كتب للقراءة

أطواق النجاة في بيان حال من حكم بغير ما أنزل الله

أطواق النجاة في بيان حال من حكم بغير ما أنزل الله

ثانيًا: الصُّوَرُ المُتَّفَقُ على كونها ليستْ كُفْرًا أكبر

ثانيًا: الصُّوَرُ المُتَّفَقُ على كونها ليستْ كُفْرًا أكبر

هناك صُوَرٌ متعددة من الحكم بغير ما أنزل الله -جل وعلا- اتفق العلماء على كونها ليست من الكفر الأكبر، إذا كان هذا الحاكم مُقِرَّا ومُلْتزما بوجوب التحاكم إلى شرع الله -جل وعلا- دون غيره، لكن خالف ذلك من الناحية العملية لغرضٍ دنيوي، مثل ما:

1- إذا حَكَم بغير ما أنزل الله بسبب رَشْوَةٍ، أو عداوةٍ لأحد، أو قرابةٍ لأحد، أو إرضاءٍ لبعض الكبراء، أو تساهلٍ، أو لشهوةٍ، أو استعجالٍ.

2- وكذلك إذا حَكَم بذلك عن إكراهٍ، أو خوفٍ من وقوع مفسدة أكبر عليه -في ظنه-، أو على من يعول.

3- أو وقع في ذلك عن جَهْلٍ بحكم الله.

4- أو لكونه اجتهد فأخطأ، وكان من أهل الاجتهاد.

فكل ذلك مُتَّفق على عدم كُفْر الحاكم به، وبعض هذه الصور معصية، وبعضها ليس معصية أصلًا، بل بعضها يكون الحاكم فيها مأجورًا أجرًا واحدًا، والإثْمُ مرفوعٌ عنه، وذلك في حالة المجتهد المخطئ، والله أعلم.

وسأذكر طرفًا من أقوال العلماء من السلف والخلف على مدار القرون: في تأويل آيات الحكم بغير ما أنزل الله، وعلى رأسهم الصحابيّ الفقيه الجليل ابن عباس – رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا – وغيره التابعين فمن بعدهم… – من أئمة التفسير والأثر وأهل العلم إلى علماء الملة المعاصرين، الذين شهد لهم أهل زماننا بالعلم والرسوخ والصلاح، وأدركوا هذا الحالَ المؤلمَ في الأمة وغالب الأمصار من الحكم بالقوانين الوضعية!! – رحم الله الجميع -.

1- روى عليُّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- في تفسير قوله تعالى: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ] {المائدة:44}، قال: مَنْ جَحَدَ ما أنزل الله؛ فقد كَفَر، ومَنْ أَقَرَّ به، ولم يَحْكُم به؛ فهو ظالم فاسق.([74])

وقال أيضًا: «هي به كُفْر، وليس كمن كَفَر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر». أخرجه ابن جرير والمروزي، وإسناده صحيح.([75])

وعَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيْر([76])، عَنْ طاوُس، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- – فِي قَوْلِهِ -عَزَّ وَجَلَّ-: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ] {المائدة:44} – قَالَ: لَيْسَ بِالْكُفْرِ الَّذِي تَذْهَبُونَ إليه.([77])

2، 3 – قال القرطبي – رَحِمَهُ اللهُ –: وقال ابن مسعود والحسن: هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله، أي مُعْتَقِدًا ومُسْتَحِلًا له.([78])

وقال ابن جرير – رَحِمَهُ اللهُ -: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن سلمة بن كهيل، عن علقمة ومسروق: أنهما سألا ابن مسعود عن الرَّشْوة، فقال: من السُّحْت. قال: فقالا: أفي الحكم؟ قال: ذاك الكُفْر! ثم تلا هذه الآية: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ] {المائدة:44}.([79])

وهذا الأثر يدل على أنه ليس المراد بالكفر في الآية – عند ابن مسعود – الكفر الناقل من الملة، وذلك لأنه يجيب عن الرشوة في الحكم، ولا خلاف أن الرَّشْوة في الحُكْم كبيرة، وليست كُفْرًا أكبر.

4، 5 ـ وكذلك قال السُّدِّي وإبراهيمُ النخعي -رَحِمَهُمَا اللهُ-.([80])

6- وقال طاووس – رَحِمَهُ اللهُ –: ليس بكفر ينقل عن الملة، أخرجه المروزي، وإسناده صحيح.([81])

7- وقال عطاء بن أبي رباح – رَحِمَهُ اللهُ –: «كُفْرٌ دون كُفْرٍ، وظُلْمٌ دون ظُلْمٍ، فِسْقٌ دون فِسْقٍ» أخرجه المروزي بإسناد صحيح.([82])

8 – وقال مجاهد – رَحِمَهُ اللهُ – في هذه الآيات الثلاث: مَنْ تَرَكَ الحكمَ بما أنزل الله رَدًّا لكتاب الله؛ فهو كافر ظالم فاسق.([83])

9- وقال عكرمة – رَحِمَهُ اللهُ –: ومن لم يَحْكُم بما أنزل الله جاحدًا به؛ فقد كفر، ومَنْ أَقَرَّ به، ولم يَحْكُم به؛ فهو ظالم فاسق.([84])

قال الخازن: وهو قول ابن عباس – أيضًا -.

– وهو اختيار الزجاج.([85])

10 – ونَصَّ الإمامُ أحمد – رَحِمَهُ اللهُ – على أنه كُفْرٌ لا يَنْقُلُ من الملة.([86])

11 – وقال أبو عبيدٍ القاسمُ بن سلَّام – رَحِمَهُ اللهُ –: «فَقَدْ تَبَيَّنَ لَنَا أَنَّهُ كَانَ لَيْسَ بِنَاقِلٍ عَنْ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ، أَنَّ الدِّينَ بَاقٍ عَلَى حَالِهِ، وَإِنْ خَالَطَهُ ذُنُوبٌ، فَلَا مَعْنَى لَهُ إِلَّا خِلَافُ الْكُفَّارِ وَسُنَّتِهِمْ، عَلَى مَا أَعْلَمْتُكَ مِنَ الشِّرْكِ سَوَاءً؛ لِأَنَّ مِنْ سُنَنِ الْكُفَّارِ الْحُكْمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، أَلَا تَسْمَعُ قَوْلَهُ: [ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ] {المائدة:50} تَأْوِيلُهُ عِنْدَ أَهْلِ التَّفْسِيرِ: أَنَّ مَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَهُوَ عَلَى مِلَّةِ الْإِسْلَامِ؛ كَانَ بِذَلِكَ الْحُكْمِ كَأَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، إِنَّمَا هُوَ: أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَذَلِكَ كَانُوا يَحْكُمُونَ». اهـ([87])

قلت: أي شَابَهَ أهلَ الجاهلية في فعلهم، وإن لم يَكُنْ كافرًا خارجًا عن الإسلام.

12 – وقال شيخ المفسرين أبو جعفر محمد بن جرير الطبري – رَحِمَهُ اللهُ –: «وأَوْلَى هذه الأقوال عندي بالصواب: مَنْ قال: «نزلت هذه الآيات في كُفَّار أهل الكتاب؛ لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات فيهم نَزَلَتْ، وهم المعنيون بها، وهذه الآيات سياق الخبر عنهم، فكونها خبرًا عنهم أَوْلَى.

فإن قال قائل: فإن الله – تعالى ذِكْرُهُ – قد عَمَّ بالخبر بذلك عن جميع مَنْ لم يحكم بما أنزل الله، فكيف جعلتها خاصًا؟

قيل: إن الله تعالى عَمَّ بالخبر بذلك عن قوم كانوا بحكم الله الذي حَكَم به في كتابه جاحدين، فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحُكْم على سبيل ما تركوه كافرين، وكذلك القول في كل مَنْ لم يحكم بما أنزل جاحدًا به؛ هو بالله كافر، كما قال ابن عباس». اهـ([88])

13 – وقال أبو السعود – رَحِمَهُ اللهُ –: أي مَنْ لم يحكم بذلك مُسْتَهِينًا مُنْكِرًا؛ [ﮪ ﮫ ﮬ] {المائدة:44}.([89])

14 – وقال النّسَفي – رَحِمَهُ اللهُ –: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ] مُسْتَهِينًا به؛ لاسْتِهَانَتِهِم به.([90])

15 – وقال أبو بكر الجصاص – رَحِمَهُ اللهُ –: «وقوله تعالى: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ] {المائدة:44} لا يَخْلُو من أن يكون مراده الشركَ والجحودَ، أو كُفْرَ النعمة من غير جُحُود، إن كان المرادُ جُحُودَ حُكْم الله، أو الحُكْمَ بغيره مع الإخبار بأنه حُكْمُ الله([91])؛ فهذا كُفْر يُخْرج عن الملة، وفاعِلُهُ مُرْتَدٌّ، وإن كان قَبْل ذلك مسلمًا».

وعلى هذا تأولَهُ مَنْ قال: إنها أُنْزِلَتْ في بني إسرائيل، وجَرَتْ فينا، يعنون: (أن من جَحَدَ حُكْمَ الله، أو حَكَمَ بغير حُكْم الله، ثم قال: إن هذا حُكْمُ الله؛ فهو كافر، كما كَفَرَتْ بنو إسرائيل حين فَعَلُوا).

وإن كان المراد به كُفْرَ النعمة؛ فإن كُفران النعمة قد يكون بترك الشكر عليها من غير جحود؛ فلا يكون فاعله خارجًا من الملة.

والأظهر: هو المعنى الأول؛ لإطلاقِهِ اسْمَ الكُفْرِ على من لم يَحْكُم بما أنزل الله». اهـ([92])

16 – وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رَحِمَهُ اللهُ –:

«وَلِهَذَا وَجَبَ عَلَى كُلِّ مَنْ حَكَمَ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَنْ يَحْكُمَ بِالْعَدْلِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: [ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ] {النساء:58}، فَلَيْسَ لِحَاكِمٍ أَنْ يَحْكُمَ بِظُلْمٍ أَبَدًا، وَالشَّرْعُ الَّذِي يَجِبُ عَلَى حُكَّامِ الْمُسْلِمِينَ الْحُكْمُ بِهِ عَدْلٌ كُلُّهُ، لَيْسَ فِي الشَّرْعِ ظُلْمٌ أَصْلًا، بَلْ حُكْمُ اللَّهِ أَحْسَنُ الْأَحْكَامِ.

وَالشَّرْعُ هُوَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ; فَكُلُّ مَنْ حَكَمَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ؛ فَقَدْ حَكَمَ بِالْعَدْلِ، لَكِنَّ الْعَدْلَ قَدْ يَتَنَوَّعُ بِتَنَوُّعِ الشَّرَائِعِ وَالْمَنَاهِجِ، فَيَكُونُ الْعَدْلُ فِي كُلِّ شِرْعَةٍ بِحَسَبِهَا.

وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ] { المائدة:42-44}.

إِلَى قَوْلِهِ: [ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ] {المائدة:47 – 50}.

ذَكَرَ -سُبْحَانَهُ- حُكْمَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ أَنْزَلَ الْقُرْآنَ، وَأَمَرَ نَبِيَّهُ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِالْقُرْآنِ، وَلَا يَتَّبِعَ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَهُ مِنَ الْكِتَابِ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ جَعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا، فَجَعَلَ لِمُوسَى وَعِيسَى مَا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مِنَ الشِّرْعَةِ وَالْمِنْهَاجِ، وَجَعَلَ لِلنَّبِيِّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَا فِي الْقُرْآنِ مِنَ الشِّرْعَةِ وَالْمِنْهَاجِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَحَذَّرَهُ أَنْ يَفْتِنُوهُ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ حُكْمُ اللَّهِ، وَمَنِ ابْتَغَى غَيْرَهُ؛ فَقَدِ ابْتَغَى حُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَالَ: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ] {المائدة:44}.

وَلَا رَيْبَ أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْتَقِدْ وُجُوبَ الْحُكْمِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ؛ فَهُوَ كَافِرٌ، فَمَنِ اسْتَحَلَّ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا يَرَاهُ هُوَ عَدْلًا مِنْ غَيْرِ اتِّبَاعٍ لِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ؛ فَهُوَ كَافِرٌ ; فَإِنَّهُ مَا مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا وَهِيَ تَأْمُرُ بِالْحُكْمِ بِالْعَدْلِ، وَقَدْ يَكُونُ الْعَدْلُ فِي دِينِهَا مَا رَآهُ أَكَابِرُهُمْ، بَلْ كَثِيرٌ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ يَحْكُمُونَ بِعَادَاتِهِمُ الَّتِي لَمْ يُنْزِلْهَا اللَّهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، كَسَوَالِفِ الْبَادِيَةِ، وَكَأَوَامِرِ الْمُطَاعِينَ فِيهِمْ، وَيَرَوْنَ أَنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي الْحُكْمُ بِهِ دُونَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَهَذَا هُوَ الْكُفْرُ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ أَسْلَمُوا، وَلَكِنْ مَعَ هَذَا لَا يَحْكُمُونَ إِلَّا بِالْعَادَاتِ الْجَارِيَةِ لَهُمُ، الَّتِي يَأْمُرُ بِهَا الْمُطَاعُونَ؛ فَهَؤُلَاءِ إِذَا عَرَفُوا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ إِلَّا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، فَلَمْ يَلْتَزِمُوا ذَلِكَ، بَلِ اسْتَحَلُّوا أَنْ يَحْكُمُوا بِخِلَافِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ؛ فَهُمْ كُفَّارٌ، وَإِلَّا كَانُوا جُهَّالًا، كَمَنْ تَقَدَّمَ أَمْرُهُمْ.

وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ كُلَّهُمْ إِذَا تَنَازَعُوا فِي شَيْءٍ أَنْ يَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ، فَقَالَ تَعَالَى: [ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ] {النساء:59}.

وَقَالَ تَعَالَى: [ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ] {النساء:65}.

فَمَنْ لَمْ يَلْتَزِمْ تَحْكِيمَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ؛ فَقَدْ أَقْسَمَ اللَّهُ بِنَفْسِهِ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مُلْتَزِمًا لِحُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، لَكِنْ عَصَى وَاتَّبَعَ هَوَاهُ؛ فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ أَمْثَالِهِ مِنَ الْعُصَاةِ.

وَهَذِهِ الْآيَةُ مِمَّا يَحْتَجُّ بِهَا الْخَوَارِجُ عَلَى تَكْفِيرِ وُلَاةِ الْأَمْرِ الَّذِينَ لَا يَحْكُمُونَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، ثُمَّ يَزْعُمُونَ أَنَّ اعْتِقَادَهُمْ هُوَ حُكْمُ اللَّهِ، وَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ بِمَا يَطُولُ ذِكْرُهُ هُنَا، وَمَا ذَكَرْتُهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْآيَةِ.

وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ الْحُكْمَ بِالْعَدْلِ وَاجِبٌ مُطْلَقًا، فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، وَلِكُلِّ أَحَدٍ، وَالْحُكْمُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – هُوَ عَدْلٌ خَاصٌّ، وَهُوَ أَكْمَلُ أَنْوَاعِ الْعَدْلِ وَأَحْسَنُهَا، وَالْحُكْمُ بِهِ وَاجِبٌ عَلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَكُلِّ مَنِ اتَّبَعَهُ، وَمَنْ لَمْ يَلْتَزِمْ حُكْمَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ؛ فَهُوَ كَافِرٌ.([93])

وَهَذَا وَاجِبٌ عَلَى الْأُمَّةِ فِي كُلِّ مَا تَنَازَعَتْ فِيهِ مِنَ الْأُمُورِ الِاعْتِقَادِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ، قَالَ تَعَالَى: [ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ] {البقرة:213}.

وَقَالَ تَعَالَى: [ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ] {الشورى:10}. وَقَالَ: [ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ] {النساء:59}، فَالْأُمُورُ الْمُشْتَرَكَةُ بَيْنَ الْأُمَّةِ لَا يُحَكَّمُ فِيهَا إِلَّا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُلْزِمَ النَّاسَ بِقَوْلِ عَالِمٍ وَلَا أَمِيرٍ وَلَا شَيْخٍ وَلَا مَلِكٍ.

وَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ فَهُوَ كَافِرٌ، وَحُكَّامُ الْمُسْلِمِينَ يَحْكُمُونَ فِي الْأُمُورِ الْمُعَيَّنَةِ، لَا يَحْكُمُونَ فِي الْأُمُورِ الْكُلِّيَّةِ، وَإِذَا حَكَمُوا فِي الْمُعَيَّنَاتِ؛ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَحْكُمُوا بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ؛ فَبِمَا فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَإِنْ لَمْ يَجِدُوا؛ اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ بِرَأْيِهِ». اهـ([94])

✍ قلت: فانظر -رحمك الله- كيف أنه لم يَسْتَثْنِ من الحكم بغير ما أنزل الله، الذي حكمه المعصية فقط إلا المستحل- ومثله الجاحد والمستكبر ونحوهما- وجعل الاستحلال مقابلًا للالتزام – وهو إلْزامُ النفس بالفعل، واعتقادُ وجوبه عليها، سواءً عَمِلَ أم لم يَعْمَل – وتأمل قوله – رَحِمَهُ اللهُ -: «وأما من كان ملتزما لحكم الله ورسوله باطنا وظاهرا، لكن عصى الله واتّبع هواه؛ فهو بمنزلة أمثاله من العصاة» تجده هنا لا يكفِّر إلا من لم يلتزم حكم الله، أي: يعتقد وجوب الحكم عليه بما أنزل الله، وأما من اعتقد ذلك، ولكنه عصى ولم يذْعِن عمليًّا لذلك؛ فهو من جملة العصاة بقدْر ما عنده من المعاصي، فالتكفير للحاكم بغير ما أنزل الله منوط بالاعتقاد، كما صرَّح – رَحِمَهُ اللهُ – في غير موضع في كلامه الذي بين أيدينا وغيره.

وتأمل أيضًا -رحمك الله- قوله – رَحِمَهُ اللهُ -: «وهذه الآية مما يحتج بها الخوارج على تكفيرهم ولاة الأمر الذين لا يحكمون لما أنزل الله، ثم يزعمون -أي ولاة الأمر هؤلاء- أن اعتقادهم هو حكم الله» مما يدلك على أن المخالفين لما عليه علماء السنة سلفا وخلفا بإطلاقهم تكفير جميع الحكام، الذين يحكمون بغير ما أنزل الله: أنهم قد سلكوا مسلك الخوارج في الاستدلال بظاهر هذه الآية، دون مراعاة أمر الاعتقاد، والله أعلم.

وسواليف البادية في حقيقتها قوانين مُتَّبَعَةٌ، وقوانين عامة، ومرجعيَّة معمولٌ بها عندهم، ولها سدنتها ومراجعها الذين يُفْزَعُ إليهم فيها، ولها هيبتُهَا وسَطْوتُهَا، ولذلك يذمون من خالفها، أو خرج عنها، ولا يَعْرِفُ شدة وطْأتها إلا من عاش بين العشائر والقبائل في البادية، ومع ذلك فالكثير يحْكُم بها أو يَتَحَاكم إليها مع إقراره بأن حُكْم الله هو الحق، وأنهم يرجعون إليها -حسب قولهم في بعض البوادي- لعدم وجود حكومة قوية تُنَفِّذ الشرع الحنيف، وكثير من هذه السواليف لا يتعارض مع الكتاب والسنة، وفيها أحكام مُعارضة للكتاب والسنة، والقبائل يعتذرون بعدم وجود من يُنَفِّذ الحُكْم الشرعي عندهم على الناس، وفي بعض الحالات تكون هذه اعتذارات منهم غير حقيقية، وفي بعضها تكون حقيقية، وكثيرٌ من أحكام سواليف البادية يمكن أن تدخل تحت مُسَمَّى «التعزير بالمال»، وهم يُسَمُّونها بــ «الحَشَم» و «الغَالي والغَلَا» ونحو ذلك، وعلى كل حال: فالناس تجاه هذه السواليف بين إفراط وتفريط، ومن عرف الحقيقة؛ رأى صحة ما فصَّلْتُهُ، والله أعلم.

وقال شيخ الإسلام – رَحِمَهُ اللهُ –أيضًا: «والإنسان متى حَلَّلَ الحرام المُجْمَعَ عليه، أو حَرَّمَ الحلال المُجْمَعَ عليه، أو بَدَّلَ الشَّرْع المُجْمَعَ عليه؛ كان كافرًا مُرْتَدًّا باتفاق الفقهاء، وفي مثل هذا نزل قوله -تعالى- على أحد القولين([95]): [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ] {المائدة:44} أي هو المُسْتَحِلُّ للحكم بغير ما أنزل الله» ا. هـ([96])

وقوله: «متى حلَّل الحرام…» أي قال في الحرام المجمع عليه حلال، لا مجرد الاستحلال الفعلي؛ وإلا كفَّرنا كلَّ العصاة بمجرد استحلالهم الفعلي للمعصية!!

وقوله- رَحِمَهُ اللهُ -: «المُجْمَع عليه» احترازا من الحكم بالاجتهاد والتأويل في المسائل الاجتهادية بتحليل الحرام عند البعض دون البعض، والله أعلم. –

ثم قال – رَحِمَهُ اللهُ -: وَلَفْظُ «الشَّرْعِ» يُقَالُ فِي عُرْفِ النَّاسِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَعَانٍ:

«الشَّرْعُ الْمُنَزَّلُ» وَهُوَ: مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ: وَهَذَا يَجِبُ اتِّبَاعُهُ، وَمَنْ خَالَفَهُ؛ وَجَبَتْ عُقُوبَتُهُ.

وَالثَّانِي «الشَّرْعُ الْمُؤَوَّلُ» وَهُوَ: آرَاءُ الْعُلَمَاءِ الْمُجْتَهِدِينَ فِيهَا، كَمَذْهَبِ مَالِكٍ وَنَحْوِهِ، فَهَذَا يَسُوغُ اتِّبَاعُهُ، وَلَا يَجِبُ وَلَا يَحْرُمُ، وَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يُلْزِمَ عُمُومَ النَّاسِ بِهِ، وَلَا يَمْنَعَ عُمُومَ النَّاسِ مِنْهُ.

وَالثَّالِثُ «الشَّرْعُ الْمُبَدَّلُ» وَهُوَ: الْكَذِبُ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَوْ عَلَى النَّاسِ: بِشَهَادَاتِ الزُّورِ وَنَحْوِهَا وَالظُّلْمِ الْبَيِّنِ، فَمَنْ قَالَ: إنَّ هَذَا مِنْ شَرْعِ اللَّهِ؛ فَقَدْ كَفَرَ بِلَا نِزَاعٍ، كَمَنْ قَالَ: إنَّ الدَّمَ وَالْمَيْتَةَ حَلَالٌ، وَلَوْ قَالَ: هَذَا مَذْهَبِي وَنَحْوُ ذَلِكَ». اهـ([97])

فانظر -رحمك الله- كيف عَرَّف التبديل، وهو نسبة الحكم الباطل إلى الله -جل شأنه- ورسوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمْ- كذبًا وزورًا، وهذا ما تم تقريره من قبل، والله أعلم.

وعلى ذلك: فمعنى التبديل هو الحكم بغير ما أنزل الله على أنه من عند الله، فالأمر يعود إلى الاعتقاد، وليس مجرد الحكم بغير ما أنزل الله، بخلاف قول المخالفين، والله أعلم.

وقال أيضًا – رَحِمَهُ اللهُ -:

«وإذا كان من قول السلف: إن الإنسان يكون فيه إيمانٌ ونفاقٌ؛ فكذلك في قولهم: إنه يكون فيه إيمان وكفر؛ ليس هو الكفر الذي يَنْقِل عن الملّة، كما قال ابن عباس وأصحابه في قوله تعالى: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ] {المائدة:44} قالوا: كَفَرُوا كُفْرًا لا يَنْقِل عن الملة، وقد اتّبعهم على ذلك أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة». اهـ([98])

17 – وقال الإمام ابن القيم – رَحِمَهُ اللهُ -:

«قالوا: وقد نَفَى النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الإيمان عن الزاني والسارق وشارب الخمر والمنتهب، ولم يُوجِب زوالُ هذا الاسمِ عنهم كُفْرَ الجحود والخلود في النار؛ فكذلك كُفْرُ تاركِ الصلاة ليس بِكُفْر جحود، ولا يُوجِبُ التخليدَ في الجحيم، وقد قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «لا إيمان لمن لا أمانة له»، فَنَفَى عنه الإيمانَ، ولا يُوجِبُ تَرْكُ أداء الأمانة أن يكون كافرًا كُفْرًا ينقل عن الملة، وقد قال ابن عباس في قوله تعالى: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ] [سورة المائدة آية: 44]: ليس بالكفر الذي يذهبون إليه، وقد قال طاووس: سئل ابن عباس عن هذه الآية، فقال: هو بِهِ كُفْرٌ، وليس كمَنْ كَفَر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وقال أيضًا: كُفْرٌ لا يَنْقُلُ عن الملة.

وقال سفيان عن ابن جريح عن عطاء: كُفْرٌ دون كُفْرٍ، وظُلْمٌ دون ظُلْمٍ، وفِسْقٌ دون فِسْقٍ». اهـ([99]).

قلت: وحُكْمُ تاركِ الصلاة قد فصَّلْتُ فيه الكلامَ في كتابي «سبيل النجاة في بيان حكم تارك الصلاة»، وانتهيت إلى ترجيح قول من قال بتكفير تارك الصلاة؛ فلْيرجع إليه من شاء.

وقال الإمام ابن القيم – رَحِمَهُ اللهُ – في الرسالة نَفْسِها([100]): «وقد أعلن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بما قلناه في قوله في الحديث الصحيح: «سبابُ المسلم فسوقٌ، وقتاله كُفْرٌ». فَفَرَّقَ بين قتاله وسِبَابِهِ، وجعل أحَدَهما فسوقًا لا يَكْفُر به، والآخَرَ كُفْرًا، ومعلوم أنه إنما أراد الكفر العملي لا الاعتقادي، وهذا الكفر لا يُخْرِجُهُ من الدائرة الإسلامية والملة بالكلية، كما لا يُخْرِج الزاني والسارقَ والشاربَ من الملة، وإن زال عنه اسمُ الإيمان، وهذا التفصيل هو قولُ الصحابةِ، الذين هم أَعْلَمُ الأمة بكتاب الله وبالإسلام والكفر ولوازمهما؛ فلا تُتَلَقَّى هذه المسائلُ إلا عنهم؛ فإن المتأخرين لم يَفْهَمُوا مرادهم؛ فانقسموا فريقين:

فريقًا أَخْرَجُوا من الملة بالكبائر, وقَضَوْا على أصحابها بالخلود في النار.

وفريقًا جعلوهم مؤمنين كامِلي الإيمانِ، فهؤلاء غَلَوْا، وهؤلاء جَفَوْا، وهَدَى اللهُ أهلَ السنة للطريقة المُثْلَى والقولِ الوسط، الذي هو في المذاهب كالإسلام في الملل، فها هنا كُفْرٌ دون كُفْرٍ، ونِفَاقٌ دون نِفَاقٍ، وشِرْكٌ دون شِرْكٍ، وفُسُوقٌ دون فُسُوقٍ، وظُلْمٌ دون ظُلْمٍ.

قال سفيان بن عيينة عن هشام بن حُجَيْر عن طاووس عن ابن عباس في قوله تعالى: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ] [سورة المائدة آية: 44]: «ليس هو بالكفر الذي يَذْهَبون إليه».

وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال: سئل ابن عباس عن قوله: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ] [سورة المائدة آية: 44]، قال: «هو بِهِم كُفْرٌ، وليس كمن كَفَرَ بالله وملائكته وكُتبه ورسُله».

وقال في رواية أخرى عنه: «كُفْرٌ لا يَنْقُلُ عن الملة».

وقال طاووس: «ليس بكُفْرٍ يَنْقُلُ عن الملة».

وقال وكيع عن سفيان عن ابن جريج عن عطاء: «كُفْرٌ دون كُفْرٍ، وظُلْمٌ دون ظُلْمٍ، وفِسْقٌ دون فِسْقٍ».

وهذا الذي قاله عطاء بَيِّنٌ في القرآن لمن فَهِمَهُ؛ فإن الله -سبحانه- سَمَّى الحاكمَ بغير ما أنزله كافرًا، ويُسَمِّى جاحِدَ ما أنزله على رسوله كافرًا، وليس الكافران على حَدٍّ سواء، وسَمَّى الكافر ظالمًا، كما في قوله تعالى: [ﮟ ﮠ ﮡ] {البقرة:254}، وسَمَّى مُتَعَدِّي حدوده في النكاح والطلاق والرجعة والخُلْع ظالمًا، فقال: [ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ] {الطلاق:1}.

وقال يونس نَبِيُّهُ: [ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ] {الأنبياء:87}.

وقال صَفِيُّهُ آدم: [ﭒ ﭓ ﭔ ] {الأعراف:23}.

وقال كَلِيمُهُ موسى: [ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ] {القصص:16}.

وليس هذا الظلم مِثْلَ ذلك الظلم.

ويُسَمَّى الكافر فاسقًا، كما في قوله: [ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ] {البقرة:26-27}، وقوله: [ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ] {البقرة:99}، وهذا كثير في القرآن.

ويُسَمِّى المؤمنَ العاصي فاسقا، كما في قوله تعالى: [ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ] {الحجرات:6}، نزلت في الحَكَم بن أبي العاص، وليس الفاسقُ كالفاسقِ، وقال تعالى: [ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ] {النور:4}. وقال عن إِبليس: [ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ] {الكهف:50}، وقال: [ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ] {البقرة:197}، وليس الفُسُوقُ كالفُسُوقِ». اهـ

وقال – رَحِمَهُ اللهُ – أيضًا: «وَالصَّحِيحُ: أَنَّ الْحُكْمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ يَتَنَاوَلُ الْكُفْرَيْنِ: الْأَصْغَرَ وَالْأَكْبَرَ بِحَسَبِ حَالِ الْحَاكِمِ؛ فَإِنَّهُ إِنِ اعْتَقَدَ وُجُوبَ الْحُكْمِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ، وَعَدَلَ عَنْهُ عِصْيَانًا، مَعَ اعْتِرَافِهِ بِأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْعُقُوبَةِ؛ فَهَذَا كُفْرٌ أَصْغَرُ، وَإِنِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَأَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِيهِ، مَعَ تَيَقُّنِهِ أَنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ؛ فَهَذَا كُفْرٌ أَكْبَرُ، وَإِنْ جَهِلَهُ وَأَخْطَأَهُ؛ فَهَذَا مُخْطِئٌ، لَهُ حُكْمُ الْمُخْطِئِينَ.». اهـ([101])

فلم يَسْتَثْنِ – رَحِمَهُ اللهُ – إلا مُنْكِرَ الوجوبِ، أو مُعْتَقَدَ التخييرِ، وهذا قولنا -ولله الحمد والمنة- بخلاف قول المخالفين.

فإن قيل: لقد قَيَّدَ الإمام ابن القيم – رَحِمَهُ اللهُ – في تفرقَتِهُ بالحكم في واقعة بعينها؛ مما يَدُلُّ على تفريقه بين الحكم بغير ما أنزل الله في تلك الواقعة بعينها، وبين التشريع العام!!

فالجواب:

ذِكْرُهُ – رَحِمَهُ اللهُ – للواقعة هنا بيانُ حال لا مفهومَ له، وإلا لقُلْنا لهم: هل تحكمون بإسلامه إذا حكم بغير ما أنزل الله في واقعتين أو ثلاثٍ أو أربع… وهكذا حتى يحُدُّوا لنا حَدَّا بعددٍ مُعيَّنٍ فاصِلٍ بين الحكم المكَفِّر وغيره!! وقد سبق أن هذا تحكُّمٌ لا دليل عليه.

ثم لماذا يأخذ المعترضون بمفهوم الشّطْر الأول من كلامه -رَحِمَهُ اللهُ-، ولا يأخذون بصريح كلامه – رَحِمَهُ اللهُ – في الشطر الثاني؟ ألا يدلُّ ذلك على أن من لا حجة له فإنه يتعلق ولو بخيط العنكبوت؟!

18 – وقال ابن أبي العز الحنفي شارح «الطحاوية» – رَحِمَهُ اللهُ –: «وهنا أَمْرُ يجب التَّفَطُّنُ له، وهو أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفرًا يَنْقُل عن الملة، وقد يكون معصيةً كبيرةً أو صغيرةً، ويكون كفرًا إما مجازيًا، وإما كُفْرًا أصغر، وذلك حَسَب حال الحاكم:

فإنه إنِ اعْتَقَد أن الحكم بما أنزل الله غَيْرُ وَاجِبٍ، وأنه مُخَيَّر فيه، أو اسْتَهَانَ به مع تَيَقُّنِهِ أنه حُكْم الله؛ فهذا كُفْر أكبر.

وإن اعتقد وجوبَ الحكم بما أنزل الله، وعَلِمَه في هذه الوقعة، وعَدَلَ عنه، مع اعترافه بأنه مُسْتَحِقٌ للعقوبة؛ فهذا عاصٍ، ويُسَمَّى كُفْرًا مجازيًا، أو كُفْرًا أَصْغَر». اهـ([102])

19 – وقال الحافظ ابن كثير – رَحِمَهُ اللهُ تعالى -: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ] [سورة المائدة آية: 44]؛ لأنهم جَحدوا حكم الله قَصْدًا منهم وعنادًا وعَمْدًا، وقال ههنا: [ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ] {المائدة:45} لأنهم لم يُنْصِفوا المظلومَ من الظالم في الأمر الذي أمر الله بالعدل والتسوية بين الجميع فيه، فخالفوا وظلموا وتَعَدَّوْا. اهـ([103])

20 – وقال الشيخ جمال الدين القاسمي – رَحِمَهُ اللهُ –: «كُفْرُ الحاكم بغير ما أنزل الله بقيد الاستهانة به والجحود له؛ هو الذي نحاه كثيرون، وأثروه عن عكرمة وابن عباس». اهـ([104])

21 – وقال صاحب «المنار» الشيخ محمد رشيد رضا – رَحِمَهُ اللهُ –: «وقد اسْتَحْدَثَ كثيرٌ مِن المسلمين من الشرائع والأحكام نحو ما اسْتَحْدَثَ الذين مِنْ قَبْلِهم، وتركوا بالحكم بها بعضَ ما أَنْزَل الله عليهم، فالذين يتركون ما أنزل الله في كتابه من الأحكام، من غير تأويل يعتقدون صحته؛ فإنه يَصْدُقُ عليهم ما قاله الله في الآيات الثلاث، أو في بعضها، كلٌّ بحسَبِ حاله:

– فمَنْ أعرض عن الحكم بحد السرقة، أو القذف، أو الزنى، غَيْرَ مُذْعِنٍ له؛ لاسْتِقْباحِهِ إياه، وتفضيلِ غيرِهِ من أوضاع البشر عليه؛ فهو كافر قَطْعًا.

– ومَنْ لم يحكم به لعلة أخرى؛ فهو ظالم إن كان في ذلك إضاعةُ الحَقِّ، أو تَرْكُ العَدْلِ والمساواة فيه، وإلا فهو فاسق فقط.

– فإننا نرى كثيرين من المسلمين المتدينين يعتقدون أن قضاة المحاكم الأهلية الذين يَحْكُمُون بالقانون كفارٌ أخْذًا بظاهر قوله تعالى: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ] [سورة المائدة آية: 44]، ويَسْتَلْزِم الحُكْمَ بتكفير القاضي الحاكمِ بالقانون تَكْفِيرُ الأمراءِ والسلاطينِ الواضعين للقوانين، فإنهم وإن لم يكونوا أَلَّفُوها بمعارفهم؛ فإنها وُضِعَتْ بإذنهم، وهم الذين يُوَلُّون الحُكَّام ليَحْكُموا بها..

أما ظاهر الآية: فلم يَقُلْ به أحد من أئمة الفقه المشهورين، بل لم يَقُلْ به أحدٌ (قط). اهـ([105])

22 – وقال العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ – رحمهم الله تعالى -:

«… وجاءت السُّنة بأن الطاعة في المعروف، وهو ما أَمَرَ الله به ورَضِيَهُ من الواجبات والمستحبات، وإنما يَحْرُمُ التحكيم إذا كان المسْتَنَدُ إلى شريعةٍ باطلة، تخالفُ الكتابَ والسنةَ، كأحكام اليونان والإفرنج والتتر وقوانينهم، التي مصدرها آراؤهم وأهواؤهم، وكذلك سوالفُ البادية وعاداتُهم الجاريةُ، فمَنْ اسْتَحَلَّ الحُكْمَ بهذا في الدماء أو غيرها؛ فهو كافر، قال تعالى: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ] {المائدة:44}، وهذه الآية ذَكَرَ فيها بعضُ المفسرين:

أن الكفر المراد هنا كُفْرٌ دون الكُفر الأكبر؛ لأنهم فَهِمُوا أنها تتناول مَنْ حَكَمَ بغير ما أنزل الله وهو غير مُسْتَحِلٍّ لذلك، ولكنهم لا ينازعون في عمومها للمستحل، وأن كُفْرَهُ مُخْرِجٌ عن الملة…» ا. هـ.([106])

23- وقال العلامة الأمين الشنقيطي – رَحِمَهُ اللهُ –: «واعلم أن تحرير المقام في هذا البحث:

أن الكفر والظلم والفسق، كل واحد منها أُطْلِقَ في الشرع مُرَادٌ به المعصية،…

[ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ] مُعَارَضَةً للرسل، وإبطالًا لأحكام الله؛ فَظُلْمُهُ وفِسْقُهُ وكُفْرُهُ كُلُّهَا مُخْرِجٌ عن الملة.

[ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ] معتقدًا أنه مُرْتَكِبٌ حرامًا، فاعلٌ قبيحًا؛ فَكُفْرُهُ وظُلْمُهُ وفِسْقُهُ غَيْرُ مُخْرِجٍ من الملة». اهـ([107])

24 – وقال سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم المفتي العام للمملكة العربية السعودية الأسبق – رَحِمَهُ اللهُ –: «وكذلك تحقيق معنى «محمد رسول الله»: مِنْ تحكيم شريعته، والتَقيُّدِ بها، ونَبْذِ ما خالفها من قوانينَ، والأوضاعِ، وسائرِ الأشياء التي ما أنزل الله بها من سلطان، والتي مَنْ حَكَمَ بها، أو حَاكَمَ إليها مُعْتَقِدًا صِحَّةَ ذلك وجوازَهُ؛ فهو كافر الكفر الناقل عن الملة، وإن فعل ذلك بدون اعتقاد ذلك وجوازِهِ؛ فهو كافرٌ الكُفْرَ العَمَلِيَّ الذي لا يَنْقُل عن الملة» ا. هـ.([108])

25 – وقال العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي – رَحِمَهُ اللهُ –: «فالحكم بغير ما أنزل الله من أعمال أهل الكفر، وقد يكون كُفرًا يَنْقُل عن الملة، وذلك إذا اعتقد حِلَّهُ وجوازَهُ، وقد يكون كبيرةً من كبائر الذنوب، ومن أعمال الكفر، قد اسْتَحَقَّ مَنْ فَعَلَهُ العذابَ الشديدَ.. [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ] [سورة المائدة آية: 44]، قال ابن عباس: كُفْرٌ دون كُفْرٍ، وظُلْمٌ دُون ظُلْمٍ، وفِسْقٌ دون فِسْقٍ، فهو ظُلْمٌ أكبرُ عند اسْتِحْلالِهِ، وعظيمةٌ كبيرةٌ عند فِعْلِهِ غَيْرَ مُسْتَحِلٍّ له». اهـ

26– وقال شيخنا محمد ناصر الدين الألباني – رَحِمَهُ اللهُ –: «… ومن هؤلاء المنحرفين: الخوارج قديمًا وحديثًا، فإن أصل التكفير الذي ذكرناه في هذا الزمان هو آيةٌ يدندنون حولها، ألا وهي قوله تعالى: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ] [سورة المائدة آية: 44]، ونعلم جميعا أن هذه الآية قد تكررت وجاءت خاتمتها بألفاظ ثلاثة: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ] {المائدة:44} [ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ] {المائدة:45}، [ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ] {المائدة:47}، فمن تمام جهل الذين يحتجون بهذه الآية في اللفظ الأول منها [ﮪ ﮫ ﮬ]، أنهم لم يُلِمُوا على الأقل ببعض النصوص التي جاء فيها ذكر لفظة الكفر، فأخذوها على أنها تعني الخروج من الدين، وأنه لا فرق بين الذي وقع في الكفر وبين أولئك المشركين من اليهود والنصارى وأصحاب الملل الأخرى الخارجة عن ملة الإسلام، بينما لفظة الكفر في لغة الكتاب والسنة لا تعني-دائمًا- هذا الذي يدندنون حوله، ويسلطون هذا الفهم الخاطئ على كثيرين، وهم بريئون منه، فشأن لفظة «الكافرون» من حيث إنها لا تدل على معنى واحد شأن اللفظين الآخرين: «الظالمون» و «الفاسقون» فكما أن من وُصِفَ أنه ظالم أو فاسق لا يعني بالضرورة أنه مرتد عن دينه، فكذلك من وُصِفَ بأنه كافر سواء بسواء، وهذا التنوع في معنى اللفظ الواحد هو الذي تدل عليه اللغة، ثم الشرع الذي جاء بلغة العرب: لغة القرآن الكريم، فمن أجل ذلك كان الواجب على كل من يتصدى لإصدار الأحكام على المسلمين -سواء كانوا حكامًا أو محكومين- أن يكون: على علمٍ بالكتاب والسنة على ضوء منهج السلف الصالح، والكتاب والسنة لا يمكن فهمهما -وكذلك ما ضم إليهما- إلا بطريق اللغة العربية وآدابها، فإن مما يساعده في استدراك ذلك الرجوع إلى فهم من قبله من الأئمة والعلماء، خاصة إذا كانوا من أهل القرون الثلاثة المشهود لها بالخيرية.

نعود الآن إلى هذه الآية: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ] [سورة المائدة آية: 44]، فما المراد بالكفر فيها؟ هل هو الخروج عن الملة أو غير ذلك؟

هنا الدقة في فهم هذه الآية، فإنها قد تعني الكفر العملي، وهو الخروج بالأعمال عن بعض أحكام الإسلام، ويساعدنا في هذا الفهم حبر الأمة وترجمان القرآن، ألا وهو عبد الله بن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-، لأنه من الصحابة الذين اعترف المسلمون جميعًا إلا من كان من تلك الفرق الضالة على أنه إمام فريد في التفسير، وكأنه طرق سمعه يومئذ ما نسمعه اليوم تمامًا، أن هناك أناسا يفهمون الآية على ظاهرها دون تفصيل، فقال رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «ليس الكفر الذي تذهبون إليه، إنه ليس كفرا ينقل عن الملة، هو كفر دون كفر» ولعله يعني بذلك الخوارج الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، ثم كان من عواقب ذلك أنهم سفكوا دماء المؤمنين، وفعلوا فيهم ما لم يفعلوا بالمشركين، فقال ليس الأمر كما قالوا أو ظنوا، وإنما هو كفر دون كفر، هذا الجواب المختصر الواضح من ترجمان القرآن في تفسير هذه الآية: هو الذي لا يمكن أن يُفْهَم سواه من النصوص التي أَلْـمحتُ إليها آنفا في مطلع كلمتي هذه». اهـ([109])

27 – وقال سماحة الإمام القدْوة عبد العزيز بن باز – رَحِمَهُ اللهُ –: «فقد اطَّلَعْتُ على الجواب المفيد القيم، الذي تَفَضَّلَ به صاحبُ الفضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني -وفقه الله- المنشور في صحيفة (المسلمون)
-نقلًا عن المجلة السلفية- الذي أجاب به فضيلته على من سأله عن تكفير مَنْ حَكَم بغير ما أنزل الله من غير تفصيل؛ فَأَلْفَيْتُهَا كلمةً قَيِّمَةً، أصابَ فيها الحَقَّ، وسلَكَ فيها سبيلَ المؤمنين، وأَوْضَح – وفقه الله -:

أنه لا يجوز لأحد من الناس أن يُكَفِّر مَنْ حَكَمَ بغير ما أنزل الله بمجرد الفعل من دون أن يَعْلَم أنه اسْتَحَلَّ ذلك بقلبه، واحتج بما جاء في ذلك عن ابن عباس – رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا – وعن غيره من سلف الأمة، ولا شك أن ما ذَكَرَهُ في جوابه في تفسير قوله تعالى: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ] [المائدة: 44]،، [ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ] {المائدة:45}، [ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ] {المائدة:47}، هو الصواب. وقد أوضح – وفقه الله – أن الكُفْر كفران: أكبر وأصغر، فمَن اسْتَحَلَّ الحُكْمَ بغيرِ ما أنزل الله، أو الزنى، أو الربا، أو غيرها من المحرمات المُجْمَعِ على تحريمها؛ فقد كفر كُفْرًا أَكْبَرَ، وظَلَمَ ظُلْمًا أَكْبَرَ، وفَسَقَ فِسْقًا أكبر، ومن فعلها بدون اسْتِحْلَال؛ كان كُفْرُهُ كُفْرًا أَصْغَرَ، وظُلْمُهُ ظُلْمًا أَصْغَرَ، وهكذا فِسْقُهُ؛ لقول النبي – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – في حديث ابن مسعود – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: «سِبَابُ المسلم فُسُوقٌ، وقِتَالُهُ كُفْرٌ»، أراد بهذا – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – الفسق الأصغر والكفر الأصغر، وأطلق العبارة تنفيرًا من هذا العمل المنكر». اهـ([110])

وقد سئل سماحة الشيخ الإمام عبد العزيز بن باز – رَحِمَهُ اللهُ –:

هل فيه فرق بين التبديل كَكُلٍّ والحُكْمِ في قضية واحدة؟

الجواب:

«إن كان لم يَقْصِد بذلك الاستحلالَ، وإنما حَكَمَ بذلك لأجل أسباب أخرى؛ يكون كُفْرًا دون كُفْرٍ، أما إذا قال: يُبَاح، لا حَرَجَ في الحُكْمِ بغيرِ ما أنزل الله، وإن قال: الشريعةُ أفضلُ، لكن إذا قال: ما فيه حَرَجٌ، مُبَاٌح؛ يَكْفُرُ بذلك كُفْرًا أكبر، سواء قال: إن الشريعةَ أفضلُ، أو مساويةٌ، أو رآه أفضلَ من الشريعة؛ كُلُّهُ كُفْر، نسأل الله العافية.

يعني في جميع الصور، لكن يجب مَنْعُ ذلك، وهو كُفْرٌ دون كُفْرٍ، يجب أن يُمْنَعَ، ولو قال: إني ما اسْتَحْلَلْتُهُ، ولو قال: إن بيني وبين فلان عداوةً أو رشوةً؛ يجب أن يُمْنَعَ، ما يجوز لأحد أن يَحْكُم بغيرِ ما أنزل الله مُطْلَقًا، ولو بينه وبين المَحْكُوم عليه عداوة، أو لأسباب أخرى، يجب على ولي الأمر أن يَمْنَعَ من ذلك، وأن يَحْكُمَ بشرع الله ([111]).

28 – وسُئِل فضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين – رَحِمَهُ اللهُ –:

عن الآية الكريمة في قوله تبارك وتعالى: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ] [سورة المائدة آية: 44]، على من تنطبق هذه الآية الكريمة مأجورين؟

فأجاب رَحِمَهُ اللهُ تعالى: «هذه الآية قيل: إنها نزلت في اليهود، واستدل هؤلاء بأنها كانت في سياق توبيخ اليهود، قال الله تعالى: [ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ] {المائدة:44}.

وقيل: إنها عامة لليهود وغيرهم، وهو الصحيح؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

ولكن ما نوع هذا الكفر؟

قال بعضهم: إنه كفر دون كفر، ويروى هذا عن ابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-، وهو كقوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمْ-: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر»، وهذا كفر دون كفر، بدليل قول الله تعالى: [ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ] {الحجرات:9-10}.

فجعل الله تعالى الطائفتين المقتتلتين إخوة للطائفة الثالثة المصلحة، وهذا قتال مؤمن لمؤمن، فهو كفر، لكنه كفر دون كفر.

وقيل: إن هذا- يعني قوله تعالى: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ] – ينطبق على رجل حكم بغير ما أنزل الله بدون تأويل، مع علمه بحكم الله -عَزَّ وَجَلَّ-، لكنه حكم بغير ما أنزل الله معتقدًا أنه مثل ما أنزل الله أو خير منه، وهذا كفر؛ لأنه استبدل بدين الله غيره». اهـ([112])

29 – وسئلت اللجنة الدائمة: متى يجوز التكفير؟ ومتى لا يجوز؟ وما نوع التكفير المذكور في قوله تعالى: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ] [المائدة: 44]؟

الجواب: «… أما قولك: (متى يجوز التكفير؟ ومتى لا يجوز؟): فنرى أن تبيِّن لنا الأمور التي أُشْكِلَتْ عليك، حتى نُبَيِّنَ لك الحُكْمَ فيها.

أما نوع التكفير في قوله تعالى: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ] [المائدة 44]: فهو كفر أكبر؛ قال القرطبي في «تفسيره»: (قال ابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ومجاهد – رَحِمَهُ اللهُ -: ومن لم يَحْكُم بما أنزل الله رَدًّا للقرآن، وجَحْدًا لقول الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ فهو كافر) انتهى. وأما مَنْ حَكَمَ بغيرِ ما أنزل الله، وهو يعتقد أنه عاصٍ لله، لكن حَمَلَهُ على الحُكْمِ بغير ما أنزل الله ما يُدفعُ إليه: من الرشوة، أو غيرُ هذا، أو عداوتُه للمحكوم عليه، أو قرابته، أو صداقَتُهُ للمحكوم له، ونحو ذلك: فهذا لا يكون كُفْرُهُ أَكْبَرَ؛ بل يكون عاصيًا، وقد وقع في كُفْرٍ دون كُفْرٍ، وظُلْمٍ دون ظُلْمٍ، وفِسْقٍ دون فِسْقٍ، وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اهـ

عضو عضو نائب الرئيس

عبد الله بن قعود، عبد الله بن غديان، عبد الرزاق عفيفي

الرئيس

عبد العزيز بن باز([113])

قلت: وأما قول اللجنة في بداية جوابها: «فهو كفر أكبر» فمحمول على الجاحد؛ بدليل ما جاء بعده بجلاء، والله أعلم.

وسئلت اللجنة أيضًا:

من لم يحكم بما أنزل الله، هل هو مسلم أم كافر كفرا أكبر، وتُقْبَلُ منه أعمالُهُ؟

الجواب: «قال تعالى: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ] {المائدة:44}، وقال تعالى: [ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ] {المائدة:45}، وقال تعالى: [ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ] {المائدة:47}، لكن إن اسْتَحَلَّ ذلك واعْتَقَدَهُ جائزا؛ فهو كُفْرٌ أَكْبرُ، وظُلْمٌ أَكْبرُ، وفِسْقٌ أَكْبَرُ يُخْرِجُ من الملة، أما إن فَعَلَ ذلك من أجل الرشوة، أو مقصد آخر، وهو يعتقد تحريم ذلك؛ فإنه آثِمٌ، يُعْتَبَرُ كافِرًا كُفْرًا أَصْغَرَ، وظَالِمًا ظُلْمًا أَصْغَرَ، وفَاسِقًا فِسْقًا أَصْغَرَ، لا يُخْرِجُهُ من الملة، كما أوضح ذلك أهلُ العلم في تفسير الآيات المذكورة».

وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

عضو… نائب رئيس اللجنة… الرئيس

عبد الله بن غديان… عبد الرزاق عفيفي… عبد العزيز بن عبد الله بن باز([114])

(تنبيه) تلخَّص مما سبق أن الحكم بغير ما أنزل الله يكون كفرا أصغر، إذا كان الحاكم به يعترف بأن حكم الله هو الحق، وما دونه فصاحبه عاصٍ لله -جل شأنه-.

فإن قيل: وكيف نعرف أن الحاكم بغير ما أنزل الله يعترف بذلك؟

فالجواب: أننا إذا لم نتمكن من معرفة ذلك فالأصل أنه لا تكفير للمسلم مع الاحتمال، بل لو صدرت منه عبارات تدل على الاستحلال وما في معناه، وهذا كثير في واقع كثير من الحكام، فالأصل أن تكفير المسلم وإخراجه من الإسلام لتكلُّمه أو فِعْله ما يكون به كافرا؛ لا يتم ذلك إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة.

فإن قيل: وكيف نصِلُ إليه، حتى نقيم عليه الحجة؟

والجواب: يبقى محكومًا له بالإسلام، ولا يكلفنا الله -جل وعلا- إلا بما نستطيع، [ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ] {البقرة:286}، وأمر التكفير للأعيان ليس حِمْلًا ثقيلًا على الظهور والأعناق، ولابد أن نسعى للتخَلُّص منه؛ بإلقائه عن ظهورنا وأعناقنا، ولو بتكفير الأعيان دون مراعاة الشروط والموانع، فهذه قواعد لابد من مراعاتها، وأمر التكفير يترتب عليه أحكام كثيرة جدًّا في المجتمعات، ولا يجوز التعجُّل أو التهوُّر في ذلك؛ بل لابد من الرجوع فيه إلى كبار أهل العلم والحلم والفهم، والله أعلم.

🕮 🕮 🕮