أسماء أهل السنة التي استعملها العلماء
تَعَدَدَتْ الأَسْمَاءُ لِهَذِهِ الطَّائِفَةِ المباركة، وَكُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ حُسْنِ اعْتِقَادٍ وَعَمَلٍ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنْهم يُقَالَ لَهمْ:
أَهْلُ السَّنَّةِ، وأَهْلُ الجَمَاعَةِ، وأهل السنة والجماعة، وأَهْلُ الْحَدِيثِ، قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَةِ –ؒ-: «وَنَحْنُ لَا نَعْنِي بِأَهْلِ الْحَدِيثِ الْمُقْتَصِرِينَ عَلَى سَمَاعِهِ أَوْ كِتَابَتِهِ أَوْ رِوَايَتِهِ، بَلْ نَعْنِي بِهِمْ: كُلَّ مَنْ كَانَ أَحَقَّ بِحِفْظِهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَفَهْمِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَاتِّبَاعِهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْقُرْآنِ، وَأَدْنَى خَصْلَةٍ فِي هَؤُلَاءِ: مَحَبَّةُ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ، وَالْبَحْثُ عَنْهُمَا وَعَنْ مَعَانِيهِمَا، وَالْعَمَلُ بِمَا عَلِمُوهُ مِنْ مُوجَبِهِمَا.
فَفُقَهَاءُ الْحَدِيثِ أَخْبَرُ بِالرَّسُولِ مِنْ فُقَهَاءِ غَيْرِهِمْ، وَصُوفِيَّتُهُمْ أَتَبَعُ لِلرَّسُولِ مِنْ صُوفِيَّةِ غَيْرِهِمْ، وَأُمَرَاؤُهُمْ أَحَقُّ بِالسِّيَاسَةِ النَّبَوِيَّةِ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَعَامَّتُهُمْ أَحَقُّ بِمُوَالَاةِ الرَّسُولِ مِنْ غَيْرِهِمْ»([24]) اهـ.
- وَرَوى الْحَاكِمُ في «معرفة علوم الحديث للحاكم» بسنده عن معاوية بن قرة قَالَ: سمعت أبي يحدث عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- قَالَ: «لَا يَزَالُ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي مَنْصُورِينَ، لَا يَضُرُّهُمُ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ».
سَمِعت أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الحميد الْآدَمِيّ يَقُول: سَمِعت مُوسَى بن هَارُون يَقُول: سَمِعت أحمد بن حَنْبَل -وَسُئِلَ عَن معنى هَذَا الحَدِيث- فَقَالَ: «إِن لم تكن هَذِه الطَّائِفَة المنصورة: «أَصْحَابَ الحَدِيث»؛ فَلَا أَدْرِي من هم»!!.
- ثم قال الحاكم – ؒ -: وَفِي مثل هَذَا قيل: مَنْ أَمَرَّ السُّنةَ على نَفسه قولا وفعلا؛ نَطَقَ بِالْحَقِّ، فَلَقَد أحسن أَحْمد بن حَنْبَل فِي تَفْسِير هَذَا الْخَبَر: أَن الطَّائِفَة المنصورة الَّتِي يُرْفَعُ الخِذْلَانُ عَنْهُم إِلَى قيام السَّاعَة: هم أَصْحَاب الحَدِيث.
وَمن أَحَقُّ بِهَذَا التَّأْوِيل من قومٍ سلكوا محجة الصَّالِحين، وَاتبعُوا آثَار السّلف من الماضين، ودمغوا أهل الْبدع والمخالفين، بسنن رَسُول الله -صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله أَجْمَعِينَ-، ومن قومٍ آثروا قَطْعَ المفاوز والقفار، على التنعم في الدِّمَنِ([25]) والأوطار، وتَنَعَّمُوا بالبؤس في الأسفار، مع مُساكنة العلم والأخبار، وقَنِعُوا عند جمع الأحاديث والآثار بوجود الكِسَر والأَطْمار([26])، قد رَفَضُوا الإلحاد الذي تَتُوق إليه النفوس الشهوانية، وتوابعَ ذلك من البدع والأهواء، والمقاييسِ والآراء والزيغ، جعلوا المساجد بيوتهم، وأساطينَها تُكَاهم، وبَوَاريَها([27]) فُرُشَهُم…انتهى([28]).
- وَقَالَ الإِمَامُ النَّوويُّ –ؒ– فِي «شرح مسلم» عِنْدَ شَرْحِهِ لحِدِيثِ: «ولا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ؛ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ» قَالَ -ؒ تعالى-: «وَأَمَّا هَذِهِ الطَّائِفَةُ: فَقَالَ الْبُخَارِيُّ: «هُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ»، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: إِنْ لَمْ يَكُونُوا «أَهْلَ الْحَدِيثِ»؛ فَلَا أَدْرِي مَنْ هُمْ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: إِنَّمَا أَرَادَ أَحْمَدُ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَمَنْ يَعْتَقِدُ مَذْهَبَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنَّ هَذِهِ الطَّائِفَةَ مُفَرَّقَةٌ بَيْنَ أَنْوَاعِ الْمُؤْمِنِينَ، مِنْهُمْ: شُجْعَانٌ مُقَاتِلُونَ، وَمِنْهُمْ فُقَهَاءُ، وَمِنْهُمْ مُحَدِّثُونَ، وَمِنْهُمْ زُهَّادٌ، وَآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفَ، وَنَاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَمِنْهُمْ أَهْلُ أَنْوَاعٍ أُخْرَى مِنَ الْخَيْرِ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونُوا مُجْتَمَعِينَ، بَلْ قَدْ يَكُونُونَ مُتَفَرِّقِينَ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ»([29]).
ويقَالَ لهم أيضًا: «أهل الأثر»، و«الفرقة الناجية»، و«الطائفة المنصورة»، و«السواد الأعظم»، و«الجمهور الأكبر» -قَالَه شيخ الإسلام-([30])، ويقَالَ: «أهل العلم»، ويراد بهم أئمة السنة، ويقَالَ: «السلف الصالح»، و«السلفيون»، و«أهل الاتِّباع»، و «الغُرباء»([31]).
وقَالَ شيخنا الألباني –ؒ- في «الصحيحة»([32]) بعد أن ذكر كلام الأئمة في تفسير الطائفة المنصورة بأنهم أهل الحديث:
قَالَ: وقد يَسْتَغْرِبُ بعضُ الناس تفسير هؤلاء الأئمة للطائفة الظاهرة والفرقة الناجية بأنهم أهل الحديث، ولا غرابة في ذلك إذا تذكرنا ما يأتي:
أولًا: أن أهل الحديث هم بحكم اختصاصهم في دراسة السنة، وما يتعلق من معرفة تراجم الرواة، وعلل الحديث، وطرقه؛ أَعْلَمُ الناس قاطبةً بسنة نبيهم -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- وهَدْيِهِ وأخلاقه وغزواته، وما يتصل به -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-.
ثانيًا: أن الأمة قد انقسمت إلى فِرَقٍ ومذاهبَ لم تكن في القرن الأول، ولكل مذهب أصوله وفروعه، وأحاديثه التي يَسْتَدِلُّ بها، ويَعْتَمِد عليها، وأن المتمذهب بواحد منها يتعصب له، ويتمسك بكل ما فيه، دون أن يلتفت إلى المذاهب الأخرى، وينظر لعله يجد فيها من الأحاديث ما لا يجده في مذهبه الذي قلده، فإن من الثابت لدى أهل العلم: أن في كل مذهب من السنة والأحاديث ما لا يوجد في المذهب الآخر، فالمتمسك بالمذهب الواحد يَضِلُّ ولابد عن قِسْمٍ عظيم من السنة المحفوظة لدى المذاهب الأخرى، وليس على هذا أهلُ الحديث؛ فإنهم يأخذون بكل حديث صَحَّ إسنادُهُ في أي مذهب كان، ومن أي طائفة كان راويه، ما دام أنه مسلم ثقة، حتى لو كان شيعيًّا، أو قدريًّا، أو خارجيًّا، فضلًا عن أن يكون حنفيًّا، أو مالكيًّا، أو غير ذلك، وقد صرح بهذا الإمام الشافعي -رضي الله عنه- حين خاطب الإمام أحمد بقوله: «أنتم أعلم بالحديث مني، فإذا جاءكم الحديث صحيحا؛ فأَخْبِرْنِي به حتى أذهب إليه، سواء كان حجازيًّا، أم كوفيًّا، أم مصريًّا» فأهل الحديث – حشرنا الله معهم – لا يتعصبون لقول شخص معين مهما علا وسما، حاشا محمد -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، بخلاف غيرهم ممن لا ينتمي إلى الحديث والعمل به؛ فإنهم يتعصبون لأقوال أئمتهم – وقد نَهَوْهُم عن ذلك – كما يتعصب أهل الحديث لأقوال نبيهم!! فلا عَجَبَ بَعْدَ هذا البيان أن يكون أهلُ الحديث هم الطائفة الظاهرة، والفرقة الناجية، بل والأمةُ الوسطُ، الشهداءُ على الخلق.
ثم قال شيخنا الألباني – ؒ -: ويُعْجِبُنِي بهذا الصدد ذِكْرُ قولِ الخطيب البغدادي –ؒ– في مقدمة كتابه «شرف أصحاب الحديث» انتصارا، لهم ورَدًّا على من خالفهم، فقد قال -ؒ تعالى-:
«وَلَوْ أَنَّ صَاحِبَ الرَّأْيِ الْمَذْمُومِ شَغَلَ نَفْسَهُ بِمَا يَنْفَعُهُ مِنَ الْعُلُومِ، وَطَلَبَ سُنَنَ رَسُولِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَاقْتَفَى آثَارَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ؛ لَوَجَدَ فِي ذَلِكَ مَا يُغْنِيهِ عَمَّا سِوَاهُ، وَاكْتَفَى بِالْأَثَرِ عَنْ رَأْيِهِ الَّذِي رَآهُ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ يَشْتَمِلُ عَلَى مَعْرِفَةِ أُصُولِ التَّوْحِيدِ، وَبَيَانِ مَا جَاءَ مِنْ وُجُوهِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وِصِفَاتِ رَبِّ الْعَالَمِينَ -تَعَالَى عَنْ مَقَالَاتِ الْمُلْحِدِينَ- وَالْإِخْبَارِ عَنْ صِفَاتِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَمَا أَعَدَّ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمَا لِلْمُتَّقِينَ وَالْفُجَّارِ، وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي الْأَرَضِينَ وَالسَّمَوَاتِ مِنْ صُنُوفِ الْعَجَائِبِ وَعَظِيمِ الْآيَاتِ، وَذِكْرِ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ، وَنَعْتِ الصَّافِّينَ وَالْمُسَبِّحِينَ، وَفِي الْحَدِيثِ قَصَصُ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَخْبَارُ الزُّهَّادِ وَالْأَوْلِيَاءِ، وَمَوَاعِظُ الْبُلَغَاءِ، وَكَلَامُ الْفُقَهَاءِ، وَسِيَرُ مُلُوكِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، وَأَقَاصِيصُ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنَ الْأُمَمِ، وَشَرْحُ مَغَازِي الرَّسُولِ -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، وَسَرَايَاهُ، وَجُمَلُ أَحْكَامِهِ وَقَضَايَاهُ، وَخُطَبُهُ وَعِظَاتُهُ، وَأَعْلَامُهُ وَمُعْجِزَاتُهُ، وَعِدَّةُ أَزْوَاجِهِ وَأَوْلَادِهِ، وَأَصْهَارِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَذِكْرُ فَضَائِلِهِمْ وَمَآثِرِهِمْ، وَشَرْحُ أَخْبَارِهِمْ وَمَنَاقِبِهِمْ، وَمَبْلَغُ أَعْمَارِهِمْ، وَبَيَانُ أَنْسَابِهِمْ، وَفِيهِ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَمَا فِيهِ مِنَ النَّبَإِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، وَأَقَاوِيلُ الصَّحَابَةِ فِي الْأَحْكَامِ الْمَحْفُوظَةِ عَنْهُمْ، وَتَسْمِيَةُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى قَوْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، مِنَ الْأَئِمَّةِ الْخَالِفِينَ، وَالْفُقَهَاءِ الْمُجْتَهِدِينَ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى أَهْلَهُ أَرْكَانَ الشَّرِيعَةِ، وَهَدَمَ بِهِمْ كُلَّ بِدْعَةٍ شَنِيعَةٍ، فَهُمْ أُمَنَاءُ اللَّهِ مِنْ خَلِيقَتِهِ، وَالْوَاسِطَةُ بَيْنَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- وَأُمَّتِهِ، وَالْمُجْتَهِدُونَ فِي حَفِظِ مِلَّتِهِ، أَنْوَارُهُمْ زَاهِرَةٌ، وَفَضَائِلُهُمْ سَائِرَهٌ، وَآيَاتُهُمْ بَاهِرَةٌ، وَمَذَاهِبُهُمْ ظَاهِرَةٌ، وَحُجَجُهُمْ قَاهِرَةٌ، وَكُلُّ فِئَةٍ تَتَحَيَّزُ إِلَى هَوًى تَرْجِعُ إِلَيْهِ، أَوْ تَسْتَحْسِنُ رَأَيًا تَعْكُفُ عَلَيْهِ، سِوَى أَصْحَابِ الْحَدِيثِ؛ فَإِنَّ الْكِتَابَ عُدَّتُهُمْ، وَالسُّنَّةَ حُجَّتُهُمْ، وَالرَّسُولَ فِئَتُهُمْ، وَإِلَيْهِ نِسْبَتُهُمْ، لَا يُعَرِّجُونَ عَلَى الْأَهْوَاءِ، وَلَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى الْآرَاءِ، يُقْبَلُ مِنْهُمْ مَا رَوَوْا عَنِ الرَّسُولِ، وَهُمُ الْمَأْمُونُونَ عَلَيْهِ وَالْعُدُولُ، حَفَظَةُ الدِّينِ وَخَزَنَتُهُ، وَأَوْعِيَةُ الْعِلْمِ وَحَمَلَتُهُ، إِذَا اخْتُلِفَ فِي حَدِيثٍ؛ كَانَ إِلَيْهِمُ الرُّجُوعُ، فَمَا حَكَمُوا بِهِ؛ فَهُوَ الْمَقْبُولُ الْمَسْمُوعُ، وَمِنْهُمْ كُلُّ عَالِمٍ فَقِيهٍ، وَإِمَامٍ رَفِيعٍ نَبِيهٍ، وَزَاهِدٍ فِي قَبِيلَةٍ، وَمَخْصُوصٍ بِفَضِيلَةٍ، وَقَارِئٍ مُتْقِنٍ، وَخَطِيبٍ مُحْسِنٍ، وَهُمُ الْجُمْهُورُ الْعَظِيمُ، وَسَبِيلُهُمُ السَّبِيلُ الْمُسْتَقِيمُ، وَكُلُّ مُبْتَدَعٍ بِاعْتِقَادِهِمْ يَتَظَاهَرُ، وَعَلَى الْإِفْصَاحِ بِغَيْرِ مَذَاهِبِهِمْ لَا يَتَجَاسَرُ، مَنْ كَادَهُمْ؛ قَصَمَهُ اللَّهُ، وَمَنْ عَانَدَهُمْ؛ خَذَلَهُمُ اللَّهُ، لَا يَضُرُّهُمُ مَنْ خَذَلَهُمْ، وَلَا يُفْلِحُ مَنِ اعْتَزَلَهُمُ، الْمُحْتَاطُ لِدِينِهِ إِلَى إِرْشَادِهِمْ فَقِيرٌ، وَبَصَرُ النَّاظِرِ بِالسُّوءِ إِلَيْهِمْ حَسِيرٌ، وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ»([33]).
وقَالَ الشيخ حافظ حَكَمي –ؒ تعالى- في «معارج القبول»([34]): «أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ» وَهُمُ الطَّائِفَةُ الْمَنْصُورَةُ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، الَّذِينَ لَمْ تَزَلْ قُلُوبُهُمْ عَلَى الْحَقِّ مُتَّفِقَةً مُؤْتَلِفَةً، وَأَقْوَالُهُمْ وَأَعْمَالُهُمْ وَعَقَائِدُهُمْ عَلَى الْوَحْيِ لَا مُفْتَرِقَةً وَلَا مُخْتَلِفَةً، فَانْتُدِبُوا لِنُصْرَةِ الدِّينِ دَعْوَةً وَجِهَادًا، وَقَاوَمُوا أَعْدَاءَهُ جَمَاعَاتٍ وَفُرَادَى، وَلَمْ يَخْشَوْا فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَلَمْ يُبَالُوا بِعَدَاوَةِ مَنْ عَادَى، فَقَهَرُوا الْبِدَعَ الْمُضِلَّةَ، وَشَرَّدُوا بِأَهْلِهَا، وَاجْتَثُّوا شَجَرَةَ الْإِلْحَادِ بِمَعَاوِلِ السُّنَّةِ مِنْ أَصْلِهَا، فَبَهَتُوهُمْ بِالْبَرَاهِينِ الْقَطْعِيَّةِ فِي الْمَحَافِلِ الْعَدِيدَةِ، وَصَنَّفُوا فِي رَدِّ شُبَهِهِمْ وَدَفْعِ بَاطِلِهِمْ وَإِدْحَاضِ حُجَجِهِمُ الْكُتُبَ الْمُفِيدَةَ، فَمِنْهُمُ الْمُتَقَصِّي لِلرَّدِّ عَلَى الطَّوَائِفِ بِأَسْرِهَا، وَمِنْهُمُ الْمُخَلِّصُ لِعَقَائِدِ السَّلَفِ الصَّالِحِ مِنْ غَيْرِهَا، وَلَمْ تَنْجُمْ بِدْعَةٌ مِنَ الْمُضِلِّينَ الْمُلْحِدِينَ إِلَّا وَيُقَيِّضُ اللَّهُ لَهَا جَيْشًا مِنْ عِبَادِهِ الْمُخْلَصِينَ؛ فَحَفِظَ اللَّهُ بِهِمْ دِينَهُ عَلَى الْعِبَادِ، وَأَخْرَجَهُمْ بِهِمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الزَّيْغِ وَالضَّلَالَةِ إِلَى نُورِ الْهُدَى وَالرَّشَادِ، وَذَلِكَ مِصْدَاقُ وَعْدِ اللَّهِ — بِحِفْظِهِ الذِّكْرَ الَّذِي أَنْزَلَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﴾ {الحجر:9} وإعلاءً لكلمته، وتأييدًا لِحِزْبِهِ؛ إِذْ يَقُولُ: ﴿ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﴾ {الصافات:173}».
وقَالَ العلامة الشيخ صالح بن صالح الفوزان – حفظه الله تعالى- في «إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد»([35]) عند شرحه لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: «لا يضرّهم من خذلهم»: «فمع هذه الشرور كلِّها، وهذه الفتن كلِّها؛ هذه الطائفةُ لا تتضرّر، بل تبقى على الحق الذي بُعث به محمَّد -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، ولم يعيّن -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- عددها، ولم يعيّن مكانها؛ لأن العدد قد يقلّ وقد يكثر، وكذلك المكان قد تكون تارة في المشرق، وتارة في المغرب، وتارة في العرب، وتارة في العجم، المهم أنها تبقى هذه الطائفة من الأمة؛ لتبقى حجّة الله -سبحانه وتعالى- على خَلْقِهِ.
وقد قَالَ أهل العلم- كالإمام أحمد وغيره-: «إن هذه الطائفة هم أهل الحديث»، أي: الذي يتمسّكون بسنّة الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، كما قَالَ -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- لما ذكر افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة: «كلها في النار إلاَّ واحدة» قَالَوا: من هي يا رسول الله؟، قَالَ: «من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي»، فهم أهل الحديث الذين يتمسّكون بحديث الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، ولا يتمسّكون بالآراء والأقوال وعلم الكلام والمنطق». اهـ
فهم الطائفة المنصورة، وهم الفرقة الناجية، وهم أهل الحديث، وهم أهل السنّة والجماعة، لا كما يقول بعض المعاصرين: إن الفرقة الناجية غير الطائفة المنصورة، وهذا تفريق بغير علم.
(تنبيه): ذهب بعض الكُتّاب المعاصرين إلى أن أول من تسمى بأهل السنة والجماعة الأشاعرة، وما سبق من آثارٍ عن التابعين ومن بعدهم -وهم قبل أبي الحسن الأشعري نفسه -ؒ-، فضلًا عن أتباعه- يَرُدُّ ذلك ويَدْفَعُهُ([36]).
🕮 🕮 🕮













