلماء، الذين يدرسون طبائع الصحراء ومعادنها وأجواءها، ولكنه لم يَتِمَّ بناؤه لما عَرَضَ من مرض الملك العالم، ثم وفاته، على شدة الحاجة إلى جُرأته وإخلاصه وعزمه، وإنفاذ هذا العزم بالبصيرة والحكمة والمثابرة.

وكنت كلما صَحِبْتُ أخي «إسماعيل» لبعض الرياضة، تهاوينا إلى البيداء المقفرة الصامتَة بأحزانها الحائرة، وسرنا نتقاوَدُ ([242]) في جوفها، فترمى بنا أرُجلنا إلى بناء شامخ، قد أقْعى على ربوة من الأرض، كأنما يتجمّع للوثبة، ومع ذلك فأكاد أجد في سَمْعي بيانَ هذا الأعجم الصموت، وهو يُهمهِمُ بأنَّاته من ذلّ الوحشة والأسر والنسيان والخراب، فأنشد «إسماعيل» قول الرضيّ:

ولقد رأيتُ «بديْر هِنْدٍ» منزلًاأَلِمًا من الضَّرَّاءِ والحَدَثانِ
أَغْضَى كمستَمِعِ الهوانِ، تغيَّبَتْأنصارُهُ وخلا من الأعوانِ

وكان هذا البناء المسكين همةً من همم الملك النبيل – رَحِمَهُ اللهُ -، ولقد سمعت أنه قد أحاطه بما يزيد على عشرة أفدنة ليقوم فيها، وفي متنزهاتها، وليؤدي أهله إلى صحراء مصر المجهولة حقَّها من الدرس والكشف والاستنباط، هذا، وقد ضَرَع «إسماعيل» إلى خليفة «فؤاد» في ملكه وعلمه وعزمه وبصيرته، إلى «الفاروق» صاحب مصر الأعلى وحاميها وهاديها إلى الخير، أن يُتمّ ما بدأ الملك الأول من البناء، وأن يعيد لِمُلْكِه الزاهر تاريخَ العرب والعربية في عصر المأمون، الذي أنشأ «بيت الحكمة»، وجعله مُسْتَقر النَّقَلة من العلماء، الذين استوعبوا نقل حكمة «يونان» إلى اللسان العربي؛ فأسسوا للعلم ملكًا لم يُطاوِلْه في العصور إلا عظمة المأمون… قال:

«ومعهد الصحراء -يا مولاي- عظيمٌ متسع الأرجاء، اتساع العقل الخالد الذي فَكَّر في إنشائه، فهل نطمع في أن يضم إليه بضعة علماء، يقفون جهودهم على ترجمة علوم أوربا إلى اللغة العربية؟ وفي مصر -يا مولاي- علماء أقعدهم النسيان عن العمل، ومنعهم الخجل عن السؤال، وعزّ عليهم أن يهينوا العِلْمَ باستجداء العطف. أَنطمعُ -يا مولاي- أن تفيضَ عليهم من فضلك الواسع ما يسدُّ حاجتهم من حطام الدنيا، ليكونوا نواة لبيت الحكمة في عهدك؛ فيتركوا للأجيال القادمة آثارًا لا يَبزُّها من حيث الأثر في العالم العربي إلّا عظمتك، ولا يفوقها في الجلالة إلّا جلالتك؟».

وكل أديب وعالم ومفكر في العالم العربي يضم صوته إلى صوت «إسماعيل» في هذه الضراعة النبيلة إلى «وارث مُلْك مصر، ومجد العرب»، ويستيقن في قلبه أن «الفاروق» سيحمي العلم والأدب بحماية ملكية ترفع عنه الظلم والاستعباد، وتحرر العلماء والأدباء من غطرسة الأدعياء المتشدقين بقليل العلم ومنقوص الأدب، مما أطاقوه وحملوه بفضل الرحلة إلى أوربا بضع سنين، تزودوا فيها بالمعاشرة والمخالطة -لا بالدرس والمثابرة- بعض ما جهله أصحاب الفضل والعلم والأدب من قومهم؛ لقعودهم بالضرورة والعجز عن مثل الذي ساروا إليه، وهم بالعلم والأدب أَقْوَم، وعليه أحرص، وطبائعهم إليه أشد انبعاثًا». اهـ([243])

✍ قلت: فهذا ثناء الشيخ محمود شاكر – رَحِمَهُ اللهُ – على الملك فؤاد والملك فاروق – رَحِمَهُمَا اللهُ – وهما على رأس الدولة المصرية – آنذاك – وقد كانت القوانين الوضعية المخالفة للشريعة تملأ المحاكم المصرية، فهل حكم عليهما بما يحكم به غلاة التكفير اليوم على أعيان الحكام المسلمين من التكفير، والدعوة للخروج عليهم، واتهام من لم يوافقهم على تهوُّرهم بالعمالة والجبن والإرجاء، بل والكفر؟!!

ولا يلزم من ذلك إقراري لما كان في زمن هذين الملكيْن مما لا يُرضي الله – عَزَّ وَجَلَّ – بل ولا يلزم من ذلك اقراري لكل ما تضرَّع به من تضرَّع للملك فاروق بإتمام ذلك المعهد؛ أو بترجمة كتب أوروبا، كما ترجم المأمون كتب اليونان، التي أدخلت علم الكلام على الأمة؛ فوسَّعت دائرة الخلاف والانحراف في أخص وأهم مسائل العقيدة: صفات الرب العظيم؛ فتفرَّقت الأمة بسبب هذا الأمر فِرَقًا وأحزابا إلى هذا اليوم، وإنا لله وإنا اليه راجعون!!

إنما المراد بيان الفرق بين حال الشباب المتهوِّر اليوم في تكفير أعيان الحكام المسلمين في هذا الزمان، بسبب إقرارهم القوانين الوضعية في محاكم بلدانهم، بل ربما كفرَّوا من دونهم من رجال الدولة، وشيئا فشيئا قد وصل بعضهم إلى تكفير الشعوب، بل كفرَّوا من العلماء من لم يكفِّروا الحكام ومن تحتهم ممن يلي أمور البلاد، والقضاة والعلماء وغيرهم، وبين الشيخ أحمد شاكر وأخيه الشيخ محمود شاكر – رَحِمَهُمَا اللهُ – اللَّذَيْن حذَّرا من الاحتكام إلى القوانين الوضعية في البلاد، وذكرا ما فيها من مصادمة الشريعة، ومع هذا فكان موقفهم العملي والواقع من الحكام ما قد رأيت بعضه!!

وكل ذلك منهما: لأن تكفير الأعيان يختلف عن تكفير الأفعال، فليس كل من وقع في الكفر يكون كافرا، إلا بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، وهذا ما يهمني بيانه وتقريره في هذا الكتاب، لا أنني أدافع عن من لم يرفع رأسًا بأحكام الشريعة، فمن استحق التكفير، وتوافرت فيه شروطه، وانتفت عنه موانعه، فلْيُكَفِّره العلماء الكبار – لا الجهلة المتهورون – ولا كرامة له، ولا لمن يدافع عنه، طمعا في دنياه أو إغراقا في موالاته دون موالاة الله ورسوله – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمْ – وصالح المؤمنين، والله أعلم.

🕮 🕮 🕮

الشبهة السابعة عشرة

  • الاستدلال بكلام سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ – رَحِمَهُ اللهُ تعالى –

فقد قَالَ الشَّيخُ مُحَمَّدُ بن إبْرَاهِيمَ آل الشيخ – رَحِمَهُ اللهُ تعالى – في رَدّه على مُحَكِّمِي القَوَانِين الوضْعية:

«إنَّ ‌مِنَ ‌الكُفْر ‌الأكْبَرِ ‌الْمُسْتَبِينِ: تَنْزيلَ القَانُونِ اللَّعِينِ مَنْزِلَةَ مَا نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلَى قَلْبِ محمدِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِيَكُونَ مِنْ الْمُنْذِرِين، بلسانٍ عَربي مبينٍ، في الحُكْمِ بِهِ بَيْنَ العالَمين، والرَّدِ إلَيْهِ عِنْدَ تَنَازُع المتنازِعين؛ مَنَاقَضَةً وَمُعَانَدَةً لِقَوْلِ الله -عَزَّ وَجَلَّ-: [ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ] {النساء:59}.

وَقَدْ نَفى اللهُ -سبحانه وتعالى- الإيمانَ عَنْ مَنْ لَمْ يُحَكِّمُ النَّبِيَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهِمْ نَفْيًا مُؤكَّدًا بِتَكَرُّرِ أَدَاةَ النَّفْيِ وَبِالقَسَم، قالَ تعالى: [ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ] {النساء:65}.

ثم قال- رَحِمَهُ اللهُ تعالى –: وَعَكْسُ مَا يَقُولُهُ القَانُونِيُّونَ، مِنْ حُكْمِهِم عَلَى القَانُونِ بِحَاجَة العَالَم، بَلْ ضَرُورَتِهم إلى التَّحَاكُمْ إِلَيْهِ، وَهَذَا سُوءُ ظَنٍّ صِرْفٌ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَمَحْضُ اسْتنِقاصٍ لِبَيان الله ورَسوله، والحكمُ عليه بعدم الكِفَايَةِ للنَّاسِ عِنْدَ التَّنَازِعُ، وَسُوءِ العَاقِبَةِ في الدُّنْيَا والآخِرَةِ، إِن هَذَا لازِمٌ لَهُمْ

ثم قَالْ- رَحِمَهُ اللهُ تعالى –: وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: [ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ] {النساء:60} تَعْرِفْ مِنْه مُعَاندةَ القَانُونِيّينَ، وَإِرَادَتَهُمْ خِلافَ مُرادِ اللهِ مِنْهُم حَوْلَ هَذَا الصَّدَدِ، فَالْمُرَادُ مِنْهُمْ شَرْعًا، وَالذِي تُعِبِّدوا بِهِ: هُوَ الكُفْرُ بالطَّاغِوتِ لا تَحْكِيمُهُ [ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ] {البقرة:59}.

ثُمَّ تَأَمَّلْ قَوْلَهُ: [ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ] {النساء:60} كَيْفَ دَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ ضَلالٌ، وَهَؤلاِء القَانُونِيُّون يَرْوَنَه مِن الْهُدى، كَمَا دَلّتِ الآيَةُ على أَنَّهُ مِنْ إِرَادَةِ الشَّيْطَانِ، وهو عَكْسُ مَا يَتَصَوَّرَهُ القَانُونِيُّونَ، فَتَكُونُ -عَلَى زَعمِهم- مُرَادَاتُ الشَّيْطَانِ هِيَ صَلاحُ الإِنْسَانِ وَمُرَادُ الرَّحْمَنِ، وَمَا بُعِثَ بِهِ سَيِّدُ وَلَدِ عَدْنَانَ مَعْزولًا مِنْ هَذَا الوصفِ، وَمُنَحَّىً عن هَذَا الشَّأن!!

وَقَدْ قَالَ تَعَالى مُنْكِرًا عَلَى هَذَا الضَّرْبَ مِنَ النَّاسِ، وَمُقَرِّرًا ابْتِغَاءَهم أَحْكَامَ الْجَاهِليةِ، وَمُوَضِّحًا أَنَّهُ لا حُكْمَ أَحْسَنَ مِنْ حُكمِهِ: [ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ] {المائدة:50}.

فَتَأَمَّلْ هَذِهِ الآيةَ الكريمة، وَكَيفَ دَلَّتْ أَنْ قِسْمَةَ الْحُكْمِ ثُنَائِيَّةْ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ حَكْمِ اللهِ تَعَالى إلا حُكْمُ الْجَاهِليةِ؛ الْمُوضِّحُ أَنَّ القَانُونِيُّينَ في زُمْرَةِ أَهْلِ الْجَاهِلَيةَ: شَاءوُا أَمْ أَبَوْا، بَلْ هُمْ أَسْوَأُ حَالًا مِنْهُمْ، وَأَكْذَبُ مِنْهُم مَقَالًا، ذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِليةِ لا تَنَافُسَ لَدَيْهم حَولَ هَذَا الصَّدَد.

وَأَمَّا القَانُونِيُّونَ: فَمُتَنَاقِضُونَ حَيْثُ يَزْعُمُونَ الإِيمَانَ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسولُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَيُنَاقِضُونَ، وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا، وَقَدْ قَالَ اللهُ في أمْثَالِ هَؤُلاءِ: [ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ] {النساء:151}.

ثُمَّ انْظُر كَيْفَ رَدَّتْ هَذِهِ الآيَةُ الكريمةُ على القَانُونِيَّينَ ما زَعَمُوُهُ مِنْ حُسْنِ زُبَالةِ أَذْهَانِهِمْ وَنُحَاتَةِ أَفْكَارِهِمْ بِقَوْلِهِ -عَزَّ وَجَلَّ-: [ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ] {المائدة:50}.

ثم قال- رَحِمَهُ اللهُ تعالى –: وَقَالَ تَعَالى: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ] {المائدة:44}، [ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ] {المائدة:45}، [ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ] {المائدة:47}.

فَانْظُرْ كَيْفَ سَجَّلَ تَعَالى عَلَى الحَاكِمِينَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهِ بالْكُفْرِ وَالظُّلْمِ وَالفِسْقِ، وَمِنَ الْمُمْتَنِعِ أَنْ يُسَمِّي اللهُ – سُبْحَانَهُ – الحاكِمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ كَافِرًا وَلا يَكُونُ كَافِرًا، بَلْ هُوَ كَافر مُطْلَقًا: إِمَّا كُفْرُ عَمَلٍ وَإِمَّا كُفْرُ اعْتِقَاد.

وَمَا جَاءَ عَنْ ابنِ عَبَّاسٍ في تَفْسِير هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الحَاكِمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ كَافِرٌ، إِمَّا كُفْرُ اعْتِقَادٍ نَاقِلٍ عَنْ الْمِلَّةِ، وَإِمَّا كُفْرُ عَمَلٍ لا يَنْقُلِ عَنْ الْمِلَّةِ

أما الأول: وهو كفر الاعتقاد، فهو أنواع:

أحدها: أن يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله أَحَقِّيَّةَ حُكم الله ورسوله، وهو معنى ما روي عن ابن عباس، واختاره ابن جرير: أن ذلك هو جحود ما أنزل الله من الحكم الشرعي، وهذا ما لا نزاع فيه بين أهل العلم.

فإن الأصول المتقررة المتفق عليها بينهم: أن من جحد أصلا من أصول الدين، أو فَرْعًا مُجمعا عليه، أو أَنْكَر حرفا مما جاء به الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قطعيا؛ فإنه كافرٌ الكفْرَ الناقلَ عن الملة.

الثاني: أن لا يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله كونَ حكم الله ورسوله حقًّا، لكن اعتقد أن حكم غير الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أحسنُ من حكمه، وأَتَمُّ وأَشْمَلُ لما يحتاجه الناس من الحكم بينهم عند التنازع، إما مطلقا، أو بالنسبة إلى ما استجد من الحوادث التي نشأت عن تَطَوُّر الزمان، وتغيُّرِ الأحوال؛ وهذا أيضا لا ريب أنه كفر؛ لتفضيله أحكامَ المخلوقين، التي هي مَحْضُ زبالة الأذهان، وصِرْفُ حثالة الأفكار، على حكم الحكيم الحميد.

وحكم الله ورسوله لا يختلف في ذاته باختلاف الأزمان، وتطور الأحوال، وتجدُّد الحوادث؛ فإنه ما من قضية كائنة ما كانت إلا وحُكْمُها في كتاب الله تعالى وسنة رسوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: نَصًّا، أو ظاهرا، أو استنباطا، أو غير ذلك، عَلِمَ ذلك مَنْ عَلِمَهُ، وجَهِلَه مَنْ جَهِلَه.

وليس معنى ما ذكره العلماء من تغير الفتوى بتغير الأحوال: ما ظَنَّه مَنْ قَلَّ نصيبُهُم أو عُدِم من معرفة مدارك الأحكام وعِلَلِها؛ حيث ظنوا أن معنى ذلك بحسب ما يلائم إرادتهم الشهوانية البهيمية، وأغراضهم الدنيوية، وتصوراتهم الخاطئة الوَبِيَّة.

ولهذا تَجِدهم يُحَامُون عليها، ويجعلون النصوص تابعة لها، منقادة إليها مهما أمكنهم؛ فيحرفون لذلك الكَلِمَ عن مواضعه؛ وحينئذ معنى تغير الفتوى بتغير الأحوال والأزمان، مراد العلماء منه: ما كان مُسْتَصْحَبُهُ فيه الأصولَ الشرعية، والعِلَلَ المرعية، والمصالح التي جِنْسُها مرادٌ لله تعالى ورسوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ومن المعلوم أن أرباب القوانين الوضعية عن ذلك بمَعْزِلٍ، وأنهم لا يقولون إلا على ما يلائم مراداتهم، كائنةً ما كانت؛ والواقع أَصْدَقُ شاهِدٍ.

الثالث: أن لا يعتقد كونَهُ أحسنَ من حكم الله ورسوله، لكن اعتقد أنه مِثْلُه؛ فهذا كالنوعين اللَّذَيْنِ قبله، في كونه كافرا الكفر الناقل عن الملة؛ لما يقتضيه ذلك من تسوية المخلوق بالخالق، والمناقضة والمعاندة لقوله -عَزَّ وَجَلَّ-: [ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ] {الشورى:11} ونحوها من الآيات الكريمة، الدالة على تفرد الرب بالكمال، وتنْزيهه عن مماثلة المخلوقين في الذات والصفات والأفعال، والحكم بين الناس فيما يتنازعون فيه.

الرابع: أن لا يعتقد كون حكم الحاكم بغير ما أنزل الله مماثلا لحكم الله ورسوله- فضْلا عن أن يعتقد كونه أحسن منه- لكن اعتقد جواز الحكم بما يخالف حُكْم الله ورسوله؛ فهذا كالذي قبله، يَصْدُق عليه ما يَصْدُق عليه؛ لاعتقاده جوازَ ما عُلِم بالنصوص الصحيحة الصريحة القاطعة تحريمُهُ.

الخامس: وهو أعظمهما وأشملهما وأظهرها معاندة للشرع ومكابرة لأحكامه، ومشاقة لله ولرسوله، ومضاهاة بالمحاكم الشرعية: إعدادا وإمدادا وإرصادا، وتأصيلا وتفريعا، وتشكيلا وتنويعا، وحكما وإلزاما، ومراجع مستمدات، فكما أن للمحاكم الشرعية مراجع مستمدات، مرجعها كلها إلى كتاب الله وسنة رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فلهذه المحاكم مراجع، هي القانون المُلَفَّق من شرائع شتى، وقوانين كثيرة، كالقانون الفرنسي، والقانون الأمريكي، والقانون البريطاني، وغيرها من القوانين، ومن مذاهب بعض البدعيين المنتسبين إلى الشريعة، وغير ذلك.

فهذه المحاكم الآن في كثير من أمصار الإسلام مُهَيَّأة، مكَمَّلة، مفتوحة الأبواب، والناس إليها أسرابٌ إِثْرَ أسراب، يحكم حكامُها بينهم بما يخالف حُكم السنة والكتاب، من أحكام ذلك القانون، وتُلْزِمهم به، وتُقِرُّهم عليه، وتُحَتِّمه عليهم، فأيُّ كُفر فوق هذا؟ وأيُّ مناقضةٍ للشهادة بأن محمدا رسول الله بعد هذه المناقضة؟ وذِكْر أدلة جميع ما قَدَّمْنا على وجه البسط: معلومة معروفة، لا يحتمل ذِكْرَها هذا الموضعُ.

فيا معشر العقلاء، ويا جماعات الأذكياء، وأُولِي النهى، كيف ترضَوْن أن تَجْري عليكم أحكام أمثالكم، وأفكار أشباهكم، أو من هم دونكم ممن يجوز عليهم الخطأ، بل خطؤهم أكثر من صوابهم، بل لا صواب في حكمهم، إلا ما هو مُسْتَمَدٌّ من حكم الله ورسوله نصًّا أو استنباطا؟، تَدَعُونهم يحكمون في أنفسكم، ودمائكم وأبشاركم، وأعراضكم، وفي أهاليكم من أزواجكم وذراريكم، وفي أموالكم، وسائر حقوقكم، ويُتْركون، ويَرْفَضون أن يَحْكموا فيكم بحكم الله ورسوله، الذي لا يتطرق إليه الخطأ، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنْزيل من حكيم حميد؟!

وخُضوعُ الناس ورُضُوخهم لحكم ربهم؛ خُضوعٌ ورضوخٌ لحكم مَنْ خَلَقَهم تعالى ليعبدوه، فكما لا يَسْجُد الخلقُ إلا لله، ولا يَعْبدون إلا إياه، ولا يَعْبدون المخلوق؛ فكذلك يجب أن لا يرضخوا، ولا يخضعوا، أو ينقادوا إلا لحكم الحكيم العليم الحميد، الرؤوف الرحيم، دون حكم المخلوق الظلوم الجهول، الذي أهلكته الشكوك والشهوات والشبهات، واستولت على قلوبهم الغفلةُ والقسوةُ والظلماتُ.

فيجب على العقلاء أن يَرْبَؤُوا بنفوسهم عنه؛ لما فيه من الاستعباد لهم، والتحكم فيهم بالأهواء والأغراض، والأغلاط والأخطاء، فضلا عن كونه كفرا بنص قوله تعالى: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ] [المائدة: 44].

السادس: ما يحكم به كثير من رؤساء العشائر والقبائل، من البوادي ونحوهم، من حكايات آبائهم وأجدادهم، وعاداتهم التي يسمونها «سُلُومَهم» يتوارثون ذلك منهم، ويحكمون به، ويحصلون على التحاكم إليه عند النّزاع؛ بقاءً على أحكام الجاهلية، وإعراضًا ورغبةً عن حكم الله ورسوله؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله.

وأما القسم الثاني: من قسمي كفر الحاكم بغير ما أنزل الله، وهو الذي لا يُخرج من الملة، فقد تقدم أن تفسير ابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- لقول الله
-عَزَّ وَجَلَّ-: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ] [سورة المائدة آية: 44] قد شمل ذلك القِسْمَ، وذلك في قوله -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في الآية: «كفر دون كفر»، وقوله أيضا: «ليست بالكفر الذي تَذْهَبون إليه». اهـ.

وذلك أن تَحْمِلَهُ شهوتُه وهواه على الحكم في القضية بغير ما أنزل الله، مع اعتقاده أن حكم الله ورسوله هو الحق، واعترافه على نفسه بالخطأ ومجانبة الهُدَى.

وهذا وإن لم يخرجه كُفْرُه عن الملة؛ فإنه معصية عُظْمى أكبر من الكبائر، كالزنا وشرب الخمر، والسرقة، واليمين الغموس، وغيرها؛ فإن معصية سماها الله في كتابه «كفرا»: أعظم من معصية لم يسمها كفرا؛ نسأل الله أن يجمع المسلمين على التحاكم إلى كتابه: انقيادا ورضاء؛ إنه وليُّ ذلك والقادر عليه». اهـ([244])

قال المستدلون بهذه الفتوى من سماحته -رَحِمَهُ اللهُ تعالى-: الظاهر بل الصريح من كلام الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ – رَحِمَهُ اللهُ – أنه يرى الحكم بالقوانين الوضعية كفرًا، ولو لم يعتقد مَنْ فَعَلَ ذلك أنها أفضل من شريعة الله؛ لأنه في رسالته «تحكيم القوانين «ذكر الأقسام التي يكون فيها الحكم بغير ما أنزل الله كفرا أكبر، فجعل المفضِّلَ لغير الشريعة عليها قسما، وجعل الحاكم بالقانون الوضعي، ومن يفتح لذلك المحاكم، ويكون لها مراجع وملفات ومستندات… إلخ قسما آخر؛ فدلَّ على أنه يغاير بينهما.

و كذلك فلم يَذْكر – رَحِمَهُ اللهُ – في تعليل كون هذا القسم كُفرا: أنه يَلْزَم منه أن الحاكم بالقانون يرى أفضليته على شريعة الله.

قالوا: والشيخ – رَحِمَهُ اللهُ – ذكر – أيضًا –: أن البلد التي يُحْكم فيها بالقانون (أي الوضعي) أنها ليستْ بلَدَ إسلامٍ؛ فيجب الهجرة منها.

فقد سئل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم -رَحِمَهُ اللهُ تعالى-:

س: هل تجب الهجرة من بلاد المسلمين التي يحكم فيها بالقانون؟

ج: البلد التي يُحْكم فيها بالقانون ليست بلد إسلامٍ؛ تجب الهجرة منها، وكذلك إذا ظهرت الوثنية من غير نكير، ولا غُيِّرت؛ فتجب الهجرة.

فالكفر: بفشو الكفر وظهوره، هذه بلد كفر، أما إذا كان قد يحكم فيها بعض الأفراد، أو وجود كفريات قليلة لا تظهر؛ فهي بلد إسلام. [تقرير].

قال – رَحِمَهُ اللهُ -:… ولعلك أن تقول: لو قال من حَكَّم القانون: أنا أعتقد أنه باطل!!

فهذا لا أَثَر له؛ بل هو عَزْلٌ للشرع، كما لو قال أحد: أنا أعبد الأوثان، وأعتقد أنها باطل.

وإذا قَدَر على الهجرة من بلاد تقام فيها القوانين؛ وجب ذلك. [تقرير]([245])

وللشيخ – رَحِمَهُ اللهُ – مواضع كثيرة قرر فيها هذه المسألة، وكان يرفض التحاكم إلى القوانين الوضعية في أي أمر صغير أو كبير.([246])

* الجواب:

أولًا: مسألة الحكمِ بغير ما أنزل الله من المسائلِ الدقيقة والشائكة، وهذا النوع من المسائلِ قد يتعدَّدُ فيها قولُ العالمِ الواحد ويتنوع، فقد يتكلم فيها العالم من زاويةٍ، ويهتم بتقرير أمرٍ معيَّنٍ، كأن يرد على بعض المخالفين، أو المتلاعبين بالشريعة الإسلامية، والذين يريدون بتجويزهم التحاكم إلى القوانين الوضعية جَعْلَ فتاواهم مطيةً لأهواء وشهوات الحكام، الذين لا يرفعون بالدين رأسًا، وفي موضع آخر قد يذكر العالم تفصيل السلف في المسألة، ويحمل كل فتوى على علة تختلف عن العلة التي في الأخرى، وهذا التعدُّدُ والتنوُّع ساقَ الواقفين في ذلك إلى الاختلاف في فهم كلام العالم، وموقفه الذي يُنْسَب إليه.

فلا يُستغرب وقوعُ مثلِ هذا أو بعضه في فهم كلام سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم – رَحِمَهُ اللهُ -.

ثانيًا: ومما يدل على ذلك: ما قد ورد من كلامٍ آخر للشيخ محمد بن إبراهيم نفسه – رَحِمَهُ اللهُ -، يوافقُ فيه مَن سَبقَه من العلماء؛ بأنَّ تحكيم القوانين كفرٌ ناقلٌ عن الملَّة إذا اعتقد الحاكمُ بها صحةَ ذلك وجوازه، دون الاقتصار على مجرد الحكم بالقوانين دون النظر للاعتقاد، ومما قاله سماحة الشيخ – رَحِمَهُ اللهُ – في ذلك:

«وكذلك تحقيق معنى «محمد رسول الله»: مِنْ تحكيم شريعته، والتَقيُّدِ بها، ونَبْذِ ما خالفها من القوانين والأوضاعِ، وسائرِ الأشياء التي ما أنزل الله بها من سلطان، والتي مَنْ حَكَمَ بها، أو حَاكَمَ إليها مُعْتَقِدًا صِحَّةَ ذلك وجوازَهُ؛ فهو كافر الكفر الناقل عن الملة، وإن فَعَلَ ذلك بدون اعتقاد ذلك وجوازِهِ؛ فهو كافرٌ الكُفْرَ العَمَلِيَّ، الذي لا يَنْقُل عن الملة» ا. هـ.([247])

وهذه الفتوى التي اشترط الشيخُ – رَحِمَهُ اللهُ – فيها (الاعتقاد) للتَّكفير بالقوانين سُبِقَت بأُختها، حيث قال الشيخُ – رَحِمَهُ اللهُ – فيها: «واعتبار شيء من القوانين للحُكم بها، ولو في أقلِّ قليل لا شكَّ أنه عدمُ رضا بحكمِ الله ورسوله، ونسبةُ حكمِ الله ورسوله إلى النقص وعدم القيام بالكفاية في حلِّ النزاع وإيصال الحقوق إلى أربابها، وحُكم القوانين إلى الكمال وكفاية الناس في حلِّ مشاكلهم، واعتقاد هذا كُفْرٌ ناقلٌ عن الملة، والأمرُ كبيرٌ مُهِمٌ، وليس من الأمور الاجتهادية….». اهـ([248])

فقوله: «واعتقاد هذا كُفْر…» دليل على أن مناط الكفر عنده – في هذا الموضع – الاعتقاد، ومما يدل على هذا أن الشيخ – رَحِمَهُ اللهُ – قال بعد ذلك: «والأمرُ كبيرٌ مُهِمٌ، وليس من الأمور الاجتهادية…. «ومعلوم أن العلماء مجمعون على أن من اعتقد النقص في شريعة الله، وعدم قيام الشريعة الإسلامية بالكفاية في حل النزاع، وإيصال الحقوق لأهلها، بخلاف القوانين: فإنها كاملة، وفيها الكفاية في حل مشاكل الناس، وهي المناسبة للمجتمع المدني لا البَدَوي… إلخ، فمن اعتقد ذلك؛ كان كافرا بالإجماع، وليس تكفير من ثبت أنه كذلك من مسائل الاجتهاد، والله أعلم.

ثالثًا: قد تنوعت آراء المشايخ والعلماء من تلامذة سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم – رَحِمَهُ اللهُ – في توجيه كلامه – رَحِمَهُ اللهُ -، مع اتفاق من وقفت على كلامه منهم على أن مناط التكفير هو الاعتقاد، وليس مجرد الحكم بغير ما أنزل الله وإن لم يستحل ذلك، فمنهم من اشترط التصريح بالاعتقاد، ومنهم من اعتبر التقنين العام دليلًا على وجود الاعتقاد الـمُكَفِّر وإن لم يصرح به، ويظهر ذلك بالآتي:

1 – من المعلوم أنَّ من أعلم الناس بسماحة الشيخ محمد بن إبراهيم هو سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز – رَحِمَهُمَا اللهُ-، ومع ذلك فلم يرضَ سماحته – رَحِمَهُ اللهُ – من البعض الاحتجاج بكلامِ سماحة الشيخ ابنِ إبراهيم على التكفير المطلق لحُكَّام المسلمين، لمجرد تحكيمِهم القوانين الوضعية في بلادهم دونَ قيد أو شرطٍ، حيثُ قال – رَحِمَهُ اللهُ –:

«هذا الأمرُ مستقرٌّ عندَ العلماء: أنَّ مَنْ استحلَّ ذلك؛ فقد كفرَ، أمَّا مَن لم يستحلَّ ذلك، كأن: يَحْكُم بالرِّشوة ونحوها؛ فهذا كفرٌ دونَ كُفْر..

فقال السائل لسماحته: هُم يستدلونَ بفتوى الشيخ ابن إبراهيم؟!

فقال سماحة الشيخ ابنُ باز – رَحِمَهُ اللهُ -: محمد بن إبراهيم ليس بمعصوم؛ فهو عالمٌ من العلماء يُخطئُ ويُصيب..» اهـ.([249]).

بل، صرّح الشيخ ابنُ بازٍ – رَحِمَهُ اللهُ – أنَّ سماحة الشَّيخ ابن إبراهيم يشترطُ للتكفير بالتقنين: (الاستحلال:

فقد سُئل سماحة الشيخ ابنِ بازٍ – رَحِمَهُ اللهُ –: «هل الشيخُ محمد بنُ إبراهيم- رَحِمَهُ اللهُ – يرى تكفيرَ الحكَّامِ على الإطلاق؟

الجواب: يرى تكفيرَ مَن (استحلَّ) الحكمَ بغير ما أنزلَ الله؛ فإنه يكونُ بذلك كافرًا.

ثم قال سماحته – رَحِمَهُ اللهُ -: هذه أقوالُ أهلِ العلم جميعًا: مَن استحلَّ الحكمَ بغير ما أنزلَ اللهُ؛ كفر، أمَّا مَن فعلهُ لشبهةٍ أو لأسبابٍ أُخرى لا يستحلُّه؛ يكونُ كفرًا دونَ كُفْر». اهـ([250])

2 – وأما فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن آل جبرين – رَحِمَهُ اللهُ -؛ فقد ذكر ما قد يتعلق به من يُكَفِّر الحاكم بغير ما أنزل الله بإطلاق، فقد قال – رَحِمَهُ اللهُ –:

«شيخنا ووالدنا سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ كان شديدًا قويًا في إنكار المحدثات والبدع، وكلامه المذكور من أسهل ما كان يقول في القوانين الوضعية، وقد سمعناه في التقرير يُشَنِّع ويُشَدِّد على أهل البدع وما يَتَّبِعون فيه مِنْ مخالفةٍ للشرع، ومِنْ وَضْعِهِم أحكامًا وسننًا يضاهئون بها حكم الله تعالى، ويبرأ من أفعالهم، ويحكم بردتهم وخروجهم من الإسلام؛ حيث طعنوا في الشرع، وعطلوا حدوده، واعتقدوها وحشية: كالقصاص في القتلى، والقطع في السرقة، ورجم الزاني، وفي إباحتهم للزنى إذا كان برضا الطرفين، ونحو ذلك، وكثيرًا ما يتعرض لذلك في دروس الفقه والعقيدة والتوحيد.

ولا أَذْكُر أنه تراجع عن ذلك، ولا أن له كلامًا يبرر فيه الحكم بغير ما أنزل الله تعالى، أو يُسَهِّل في التحاكم إلى الطواغيت، الذين يحكمون بغير ما أنزل الله، وقد عَدَّهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب – رَحِمَهُ اللهُ – من رؤوس الطواغيت، فمن نقل عني أنه رجع – رَحِمَهُ اللهُ – عن كلامه المذكور؛ فقد أخطأ في النقل، والمرجع في مثل هذا إلى النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، وكلام أجلة العلماء عليها، كما في كتاب التوحيد باب قول الله تعالى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ] {النساء:60}، وشروحه لأئمة الدعوة -رحمهم الله-تعالى وغيره من المؤلفات الصريحة، والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم» اهـ.([251])

فالمتأملُ لكلامه – رَحِمَهُ اللهُ – يدركُ أنَّ جريمةَ هؤلاء الحكَّام الذين قصدهم الشيخُ ابنُ إبراهيم – رَحِمَهُ اللهُ – بالتكفير والردّة لم تقتصرْ على مجرد ترك الحكمِ بالشَّريعة، مع الحكم بغيرها دونَ طعنٍ بها، أو تنقُّصٍ منهم لها، أو اعتقادٍ بحل مثله لهم، أو جوازه، أو تبريرٍ للحكم بغيرها بما يقتضي رمْيه للشريعة بالنقص وعدم الصلاحية في هذا الزمان، ومعلوم أنَّ هذا الصّنف لا يُتردَّدُ في كفرهم وردَّتهم أحد من أهل العلم من قبل ومن بعد من حيث الإطلاق والعموم لا التعيين، ولكن بعد استيفاء الشروط وانتقاء الموانع إذا كنا في مقام الحكم بالكفر على المعين، أو فلان من الناس.

3 – وقد فصَّل الدُّكتور عبدُ الرَّحمن بنُ معلا اللويحق -حفظه الله- في رسالته «الغلو في الدين» – الأنواع السِّتة من الحكم بغير ما أنزل الله، التي ذكرها الشيخُ محمدُ بنُ إبراهيم – رَحِمَهُ اللهُ – في رسالته «تحكيم القوانين»؛ فقال:

«الذي يظهر- واللهُ أعلم- أنه- رَحِمَهُ اللهُ – أوردَ الأنواعَ الأربعةَ الأولى على أنها ضوابط لتكفير (المعيّن) من الحكَّام، ولذلك جعلَ الكلامَ متعلقًا بعيْن الحاكم؛ فقال: «أن يجحد»، «أن يعتقد»… إلخ.

وأما النَّوعان الأخيران- [السُّلُوم، والدساتير الوضعية]- فقصد بهما تكفير (النوع)، ولذلك جعلَ الكلام عن الفعل، لا عن الفاعل، وعليه؛ فلا بدَّ في تكفير المعيَّن الدَّاخل تحتَ أيٍّ من النَّوعين الأخيرين من الرجوع إلى الضوابطِ الأربعة الأولى» اهـ.. ([252])

ويؤكدُ ما قاله الدّكتورُ اللويحق – حفظه الله – وصفُ الشَّيخِ ابنِ إبراهيم – رَحِمَهُ اللهُ – للتقنين بأنه طريقٌ إلى الكفر، كما في «فتاويه» ([253])، حيث قال: «الحكومة السعودية – أيَّدها اللهُ بتوفيقه ورعايته – لا تحتكم إلى قانونٍ وضعيٍّ مطلقًا، وإنما محاكمُها قائمةٌ على تحكيمِ شريعة الله تعالى أو سُنة رسوله – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أو انعقد على القول به إجماعُ الأُمة؛ إذ الاحتكام إلى غيرِ ما أنزلَ اللهُ طريقٌ إلى الكفر والظلم والفسوق». اهـ

ولا شك أن الكبيرة بريد الكفر، وشيئًا فشيئًا يستدرج الشيطان العصاة؛ فينقلهم من الكفر العملي أو من المعاصي الكبيرة إلى الكفر الأكبر، إلا من – رَحِمَهُ اللهُ -، ويسّر له من يأخذ بيده إلى التوبة الصادقة، وانشراح الصدر بالحق، والثبات عليه.

فحاصل ما سبق: أن مذهب سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم – رَحِمَهُ اللهُ – أنَّه يرى كفر الحاكم بالقوانين الوضعية، بشرط استبدال الحكم بالشريعة في جميع شؤون الدولة وليس في مرة دون أخرى، إما باعتقاد، أو يجعلها مرجعًا عامًا لفضِّ النزاع.

وهذا يؤيده كلامُ الشيخ محمد بن إبراهيم في موضع آخر، حيث يقول – رَحِمَهُ اللهُ تعالى-:

«القوانين كُفر ناقل عن الملَّة: اعتقاد أنها حاكمة وسائغة، وبعضهم يراها أعظم؛ فهؤلاء نقضوا شهادة أن محمدًا رسول الله، ولا إله إلَاّ الله أيضًا نقضوها؛ فإن من شهادة أن لا إله إلَاّ الله: لا مُطَاعَ غير الله، كما أنهم نقضوها بعبادة غير الله.

وأما الذي قيل فيه: كفر دون كفر، إذا حاكَمَ إلى غير الله، مع اعتقاد أنه عاصٍ، وأن حكم الله هو الحق، فهذا الذي يصدر منه المرة ونحوها.

أما الذي جعل قوانين بترتيب وتخضيع؛ فهو كفر وإن قالوا: أخطأنا، وحُكْمُ الشرع أَعْدَلُ.

فَفَرْقٌ بين المقرِّر والمثبِت والمرجِع، جعلوه هو المرجع. فهذا كفر ناقل عن الملَّة (تقرير)». اهـ([254])

وقد علَّق على هذا النقل فضيلةُ الشيخ الفوزان – حفظه الله – فقال:

«فَفَرَّقَ – رَحِمَهُ اللهُ – بين الحكم الجزئي الذي لا يتكرر، وبين الحكم العام الذي هو المرجع في جميع الأحكام أو غالبها، وقرر أن هذا الكفر ناقل عن الملة مطلقَا، وذلك لأن من نَحَّى الشريعة الإسلامية، وجعل القانون الوضعي بديلًا منها؛ فهذا دليل على أنه يرى أن القانون أحسن وأصلح من الشريعة، وهذا لا شك أنه كُفْر أكبر، يُخْرج من الملة، ويناقض التوحيد». اهـ([255])

وقد ذكر فضيلة الشيخ صالح آل الشيخ – حفظه الله – ما يلي في كتاب «التمهيد بشرح كتاب التوحيد:

«والقول الأول: مِنْ أنَّ الذي يَحْكُم دائما بغير شرع الله، ويُلْزِم الناسَ بغير شرع الله، أنه كافر؛ هو الصحيح عندي، وهو قول الجَدِّ: الشيخ محمد بن إبراهيم – رَحِمَهُ اللهُ – في رسالة «تحكيم القوانين»؛ لأنه لا يَصْدُر في الواقع من قَلْبٍ قد كفر بالطاغوت، بل لا يَصْدُر إلا ممن عَظَّم القانون، وعَظَّم الحكم بالقانون». اهـ([256])

فدلَّ هذا على أن سماحة الشيخ ابن إبراهيم – رَحِمَهُ اللهُ – يرى أن تنحية الشريعة، واستبدالها بالقوانين الوضعية، وجعلها مرجعا عاما عند التنازع كل ذلك يدل على أن فاعل ذلك قد استحلَّ الحكم بها، وأنه مفضِّل له على شرع الله، ومُتَّهم لشرع الله بالقصور وعدم الصلاحية للمرجعية عند التحاكم في هذا الزمان، وكل ذلك ونحوه يدل على أن مناط التكفير هو الاستحلال وما يدل عليه، سواء كان الاستحلال ونحوه صريحا بالقول، أو مُسْتَنْبَطا من القرائن الدالة عليه، ومن ذلك -عند سماحته-: جعْل القانون عاما في البلاد، ومرجعا عند التنازع، وفتح المحاكم التي تقضي بذلك،… ونحو هذا.

وعلى ذلك فيكون البحث بعد ذلك في مسألة: هل يثبت الاستحلال المكَفِّر بمجرد الفعل والإصرار عليه، وتعميمه في البلاد، أم لابد من التصريح بالحل، وهذا ما سيأتي البحث فيه -إن شاء الله تعالى- في (خامسًا) و(سادسًا) و(سابعًا).

رابعًا: وعلى تقدير أن سماحة الشيخ ابن إبراهيم – رَحِمَهُ اللهُ – يرى كفر من حكم بالقوانين الوضعية بإطلاق، ودون تفصيل؛ فكون القائلين بكفر الحاكم بالقوانين الوضعية مطلقا وبدون تفصيل يستشهدون بظاهر كلام سماحة الشيخ ابن ابراهيم – رَحِمَهُ اللهُ – لا يجعل هذا الكلام حقا بذاته، بل لابد من موافقته للأدلة النقلية والقواعد الشرعية عند أهل العلم سلفا وخلفا في هذا الموضع الشائك؛ وعلى ذلك فلا مُسْتَمْسَكَ لهم فيه، فكل عالم يُؤخَذ من كلامه الحقُّ، ويُرد من كلامه ما خالف الحق، بعد إظهار أنه خالف الحق، خاصة إذا علمنا أن هذا الإطلاق منه – رَحِمَهُ اللهُ – خالف فيه قول أهل العلم بمراعاة التفصيل في حال الحاكم بغير ما أنزل الله، ولا سيما أن له نفسه – رَحِمَهُ اللهُ – موضعا آخر في «فتاواه» يصرح بضرورة الاستحلال في تكفير من حكم بغير ما أنزل الله، وحكم بالقوانين!!

وهذا ما أجاب به أَعْلَم طلابه به: وهو سماحة الشيخ ابن باز – رَحِمَهُ اللهُ -، حيث قال في سياق الجواب على من استدل بذلك: «محمد بن إبراهيم ليس بمعصوم، فهو عالم من العلماء، يخطئ ويصيب، وليس بنبي ولا رسول، وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن كثير، وغيرهم من العلماء، كلهم يخطئ ويصيب، ويؤخذ من قولهم ما وافق الحق، وما خالف الحق يرد على فاعله..» اهـ([257]).

✍ قلت: وأما من لم يقبل نسبة كلام سماحة الشيخ ابن باز – رَحِمَهُ اللهُ – هذا إليه بحجة أن هذا في شريط، وليس في كتاب؛ فالاحتجاج بهذا غير وجيه؛ لأن كلام الرجل المكتوب والمسجَّل كليهما من كلامه، ويصح نسبته إليه، نعم: الكلام في الكتاب أكثر تحريرا ودقة مما هو في الشريط، لكن هذا نذهب إليه إذا كان لسماحته كلام صريح بخلافه، أما وكلامه الصريح – كما سيأتي – يؤيد هذا ويقرره؛ فلا، لاسيما وفيه إصرار الشيخ على هذا القول مع إلحاح المناقشين له عليه بالقول الآخر، والله أعلم.

خامسًا: مدار فتاوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم – رَحِمَهُ اللهُ – راجع إلى الاستحلال، والاستحلالُ يُعرف عنده – رَحِمَهُ اللهُ – بصورتين:

بالتصريح، وهذا لا شك في كفر صاحبه.

وبتعميم القوانين والمحاكم، وهذا وإن كان محتملًا للاستحلال – بل قد يكون ظاهرا في الغالب من حال من أدخل القوانين، والقضاة الذين يحكمون بها في المحاكم، وما يتبع ذلك من مراجع وملفَّات وكليات وجامعات تدرّس ذلك، فيما يَظْهَر- إلا أن التكفير بأمر فيه احتمال – وإن قَلَّ – لا يجوز أن نحوم حوله، وقد سبق التنبيه على هذا.

سادسًا: مجرد تعميم القوانين المخالفة لا يلزم منه الاستحلال المُكَفِّر مطلقا، كمن يتوغل في المعاصي مِن شرب الخمر والزنا والسرقة للبنوك والشركات الكبرى، والتجارة في المخدرات والمسكرات وتهريبها من حرس الحدود في عدة دول، والانضمام إلى عصابات تخطط لذلك الشهور الطويلة، فالظاهر من حالهم الاستحلال العملي، لكنهم لا يُكَفَّرون إلا بالتصريح، كما في قطاع الطريق وعصابات القتل والسطو والتجارة في المخدرات والمسكرات، والتخطيط لباطلهم واستمرارهم على ذلك الشهور الطوال، والفرح والسعادة بنجاح مخططاتهم الإجرامية، والتعاسة والحزن العميق بفشل مخططاتهم وانكشافها عند الجهات الأمنية، والحيلولة بينهم وبين مرادهم، لكن عند سؤالهم يظهر منهم عدم الاستحلال، وإن كان حالهم لا يكاد يشك المرء في استحلالهم العملي لما يفعلون، وأنهم كاذبون في ادعائهم أن حكم الله هو الحق، وما دونه باطل، وأنهم بفعلهم هذا عصاة مُعَرَّضون للوعيد في الدنيا والآخرة، إلا أنه لا تكفير مع الاحتمال!!

سابعًا: فتح باب التكفير والحكم بالردة على مجرد بناء المحاكم، وتدريس القانون في المدارس والجامعات تكفير باللازم، وأنه يلزم من فعلهم هذا الاستحلال، وفيه ما فيه كما ذكرت بعض الأمثلة وإن لم تكن على صورة التعميم والإلزام.

ثامنًا: التفرقة في التكفير وعدمه بكون الحكم إذا كان في غالب المسائل بغير شرع الله؛ فهو كفر أكبر، وإذا كان جزئيا؛ فهو معصية: تفصيل لا دليل عليه إلا مجرد أن الحكم الأغلبي أظهر في الاستحلال العملي من الحكم الجزئي – وقد سبق أن الاستحلال المكفّر هو الاستحلال الصريح بالعقل لا المستنبط – وإلا فما كان كفرا فهو كفر ولو بمرة واحدة، وما كان معصية فهو معصية، وإن تكرر، والله أعلم.

تاسعًا: القول بأن من حَكّم القوانين فهو كافر بذلك وإن اعترف أنه أخطأ أو عصى الله بذلك؛ كالذي يعبد غير الله، ويقول أنا أعترف بخطئي فإن هذا لا يمنع من تكفيره؛ لوقوعه في الشرك الأكبر، بعبادة غير الله!! هذا قياس مع الفارق، ولا حجة فيه؛ لأن الحكم بغير ما أنزل الله منه المكفِّر والمفسّق، والعلماء متفقون على أن القسم المكفِّر هو ما كان عن استحلال ونحوه بخلاف المفسّق، أما عبادة غير الله: كالسجود لمخلوق سجود عظيم وتذلُّل ورغبة ورهبة؛ فهذا شرك أكبر وإن قال: أنا أخطأتُ، ما لم يَتُبْ توبة نصوحا، فكيف يُقاس ما فيه قسِّمان: مكفِّر وغير مكفِّر على ما هو قسم واحد، وهو الكفر الأكبر؟! والقسم مع الفارق لا حجة فيه، والله أعلم.

عاشرًا: الاحتكام إلى السُّلُوم والأسلاف في القبائل إنما هو بصورة عامة ومُلْزمة لهم فيما بينهم، لكن عند سؤالهم: هل تحاكمهم إلى السلوم والأسلاف أفضل من حكم الله، أو غير ذلك من صور الاعتقاد الفاسد؛ ينكرون – في الغالب -الاستحلال والتفضيل ونحوهما، وإن كان المرء يشعر بأنهم ليسوا كما يقولون في بعض الحالات، والقرائن الأخرى التي تشير إلى عدم صدقهم في جوابهم؛ لكن لا تكفير للأعيان مع الاحتمال، وغاية أمرهم أنهم يصلون بحالهم هذا إلى حال المنافقين الذين ينزل القرآن بتكذيبهم في ادعاءاتهم وإظهارهم تعظيم أمر الله، ومع ذلك كان رسول الله – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمْ – والصحابة – رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ – يعاملونهم بحسب ظاهرهم الإسلامي – وإن كان فيه كثير من الارتياب، كما يدل عليه قوله-تبارك وتعالى-: [ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ] {المنافقون:1} فالقرآن يكذبهم في أهم قواعد الإسلام، ومع ذلك عُوملوا في الدنيا بالإسلام، – بل كانوا في ظن الناس أنهم من أصحابه – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمْ – كما في حديث: «كي لا يقول الناس: إن محمدا يقتل أصحابه» والنيات لا يعلم حقيقتها إلا الله، ونحن مأمورون أن نحكم على الناس بحسب الظاهر، والله يتولى السرائر.

عاشرًا: التكفير للحاكم تنبني عليه أحكام كثيرة عند الشباب المتهور، منها تكفير المجتمعات والأئمة بأعيانهم، ويتسع الأمر إلى أئمة المساجد، كما هو معروف عن جماعات التكفير.

والأمر إذا كان مع كونه احتمالًا ليس قطعيًا، ويؤدي إلى تلك المفاسد، واستحلال الدماء، وترك الصلاة في المساجد… إلى آخره، ومخالفته لتصريح علماء الأمة؛ فلا يُعَوَّل عليه.

ويُضَاف إلى ذلك: أن الحكم العام لا يُنَزَّل على المعين إلا بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، كما هو مقرر عند علماء السلف والخلف.

فلو سلمنا بأن الحكم بغير ما أنزلَ الله كُفر أكبر بإطلاق، دون الرجوع إلى تفصيل من فصَّل إلى أن يكون كفرا بالاعتقاد: (استحلال، أو تفضيل له على حكم الله، أو تجويز الحكم به، أو استهزاء بحكم الله، ورميه بالنقص والقصور وعدم صلاحيته لأهل هذا الزمان، أو لحصره في زمن الرسالة، أو المجتمعات البدَوية دون المدنية المتحضرة… إلخ) فهذا تكفير للفعل، أما تكفير الفاعل؛ فلابد فيه من إقامة الحجة، وإزالة الشبهة، ونحو ذلك مما يُعْرف عند العلماء بضرورة استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، وإذا کان كذلك؛ فلا يجوز لأحد أن يُطلق الحكم بتكفير من وقع في الكفر إلا بعد التحقق من ثبوت شروط الكفر في فلان بن فلان، وانتفاء الموانع عنه، لاسيما إذا كان سيترتب عليه خروج على الحكام، وفوضى عارمة في المجتمعات الإسلامية، وما يتبع ذلك من شرور لا آخر لها، والله المستعان!!

🕮 🕮 🕮

الشبهة الثامنة عشرة

  • استدل المخالف بكلام للشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي – رَحِمَهُ اللهُ –

فللعلامة محمد الأمين الشنقيطي – رَحِمَهُ اللهُ – تقريرات كثيرة في مواضع من كتبه، حول مسألة الحكم بالقوانين الوضعية بدل الشريعة الإسلامية، وللشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز السديس – حفظه الله – رسالة بعنوان: (الحـاكمية في تفسير أضواء البيان) ذكر فيها عددًا من هذه المواضع، ومن ذلك:

ما قال – رَحِمَهُ اللهُ – ضمن كلامه على قوله تعالى: [ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ] {الإسراء:9}ما نصه:-

«ومن هَدْي القرآن للتي هي أقوم: بيانُهُ أن كل من اتبع تشريعًا غير التشريع الذي جاء به سيد ولد آدم، محمد بن عبد الله -صلوات الله وسلامه عليه-؛ فاتباعه لذلك التشريع المخالف كُفْر بواح، مُخْرِج عن الملة الإسلامية…

والعجبُ ممن يُحَكِّم غير تشريع الله، ثم يَدَّعِي الإسلام؛ كما قال تعالى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ] {النساء:60}، وقال: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ] {المائدة:44}، وقال: [ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ] {الأنعام:114}».ا. هـ.

وقال – رَحِمَهُ اللهُ –: «… وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور: أن الذين يتبعون القوانين الوضعية، التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفةً لما شرعه الله – جل وعلا – على ألسنة رسله – صلى الله عليهم وسلم -، أنه لا يَشُكُّ في كفرهم وشِرْكهم إلا من طَمَسَ الله بصيرته، وأعماه عن نور الوحي مثلهم».

إلى أن قال– رَحِمَهُ اللهُ –: «وأما النظام الشرعي المخالف لتشريع خالق السموات والأرض؛ فتحكيمه كُفر بخالق السموات والأرض، كدعوى: أن تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث ليس بإنصاف، وأنهما يلزم استواؤهما في الميراث، وكدعوى: أن تعدد الزوجات ظلم، وأن الطلاق ظلم للمرأة، وأن الرجْم والقَطْع ونحوهما أعمال وحشية، لا يسوغ فعلها بالإنسان، ونحو ذلك.

فتحكيم هذا النوع من النظام في أنفس المجتمع وأموالهم وأعراضهم وأنسابهم وعقولهم وأديانهم: كُفْرٌ بخالق السموات والأرض، وتَمَرُّدٌ على نظام السماء، الذي وضعه مَنْ خَلَقَ الخلائق كلَّها، وهو أعلم بمصالحها – سبحانه وتعالى – عن أن يكون معه مُشَرِّعٌ آخر عُلُوًّا كبيرا [ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ] {الشورى:21}، [ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ] {يونس:59}.

[ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ] {النحل:116}، وقد قدمنا جملة وافية من هذا النوع في سورة «بني إسرائيل» في الكلام على قوله تعالى: [ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ…] {الإسراء:9}. الآية». اهـ

* الجواب:

أولًا: أن المتتبع لكلام العلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رَحِمَهُ اللهُ – الذي ذكرناه عنه وغيره: يجد أن مناط التكفير عنده: هو الاستحلال، أو التفضيل، أو غير ذلك مما يتعلق باعتقاد الباطل المكفرِّ، ومن ذلك السخرية بشرع الله، أو ازدراؤه، والطعن فيه، وهذا لا نزاع في كفر من تلبَّس به، ففي قوله- رَحِمَهُ اللهُ -: «ويُفهم من هذه الآياتِ كقوله: [ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ] {الكهف:26} أنَّ (متَّبعي) أحكام المشرِّعين غيرَ ما شرعَه اللهُ أنهم مشركونَ بالله، وهذا المفهومُ جاء مبينًا في آياتٍ أُخر، كقوله: فيمن اتَّبع تشريعَ الشيطانِ في (إباحة) الميتةِ بدعوى أنها ذبيحةُ الله: [ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ] {الأنعام:121} فصرَّح بأنهم مشركونَ بطاعتهم، وهذا الإشراكُ في الطاعة، واتباعُ التشريع المخالف لما شرعه اللهُ تعالى- هو المرادُ بعبادةِ الشيطان في قولِه تعالى: [ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ] {يس:60-61}. وقد بيَّن النَّبيُّ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هذا لعدي بنِ حاتم- رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- لما سأله عن قوله تعالى: [ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ…] {التوبة:31}، فبيَّن له أنهم (أحلّوا) لهم ما حرمَ الله، و(حرَّموا) عليهم ما أحلَّ الله، فاتبعوهم في ذلك، وأنّ (ذلك) هو اتخاذُهم إياهم أربابًا…» اهـ..

فقد وضَّح – رَحِمَهُ اللهُ – في كلامِه هذا: أنَّ الاتباعَ المُكفِّر هو اتباعُ هذه القوانين المتضمِّنُ اعتقادَهُم للتحليلِ والتَّحريم المصادِمَيْنِ لحكم الله – جل ثناؤه -؛ لأنه إشراكٌ في طاعة الله، مرادفٌ لعبادةِ الشيطان، لا مجرد اتباعِ الشيطانِ المبنيّ على التشهي والهوى، ويؤكده: ما قاله بعد ذلك، حيثُ ذكرَ العلامة الشنقيطيُّ – رَحِمَهُ اللهُ – فيه أمثلةً لهذا النوعِ من القوانينِ الوضعيةِ التي يكفرُ الحاكمُ بتحكيمها، فقال- رَحِمَهُ اللهُ -:

«… وأما النظامُ الشرعيُّ المخالفُ لتشريعِ خالقِ السماواتِ والأرض؛ فتحكيمُه كفرٌ بخالقِ السماوات والأرض؛ (كدعوى) أنَّ تفضيلَ الذَّكرِ على الأنثى في الميراث ليس بإنصاف، وأنهما يلزم استواؤهما في الميراث، وكدعوى أنَّ تعدَّد الزوجاتِ ظلم، وأنَّ الطَّلاق ظلمٌ للمرأة، وأنَّ الرَّجم والقطعَ ونحوَهما أعمالٌ وحشيةٌ؛ لا يسوغُ فعلُها بالإنسان، ونحو ذلك.

فتحكيمُ هذا النوعِ من النظام في أنفُسِ المجتمع وأموالهم وأعراضِهم وأنسابهم وعقولهم وأديانهم كفرٌ بخالق السماوات والأرض، وتمردٌ على نظام السماء، الذي وضعه مَن خَلَقَ الخلائق كلها…[ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ] {الشورى:21}..». انتهى.

ثانيًا: لم ينتصرْ العلامةُ الشنقيطيُّ – رَحِمَهُ اللهُ – لمسألةِ التَّفريقِ بينَ الحكمِ بغيرِ ما أنزلَ اللهُ في المسألةِ المعيَّنة أو الحكم الجزئي وبين الحكمِ العام، وبالرِّجوع إلى كلامِه- رَحِمَهُ اللهُ -؛ نلاحظُ أنّ مناطَ الكفرِ الأكبرِ عندهُ في مسألةِ الحكم بغير ما أنزل الله لا يخلو من ثلاث حالات:

(الأولى): إذا كان حكمُه بغيرِ ما أنزل الله- تعالى- مستحلًا له، أو قاصدًا به جحدَ أحكام الله وردَّها مع العلم بها، وأما مَن فعلَ ذلك، وهو معتقدٌ أنه مرتكبٌ المحرَّم؛ فهو مِن فُسَّاق المسلمين، وأمرُه إلى الله تعالى: إنْ شاءَ عذَّبه، وإنْ شاءَ غفرَ له.

(الثانية): إن حكمَ بما عنده- أي دونَ تفريقٍ من العلامة الشنقيطيّ بينَ الحكم بغير ما أنزل الله في المسألةِ المعينة والتقنينِ العام – على أنه مِن عند الله؛ فهو تبديلٌ له يوجبُ الكفر؛ لأنَّه بذلك يكون مُفتريًا على الله الكذب، بإضافته للشريعة ما ليس منها، وإنكاره ما هو منها؛ ودليلُ هاتين الحالتين من كلامه – رَحِمَهُ اللهُ -:

ما نقله العلامة الشنقيطيُّ من كلامٍ للإمام القرطبيِّ – رَحِمَهُمَا اللهُ – وارتضاه، كما في «أضواء البيان». فقد قال – رَحِمَهُ اللهُ -: «وقال القرطبيُّ في تفسيره…: فالآية عامةٌ على هذا، قال ابنُ مسعود والحسن: هي عامة في (كلِّ) (مَن) لم يحكمْ بما أنزلَ اللهُ منَ المسلمين واليهود والكفَّار، أي معتقدًا ذلك، و(مستحلًا) له، فأمَّا مَن فعل ذلك، وهو معتقدٌ أنه مرتكبٌ المحرم؛ فهو من فسَّاق المسلمين، وأمره إلى الله تعالى: إنْ شاءَ عذَّبه، وإنْ شاءَ غفرَ له… وهذا يختلف؛ إن حكمَ بما عنده على أنه من عند الله؛ فهو (تبديل) له يوجب الكفر، وإن حكم به هوىً ومعصيةً؛ فهو ذنبٌ تدركهُ المغفرةُ على أصل أهل السُّنة في الغفران للمذنبين…» اهـ.([258])

وهذا التفصيل منه – رَحِمَهُ اللهُ – عينُ ما قرَّره الأئمةُ الأعلام مِن قبله ومِن بعدِه، وهو الذي أقول به.

(الحالة الثالثة): إذا حكمَ بالقوانين الوضعيَّة وهو يعتقدُ أنها (مثلُ) الشريعة أو (خيرٌ) منها، كما نصَّ عليه العلامة الشنقيطيُّ – رَحِمَهُ اللهُ – في قوله:

«الدِّين هو ما شرعه الله، فكلُّ تشريعٍ من غيره باطل، والعمل به (بدل) تشريع الله عند من يعتقد أنه (مثلُه) أو (خيرٌ) منه؛ كفرٌ بواح لا نزاع فيه…»اهـ.([259]).

فلم يكتفِ الشيخُ – رَحِمَهُ اللهُ – هنا بمجردِ وجود التشريعِ البشري مناطًا للتكفير، إنما اشترط معَهُ ما يلزم للتكفير بالحكم في المسألة المعينة.

ثالثًا: قال الشيخ عبد العزيز بن صالح بن إبراهيم الطويان – حفظه الله – في كتابه «جهود الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في تقرير عقيدة السلف»:

«وليس موقف الشيخ – رَحِمَهُ اللهُ – هذا على إطلاقه، بل نراه يبيّن في موضع آخر متى يكون الحكم بغير ما أنزل الله كفرًا مخرجًا عن الملة، ومتى يكون صاحبه مرتكبًا ذنبًا محرمًا لا يخرجه من دائرة الإسلام، فيقول – رَحِمَهُ اللهُ -: «إن الكفر والظلم والفسق، كل واحد منها أُطلق في الشرع مرادًا به المعصية تارة، والكفر المخرج من الملة أخرى: –

[ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ]؛ معارَضَةً للرسل، وإبطالًا لأحكام الله؛ فظلمه وفسقه وكفره كلها مخرج عن الملة.

[ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ]؛ معتقدًا أنه مرتكب حرامًا، فاعل قبيحًا؛ فكفره وظلمه وفسقه غير مخرجٍ من الملة». ([260])

قال– حفظه الله –: ورَأْيُ الشيخ – رَحِمَهُ اللهُ – هذا هو رأْيُ الأئمة الأعلام قبله، من أمثال الإمام ابن القيم – رَحِمَهُ اللهُ – الذي قال: «إنّ الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكُفْرَيْن: الأصغر والأكبر بحسب حال الحاكم: فإنه إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة، وعَدَلَ عنه عصيانًا مع اعترافه بأنه مستحقّ للعقوبة؛ فهذا كُفر أصغر.

وإن اعتقد أنه غير واجب، وأنه مُخَيَّر فيه، مع تيقنه أنه حكم الله؛ فهذا كُفر أكبر، وإنْ جَهِلَه وأخطأه؛ فهذا مخطئ له حُكْم المخطئين». ([261])

وبهذا التفصيل الدقيق من ابن القيم – رَحِمَهُ اللهُ – في هذه المسألة؛ ندرك مدى توافق عقيدة الشيخ الأمين – رَحِمَهُ اللهُ – مع عقيدة السلف قبله، وتتضح جهوده – رَحِمَهُ اللهُ – في تقرير عقيدة السلف والسير على منهجهم واتباع طريقهم». اهـ([262])

فإن قيل: إن كلام العلامة الشيخ الشنقيطي – رَحِمَهُ اللهُ – عام في تكفير من حكم بغير ما أنزل الله: أي سواء استحل، أو جحد، أو فضَّل، أو ساوَى، أو استهزأ، أو لم يعتقد ذلك، بل بمجرد أنه حَكَم بغير ما أنزل الله فقط، أو عَمَّم الحكم بغير ما أنزل الله في المحاكم، ويكون بذلك -فقط- كافرا كفرا مخرجا من الملة، دون النظر إلى معتقده!!

فالجواب: أن في كلامه – رَحِمَهُ اللهُ – التصريح بما يردُّ ذلك، كما سبق.

ولو سلَّمنا بما تقولون: فقوله – رَحِمَهُ اللهُ – غايته أن يكون مثل كلام سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم – رَحِمَهُ اللهُ – في رسالة «تحكيم القوانين الوضعية»؛ بخلاف ما في «فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم»، وقد سبق الجواب عليه بما لا حاجة إلى إعادته هنا.

وأيضًا: فأؤكِّد هنا على أن الحكم العام لا يُنَزَّل على الأعيان إلا بعد استيفاء شروطه في المعيَّن، وانتفاء موانعه عن المعيَّن، وهذا لا يكون إلا بإقامة الحجة، وإزالة الشبهات، فإذا لم يتيسر ذلك؛ فالواجب إنكار جنس المنكر، – دون تعيين الفرد بالحكم عليه بالكفر الأكبر -، وبيان المفاسد التي تترتب على هذا المنكر في الحكم بغير ما أنزل الله في البلاد والعباد في الدنيا والآخرة، لكن الـمُسْلم لا يُزال عنه إسلامه إلا بيقين؛ لأن اليقين لا يُزال بالشك أو مع الاحتمال، والله أعلم.

فإن قيل: إن هؤلاء الحكام قد يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، فيعترفون إذا سألهم العلماء بأن شرع الله هو الحق، وما دونه هو الباطل، وأن شرع الله صالح لكل زمان ومكان، وأن الحكم بغيره معصية، لكنهم في حقيقتهم لا يعترفون بهذا، والدليل على ذلك واقعهم في فتح المحاكم بالقانون الوضعي في جميع الأمصار؟!

فالجواب: هنا مسألتان، الأولى: أننا مأمورون شرعا بأن نحكم على الأعيان بالظاهر، ونكِل الباطن والسرائر إلى الله – جل شأنه – فهو – سبحانه وتعالى – الذي يعلم السرَّ وأخْفى، ومعلوم أن المنافقين نفاقا اعتقاديا كانوا يعُاملون في زمن النبوة بظاهرهم، وهو الحكم بإسلامهم، ومعاملتهم بحسب ما يُظْهِرون، لا ما يُبْطِنون، وغاية من نختلف معكم فيهم -وهم حكام المسلمين- أن يكونوا كذلك، وهذا ما لا نراه في كثير منهم، وأمر الجميع إلي الله تعالى – والواجب علينا في مثل هذه الفاجعة – وهى الحكم بغير ما أنزل الله أن نحذر الحاكم والمحكوم من عاقبة ذلك في الدنيا والآخرة، ونَكِل الحكم عليهم بأعيانهم إلى كبار أهل العلم والحلم والفهم.

الثانية: الاستدلال على أنهم يُبْطنون الاعتقادات الفاسدة، والتي توجب التكفير، لكونهم فتحوا أبواب المحاكم الوضعية غير الشرعية: استدلال بالقرائن التي لا تخلو من احتمال، لاسيما إذا كان تصريحهم بخلاف ذلك، والمنافقون كان القرآن يتنزل بتكذيبهم في ادعاءاتهم، وأن الله يشهد بكذبهم في دعاواهم الكاذبة، ومن ذلك قوله تعالى: [ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ] {المنافقون:1} فهذا تكذيب لهم في أصل الإسلام، ومع ذلك أخذ رسول الله – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمْ – بظاهر قولهم لا بما يسرُّون في بواطنهم، حتى بعدما أخبره جبريل – عَلَيْهِ السَّلَامُ – بأسماء المنافقين، وأخبر بهم – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمْ – حذيفة بن اليمان –رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وكان يُصَلِّي على من مات منهم، بل من رؤسائهم، ولم يقتل أحدهم لنفاقه؛ كي لا يقول الناس: إن محمدا يقتلُ أصحابه!!

فليس من قواعد الشريعة وأدلتها: الأخذ بالقرائن التي تخالف تصريحهم بأن ما جاء من حكم الله هو الحق، وإن كانت النفس لا تطمئن إلى كثير من هذه الادعاءات، نعم يجب الحذر منهم ومن خداعهم؛ أما مراعاة الباطن –الذي لا يعلمه إلا الله- وإهمال الظاهر؛ فمخالف للقواعد القطعية والسيرة العملية، والله أعلم.

🕮 🕮 🕮

الشبهة التاسعة عشرة

  • الاستدلال من المخالفين بكلام سماحة الشيخ ابن باز – رَحِمَهُ اللهُ – في «نقد القومية العربية» على تكفير الحكام بغير ما أنزل الله، وذلك بما قال سماحته- رَحِمَهُ اللهُ – في «نقد القومية العربية»:

حيث قال: «الوجه الرابع: من الوجوه الدالة على بطلان الدعوة إلى القومية العربية أن يقال: إن الدعوة إليها والتكتل حول رايتها، يُفْضِي بالمجتمع ولا بد إلى رَفْض حكم القرآن؛ لأن القوميين غير المسلمين لن يرضوا تحكيم القرآن؛ فيوجب ذلك لزعماء القومية أن يتخذوا أحكامًا وَضْعِيَّةً تخالف حُكْم القرآن، حتى يستوي مجتمع القومية في تلك الأحكام.

وقد صرَّح الكثير منهم بذلك كما سلف، وهذا هو الفساد العظيم، والكفر المستبين، والردة السافرة، كما قال تعالى: [ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ] {النساء:65}، وقال تعالى: [ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ] {المائدة:45}، وقال تعالى: [ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ] {المائدة:47}.

وكل دولة لا تَحْكُم بشرع الله، ولا تَنْصَاع لحكم الله؛ فهي: دولة جاهلية كافرة ظالمة فاسقة بنص هذه الآيات الـمُـحْكَمات، يجب على أهل الإسلام بُغْضُها ومعاداتُها في الله، وتَحْرُم عليهم مودتُها وموالاتُها؛ حتى تؤمن بالله وحدهُ، تحكِّم شريعته، كما قال – عَزَّ وَجَلَّ -: [ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ] {الممتحنة:4}«.([263])

وقال سماحته – رَحِمَهُ اللهُ -كما في رسالته «وجوب تحكيم شرع الله»([264]): «لا إيمان لمن اعتقد أن أحكام الناس وآراءهم خير من حكم الله ورسوله، أو تـُماثِلُها وتُشابِهُها، أو تَرَكَها وأحَلَّ مَحَلَّها الأحكامَ الوضعية، والأنظمة البشرية، وإن كان معتقدًا أن أحكام الله خَيْرٌ وأكمل وأعدل». اهـ

قالوا: تأمل كيف أنه – رَحِمَهُ اللهُ – اعتبر مجرد الترك، واستبدال الشريعة بالأحكام الوضعية كُفْرًا يَنْفِي الإيمان عن صاحبه..؟!

وقال سماحته – رَحِمَهُ اللهُ –: «فمن خضع لله –سبحانه-، وأطاعه، وتحاكم إلى وحيه؛ فهو العابد له، ومن خضع لغيره، وتحاكم إلى غير شرعه؛ فقد عَبَدَ الطاغوت، وانقاد له، كما قال تعالى [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ] {النساء:60}، والعبودية لله وحده، والبراء من عبادة الطاغوت، والتحاكم إليه: من مقتضى شهادة: أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله» ا هـ.([265])

* الجواب:

سبق بيان موقف سماحة الشيخ ابن باز – رَحِمَهُ اللهُ – في هذه المسألة، وكلامه هناك واضح بل صريح في أن الكفر الأكبر لمن حكم بغير ما أنزل الله-جل شأنه- إنما يكون بالاستحلال ونحوه من صور الكفر الأكبر المتفق عليها، وإليك مزيد بيان في ذلك:

1- فقد نَشَرَتْ جريدةُ «الشرق الأوسط» في عددها: (6156) وتاريخ 12/5/1416هـ لسماحة المفتي السابق للمملكة العربية السعودية – وهو سماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز – رَحِمَهُ اللهُ – مقالة قال فيها: «اطَّلَعْتُ على الجواب المفيد القيم، الذي تَفَضَّل به صاحب الفضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني -وفقه الله- المنشور في جريدة «الشرق الأوسط» وصحيفة «المسلمون» الذي أجاب به فضيلته من سأله عن تكفير من حكم بغير ما أنزل الله من غير تفصيل؛ فأَلْفَيْتُها كلمةً قيمةً، قد أصاب فيها الحق، وسلك فيها سبيل المؤمنين، وأوضح -وفقه الله- أنه لا يجوز لأحد من الناس أن يُكَفِّر مَنْ حَكَم بغير ما أنزل الله بمجرد الفعل من دون أن يعلم أنه استحل ذلك بقلبه، واحتجَّ – رَحِمَهُ اللهُ – بما جاء في ذلك عن ابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- وغيره من سلف الأمة، وقد سبق مفصَّلا.

ولا شك أن ما ذكره – أي الشيخ الألباني – رَحِمَهُ اللهُ – – في جوابه في تفسير قوله تعالى: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ] {المائدة:44}، [ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ] {المائدة:45}. [ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ] {المائدة:47}، هو الصواب، وقد أوضح -وفقه الله- أن الكفر كفران أكبر وأصغر، كما أن الظلم ظلمان، وهكذا الفسق فسقان: أكبر وأصغر، فمن استحل الحكم بغير ما أنزل الله، أو الزنا، أو الربا، أو غيرهما من المحرمات المجمع على تحريمها؛ فقد كَفَر كفرًا أكبر، ومن فَعَلَها بدون استحلالٍ؛ كان كفره كفرًا أصغر، وظلمه ظلمًا أصغر، وهكذا فسقه». اهـ.

2- ومن ذلك: ما جاء عن اللجنة الدائمة في فتواها رقم: (5741) برئاسته – رَحِمَهُ اللهُ – آنذاك، في الإجابة على السؤال الحادي عشر، ونصها كالآتي:

س: من لَمْ يحكم بِمَا أنزل الله، هل هو مسلم، أم كافر كفرًا أكبر، ولا تقبل منه أعماله؟

جـ: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه.. وبعد: قال تعالى: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ] {المائدة:44}. وقال تعالى: [ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ] {المائدة:45}. وقال تعالى: [ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ] {المائدة:47}، لكن إن استحل ذلك، واعتقده جائزًا؛ فهو كفر أكبر، وظلم أكبر، وفسق أكبر يخرج من الملة، أما إن فعل ذلك من أجل الرشوة أو مقصد آخر، وهو يعتقد تحريم ذلك؛ فإنه آثم، يعتبر كافرًا كفرًا أصغر، وفاسقًا فسقًا أصغر، لا يخرجه من الملة، كما أوضح ذلك أهل العلم في تفسير الآيات المذكورة.

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:

عضو نائب رئيس اللجنة الرئيس

عبد الله بن غديان عبد الرزاق عفيفي عبد العزيز بن عبد الله بن باز

3- وقال سماحة الشيخ الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز – رَحِمَهُ اللهُ -: «من حكم بغير ما أنزل الله: فلا يخرج عن أربعة أمور:

أ- من قال: أنا أحكم بِهَذا؛ لأنه أفضل من الشريعة الإسلامية؛ فهو كافر كفرًا أكبر.

ب- ومن قال: أنا أحكم بِهَذا؛ لأنه مِثْلُ الشريعة الإسلامية؛ فالحكم بِهذا جائز، وبالشريعة جائز؛ فهو كافر كفرًا أكبر.

ج- ومن قال: أنا أحكم بِهَذا، والحكم بالشريعة الإسلامية أفضل؛ لكن الحكم بغير ما أنزل الله جائز؛ فهو كافر كفرًا أكبر.

د- ومن قال: أنا أحكم بِهَذا، وهو يعتقد أن الحكم بغير ما أنزل الله لا يجوز، ويقول: الحكم بالشريعة الإسلامية أفضل، ولا يجوز الحكم بغيرها، ولكنه متساهل، أو يفعل هذا لأمر صادر من حكامه؛ فهو كافر كفرًا أصغر، لا يخرج من الملة، ويعتبر من أكبر الكبائر». اهـ([266])

4- وقال سماحته – رَحِمَهُ اللهُ -: «ومن يَدْرُس القوانين، أو يتولَّى تدريسَها؛ ليَحْكُم بِهَا؛ أو ليُعِينَ غيره على ذلك، مع إيْمانه بتحريم الحكم بغير ما أنزل الله، ولكن حَمَلَهُ الهوى، أو حُبُّ المال على ذلك؛ فأصحاب هذا القسم لا شك فُسَّاق، وفيهم كفر وظلم وفسق، لكنه كفر أصغر، وظلم أصغر، وفسق أصغر، ولا يخرجون به من دائرة الإسلام، وهذا القول هو المعروف بين أهل العلم… ومن يَدْرُس القوانين، أو يتولَّى تدريسَها مستحلاًّ للحكم بِهَا، سواء اعتقد أن الشريعة أفضل، أم لَمْ يعتقد ذلك؛ فهذا القسم كافر -بإجماع المسلمين- كفرًا أكبر؛ لأنه باستحلاله الحكم بالقوانين الوضعية المخالفة لشريعة الله يكون مُسْتَحِلاًّ لما عُلِم من الدين بالضرورة أنه مُحَرَّم؛ فيكون في حكم من اسْتَحَلَّ لما عُلِمَ من الدين بالضرورة أنه مُحَرَّم؛ فيكون في حكم من اسْتَحَلَّ الزنا والخمر ونحوهما؛ ولأنه بِهَذا الاسْتِحْلال يكون قد كَذَّب الله ورسوله، وعاند الكتاب والسنة، وقد أجمع علماء الإسلام على كفر من اسْتَحَلَّ ما حرمه الله، أو حَرَّم ما أحله الله مما هو معلوم من الدين بالضرورة». اهـ([267])

5- وسئل أيضًا – رَحِمَهُ اللهُ -: ما حكم سَنِّ القوانين الوضعية؟ وهل يجوز العمل بِهَا؟ وهل يكفر الحاكم بسنه لهذه القوانين؟

فقال: «إذا كان القانون يوافق الشرع؛ فلا بأس، إذا سَنَّ قانونًا في شأن الطريق، في شأن الشوارع، في غير ذلك من الأشياء التي تنفع الناس، وليس فيها مخالفة للشرع، ولكن لتنفيذ الأمور؛ فلا بأس بِهَا.

أما القوانين التي تخالف الشرع؛ فلا، إذا سن قانونًا معناه أنه لا حَدَّ على الزاني، ولا حَدَّ على السارق، ولا حَدَّ على شارب الخمر؛ فهذا باطل، وهذه القوانين باطلة، وإذا استحلها الوالي؛ كَفَر، إذا قال: إنَّهَا حلال، ولا بأس بِهَا؛ فهذا يكون كفرًا، من اسْتَحَلَّ ما حرم الله؛ كفر». اهـ([268])

6– وسئل أيضًا– رَحِمَهُ اللهُ -: هل يعتبر الحكام الذين يحكمون بغير ما أنزل الله كفارًا، وإذا قلنا: إنَّهُم مسلمون؛ فماذا نقول عن قوله تعالى: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ] {المائدة:44}؟

الجواب: «الحكام بغير ما أنزل الله أقسام، تختلف أحكامهم بحسب اعتقادهم وأعمالهم: فمن حكم بغير ما أنزل الله، يرى أن ذلك أحسن من شرع الله؛ فهو كافر عند جميع المسلمين، وهكذا من يُحَكِّم القوانين الوضعية بدلًا من شرع الله، ويرى أن ذلك جائز، ولو قال: إن تحكيم الشريعة أفضل؛ فهو كافر؛ لكونه استحل ما حرم الله.

أما من حكم بغير ما أنزل الله اتباعًا للهوى، أو لرشوة، أو لعداوة بينه وبين المحكوم عليه، أو لأسباب أخرى، وهو يعلم أنه عاصٍ لله بذلك، وأن الواجب عليه تحكيم شرع الله؛ فهذا يُعتبر من أهل المعاصي والكبائر، ويُعتبر قد أَتَى كفرًا أصغر، وظلمًا أصغر، وفسقًا أصغر، كما جاء هذا المعنى عن ابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- وعن طاوس وجماعة من السلف الصالح، وهو المعروف عند أهل العلم، والله ولي التوفيق». اهـ([269])

7- وسئل أيضًا– رَحِمَهُ اللهُ -: كثير من المسلمين يتساهلون في الحكم بغير شريعة الله، والبعض يعتقد أن ذلك التساهل لا يؤثر في تمسكه بالإسلام، والبعض الآخر يستحل الحكم بغير ما أنزل الله، ولا يبالي بما يترتب على ذلك، فما هو الحق في ذلك؟

الجواب: «هذا فيه تفصيل، وهو أن يقال: من حكم بغير ما أنزل الله، وهو يعلم أنه يجب عليه الحكم بما أنزل الله، وأنه خالف الشرع، ولكن استباح هذا الأمر، ورأَى أنه لا حرج عليه في ذلك، وأنه يجوز له أن يحكم بغير شريعة الله؛ فهو كافر كفرًا أكبر عند جميع العلماء، كالحكم بالقوانين الوضعية التي وضعها الرجال من النصارى أو اليهود أو غيرهم ممن زعم أنه يجوز الحكم بِهَا، أو زعم أنَّهَا أفضل من حكم الله، أو زعم أنَّهَا تُسَاوِي حكم الله، وأن الإنسان مُخَيَّر: إن شاء حَكَم بالقرآن والسنة، وإن شاء حَكَم بالقوانين الوضعية؛ من اعتقد هذا؛ كَفَر بإجماع العلماء كما تقدم.

أما من حكم بغير ما أنزل الله لهوى، أو لحظٍّ عاجل، وهو يعلم أنه عاص لله ولرسوله، وأنه فعل منكرًا عظيمًا، وأن الواجب عليه الحكم بشرع الله؛ فإنه لا يَكْفر بذلك الكفر الأكبر، لكنه قد أتى منكرًا عظيمًا، ومعصية كبيرة، وكفرًا أصغر، كما قال ذلك ابن عباس ومجاهد وغيرهما من أهل العلم، وقد ارتكب بذلك كفرًا دون كفر، وظلمًا دون ظلم، وفسقًا دون فسق، وليس هو الكفر الأكبر، وهذا قول أهل السنة والجماعة». اهـ ([270])

وقد كان سماحة الشيخ -رحمة الله عليه- يعتد بِهَذه الفتوى، وينافح عنها، ويرد فيها على المخالف، ينقض أدلته بكل قوة، كما في شريط «الدمعة البَازيَة» يقول مؤلف كتاب «الإبريزية» ([271]): «وقد كان الناس يحاورونه فيها محاورة شديدة، تُشْبِهُ المحاصَرَةَ من مجموعة كبيرة محترمة من أهل العلم والفضل في مسألة تكفير المعين، إذا حكم بغير ما أنزل الله تكفيرًا مطلقًا، فكان صامدًا في التمسك بمذهب السلف، والتشديد على من خالف، وكان يؤكد بأن التكفير لا يكون بمجرد المعصية والذنب، ما لَمْ يكن ثمة استحلالٌ ظاهر مُعْلَنٌ، وكان يقول: وخلاف هذا مذهب المبتدعة الخوارج».

8– وسئل أيضًا – رَحِمَهُ اللهُ –: هناك فتوى للشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ – رَحِمَهُ اللهُ – يستدل بِهَا أصحاب التكفير هؤلاء على أن الشيخ لا يُفَرِّق بين من حَكَم بغير شرع الله– عَزَّ وَجَلَّ -مستحلاًّ، ومن ليس كذلك، كما هو التفريق المعروف عند العلماء؟

الشيخ ابن باز– رَحِمَهُ اللهُ -: «هذا الأمر مُسْتَقِرٌّ عند العلماء كما قدمت: أن من استحل ذلك؛ فقد كفر، أما من لَمْ يستحل ذلك؛ كأن يحكم بالرشوة ونحوها؛ فهذا كفر دون كفر، أما إذا قامت دولة إسلامية لديها القدرة؛ فعليها أن تجاهد من لا يحكم بما أنزل الله حتى تلزمه بذلك.

ثم سئل– رَحِمَهُ اللهُ -: وهم يستدلون بفتوى الشيخ ابن إبراهيم؟

الشيخ ابن باز: محمد بن إبراهيم ليس بمعصوم، فهو عالم من العلماء، يخطئ ويصيب، وليس بنبي ولا رسول، وكذلك شيخ الإسلام بن تيمية وابن القيم وابن كثير، وغيرهم من العلماء، كلهم يخطئ ويصيب، ويُؤْخَذ من قولهم ما وافق الحق، وما خالف الحق يُرَدُّ على فاعله». اهـ([272]).

✍ قلت: وبهذا يظهر أن التفصيل هو قول سماحته – رَحِمَهُ اللهُ – وأنه لا يكفِّر من جلب القوانين الوضعية إلى المحاكم في بلاده، ما دام أنه لم يستحل ذلك، أو لم يُجوِّزْه، أو لم يتهم الشريعة بالقصور أو النقص… ونحو ذلك من الأمور الاعتقادية الزائغة، وإنما فعل ذلك لهوى، ويُلْحق بذلك من باب أوْلى: من يخضع- وإن كان من الصالحين- لضغوط داخلية: كمجلس النواب، أو مجلس الشعب، أو الشورى، أو أحزاب منحرفة تحوز ثقة جماهير الشعب الجاهل بأحكام الشريعة، ومن يخضع لضغوط خارجية دولية، وإلا هيَّجُوا عليه وعلى دولته من تحته ممن فيهم نفاق وهوى، أو حاصروه دوليا؛ حتى يجعل الله له وللمسلمين فرجا ومخرجا، والله أعلم.

✍ قلت: وفي بعض ما قاله سماحته – رَحِمَهُ اللهُ – في صور التكفير لمن حكم بغير ما أنزل الله، كقوله في سياق ذِكْرِه الصورَ المكفرة لمن حكم بغير ما أنزل الله أو تركها – يعني أحكام الشريعة – وأحلَّ محلَّها الأحكام الوضعية، والأنظمة البشرية، وإن كان معتقدا أن أحكام الله خيرٌ وأكملُ وأعدلُ.

فهذا الموضع ظاهر في تكفير من استبدل الحكم الإسلامي بالحكم الوضعي، لكن لعل سماحته يرى – في هذا الموضع – أن الاستبدال وحده دليل على وجود الاستحلال، فيكون مناط التكفير عنده لمن حكّم القوانين الوضعية: الاستحلال!!

لكن من المعلوم أن الاستحلال أمر قلبي، ولا نستطيع أن نجزم بوجوده – مع تصريح صاحبه بأنه غير مستحل- ومن ثم نحكم بكفره، وخروجه من دائرة الإسلام، وننسب هذا الحكم بهذا الاستنباط – إليه – رَحِمَهُ اللهُ – مع كثرة النصوص والمواقف السابقة عنه، في الإصرار على عدم تكفير الحكام الذين يحكمون بغير ما أنزل الله بإطلاق، ولكن لا بد من وجود الاستحلال ونحوه، وأن الاستحلال عند سماحته ليس بالفعل المخالف لكتاب الله -جل جلاله -ولكن بالتصريح والنطق، فقد سبق قريبا من كلام مؤلف «الإبريزية» «وكان يؤكد بأن التكفير لا يكون بمجرد المعصية والذنب، ما لم يكن ثمة استحلال ظاهر مُعْلَن، وكان يقول: وخلاف هذا مذهب المبتدعة الخوارج» اهـ.

بل سبق من كلام سماحته أن الاستحلال الفعلي لا يكْفُر به صاحبه، حتى يصرح بحلِّ ما حرَّم الله.

وأيضا: فأمر تكفير المسلم وإخراجه من الإسلام بعينه أمر عظيم، لا يتجرأ عليه عالم وَرِعٌ، لاسيما وأن هذا الحكم عليه فيه تكفيرٌ مع الاحتمال – وهو معيب – ويترتب عليه أحكام أخرى: كالسعي في عَزْلِهِ عن سدة الحكم، أو إبداله بغيره، وهذ لا يتم إلا بمحن وفتن لا يعلم عاقبتها إلا الله، فنسبة القول الصريح عن سماحته إليه أولى، لاسيما وهو – رَحِمَهُ اللهُ – ينسبه إلى أهل العلم والسنة من لدن الصحابة – رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ – إلى الآن، وهو الموافق للقواعد العامة، في عدم تكفير المعين بالاحتمال، لاسيما في حكم يترتب عليه أفهام فاسدة من المتهورين، وما تَبِعَ ذلك من دعوى الخروج والقتال وإراقة الدماء، وانتشار الفوضى في البلاد، فكيف يأخذ منصف بكلمة غير صريحة لسماحته، بل مخالفة للأكثر من فتاواه ومواقفه – رَحِمَهُ اللهُ – وإن كانت ظاهرة أو مستنبطة – ويدَع كل هذا الكلام وهذه المواقف الصلبة لسماحته، في باب تترتب من ورائه فتنه لا يُغطِّيها ذَيْلٌ، ولا يسْترها ليل؟ والله تعالى أعلم.

🕮 🕮 🕮

الشبهة العشرون

  • الاستدلال بكلام للعلامة ابن عثيمين – رَحِمَهُ اللهُ – في أن إلزام الحاكم للناس بالقوانين المخالفة للشريعة دليلٌ على الاستحلال.

ومما ورد من فتاويه – رَحِمَهُ اللهُ – في هذا المعنى:

  • حيث سئل – رَحِمَهُ اللهُ –: يقول أكثر أهل العلم: إن الحاكم بغير ما أنزل الله إذا كان لا يستحل الحكم بغير ما أنزل الله، ويعلم أن حكم الله خير من حكم غيره؛ فهو لا يكفر إلا بشرط الاستحلال.

فما هو الدليل على أنه لا يكفر إلا أن يكون مستحلًّا لذلك؟ وإذا كان الاستحلال لا يكون إلا في القلب باعتقاد الشيء حله من حرامه؛ فكيف لنا أن نعرف أن هذا مستحل أو غير ذلك؟ جزاكم الله خيرا!

* الجواب: «لا بد أن نعلم أولًا أن معنى تكفير الإنسان: نَقْلُهُ من الإسلام إلى الكفر، ويترتب على هذا أحكام عظيمة، من أهمها: استباحة دمه وماله، وهذا أمر عظيم، لا يجوز لنا أن نتهاون به، مثلًا: لو قلنا: هذا حلالٌ وهذا حرامٌ بغير علم أَهْوَنُ مما إذا قلنا: هذا كافر وهذا مسلم بغير علم.

ومن المعلوم أن التكفير والإسلام إنما هو إلى الله -تبارك وتعالى-، فإذا نظرنا إلى الأدلة وجدنا أن الله وصف الحاكمين بغير ما أنزل الله بثلاثة أوصاف؛ فقال: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ] {المائدة:44}، وقال: [ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ] {المائدة:45}، وقال: [ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ] {المائدة:47}، ووَصَفَ الحكم بغير ما أنزل الله بالجهل، فقال: [ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ] {المائدة:50}، فلابد أن نرى مـَخْرَجًا من هذه الأوصاف التي ظاهرها التعارض، ولا مـَخْرَج لنا في ذلك إلا أن تُطَبَّق على القواعد الشرعية.

فمثلًا: إذا جاءنا رجلٌ، ورفع الحكم الشرعي، وأَحَلَّ بَدَلَه قوانين تخالف ما أنزل الله على رسوله؛ فهذا لا شك أنه مستحل؛ لأنه رفع الحكم نهائيا، ووضع قانونًا مِن وضْعِهِ، أو مِن وَضْعِ من هو أسوأ حالًا منه؛ فهذا كافر؛ لأن رَفْعَهُ للأحكام الشرعية، ووَضْعَ القوانين بَدَلَها؛ يعني أنه استحل ذلك، لكن يبقى أن نقول: هل نكفر هذا الرجل بعينه، أو ننظر حتى تقوم عليه الحجة؟ لأنه قد يشتبه عليه مسائل الأمور الدنيوية من مسائل الأمور العقدية أو التعبدية، ولهذا تجده يحترم العبادة، ولم يُغَيِّر فيها: فلا يقول مثلًا: إن صلاة الظهر تأتي والناس في العمل؛ نؤجلها إلى العصر، أو صلاة العشاء تأتي والناس محتاجون إلى النوم، والعشاء نقدمها إلى المغرب مثلًا، يحترم هذا، لكن في الأمور الدنيوية ربما يتجاسر ويضع قوانين مخالفة للشرع.

فهذا من حيث هو كُفْر لا شك فيه؛ لأن هذا رَفَعَ الحكم الشرعي واسْتَبْدَل به غيره، ولكن لا بد أن نقيم عليه الحجة، وننظر لماذا فَعَلْتَ ذلك؟ قد يُلَبِّسُ عليه بعضُ العلماء، الذين هم علماء دولة، ويحرفون الكلم عن مواضعه من أجل إرضاء الحاكم، فيقولون مثلًا: إن مسائل الدنيا اقتصاديًا وزراعيًا وأخذًا وإعطاءً موكولٌ إلى البشر؛ لأن المصالح تختلف، ثم يُمَوِّهُون عليه بقوله – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أنتم أَعْلَمُ بأمور دنياكم»، وغالب الحكام الموجودين الآن جهلة، لا يعرفون شيئًا، فإذا أتى إنسانٌ كبيرُ العمامة، طويلُ الأذيال، واسعُ الأكمام، وقال له: هذا أمرٌ يرجع إلى المصالح، والمصالح تختلف بحسب الزمان والمكان والأحوال، والنبي – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – قال: «أنتم أَعْلَمُ بأمور دنياكم»، ولا بأس أن تُغَيِّرُوا القوانين، التي كانت مُقَنَّنةً في عهد الصحابة وفي وقتٍ مناسبٍ إلى قوانين توافق ما عليه الناس في هذا الوقت؛ فيحللون ما حرم الله، ويقولون مثلًا: الربا نوعان: ربا الاستثمار، وربا الاستغلال: فالأول جائز والثاني حرام، ثم يقولون: اكْتُبْ هذه المادة.

فيكون هذا جاهلًا، لكن إذا أقمنا عليه الحجة، وقلنا: هذا غلط، وهذا خطأ وتحريف من هذا العالم الذي غَرَّكَ، ثم أَصَرَّ على ما هو عليه؛ حينئذٍ نحكم بكفره ولا نبالي.

فالحاصل: أن العلماء -رحمهم الله- قسموا هذا التقسيم من أجل موافقة هذه النصوص المطلقة للقواعد الشرعية المعلومة». اهـ([273])

و مع ذلك فقد سئل– رَحِمَهُ اللهُ –: إذا حكم الحاكم بغير ما أنزل الله وهو يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله، وأنه أفضل وأحسن من غيره، وإنما حكم بغيره لهوى في نفسه، وتقليدا لمن سبقه من الحكام، فهل يكفر بذلك كفرا مخرجا من الملة؟

الجواب: «لا يكفر بهذا كفرا مخرجا من الملة، وإنما يكون عاصيا، جائرا في الحكم، وعليه إثم العصاة والجائرين في الحكم، ولا يخرج عن الإسلام.

وأما من حكم بغير ما أنزل الله معتقدا أن حكم غير الله كحكم الله، أو أحسن منه؛ فهذا هو الذي يَكْفُر.

ولهذا نرى أن الذين يضعون قوانين تخالف الشريعة؛ ليُحْكَم فيها بين عباد الله وفي عباد الله؛ نرى أنهم على خطر عظيم، سواء حكموا أو لم يحكموا، ونرى فرقا بين شخص يضع قانونًا يخالف الشريعة ليحكم الناس به، وشخص آخر يحكم في قضية معينة بغير ما أنزل الله؛ لأن من وضع قانونا ليسير الناس عليه، وهو يَعْلَم مخالفته للشريعة، ولكنه أراد أن يكون الناس عليه؛ فهذا كافر، ولكن من حكم في مسألة معينة، يعلم فيها حُكم الله، ولكن لهوى في نفسه؛ فهذا ظالم أو فاسق، وكفره إن وُصِفَ بالكفر، فكُفر دون كُفر». اهـ([274])

وقال – رَحِمَهُ اللهُ -: «… ومِن هؤلاء: مَن يضعون للناس تشريعات تخالف التشريعات الإسلامية، لتكون منهاجًا يسير الناس عليه، فإنهم لم يضعوا تلك التشريعات المخالفة للشريعة الإسلامية، إلا وهم يَعْتَقِدُون أنها أَصْلَحُ وأَنْفَعُ للخَلْق؛ إذْ من المعلوم بالضرورة العقلية، والجِبِلَّة الفطرية: أن الإنسان لا يَعْدِلُ عن منهاجٍ إلى منهاجٍ يخالفه؛ إلا وهو يعتقد فَضْلَ ما عَدَلَ إليه، ونَقْصَ ما عَدَلَ عنه» ([275]).

وقال – رَحِمَهُ اللهُ -: «لأن هذا المُشَرِّعَ تشريعًا يخالف الإسلام؛ إنما شَرَعَهُ لاعتقاده أنه أَصْلَحُ من الإسلام، وأَنْفَعُ للعباد».([276])

الجواب:

* وفي هذه الفتاوى أمور لا بد من التنبه لها:

1.أنه – رَحِمَهُ اللهُ – اسْـتَدَلَّ على كُفْـِر المُشَرِّع باللازم؛ أي باللازم العقلي والجِبِلِّي الفِطْري، أنه لا يشرِّع للناس إلا وهو يعتقد أن ما شرعه هو أحسن من غيره، وإن كان دين الإسلام، وتَقَـدَّمَ أن في هذا الاستدلال نظرًا.

2.أنه – رَحِمَهُ اللهُ – أَرْجَعَ التكفير في هذه الحالة للاعتقاد أيضًا، حيث قال: «… إلا وهم يعتقدون أنها أَصْلَحُ وأَنْفَعُ للخَلْقِ… «وهو يتفق مع ما قَرَّرْناه في حكم هذه الحالة، إلا أنه – رَحِمَهُ اللهُ – قد عَلَّق الكُفر في هذه الحالة باللازِم الفِعلي، الذي لا يَلْزم مخالفَهُ؛ فلْيَتَأَمَّل هذا الذين يتمسكون بكلامه – رَحِمَهُ اللهُ – في هذه المسألة، ومع ذلك فإنهم يرون أن الإرجاع للاعتقاد في هذه الصورة إرجاء وبدعة وضلالة!!

3.أنه – رَحِمَهُ اللهُ – لم يَلْتَزِم قولَه هذا، ولم يَسْتَعْمِل التكفيرَ باللازم في غير هذه المسألة، ولو كان التكفير باللازم حقًّا؛ لقَالَ به – أي في غير هذه المسألة، كالأمثلة السابقة -، ولقال به غيرُه من العلماء في جميع مسائل التكفير».([277])

– كأن يقول: الزاني مستحل بمجرد ارتكابه الزنا؛ ولولا أن الزاني يعتقد أن الزنى أَفْضَلُ من العَفافِ وأَصْلَحُ وأَنْفَعُ له -لاسيما الشاب الفقير الذي لا يَقْوَى على تكاليف الزواج الحلال-؛ لما زنى، وكذلك السارق الذي قد يحتاج إلى التخطيط أشْهُرًا -مع عصابة معه- لاقتحام بنك ونهْبه، وكذلك القاتل الذي قد يستغرق أشْهُرًا في التخطيط لمراقبة شخص ما لِقَتْلِهِ وأَخْذِ ماله، فهل يقال في هذا ونحوه: لولا أنه يعتقد حِلَّ ما أَقْدَمَ عليه من هذه الكبائر، وأنها أَنْفَعُ وأَصْلَحُ له من اجتنابها؛ لما أَقْدَمَ عليها؟! لو طَرَدْنا هذا القول في التكفير باللازم الذي لا يَلْزَم؛ لَزِمَنا القولُ بتكفير أصحاب الكبائر، وهذا قول الخوارج الضالين، والله أعلم -.

4 – أن الشيخ – رَحِمَهُ اللهُ – لم يحكم على أعيان الحكام في الدول الإسلامية بالكفر، وفرَّق بين النوع والعين، موضحًا أن أكثر هؤلاء الحكام جهلة، وأن الحاكم منهم قد يشتبه عليه مسائل الأمور الدنيوية من مسائل الأمور العقدية أو التعبدية، وقد يُلَبِّسُ عليه بعض العلماء الذين هم علماء دولة، ويحرفون له الكلم عن مواضعه من أجل إرضاء الحاكم، وغير ذلك مما يمنع من تعيينه بكفر، حتى تُقام عليه الحجة، وتُزال عنه الشبهة.

وبعد هذا نقول: لقد تراجع فضيلة الشيخ ابن عثيمين – رَحِمَهُ اللهُ – عن هذا الرأي، وأفتى بخلافه في آخر حياته، جوابًا على سؤالٍ سألتُه إياه.

الفتوى المتأخرة للشيخ ابن عثيمين – رَحِمَهُ اللهُ -:

وهو سؤال وجهتُه لفضيلة الشيخ – رَحِمَهُ اللهُ –، وأنا باليمن عبر الهاتف، وإليك صيغة السؤال والجواب:

أبو الحسن: الحمد لله، والصلاةُ والسلام على رسول الله، وأَشْهَدُ أن لا اله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، أما بعد؛ فهذا السؤال أُقَدِّمُهُ عَبْرَ الهاتف، وعَبْرَ تسجيله في الهاتف -أيضًا- لفضيلة الوالد الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين -حفظه الله-، ومَتَّعَ به، وجعل فيه وفي أمثاله العِوَضَ عن سماحة الوالد -أي: الشيخ ابن باز رحمة الله عليه-.

وهذا السؤالُ حول مسألةٍ كَثُر فيها النزاع بين طلبة العلم، وكَثُرَ فيها – أيضًا – الاستدلالُ ببعض كلماتٍ لفضيلة الوالد العلامة محمد بن صالح العثيمين -حفظه الله تعالى-

أولًا: أقول للشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وزادكم الله علمًا، ورفع قَدْرَكُم في الدنيا وفي الآخرة.

فضيلةَ الشيخ -سلمكم الله-: هنا كثير من طلبة العلم يدندنون حول الحاكم الذي يأتي بشريعة مخالفة لشريعة الله -عَزَّ وَجَلَّ-، ولا شك أنه يَأْمُر الناس بها، ويُلْزِمُهُم بها، وقد يعاقب المخالفَ لها، و يكافِئُ أو يجازي بالخير وبالعطاء المُلْتَزِمَ بها، وهذه الشريعة في كتاب الله -جل وعلا- وفي سنة نبيه -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- تعتبر مخالفةً ومصادمةً لنصوص الكتاب والسنة، فهذه الشريعة إذا أَلْزَمَ هذا الحاكمُ بها الناسَ، مع أنه يَعْتَرِف أن حكم الله هو الحق، وما دونه هو الباطل، وأن الحق ما جاء في الكتاب والسنة، ولكنه لشُبْهَةٍ أو لشَهْوَةٍ جرى منه إلزامُ الناس بهذه الشريعة، كما وقع مثل ذلك كثيرًا في بني أمية وفي بني العباس وفي أمراء الجور، الذين أَلْزَمُوا الناسَ بأمور لا تَخْفَى على مِثْلِكُم، بل لا تخفى على كثير من الناس، عندما ألزموا الناس بما لا يُرْضِي الله -عَزَّ وَجَلَّ- كالأمور الوراثية، وجعلوا الملك عاضًّا بينهم، كما أخبر النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وقَرَّبُوا شرارَ الناس، وأَبْعَدُوا خيارَهُم، وكان من يوافقهم على ما هم فيه من الباطل؛ قَرَّبُوه، ومن يَأْمُرُهُم ويَنْهَاُهم؛ ربما حاربوه.. إلى آخره.

فلو أن الحاكم في هذا الزمان فعل مثل هذه الشريعة؛ هل يكون كافرًا بهذه الشريعة إذا ألزم الناس بها؟ مع اعترافه أن هذا مخالف للكتاب والسنة، وأن الحق في الكتاب والسنة؛ هل يكون بمجرد فِعْلِهِ هذا كافرًا؟ أم لا بد أن يُنظر إلى اعتقاده في هذه المسألة؟ كمن – مثلًا – يلزم الناس بالربا، كمن يفتح البنوك الربوية في بلاده، ويأخذ من البنك الدولي – كما يقولون – قروضًا ربوية، ويحاول أن يُؤَقْلِمَ اقتصاد البلد على مثل هذا الشيء، ولو سـألتَهُ قـال: (الربـا حــرام، ولا يجـوز)، لكـنْ لأزْمَةٍ اقتصادية، أو لغير ذلك، يَعْتَذِر مِثْلَ هذه الاعتذارات، وقد تكون الاعتذارات مقبولةً، وقد لا تكون، فهل يَكْفُر بمثل ذلك؟ أم لا؟..

ومع العلم أن كثيرًا من الشباب ينقُلُون عن فضيلتكم أنكم تقولون أن من فَعَلَ ذلك يكون كافرًا، ونحن نلاحظ في بلاد الدنيا كلِّها أن هذا شيء موجود؛ بين مُقِلٍّ ومُسْتَكْثِرٍ، وبين مُصَرِّحٍ وغيرِ مُصَرِّحٍ، نسأل الله العفو والعافية.. نريد من فضيلتكم الجواب عن ذلك، عسى أن ينفع الله -سبحانه وتعالى- به طلاب العلم، وينفع الله -عَزَّ وَجَلَّ- به الدعاةَ إلى الله -عَزَّ وَجَلَّ-؛ لأنه لا يَخْفَى عليكم أن الخلاف كَمْ يُؤَثِّرُ في صفوف الدعوة إلى الله -عَزَّ وَجَلَّ-.

هذا؛ وإني لأَنْقُلُ لفضيلتكم محبـةَ أبنائكم وطلابكم طلبـة العلم في هذه البـلاد، ورَغْبَتَهُم أيضًا في سماع صوتكم، وتوجيهاتكم، ونصائحكم؛ سواء عبر الهاتف أو غير ذلك، والله -سبحانه وتعالى- المسؤول أن يَتَقَبَّل من الجميع صالح الأعمال.

مُقدّم هذا السؤال لفضيلتكم: ابنكم وطالبكم أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني من مأرب باليمن في يوم الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول، سنة ألف وأربعمائة وعشرين من الهجرة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

* الجواب:

الحمد لله رب العالمين، وأُصَلِّي وأُسَلِّم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تَبِعَهُم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

ففي هذا اليوم الثلاثاء، الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول عام عشرين وأربعمائة وألف، استمعتُ إلى شريطٍ مُسَجَّلٍ باسم أخينا أبي الحسن من مأرب، ابْتَدَأَهُ بالسلام عليّ، فأقول: عليك السلام ورحمة الله وبركاته.

وما ذكره من جهة التكفير؛ فهي مسألةٌ كبيرةٌ عظيمةٌ، ولا ينبغي إطلاقُ القولِ فيها إلا مع طالبِ علمٍ يَفْهَمُ ويَعْرِفُ الكلماتِ بمعانيها، ويَعْرِفُ العواقبَ التي تترتب على القول بالتكفير أو عَدَمِهِ، أما عامَّةُ الناس؛ فإن إطلاق القول بالتكفير أو عَدَمِهِ في مثل هذه الأمور يحصل فيه مفاسد.

والذي أَرَى:

أولًا: ألا يَشْتَغِل الشبابُ بهذه المسألة، وهل الحاكم كافرٌ أو غيرُ كافرٍ، وهل يجوز أن نَخْرُجَ عليه، أو لا يجوز، على الشباب أن يَهْتَمُّوا بعباداتهم التي أوجبها الله عليهم، أو نَدَبَهم إليها، وأن يتركوا ما نهاهم الله عنه كراهةً أو تحريمًا، وأن يحرصوا على التآلف بينهم والاتفاق، وأن يعلموا أن الخلاف في مسائل الدين والعلم قد جرى في عهد الصحابة – رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ – ولكنه لم يُؤَدِّ إلى الفُرْقة، وإنما القلوبُ واحدةٌ، والمنهجُ واحدٌ.

أما فيما يتعلق بالحكم بغير ما أنزل الله؛ فهو كما في الكتاب العزيز ينقسم على ثلاثة أقسام: كفر، وظلم، وفسق، على حسب الأسباب التي بُنِيَ عليها هذا الحكمُ:

  1. فإذا كان الرجل يحكم بغير ما أنزل الله تَبَعًا لهواه، مع عِلْمِهِ بأن الحق فيما قَضَى الله به؛ فهذا لا يَكْفُر، لكنه بين فاسق وظالم.

2- وأما إذا كان يُشَرِّع حكمًا عامًا، تَمْشِي عليه الأمةُ، يرى أن ذلك من المصلحة، وقد لُبِّسَ عليه فيه؛ فلا يَكْفُر أيضًا؛ لأن كثيرًا من الحكام عندهم جَهْلٌ في علم الشريعة، ويتصل بهم من لا يَعْرِف الحكم الشرعي، وهم يَرَوْنَه عالمًا كبيرًا؛ فيحصل بذلك المخالفة.

3- وإذا كان يَعْلَمُ الشرعَ، ولكنه حَكَمَ بهذا، أو شَرَّعَ هذا، وجعله دستورًا يَمْشِي الناسُ عليه؛ ويعتقد أنه ظالم في ذلك، وأن الحق فيما جاء به الكتاب والسنة: فإننا لا نستطيع أن نُكَفِّر هذا.

4- وإنما نُكَفِّرُ من يرى أن حكم غير الله أَوْلَى أن يكون الناسُ عليه، أو مِثْلُ حُكْم الله -عَزَّ وَجَلَّ-؛ فإن هذا كافر؛ لأنه مُكَذِّب لقول الله -تبارك وتعالى-: [ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ] {التين:8}، وقوله: [ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ] {المائدة:50}.

ثم هذه المسائل لا يَعْني أننا إذا كَفَّرْنَا أَحَدًا؛ فإنه يجب الخروجُ عليه؛ لأن الخروج يترتب عليه مفاسدُ عظيمةٌ أكبَرُ من السكوت، ولا نستطيع الآن أن نضرب أمثالًا فيما وقع في الأمة العربية وغير العربية، وإنما إذا تحققنا جواز الخروج عليه شرعًا؛ فإنه لابد من استعداد وقوة تكون مثل قوة الحاكم أو أعظم، وأما أن يخرج الناس عليه بالسكاكين والرماح، ومعه القنابل والدبابات وما أشبه ذلك؛ فإن هذا من السَّفَهِ بلا شك!، وهو مخالف للشرع». انتهت الفتوى.([278])

ومما يدل على أن هذه الفتوى متأخرة، أنها كانت مؤرخة في صيغة السؤال وفي جواب الشيخ – رَحِمَهُ اللهُ –: الثلاثاء الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول عام عشرين وأربعمائة وألف.

ووفاة الشيخ – رَحِمَهُ اللهُ –: يوم الأربعاء الخامس عشر من شهر شوال سنة إحدى وعشرين وأربعمائة وألف، أي كانت الفتوى الأخيرة هذه قبيل وفاته – رَحِمَهُ اللهُ – بنحو ستة أشهر.

وقد ذكر الشيخ – رَحِمَهُ اللهُ – في فتواه هذه ثلاثَ حالاتٍ ممن يَحْكُمون بالقوانين، وجَعَلَ لكل حالةٍ منها حُكْمها، والكلام فيمن يحكمون بلادهم بالقوانين، وتكون أحكامها عامَّةً في الناس، كما هو الواقع اليوم، ومع ذلك فقد فصَّل الشيخ – رَحِمَهُ اللهُ – في الحكم على هذه الحالات؛ وهذا عيْن ما نقول به؛ خلافًا للمخالفين لكلام علماء السلف والخلف في ذلك، وهاكَ تفصيلَه- رَحِمَهُ اللهُ -:

1 – من يَشْرَعُ حُكْمًا عامًّا تَمْشِي عليه الأمةُ، وهو -أي الحاكم- يرى أن ذلك من المصلحة، وقد لُبِّسَ عليه فيه؛ فهذا النوع من الحكام ليس بكافر -كما قال الشيخ – رَحِمَهُ اللهُ -: «فلا يَكْفُر أيضا» -؛ لأنه جاهل، ولعله أخذ بفتوى أحد علماء السوء، الذي أجاز له ذلك!!

2 – من «حكم وشرع دستورًا يمشي الناس عليه، يعتقد أنه ظالم في ذلك، وأن الحق فيما جاء به الكتاب والسنة»؛ فهذا النوع من الحكام ليس بكافر، كما قال الشيخ – رَحِمَهُ اللهُ -: «فإننا لا نستطيع أن نُكَفِّر هذا»؛ لأنه -كما قال الشيخ: «يعتقد أنه ظالم في ذلك، وأن الحق فيما جاء به الكتاب والسنة» وهذه الصورة هي محل النزاع؛ فاحفَظْ هذا!!

3 – من «يرى -أي: يعتقد- أن حُكْمَ غيرِ الله أَوْلَى أن يكون الناس عليه»، فهذا النوع قد كَفَّرَهُ الشيخُ– رَحِمَهُ اللهُ –؛ لأنه مُكَذِّب لقول الله -تبارك وتعالى- [ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ] {التين:8}… إلخ.

فنرى أن الشيخ- رَحِمَهُ اللهُ – ذكر في كلامه في الحالات السابقة نوعين ممن يحكمون بالقوانين:

النوع الأول: (الجاهل المتَّبع لفتوى من هو أجهل منه من علماء، أو جلساء السوء)؛ فهو ليس بكافر بإجماع، وهذا حالُ كثير ممن يحكم بغير ما أنزل الله من حكام زماننا!!

النوع الثاني: (القاصد العالم)؛ وقد قَسَّمَهُ الشيخُ – رَحِمَهُ اللهُ – لقسمين:

1 – مَنْ يَحْكُمُ بالقوانين (يعتقد أنه ظالم في ذلك، وأن الحقَّ فيما جاء به الكتاب والسنة) فهذا لم يُكَفَِّر الشيخ – رَحِمَهُ اللهُ – وهذا موضع النزاع.

2 – مَنْ يَحْكُمُ بالقوانين (يرى -أي: يعتقد- أن حُكْمَ غيرِ الله أَوْلَى أن يكون الناسُ عليه)

وكلا القسمين يَحْكُم بالقوانين كما ترى؛ فلو كان الحُكْم بالقانون -بمجرده- كُفْرًا؛ لكونه شريعة عامة مُلْزِمة للناس؛ لَكَفَّرْنَا القِسْمَين جميعا؛ فإن اعتقاد صاحب القسم الأول -على قول المخالف- لا ينفعه مع مواقعته الكُفْرَ، وهذا ما لم يَقُلْهُ العلامة ابن عثيمين – رَحِمَهُ اللهُ -؛ لاعتباره صاحبَ القِسْمِ الأول عاصيًا ظالمًا، وفِعْلَهُ المجردَ معصيةً، وليس كُفْرًا، فتجده فَرَّق بين النوعين، ولم يُكَفِّر إلا من رأى (أي: اعتقد أن حُكْم غيرِ الله أَوْلَى أن يكون الناسُ عليه) وأنه (أَصْلَحُ وأَنْفَعُ للخلق)، ومعلوم أن هذا التفريق لا يتأتى في فعلٍ مُجَرَّدُهُ كُفْرٌ؛ فهذا هو الشبيه من وجه أو أكثر بالإرجاء، وإنما يتأتى هذا التفريق في الأفعال التي هي بمجردها معصية، ثم إن اقترنت باعتقادٍ (ظاهرٍ) أي: أقرَّ بلسانه -لا مجرد لسان حاله-؛ أَلْحَقْنَا الكُفْرَ بفاعلها.

(تَنْبِيهٌ هامٌّ):

لماذا لم يُصَرِّح العلامةُ ابن عثيمين – رَحِمَهُ اللهُ – بنقْضِ وخَطَأ رَأْيِهِ الأول؟

والجواب: هذا ليس بلازم، والعبرة بالتأكد من التاريخ؛ والعمل بالمتأخر منهما، وقوله هذا كان قبل وفاته – رَحِمَهُ اللهُ – بنحو ستة أشهر.

وقد سئل الشيخ ابن عثيمين – رَحِمَهُ اللهُ -: «إذا تَبَيَّنَ لكم رجحان قولٍ كنتم تُفْتُون أو تَحْكُمون بخلافه؛ فهل يجوز لكم الرجوع فيما أفتيتم به أو حَكَمْتُم؟ وإذا تَبَيَّن لكم رجحانُ قولٍ كنتم تُفْتُون أو تَحْكُمُون بخلافه؛ فهل يجوز لكم مستقبلا أن تُفْتُوا أو تَحْكُموا بما تَبَيَّن لكم رجحانُهُ؟.

* فأجاب:

متى تَبَيَّنَ للإنسان ضَعْفُ ما كان عليه من الرأي، وأن الصواب في غيره؛ وَجَبَ عليه الرجوع عن رأيه الأول إلى ما يراه صوابًا بمقتضى الدليل الصحيح، وقد دلَّ على وجوبِ الرجوعِ: كتابُ الله -تعالى-، وسنةُ رسوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وقولُ الخلفاء الراشدين، وإجماعُ المسلمين، وعملُ الأئمة…. فها هو الإمام أحمد يقول القول ويقول بخلافه:

* فتارة يُصَرِّحُ بالرجوع: كما صَرَّحَ بالرجوع عن القول بوقوع طلاق السكران.

* وتارة يُصَرِّحُ أصحابُهُ برجوعه عنه: كما صَرَّحَ الخَلَّال برجوع الإمام عن قوله فيمن ابتدأ مَسْحَ خُفَّيْهِ مقيمًا، ثم سافر، أنه يُتِمُّ مَسْحَ مُقِيمٍ إلى القول بأن يُتِمُّ مَسْحَ مُسَافِرٍ.

* وتارة لا يُصَرِّحَ ولا يُصَرَّحَ عنه، برجوعِ؛ فيكون له في المسألة قولان([279]).

والمهم: أنه متى تَبَيَّنَ للإنسان ضَعْفُ رَأْيِهِ الأولِ؛ وَجَبَ عليه الرجوعُ عنه، ولكن يَسُوغُ له نَقْضُ حُكْمِهِ الأولِ، ولا يَلْزَمْهُ إخبارُ المستفتي بالرجوع؛ لأن كلا من الرأيين الأول والثاني صادر عن اجتهادٍ، والاجتهادُ لا يُنْقَضُ بمثله، وظهورُ خطأِ اجتهادِهِ الأولِ لا يَمْنَعُ احتمالَ خطئِهِ في الثاني؛ فقد يكون الاجتهاد الأول هو الصواب في الواقع، وإن ظهر له خلافُهُ؛ لأن الإنسان غَيْرُ معصومٍ في اجتهاده لا الثاني ولا الأول) اهـ.([280])

إلا أن جَزْمه – رَحِمَهُ اللهُ – في فتياه السابقة، وإظهَارَهُ مفاسِدَ القول المُخالف –وهو قول المخالفين لنا- يؤكدان تَرْجِيحَهُ هذا القولِ على قوله الأول، لاسيَّما إذا تَذَكَّرْنا أن دليله الذي عَوَّل عليه في فتواه الأولى التي يستدل بها المُخالفون مَبْنِيٌّ على الأَخْذِ باللازم، وأنه يرى أن الحاكم لا يحكم بغير حكم الله إلا وهو يرى أنه أفضل وأنفع وأصلح من حكم الله، وهذا استدلال باللازم، وهو ليس بدليلٍ قويٍّ؛ فإن لازمَ القول ليس بقولٍ عند أئمة السُّنَّة – ومن جملتهم الشيخ ابن عثيمين – رَحِمَهُ اللهُ –، إلا إذا عُرِضَ على القائل، والتَزَمَهُ؛ فعند ذلك يُنْسَب إليه.

وقد يُجَاب عن ذلك أيضًا بجوابٍ آخر: أن العَالِمَ قد يَنْسَى فُتْياه الأولى، ومن هنا قد لا يُصرِّح بخطأ قوله الأول، الذي نسيه، لاسيما أواخر حياته؛ فيُعَوَّل -عند ذلك- على الفتوى الأخيرة، ولعلَّ الجواب الأول أَوْلَى، والله أعلم.

🕮 🕮 🕮

هذا ما يسَّره الله لي في مادة هذا الكتاب، وتمَّت مراجعته الأخيرة في هذا اليوم المبارك، واللهَ أسألُ أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وحجابًا لي ولوالديَّ وأَهْلي وذريتي ومن ساعَدَني في جمعِ مادته، وهو الأخ الكريم الشيخ أبو سليمان محمد بن سلامة -حفظه الله-، وأتم عليه سابغَ نِعَمِهِ الظاهرة والباطنة وأهله وذريته أجمعين، ولولا الله –جل وعلا- ثم اجتهاده –حفظه الله- معي؛ لما كان الكتاب كذلك، ولله الحمد والمنة، ولا يشكر الله من لا يشكر الناس!!

هذا؛ وأسأل الله -جل ثناؤه- بأسمائه الحسنى وصفاته العُلَى أن يغفر لي خطئي كلَّه: دقَّهُ وجِلَّهُ، وعلانيتَه وسرَّه، وأن يغفر لي خطئي وعَمْدي، وهَزَلِي وجِّدي، وكلُّ ذلك عندي، وأن يغفر لوالديَّ، وأن يصلح نفْسي وأهلي وذريتي، وأن يجعلني وإياهم مباركين أينما كُنّا، وأن يصرف عنا كلَّ سوء ومكروه يحول بيننا وبين العبودية الصادقة الصافية، والاستمرار في خدمة هذا الدين على أكمل وَجْهٍ.

وصلي الله وسلَم وبارَك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين: عدد خَلْقه، ورِضا نَفْسِهِ، وزِنَةَ عرشِهِ، ومداد كلماته.

كتبه

أبو الحســــــن

مصطفى بن إسماعيل السليماني

القائم على دار الحديث بمأرب، ورئيس رابطة أهل الحديث باليمن.

الجمعة 25/ جمادى الآخرة/ 1443هـ

ثم تمت المراجعة النهائية بتاريخ 3 / ذو القَعْدة / 1445هـ

الموافق 11 / 5 / 2024م

🕮 🕮 🕮