كتب للقراءة

إتحاف الحصيف بتحذير مشاهير العلماء من فوضى التبديع والتصنيف

إتحاف الحصيف بتحذير مشاهير العلماء من فوضى التبديع والتصنيف

إِتْحَافُ الحَصِيف

بِتَحْذِيرِ مَشَاهِيرِ العُلَمَاءِ مِنْ فَوْضَى التَّبْدِيعِ وَالتَّصْنِيف

1445هـ / 2024 م

رقم الإيداع:

الترقيم الدولي:

إِتْحَافُ الحَصِيف

بِتَحْذِيرِ مَشَاهِيرِ العُلَمَاءِ
مِنْ فَوْضَى التَّبْدِيعِ وَالتَّصْنِيف

كَتَبَهُ

أَبُو الْحَسَنِ مُصْطَفَى بْنُ إِسْمَاعِيْلَ السُّلَيْمَانِيُّ

غَفَرَ اللهُ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ

المقدمة

المقدمة

الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى؛ أما بعد:

فلا شك أن الدين النصيحة، وأن المؤمنين نَصَحة، ومَنْ نَصَحَك بالطريقة الشرعية الصحيحة؛ فقد صَدَقَك، وأخَذَ بيدك إلى الله -جلَّ شأنه- وصَدِيقُك مَن صَدَقَك لا مَنْ صَدَّقَك، والنَّاصِحُ مأجور إذا حَسُنَت نيته، والمنصوح مأجور باستجابته، حتى وإن خَشُنت عبارة الناصح؛ فالمنصوح يَقْبَل جوهر كلامه -وهو الرجوع عن الخطأ- ويَدَع نيته وأسلوبه الجافي فيما بينه وبين ربِّه؛ فالحق ضالة المؤمن، حيثما وجدها أخذها، وإن كان مُوصِلُها إليه عدوًّا لدُودًا.

ولا شك أن التناصح بين أهل العلم من أهم الأمور؛ صيانةً للحق، وحِفَاظًا عليه، وتصفية للمنصوح، لكن النصيحة إذا خرجت عن ضوابطها؛ أفسدت -وإن كان هذا ليس عُذْرًا لردّ الحق إذا ظهر دليله-.

والكلام على شروط الناصح والنصيحة مشهور بين أهل العلم، ومبسوط في مواضعه من كتبهم؛ فلا حاجة لذكره في هذا المقام.

ومن أشهر من خالف هذه الضوابط -ممن ينتسب إلى العلم، وعَظُمَت به الفتنة- في هذا الزمان -فيما أعلم- هو الشيخ ربيع بن هادي بن عمير المدخلي -حفظه الله- ومُقَلِّدُوه في أنحاء البلاد- ألْهَمَنا الله وإياهم رُشْدنا، وأخذ بنواصينا ونواصيهم إلى التي هي أَحْسَن، وكفانا وإياهم شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا-.

ولما رأيتُ أثر هذا الانحراف عن المنهج الصحيح عند علماء الإسلام -سلفًا وخلفًا- على دعوة أهل السنة الصافية النقية في هذا العصر سيِّئًا قبيحًا حالًا ومآلًا: كافتراق صفّ الدعاة وطلاب العلم، واشتغالهم بالطعن في بعضهم بعضًا، بل الطعن في النيات والمقاصد التي لا يعلم بحقيقتها إلا علّام الغيوب -جل ثناؤه- مما ترتب على ذلك انشغالهم عما يقوِّي الدعوة وينشرها، ويقمع البدعة ويدحرها، واستعملوا الغلظة والجفاء في التعامل بينهم، واستعمال أقْسَى العبارات وأفْحشها في التجريح للمخالف لهم؛ وقد يصلون إلى تكفيره -تارة بالتصريح، وتارة بلازم قولهم- وتبديعه غالبا، وتضليله، ونِسْبَة القبائح إليه في اعتقاده ونيته وسريرته، بل وفي خاصَّته وأهله وقبيلته أو دولته ومهنته وحرفته، وتعييره بذلك تشبُّهًا بأهل الجاهلية، وما يَتْبَع ذلك من هَجْره، والإساءة إليه، والشماتة به حتى في مرضه، والدعاء عليه بالأسقام والآلام والموت للتخلص منه، وقد يسلك بعضهم مسلك الوشاية به عند من يقدر على إيذائه، أو إيذاء أحد من أقاربه… إلخ، وكأن مُخَالفهم هذا رَأْسٌ من رؤوس الكُفْر والزندقة والإجرام والتفسُّخ والانتهاك لحرمات الله!!

كل هذا مع سلامة كثير من الكفَّار ومشاهير رؤوس أهل البدع، ودعاة التَّفَسُّخ والتَّهَتُّك والرذيلة، ودعاة التشكيك في أصول الإسلام وثوابته منهم أو من كثير منهم، مع كون هؤلاء الأعداء من الكفار والمنافقين وجهلة المسلمين يموِّلُون دعاة الكفر والرذيلة والبدع العُظمى والمنظمات التي تُنَفِّذ هذه المشاريع الشيطانية، ومنها «المثلية» ليلًا ونهارًا على مَرْأَى ومَسْمَع من الجميع في بلاد الإسلام!!!

ولا يَخْفَى على أحد ما يعانيه أولياء الحق وأنصاره -لا سيما العلماء والدعاة وطلاب العلم- اليوم من تشويه لهم، ورميهم -كذبًا وزورًا وخُبْثًا بالإرهاب الفاجر، وإن كان هناك ممن ينتسب إلى الدعوة -وهو منحرف ضال- من يسلك مسلك الإرهاب الدموي- والتضييق بجميع الصور عليهم، وتنفير الناس عن الثقة بهم، والاستفادة منهم، ومجالستهم، أو الاستماع إليهم،… إلخ.

ومع هذه الوطأة الشديدة على الدعوة والدعاة، والمكر الكُبَّار في الليل والنهار؛ إلا أن الدعاة إلى الله وإلى الإسلام الصافي من البدع والخرافات والشُّبَه والشهوات صابرون محتسبون، ويسيرون فيما أوجبه الله عليهم من البلاغ للحق، والدعوة إلى التمسُّك بثوابت الدين وأصوله وأحكامه وأخلاقه ومكارمه، والتَّصَدِّي لدعاة الشرّ على اختلاف صُوَرهم، وكَشْف مخططاتهم ومؤامراتهم على الإسلام وأهله، بل على الفضائل والمكارم والرجولة، كل ذلك بالحكمة والعلم والحلم -على قدر استطاعتهم-، ويردُّون على كل من خالف السنة الصافية، سواء كانوا من الكفار بجميع مِلَلِهم، أو من داخل صفوف المسلمين من أهل البدع والأهواء على اختلاف نِحَلِهم.

ومع هذه الجهود المتواضعة -حسب الاستطاعة من الصالحين المصلحين- أمام هذه الهجمات الشرسة، ومحاصرة الأعداء والجهلاء من المسلمين للدعوة من كل جانب: سياسيًّا، وعسكريًّا، وإعلاميًّا، ومادِّيًّا، واجتماعيًّا، وثقافيًّا، وتربويًّا… إلخ، إلا أن الله نفع بهذه الجهود الصادقة؛ لأنها تصُبُّ في خدمة الدين وحفْظه بالحكمة والموعظة الحسنة، والله -جلَّ ثناؤه- قد تَكَفَّل بحفظ هذا الدين: [ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ] {الحجر:9}، فلله الحمد والمنَّة.

ولم يستسلم الدعاة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة لهذه الضغوط؛ لأنهم ليسوا في سعة من أمرهم؛ إذْ هم مُكَلَّفون أن يتمسَّكوا بالحق، ويبلِّغُوه غيرهم حسب استطاعتهم، وبالطريقة النبوية والسلفية العتيقة لا الخَلَفِيَّة العقيمة المثيرة للفوضى والفتن، والزَّجِّ بالدعوة والمجتمعات في غياهب القلاقل والفوضى، والهدم لكل نافع في الدين والدنيا، فنسأل الله البصيرة بالحق والثبات عليه.

ومع هذا كله؛ إلا أن فِرْقَة الغُلاة الجُفاة هذه التي أشرتُ إليها سابقًا رَمَتْ هؤلاء الدعاةَ والمصلحين والدعوةَ في بلاد العرب والعجم بسهام فتَّاكة وخناجر مسمومة -وإن كانوا في الجملة مع المبالغة في حُسْن الظن بهم متأوِّلين مخطئين- إلا أنهم عملوا من حيث لا يَشْعرون لصالح أعداء الدعوة الظاهرين، المكَشِّرين عن أنيابهم، والسَّالِّين عليها سيوفهم، من أهل الأهواء والأعداء… إلخ؛ فطعنوا في الدعاة المشاهير بالسنة، وحذَّرُوا الناس من الأخذ عنهم، وإذا لم يأخذ الناس من العلماء وطلاب العلم من أهل السنة؛ فإما أن يَتَلَقَّفَهُم دعاة البدع والأهواء، أو يغترُّوا بألاعيب وشبهات الإعلام الفاجر، أو يتركوا التديُّن من أصله، وهذا ما يسعى إليه الأعداء، ويساعدهم -بدون شعور وإدراك- هؤلاء الغلاة، فوضعوا قواعد مَوْتُورة مشؤومة
-ظانِّين أنها من أصول الدين- ففرَّقُوا بها الصفوف، وأوغروا بها قلوب الدعاة وطلاب العلم والعوامّ الصادقين على بعضهم، وشغلوا هؤلاء وأولئك عن القيام بواجبهم تجاه دينهم، فكَرَّسوا جهودهم في الاشتغال بجَمْع أخطاء بعضهم، والتحذير منهم في كل المسائل، وكما قيل:

فمَن ذا الذي تُرضَى سَجَاياهُ كُلُّهاكَفى المَرءَ نُبلًا أَنْ تُعَدَّ مَعايِبُهْ!!

ولا أحد في الأمة أكبر من الحق، والنُّصح واجب بين المسلمين، ولكن القوم سلكُوا مَسْلَكًا آخر؛ فشغلوا الناس الصالحين في الأمة ببعضهم، وشغلوهم عن التصَدِّي لما يفعله أعداؤهم من الكفار وأهل البدع، وجعلوا قبلة المحبين إلى الخير -مع جهلهم بالسبيل- إلى الاشتغال بأخطاء مشاهير الدعاة وطلاب العلم من أهل السنة، حتى وإن كانت شكلية أو لفظية أو فرعية أو أصلية غير مقصودة، أو كانت بسبب شبهة طرأتْ عليهم تحتاج إلى إزالة عمن وقع فيها، لكن بحكمة وعلم وحلم، لا بغلظة وحقد وكيد وسوء ظن!!

علمًا بأن هذا الحزب الفاسد المُفْسد اشتهر عن كثير من أصحابه أنهم ما أن يسمعوا بداعية مُؤَثِّر في الساحة الدعوية، وقد نفع الله به في بلاده، وطار صيته في البلاد شرقًا وغربًا، وهو على خلاف منهجهم في تبديع من يبدِّعون من علماء ودعاة أهل السنة؛ إلَّا نَشِطَت نفوسهم لاستماع أشرطته-وإن كثرتْ-، وقراءة كتبه، ومتابعة حلقاته ومحاضراته… إلخ، لا للاستفادة منها، ولكن عسى أن يقفوا فيها على شيء من الزلات -وكلنا أهل زلل- فما أن يجدوا شيئًا يظنون أنه من الأخطاء-وإن كان حقا صافيا، لكنهم لا يفقهونه-؛ إلا طاروا به فرحًا، ويُبشِّر الواحد منهم الآخر: ألا تدري ما قال فلان؟! ثم يشيعونها في وسائل التواصل التابعة لهم: تشهيرًا بالرجل، وتحذيرًا من الاستفادة منه مطلقًا، حتى لو سلَّمنا بأنه خطأ حقيقة -لا توهُّمًا منهم- فهل سلك هؤلاء المتهورون سبيل النصيحة الذي ثبتت به السنة، ودَرَجَ عليه علماء الأمة سلفًا وخلفًا؟ وهل أرادوا بما فعلوا هداية هذا الرجل الذي أخطأ وإنقاذه عن عذاب الله؟ فحسبنا الله ونعم الوكيل.

وقد ردَّ كثير من أهل العلم -جزاهم الله خيرًا- من كُلِّ جانب وبكلِّ الوسائل المقروءة والمسموعة والمرئية -ولله الحمد- على هذه الطريقة الفاسدة المفسدة، وأظهروا الأدلة على عَوَار وسوء حال ومآل هذا المنهج الغالي الباغي، ونقلوا الأدلة القرآنية والنبوية وأقوال السلف على ذمّ من سلك هذا المسلك؛ بل نقلوا عن العلماء المعاصرين -الذين يزعم الغلاة أنهم يُقِرُّون شيخهم ربيعًا المدخلي -وفقه الله- على هذا الغلو في الأحكام!! وكنتُ -ولله الحمد- واحدًا ممن شارك في هذا البيان وكَشْف ما عليه قواعد وأصول دعوة الشيخ ربيع المدخلي وحزبه الغالي الجافي، وذلك في عدد من الكتب والأشرطة، التي نقلْت فيها الأدلة من الكتاب والسنة الصحيحة وكلام علماء السنة سلفا وخلفا، و«الأعمال بالنيات»!!

إلا أن الغُلاة شِيبًا وشُبَّانا استمروا في تَشَدُّقِهم وتَشَبُّعِهم -كذبًا وزورًا- بادعاء أنهم يسيرون فيما هم فيه من البلاء الذي وَصَفْنا بعضا منه على منهج كبار أهل العلم في هذا العصر!! ومَوَّهُوا ببعض الفتاوى من كلام بعضهم، الذي وضعوه في غير محلِّه، أو حمَّلوه ما لا يحتمل، أو نَزَّلُوا أحكامًا عامَّة من بعض العلماء على أعيان بريئين من هذه الأقوال التي تُنْسب إليهم، ولم يقصد العالم من الكبار بفتواه فلانًا بعينه، بل لما ذُكِر لبعضهم أنك قلت في فلان كذا؛ أنكر ذلك، بل أثنى على الشخص الذي أَنْزَل الغلاة كلام هذا العالم عليه، وهذا العمل من الغلاة من جملة الأسئلة الملغَّمَة من السائل بسوء فَهْمٍ وسوء قَصْد منه… إلخ!!!

فلما رأيتُ الأَمْرَ أمْرًا مُنْكَرًا؛ أردتُ أن أوضِّح -أيضًا- براءة عدد من كبار ومشاهير علماء هذا العصر من هذا المنهج المشؤوم، الذي سَلَكَهُ الشيخ ربيع وحِزْبُه المهرولون وراءه -وإن اختلف كثير منهم مع الشيخ ربيع بعد ذلك؛ نظرا لكونهم جميعا غلاة مسرفين، والغلو شأنه ومآله التفرُّقُ والتشظِّي، ومنهم من قد يعتدل، ويسير على الجادة، ومنهم من يميل إلى التفريط والتمييع والذوبان- إلا أنه ليس المعيار والميزان عندنا في البراءة من منهج الغلو: هو الاختلاف مع الشيخ ربيع، فكم من مخالف له -وكان من أنصاره من قبل- لازال غاليًا مسرفًا مع من يخالفه، حتى مع أصحابه بالأمس، بل قالوا في بعضهم ما لا نَسْتَحِلُّه، ولا نفرح به؛ لأنه من جملة البلاء والمنكر الذي نتصدَّى له ولأمثاله، سواء صدرَ من قريب أو بعيد، دون النظر إلى كونه مُوَجَّهًا إلينا أو إلى غيرنا، فالشرُّ كله شرّ حيثما كان، وضد من كان، وسواء صَدَرَ من صاحبٍ لنا أو مخالف لنا؛ فالواجب إنكاره؛ لأنه لا يُرْضِي الله -جل ثناؤه- فليس كل من اختلف مع الغلاة قد وُفِّق إلى الاعتدال؛ بل منهم من يكون أشد غلوًّا، ولسنا نفرح بكل من يختلف مع هذا الحزب، بل هذا الحزب قد يكون أقرب إلى الحق من بعض من يخالفه، ولذلك فنحن -ولله الحمد- ننكر الانحراف والتجاوز أو التفريط ممن كان وضد من كان، بل يجب رد الباطل وإنكارُهُ بالقَدْر الوارد في شريعة الله -جل شأنه- دون إفراط أو تفريط!!

وقد وفقني الله لمعرفة غُلُوِّ وانحراف الشيخ ربيع المدخلي مبكِّرا، في الوقت الذي كان يبالغ في مدحي والثناء عليَّ بما لم أبلُغْه، ولم أكن أفرح بذلك؛ لأنه لا يفرح بالمدح -لاسيما إذا كان مبالغًا فيه- إلا مغرور مفتون.

وكنت أناقش الشيخ ربيعًا -وفقه الله- كثيرًا في مكتبته -وغالبًا ما يكون بيني وبينه- فيما أراه يخالف فيه الأدلة وجادّة أهل العلم سلفا وخلفا، وكان يستثقل هذا مني؛ لأن أتباعه عوّدوه على القبول منه لكل ما قال لهم دون أدنى مناقشة، واستمر هذا طويلا، وكنت أُذكِّر نفسي بأنه ليس كل خلاف يوجب الفُرقة، والرجل في جهات أخرى له مواقف حسنة في خدمة السنة، يُشْكر عليها، والصبر على المناصحة والمناقشة أولى من الفُرقة والشقاق، لاسيما والأمة عامة والدعوة خاصة تمر بأحداث توجب الائتلاف لا الاختلاف ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، أو على الأقل توجب تأجيل الكلام في مسائل الخلاف بين الدعاة إلى التوحيد والسنة، أمام هجمة الأعداء من الداخل والخارج، وتجنيد الأعداء أهلَ البدع لحرب أهل السنة!!

لكن الشيخ ربيعا -سلَّمَهُ اللهُ- لا يقبل من أحد إلا أن يوافقه في كل شيء – حتى في المسائل الاجتهادية البحتة – وإلا يعُدُّه قد خالفه في كل شيء؛ وهذا منهجٌ مُحْدَثٌ مُبْتدَعٌ، لا يعرفه علماؤنا سلفا وخلفا!!

ففكَّرْتُ في كتابة كتابي «السراج الوهّاج بصحيح المنهاج»، الذي ذكرتُ فيه معتقدي الموافق لمعتقد أهل السنة والجماعة، وعرَّجْتُ فيه على كل المسائل المنهجية والدعوية التي خالف فيها بعضُ الجماعات وبعضُ الدعاة ما عليه أهلُ السنة، ومن جملتهم الشيخ ربيع المدخلي – سلَّمَهُ اللهُ – وأرسلتُ هذا الكتاب في سنة 1417هـ إلى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ولكثرة أشغاله أحاله الى نائبه آنذاك سماحة الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ – حفظه الله – فقرأ الكتاب، وأشار إلى بعض المواضع اليسيرة جدًّا التي قد يُساءُ فهمها من بعض الناس مع كونها منتزعة من كلام علماء السنة سلفا وخلفا-، وراعيتُ ذلك أيضًا، وأَبْعَدتُها من الكتاب، وأرسلته لصاحب الفضيلة الشيخ ابن عثيمين فقرأه مرة بعد أخرى، وأُعجب به، ثم أرسلته لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين وكل من هؤلاء قدَّم للكتاب أو ذكر موقفه من الكتاب، والجميع قد أثنى على الكتاب – ولله الحمد – وهذا كله في مقدمة الكتاب، وهذا يدل على عدم رضاهم عما عليه الشيخ ربيع -فيما خالفته فيه، وأثبتُّه في كتابي على خلاف ما هو عليه-!!

وعندما أردتُ طباعته؛ ألَحَّ عليَّ شيخ عزيز عليَّ، وطلب مني أن أعرضه على الشيخ ربيع المدخلي – سلَّمَهُ اللهُ – فقلت له: يا أخي الكريم، إن في هذا الكتاب الذي أقره هؤلاء العلماء كلاما يخالف ما عليه الشيخ ربيع في كثير من المسائل الدعوية والمنهجية، وأنا مختلف معه فيها من سنوات، وأردتُ أن أعرض هذا الخلاف على بعض العلماء الكبار دون أن أتعرضّ في هذا العرض للشيخ ربيع، وعسى أن يقف على الكتاب -وقد أقر العلماءُ المواضع التي تنقض قواعده وأصوله المخالفة- إلا أنه ازداد إلحاحًا، بل استحلفني بالله أن أرسله إليه؛ فأرسلته إليه مع علمي وعلمه أيضًا بما بيني وبينه!!

فعندما قرأه الشيخ ربيع – سلَّمَهُ اللهُ – أرسل إليَّ اعتراضه عليه في سبْع وخمسين مسألة، ولم يكن هذا مفاجئًا لي؛ لأني كنت أناقشه في ذلك وغيره خلال عدة سنوات!!

ثم طبعت الكتاب – ولله الحمد -.

وهذا الموقف من الشيخ ربيع – أكرمنا الله وإياه بحسن الخاتمة – يدل على أنه لا يرتضي ما ارتضاه هؤلاء الكبار من العلماء في هذه النقاط، مع أن صاحب الفضيلة الشيخ ابن عثيمين لما كلمه رسولي أن يذكر موقفه من الكتاب بعد قراءته الأولى وقد قال لرسولي إليه: الكتاب أعجبني، لكن إذا أردت إثبات موقفي منه؛ فالمطلوب أن يُعاد إليَّ الكتاب مرة أخرى، وكلَّمني رسولي إليه بذلك: فأعدتُه عليه، فقرأه فضيلته، وذكر كلمته الموجودة في مقدمة الكتاب.

وهذا كله يدل على أن الشيخ ربيعًا – سلَّمَهُ اللهُ – لا يسير في هذه المسائل الدعوية التي خالفته فيها على طريقة العلماء، فهذا مثال عمليٌّ حصل لي معه، وأما الأمثلة الأخرى من كلام العلماء، فستظهر على صفحات هذا الكتاب – إن شاء الله تعالى – فهل بعد هذا كله يغْترُّ عاقل بدعوى الشيخ ربيع وحزبه الغالي بأنهم يسيرون على منهج كبار علماء أهل السنة في هذا العصر، وإن كبار العلماء يزكُّون منهجهم ومواقفهم من كل من اختلفوا معه؟! وأنهم أحق الناس بالسنة والاقتداء بعلمائها سلفا وخلفا؟!

وبناءً على ذلك: فقد جمعتُ -بإعانة الله لي ثم بعض إخواني- كلام عدد من هؤلاء العلماء الكبار أو المشاهير المعاصرين في التحذير من هذا الفِكْر المُحْدَث المُبْتَدَع؛ حتى لا يبقى شيء للغلاة يمَوِّهون به على المساكين، وذلك بعد حَشْدي للأدلة وأقوال العلماء -سلفًا وخلفًا- في عدة كتب ورسائل وأشرطة على بطلان منهج هؤلاء الغلاة، وبقيتْ لهم هذه الثَّغْرة، يَنْفُثون منها سمومَهم في مسامع كثير ممن يحبُّون الحق، ويجهلون سبيله، فيُغَرِّرُون عليهم بقولهم: إن كبار العلماء المعاصرين يُقِرُّون الشيخ ربيعًا على طريقته وأحكامه على كل من خالفه، فقَوِيَتْ همَّتي لجمع مادة هذا الكتاب؛ راجيًا أن يقطع الله به وبغيره دابر هذه البدعة الشنيعة؛ فلا حاجة بعد ذلك للتلفيق والتزوير والدعاوى الكاذبة على العلماء!!!

والمقصود عندي من هذا الكتاب: إثبات الحجة على دحْر ادعاءات الغلاة بأن كبار علماء السنة في هذا العصر يؤيدون ما عليه شيخهم ربيع المدخلي -وفقه الله- ويؤيدون طعنه في الدعاة والجماعات والأفراد حذْو القُذَّة بالقُذَّة، وسيظهر من خلال صفحات هذا الكتاب -إن شاء الله تعالى- البونُ الواسع والفَرْق الشاسع بين كلام العلماء وطريقتهم وكلام شيخهم وطريقته!! ولا يلزم من نَقْلي كلام العالم في هذا الموضع: أنني أقره على كل ما يقوله جملة وتفصيلا؛ فما من العلماء إلا رادٌّ ومردود عليه، وكل منهم ومن هو أعلم منهم يصيب ويخطئ إلا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فيؤخذ الحق منه، ويُترك الخطأ من كل أحد.

والمقصود عندي في هذا المقام: هو بيان مخالفة الكبار والمشاهير من العلماء المعاصرين للزوبعة التي أثارها الشيخ ربيع وحزبه في المشارق والمغارب، ولذا أنقل كلام العالم منهم، وقد لا أدري صحة موقفه بإطلاق من جماعة ما أو شخص بعينه.

وبعد أن يقف المرء على هذا الكمّ الهائل من فتاوى وتوجيهات ونصائح كبار ومشاهير علماء العصر؛ فلا يَبْقَى مُصِرًّا على أكذوبة: «كبار العلماء يُقِرُّون الشيخ ربيعًا على مواقفه وأحكامه ضد من خالفه» إلا من هو سقيم الفهم، أو صاحب هوى، أو يهرول وراء أطماع من وراء حزبهم، أو يخاف من سلاطة ألسنتهم الحداد عليه، أو يحذر جفوة من وراءه من جهلة الأتباع، والله المستعان!!!

وأسأل الله الصدق والقبول والنفع وبراءة الذِّمَّة والهداية للجميع.

وقبل البدء في ذلك أُنَبِّه هنا -إن شاء الله- على أمور، منها:

1- إنما أَذْكُر كلام العالم في ذمِّ المنهج الذي يسلكه الشيخ ربيع وأتباعه، كما يشهد بذلك واقعهم، ولا يلزم أن أذكر تصريحهم -في الغالب- باسم الشيخ ربيع؛ لأن المراد التحذير من أحوال وأقوال وأفعال منكرة ومخالفة لمنهج أهل الحق، ومعلوم للجميع أنها لا تَصْدُر إلا من الشيخ ربيع ومن معه من حزب الغلاة هؤلاء، ومَنْ كان على شاكلتهم!!! فلا يُشَغِّبُ طائش من هؤلاء بأن العالم الفلاني الذي نَقَلْتَ عنه لم يَذْكُر في جوابه اسم الشيخ ربيع؛ لأن الأصل عند العلماء أنهم لا يذكرون أسماء الأشخاص، كما ثبتت بذلك السنة: «ما بال أقوام يفعلون كذا…» الحديث، إنما يَذُمُّون الأفعال أو الأقوال المخالفة للشرع، ولا يلزم في النُّصْح ذِكْر فلان أو فلان؛ مع أن هناك مواضع كثيرة جاء فيها التصريح عن بعض العلماء باسم الشيخ ربيع، أو جاء عنهم مَدْح أشخاص يبَدِّعهم الشيخ ربيع، بل يُبَدِّع مَنْ لم يُبَدِّعهم، ويأمر بهجرهم وهجْر من لم يهجرهم، فماذا يقول هؤلاء الغلاة في هؤلاء العلماء الذين ينقضون أصولهم الدعوية هذه رأْسًا على عقِب؟!

2- معلوم أن كثيرًا من كلام هؤلاء العلماء مُفَرَّغ من أشرطة لهم، أو منقول من فتاوى هاتفية أو تليفزيونية… إلخ، والعالم عند التسجيل لا يتحرى القواعد النحوية في كلامه، بل ربما تكلَّم بلهجة عامية، وقد نقلتُ -في الغالب- كلامهم كما هو؛ فلَزَمَ التنبيه على ذلك.

3- لا يلزم أن كل من أذكر كلامه أن يكون من كبار العلماء المعاصرين، والذين امْتَدَّ نفعهم في الآفاق -بل هم طبقات، لكنهم كبار ومشاهير- ويكفي كونه من جملة العلماء، أو مشاهير الدعاة، ولم أنشط لاستيعاب كلام كبار العلماء ومشاهيرهم، فضلا عن الطبقة الثانية من المشاهير-؛ فإن ذلك شاق ويطول جدًّا، لكن يكفي أن أبيِّن أن مشاهير العلماء المعاصرين قد حَذَّروا من سلوك منهج هؤلاء الغلاة وطريقتهم!!

4- لا يلزم من تحذير العلماء من هذه المخالفات الشنيعة في طريقة الشيخ ربيع ومقلِّديه أنهم يُحَذِّرون من الشيخ ربيع من جميع الجهات، فالعقلاء خالفوا الشيخ ربيعًا، وردُّوا عليه، ومع ذلك يَرَوْنَه والمهرولين وراءه من جملة أهل السنة -في الجملة- ويشهدون لهم بما عندهم من جوانب حسنة، قد نفع الله بهم فيها، فلا إفراط ولا تفريط، ولا يحتج الغلاة بمواضع أخرى مَدَح فيها بعضُ العلماء الشيخ ربيعًا؛ لأن الخلاف بيننا وبينه في شيء محدد، وليس في كل شيء؛ فليس من الإنصاف أن يأخذ المرء تزكية للشخص في جانب ما، ويجعلها عامة في جميع الجوانب، وكذلك ليس من الإنصاف أن يأخذ المرء التحذير من الشيخ ربيع أو من منهجه وطريقته في أمرٍ ما، ويجعله عامًّا في جميع الجوانب، والإنْصَاف والورع وحُسْن الفهم والقَصْد كل ذلك عزيز في الناس إلا من رحم الله، والله المستعان!!!

5- نظرًا لأن العلماء قد انهالَتْ الأسئلة عليهم من جهاتٍ عدة، يسألونهم فيها عن هذه الأعمال التي يقوم بها هؤلاء الغلاة المسرفون من أتباع الشيخ ربيع في المشارق والمغارب؛ فلا شك أن إجابات العلماء ستتكرَّر، وقد أعْرَضْتُ عن كثير مما لا جديد فيه، لكن احْتَجْتُ إلى الكثير من ذلك؛ لأبَيِّن موقف بقية العلماء -لاسيما من ينتحله الغلاةُ هؤلاء منهم، أو من يُظهرون الثقة بهم- من هذا المنهج المُبْتَدَع المخترَع!!!

وقد أسْمَيْتُ هذا الكتاب باسم: «إتحاف الحصيف بتحذير مشاهير العلماء من فوضى التبديع والتصنيف» جعله الله خالصا لوجهه، وتقبَّله من عبده الضعيف، ونفع به في الدارين.

هذا؛ وصلَّى الله وسلَّم وباركَ على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ملْء السماوات وملْء الأرض، وملْء ما بينهما، وملْء ما شاء من شيء بعدُ: عدد خلْقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته.

 

(كلمة شكر وتقدير)

كلمة شكر وتقدير

الشكر لله -جل ثناؤه أولًا وآخرًا- ثم للأخ الفاضل أبي عبد الرحمن قادة شايلة الجزائري-حفظه الله تعالى-؛ فإنه أول من ساعدني في جمع جزء من مادة هذا الكتاب، ثم أحَلْته إلى أخي الفاضل المبارك أبي سليمان محمد بن سلامة الدمياطي -حفظه الله تعالى- فساعدني في جمع الأكثر من هذه المادة، وكان له -شكر الله سعيه- الجهد الأكبر والأثر الأظهر في نضوج هذه المادة، وفي صبره عليَّ في الهيكلة والتعديلات والإضافات المتكررة مني؛ حتى يسّر الله -تعالى شأنه- بالكتاب على هذا الحال، والشكر موصول كذلك للشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن مصطفى آل بحبح-حفظه الله تعالى- على متابعته الكتاب حتى وصل إلى هذا الحد، فاسأل الله أن ينفع بالجميع، وأن يضاعف لهم الأجر والمثوبة؛ إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، والله -تعالى وتبارك- أعلم وأحكم.

وصلَّى الله وسلَّم وباركَ على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

كتبه

أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني

في مدينة «الرياض» حرسها الله وجميع بلاد المسلمين من كل سوء في الحال والمآل