صُوَرٌ من غُلُوِّ الغلاة في الحُكْم على الناس
الغلو في الحكم على الناس: هو مجاوزة الحد في إلحاق الحكم عليهم بالكفر أو البدعة أو الفسوق، فإن الحكم بهذه الأمور على أحد من الناس؛ إنما هو إلى الله تعالى ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فمن دلَّ الدليلُ القاطعُ على إلحاق هذه الأحكام به؛ أُلْحِقَتْ به بشروطها وضوابطها، ومن لم يدُلّ الدليلُ على لحوقها به؛ فإن تنزيلها عليه مِن تعدي حدود الله تعالى، والقولِ عليه بغير علمٍ، وهو الغلوُّ الفاحشُ الذي أردى الأمة، ونَخَرَ في جسمها، وفَرَّقَ جماعتها؛ بل إن أول الغلو في هذه الأمة إنما هو في هذا الباب، يوم غلا الخوارج في الحكم على المسلمين وحُكَّامهم من الصحابة الأخيار-رضي الله عنهم- بالكفر والخروج من الإسلام؛ فتَرَتَّبَ على فِعْلِهم هذا: إراقةُ دماءٍ طاهرةٍ مسلمةٍ، وتَمَزُّقُ الجماعة، وانتشارُ التباغض والشحناء بين أهل الإسلام، ومِثْلُ هذا يقال في التبديع بغير حق، والتفسيق بغير حق؛ فكل ذلك يقود إلى التقاطع والتباغض، وهو سبيل إلى التكفير أيضا بغير حق.
وإذا كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما جاء في «صحيح البخاري» – منع من تنزيل الحكم العام على شارب الخمر المُكْثِر من ذلك، بأن تَحِلَّ عليه لعنةُ الله، أي على الشخص المعين؛ وذلك لِمَا قام به من إيمان بالله ورسوله؛ فكيف يتسارع الغلاة إلى تنزيل أحكام الكفر والفسق العامة على الأشخاص المعينين دونما رَوِيَّةٍ أو تُؤَدَةٍ؟!
ونَصُّ الحديث كما في «صحيح البخاري» عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ
-رضي الله عنه- «أَنَّ رَجُلًا كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ «حِمَارًا»، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، وَكَانَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ، فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا؛ فَأَمَرَ بِه، فَجُلِدَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: اللَّهُمَّ الْعَنْهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ! فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-: «لَا تَلْعَنُوهُ؛ فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ: أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ».([63])
فتنزيل هذه الأحكام على الشخص المعين لا بد لها من شروط تتوفر، وموانع تُنْتَفَي، كما أجمع على ذلك علماء أهل السنة والجماعة.
واعلم أن الغلاة يؤول بهم الأمر إلى التفرق فيما بينهم، والتهارج، بل يلعن بعضُهم بعضا، بل يُكَفِّر بعضُهم بعضا!!!
نماذج من غلو الخوارج في تكفير بعضهم بعضاً:
* ذكر أبو المظفر الإسفراييني -رحمه الله- الخوارجَ في كتابه «التبصير في الدين» وتحدث عن تفرقهم وغلوهم في إطلاق الأحكام، فقال: «اعْلَم أَن الْخَوَارِج عشرُون فرقة، كَمَا ترى بيانهم فِي هَذَا الْكتاب، وَكلهمْ متفقون على أَمريْن لَا مزِيد عَلَيْهِمَا فِي الْكفْر والبدعة:
أَحدهمَا: إِنَّهُم يَزْعمُونَ أَن عليًّا، وَعُثْمَان، وَأَصْحَابَ الْجمل، والحَكَمَيْن، وكلَّ من رَضِي بالحَكَمَيْن؛ كفرُوا كلُّهم.
وَالثَّانِي: أَنهم يَزْعمُونَ أَن كل من أذْنب ذَنبا من أمة مُحَمَّد -صلى الله عَلَيْهِ وَسلم- فَهُوَ كَافِر، وَيكون فِي النَّار خَالِدا مخلدا، إِلَّا النَجْدات مِنْهُم، فَإِنَّهُم قَالُوا: إِن الْفَاسِق كَافِر على معنى أَنه كَافِر نعْمَة ربه، فَيكون إطلاق هَذِه التَّسْمِيَة عِنْد هَؤُلَاءِ مِنْهُم على معنى الكفران، لَا على معنى الْكفْر، وَمِمَّا يجمع جَمِيعَهم أَيْضا: تجويزُهُم الْخُرُوجَ على الإِمَام الجائر، وَالْكفْرُ لَا محَالة لَازم لَهُم؛ لتكفيرهم أَصْحَابَ رَسُول الله -صلى الله عَلَيْهِ وَسلم-… ثم ذكَرَهُم فرقةً فرقةً، وأنهم يكفِّرون بعضهم بعد افتراقهم.
الثَّانِيَة: الْأزَارِقَة: وهم أَتبَاع رجل مِنْهُم يُقَال لَهُ: أَبُو رَاشد نَافِع بن الْأَزْرَق الْحَنَفِيّ…»
نماذج من غلو المعتزلة في تكفير بعضهم بعضاً:
* وتَحَدَّث أبو المظفر الإسفراييني -رحمه الله- عن المعتزلة وشيخهم أبي هاشم الجبائي، فقال: «كَانَ مَعَ ارتكابه هَذِه الْبدعَ يُكَفِّر الْمُعْتَزلَة، ويتبرأ مِنْهُم، حَتَّى كَانَ يُكَفِّر أَبَاهُ، وتبرأ مِنْهُ، وَلم يَأْخُذ مِيرَاثه بعد مَوته، لتكفيره إِيَّاه، وتبريه مِنْهُ، وَكَانَ سَائِر الْمُعْتَزلَة يُكَفِّرُونه أَيْضا، وحالهم فِي هَذَا الْمَعْنى كَمَا وَصفه الله تَعَالَى من حَال الْكفَّار، حَيْثُ قَالَ: [ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ] {البقرة:166}.
وَمِمَّا يكْشف عَن افتضاحهم فِي مذاهبهم، وتبرئ بَعضهم من بعض: مَا حَكَاهُ أَصْحَاب المقالات من أَن سَبْعَةً من رُؤُوس الْقَدَرِيَّة اجْتَمعُوا فِي مجْلِس وَاحِد، وتناظروا فِي أَن الله تَعَالَى هَل يَقْدِر على ظُلْمٍ وَكَذِبٍ يخْتَص بِهِ؟ فافترقوا من هَذَا الْمجْلس، وكل مِنْهُم كَانَ يُكَفِّر البَاقِينَ،… ثم ذكر مقالاتهم واضطرابهم في جوابهم عن سؤال ابتدعوه من عند أنفسهم، بلا هُدًى ولا كتابٍ منير!!… إلى أن قال -رحمه الله-: فتحيروا وصاروا كلُّهم مُنقَطِعِين مُتَحَيِّرين، وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ يعْتَقد أَن أَقْوَال البَاقِينَ كلَّهَا كُفْر.
فَلَمَّا انْتَهَت زعامتهم إِلَى الجبائي وَابْنه أبي هَاشم؛ قَالَا جَمِيعًا: هَذِه مَسْأَلَة لَا يُمكن أَن يُجَاب عَنْهَا، ورضيا بِالْجَهْلِ فِيمَا يرجع إِلَى وصف الِاعْتِقَاد، وَلَو وافقهم التَّوْفِيق؛ لَتَمَسَّكُوا بِمذهب أهل الْحق، وَتركُوا التَّرَدُّد من بَاطِل إِلَى بَاطِل». اهـ([64])
* وكَشَفَ أبو حيان التوحيدي -على ما نسب بعضهم إليه من بلايا-([65]) عن هذه الظاهرة من الغلو المُفْرِطِ في إطلاق الأحكام، فقال: «ورأيت كثيراً من المتكلمين يسرعون إلى تكفير قومٍ من أهل القبلة؛ لخلاف عارضٍ في بعض فروع الشريعة، وهذا الإقدامُ عندي مَخُوفُ العاقبة، مذموم البديّ، وكيف يَخْرُجُ الإنسانُ من دينٍ، يَجْمَعُ أحكاماً كثيرة، وقد تحلّى منه بأشياء كثيرة، ليست خطأ منه، وليس المعارضُ له بالتكفير بأَسْعَدَ منه في نقل الاسم إليه؛ كذلك أبو هاشم يُكَفِّر أباه أبا علي الجبّائي، وأبو علَي يكفّر ابنه، وحدّثني أبو حامد المَرورُّوذِي([66]) أن أختاً لأبي هاشم تكفّر أباها وأخاها؛ وأما أصحاب أبي بكر ابن الإخشيذ: كالأنصاري، وابن كعب، وابن الرّمّاني، وغيرهم، فكلّهم يكفّرون أبا هاشم وأصحابه، وجُعْلاً وتلامذتَهُ، وخُذْ على هذا غيرهم، وما أدري ما هذه المحنة الراكدة بينهم، والفتنة الدائرة معهم! أين التقوى والورعُ، والعمل الصالح، ولزومُ الأولى والأحوطِ؟ إلى متى تُذَال([67]) الأعراضُ وقد حماها الدّين؟ إلى متى تُهْتَك الأستار وقد أسبلها الله -عزّ وجلّ-؟ إلى متى يستباح الحريم وقد حظره الله؟ إلي متى تُسْفَك الدماء وقد حرمها الله؟ ما أعجب هذا الأمر! كأنّ الله تعالى لم يأمرهم بالألفة والمعاونة، ولم يحثّهم على المرحمة والتعاطف، وكأنّ رسول الله -صلّى الله عليه وآله- لم يحذّرهم التفرّقَ في الدين، والطعنَ على سلف المسلمين. اهـ([68])
هذا، ولم أَذْكُرْ هذا اعتمادًا على أبي حيان التوحيدي؛ لما سبق من ترجمته المظلمة، ولكن لِيَظْهَرَ أن أهلَ البدع في قولٍ مختلفٍ، يُؤفك عنه من أُفِك، وكيف يُكَفِّر بعضهم بعضاً، فيؤول أمرهم إلى أن يُكَفِّرَ الابنُ أباه، ولا يَقْبَلَ ميراثه فيه، والوالدُ يكفّر ولدَه، والأختُ تكفِّر أخاها، وأيضاً أُشيرُ بذلك إلى ما تقَرَّر عند أهل السنة: من قبول الحق من قائله – كائناً من كان -… إلخ، والله المستعان!!.
o
p













