ضوابط وأصول ينبغي مراعاتها في الحكم على الناس
وقبل الغوْص في هذه الضوابط والأصول؛ أذكر بعض الصفات التي أشار إليها بعض الأئمة فيمن يتصدَّى للحكم على الناس:
ومن هذا المنطلق تتابعت نصوص العلماء على أن المتصدي للأحكام على الناس في عقائدهم أو عدالتهم لا بد أن يكون من العلماء وأهل الورع:
* فمن ذلك قول الحافظ الذهبي – رحمه الله تعالى –: «والكلام في الرجال لا يجوز إلا لتام المعرفة تام الورع». اهـ([69])
ويقول- رحمه الله- في «الموقظة»:
«والكلام في الرواة يحتاج إلى ورع تام، وبراءة من الهوى والميل، وخبرة كاملة بالحديث وعلله، ورجاله». اهـ([70])
وقال-رحمه الله- في «تذكرة الحفاظ»:
«لا سبيل إلى أن يصير العارف الذي يُزَكِّي نَقَلَةَ الأخبار ويُجَرِّحُهم جِهْبِذا([71]) إلا بإدمان الطلب، والفحص عن هذا الشأن، وكثرة المذاكرة والسهر، والتيقظ والفهم مع التقوى، والدين المتين، والإنصاف، والتردد إلى مجالس العلماء، والتحري والإتقان.
| وإِلَّا تَفْعَلْ؛ فَدَعْ عنك الكتابةَ لَسْتَ | منها ولو سَوَّدْتَ وَجْهَكَ بالمدادِ |
قال الله تعالى: [ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ] {النحل:43}.
فإن آنَسْتَ يا هذا من نفسك فَهماً وصِدْقاً وديناً وورعاً؛ وإلا فلا تَتَعَنَّ([72])؛ وإن غَلَبَ عليك الهوى والعصبيةُ لرأْيٍ ولمذهبٍ؛ فبالله لا تَتْعَبْ؛ وإن عَرَفْتَ أنك مخلِّطٌ مخبِّطٌ مُهْمِلٌ لحدود الله؛ فَأَرِحْنَا منك، فَبَعْدَ قليلٍ يَنْكَشِفُ البَهْرَجُ، ويَنْكُبُ الزَّغَلُ([73])، ولا يَحيقُ المكْرُ السيءُ إلا بأهله.
فقد نَصَحْتُك، فعِلْمُ الحديث صَلِفٌ([74])، فأين عِلْمُ الحديث؟ وأين أهلُه؟ كِدْتُ أن لا أراهم إلا في كتابٍ، أو تحت ترابٍ». اهـ([75])
* وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
«أعراض المسلمين حُفْرَةٌ من حُفَرِ النار، وقف على شفيرها طائفتان من الناس: المحدثون والحكام». اهـ([76])
* وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-:
«لِيَحْذَرْ المتكلمُ في هذا الفن من التساهل في الجرح والتعديل؛ فإنه إن عدّل بغير تَثَبُّتٍ؛ كان كالمُثْبِتِ حُكْماً ليس بثابِتٍ، فيُخْشَى عليه أن يَدْخُل في زمرة من روى حديثاً، وهو يظُن أنه كَذِبٌ؛ وإن جرّح بغير تَحَرُّزٍ؛ أَقْدَمَ على الطعن في مسلم بريء من ذلك، ووَسَمَه بِمِيْسَمِ سُوءٍ، يبقى عليه عارُهُ أبداً». اهـ([77])
* وقال المعلمي -رحمه الله- في مقدمته لكتاب «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم –رحمهما الله-:
«ليس نَقْدُ الرواة بالأمر الهيِّن؛ فإن الناقد لا بد أن يكون واسِعَ الاطلاع على الأخبار المروية، عارفاً بأحوال الرواة السابقين، وطُرِقِ الرواية، خبيراً بعوائد الرواة ومقاصدهم وأغراضهم، وبالأسباب الداعية إلى التساهل والكذب، والمُوقِعَةِ في الخطأ والغلط، ثم يحتاجُ إلى أن يعرفَ أحوال الراوي متى وُلِدَ؟ وبأي بلد؟ وكيف هو في الدين والأمانة والعقل والمروءة والتحفُّظ؟ ومتى شَرَعَ في الطلب؟ ومتى سمع؟ وكيف سمع؟ ومع من سمع؟ وكيف كتابُهُ؟؛ ثم يعرفُ أحوال الشيوخ الذين يحدث عنهم، وبلدانَهم، ووفياتِهِم، وأوقاتَ تحديثهم، وعادتَهم في التحديث، ثم يعرفُ مروياتِ الناس عنهم، ويَعْرِضُ عليها مرويات هذا الراوي، ويعتبِرُها بها، إلى غير ذلك مما يطولُ شرحُهُ، ويكونُ مع ذلك متيقظاً، مُرْهَف الفهم، دقيقَ الفِطْنة، مالكاً لنفسه، لا يَسْتَمِيلُهُ الهوى، ولا يَسْتَفِزُّه الغضبُ، ولا يَسْتَخِفُّه بَادِرُ ظَنٍّ؛ حتى يَسْتَوْفِي النظرَ، ويَبْلُغَ المَقَرَّ، ثم يُحْسِنُ التطبيق في حُكمه، فلا يجاوزُ ولا يُقَصِّرُ، وهذه المرتبة بعيدة المرام، عزيزة المنال، لم يبلغها إلا الأفذاذ، وقد كان من أكابر المحدثين وأَجِلَّتهم من يتكلم في الرواة؛ فلا يُعَوَّلُ عليه، ولا يُلْتَفَتُ إليه.
* قال الإمام علي بن المديني -وهو من أئمة هذا الشأْن-: «أبو نعيم وعَفّان صدوقان، لا أَقْبَلُ كلامَهُما في الرجال؛ هؤلاء لا يَدَعُون أَحَدَاً إلا وَقَعُوا فيه».
* ثم قال المعلمي -رحمه الله- وأبو نعيم وعفان من الأَجِلَّة، والكلمة المذكورة تدل على كثرة كلامهما في الرجال، ومع ذلك لا تكاد تَجِد في كتب الفن نَقْلَ شيء من كلامهما». اهـ([78])
* قلت: وعامة الفرق الضالة -بل بعض من ينتسب إلى السنة- ليس عندهم عدلٌ، ولا تتوفر فيهم تلك الأوصاف والشروط السابقة، فتجدهم يُكَفِّر ويُفَسِّق ويبدع بعضُهم بعضاً بالهوى، ولمجرد المخالفة الشخصية، بينما أهل السنة الصافية والجماعة -في الجملة- لا يَتَّبِعُون أهواءهم، وإنما يتبعون الكتاب والسنة، وطريقةُ الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- هي سبيلُ النجاة، وهذا هو الذي مَيَّزَهُم عن كثيرٍ من الفرق الضالة المنحرفة.
وقد حمل الغلوُّ أتباع الهوى إلى التفرق والشقاق، وحملهم ذلك على تكفير بعضهم بعضاً، وتبديع وتفسيق بعضهم بعضاً.
* كما يقول: أبو المظفر السمعاني -رحمه الله–: «وَمِمَّا يدلُّ على أَن أهل الحَدِيث هم على الْحق: أَنَّك لَو طالَعْتَ جَمِيع كُتبهمْ المصنفة من أَوَّلهمْ إِلَى آخِرهم، قديمِهِم وحديثِهِم، مَعَ اخْتِلَاف بلدانهم وزمانهم، وتباعُدِ مَا بَينهم فِي الديار، وَسُكُونِ كل وَاحِد مِنْهُم قُطْرًا من الأقطار؛ وَجَدتهمْ فِي بَيَان الِاعْتِقَاد على وتيرة وَاحِدَة، ونَمَطٍ وَاحِد، يَجْرُونَ فِيهِ على طَريقَة لَا يحيدون عَنْهَا، وَلَا يميلون فِيهَا، قَوْلُهم فِي ذَلِك وَاحِد، وفعلُهم وَاحِد، لَا ترى بَينهم اخْتِلَافا، وَلَا تفَرقُاً فِي شَيْء مَا، وَإِن قَلَّ([79])، بل لَو جَمَعْتَ جَمِيع مَا جرى على ألسنتهم، ونقلوه عَن سلفهم؛ وَجَدْتَهُ كَأَنَّهُ جَاءَ من قلب وَاحِد، وَجرى على لِسَان وَاحِد، وَهل على الْحق دَلِيل أَبْيَنُ من هَذَا؟! قَالَ الله تَعَالَى: [ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ] {النساء:82}، وَقَالَ تَعَالَى [ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ] {آل عمران:103}.
وَأما إِذا نَظَرْتَ إِلَى أهل الْأَهْوَاء والبدع؛ رَأَيْتهمْ مُتَفَرّقين مُخْتَلفين، وشِيَعًا وأحزابا، لَا تكَاد تَجِد اثْنَيْنِ مِنْهُم على طَريقَة وَاحِدَة فِي الِاعْتِقَاد، يُبَدِّعُ بَعضهم بَعْضًا، بل يرتقون إِلَى التَّكْفِير، يُكَفِّرُ الابْنُ أَبَاهُ، وَالرجلُ أَخَاهُ، وَالْجَارُ جَارَهُ، تراهم أبداً فِي تنَازع وتباغض وَاخْتِلَاف، تَنْقَضِي أعمارهم وَلما تتفق كلماتهم [ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ] {الحشر:14}.
أَو مَا سَمِعتَ أَن الْمُعْتَزلَة مَعَ اجْتِمَاعهم فِي هَذَا اللقب يُكَفِّرُ البغداديون مِنْهُم الْبَصرِيين، والبصريون مِنْهُم البغداديين، وَيُكَفِّرُ أَصْحَابُ أبي عَليّ الجبائي ابْنَهُ أَبَا هَاشم، وَأَصْحَابُ أبي هَاشم يكفرون أَبَاهُ أَبَا عَليّ، وَكَذَلِكَ سَائِر رؤوسهم وأرباب المقالات مِنْهُم، إِذا تدبرت أَقْوَالهم؛ رَأَيْتهمْ مُتَفَرّقين، يُكَفِّرُ بَعضهم بَعْضًا، ويتبرأ بَعضهم من بعض، وَكَذَلِكَ الْخَوَارِج وَالرَّوَافِض فِيمَا بَينهم، وَسَائِر المبتدعة بمثابتهم.
وَهل على الْبَاطِل دَلِيل أَظْهَرُ من هَذَا؟! قَالَ تَعَالَى: [ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ] {الأنعام:159}.
وَكَانَ السَّبَب فِي اتِّفَاق أهل الحَدِيث: أَنهم أخذُوا الدّين من الْكتاب وَالسّنة، وَطَرِيق النَّقْل؛ فأورثهم الِاتِّفَاقَ والائتلافَ، وَأهلُ الْبِدْعَة أخذُوا الدّين من المعقولات والآراء؛ فَأَوْرَثَهُم الِافْتِرَاقَ وَالِاخْتِلَافَ؛ فَإِن النَّقْل وَالرِّوَايَة من الثِّقَات والمتقنين قَلَّمَا يخْتَلف، وَإِن اخْتُلِفَ فِي لفظ أَو كلمة؛ فَذَلِك اخْتِلَاف لَا يضر الدّين، وَلَا يقْدَح فِيهِ، وَأما دَلَائِل الْعقل فقلَّما تتفق، بل عقل كل وَاحِد يُرِي صَاحِبَهُ غير مَا يُرِي الآخَرَ، وَهَذَا بَيِّنٌ، وَالْحَمْد لله.
وَبِهَذَا يظْهر مُفَارقَةُ الِاخْتِلَافِ فِي مَذَاهِب الْفُرُوع، اخْتِلَافَ العقائد فِي الْأُصُول؛ فَإنَّا وَجَدْنَا أَصْحَابَ رَسُول الله -صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَرَضي الله عَنْهُم- منْ بَعْدِهِ اخْتلفُوا فِي أَحْكَام الدّين، فَلم يفترقوا، وَلم يصيروا شيعًا؛ لأَنهم لم يفارقوا الدّين، ونظروا فِيمَا أَذِنَ لَهُم؛ فاختلفتْ أَقْوَالُهم وآراؤهم فِي مسَائِل كَثِيرَة: مثل مَسْأَلَة الْجد، والمُشَرَّكة، وَذَوي الْأَرْحَام، وَمَسْأَلَة الْحَرَام، وَفِي أُمَّهَات الْأَوْلَاد، وَغير ذَلِك مِمَّا يكثر تَعْدادُهُ من مسَائِل الْبيُوع، وَالنِّكَاح، وَالطَّلَاق، وَكَذَلِكَ فِي مسَائِل كَثِيرَة من بَاب الطَّهَارَة، وهيئات الصَّلَاة، وَسَائِر الْعِبَادَات، فصاروا باختلافهم فِي هَذِه الْأَشْيَاء محمودين، وَكَانَ هَذَا النَّوْع من الِاخْتِلَاف رَحْمَةً من الله لهَذِهِ الْأمة؛ حَيْثُ أَيّدهُم بِالْيَقِينِ، ثمَّ وسَّعَ على الْعلمَاء النّظر فِيمَا لم يَجدوا حُكْمَهُ فِي التَّنْزِيل وَالسّنة؛ فَكَانُوا مَعَ هَذَا الِاخْتِلَاف أهلَ مَوَدَّةٍ ونُصْحٍ، وَبَقِيَتْ بَينهم أُخُوَّةُ الْإِسْلَام، وَلم يَنْقَطِع عَنْهُم نظام الأُلفة، فَلَمَّا حَدَثَتْ هَذِه الْأَهْوَاءُ المُرْدِيةُ الداعيةُ صَاحِبَها إِلَى النَّار؛ ظَهرتْ الْعَدَاوَةُ، وتباينوا وصاروا أحزابا، فَانْقَطَعت الْأُخُوَّةُ فِي الدّين، وَسَقَطت الأُلفة، فَهَذَا يدل على أَن هَذَا التباين والفُرقة إِنَّمَا حَدَثَتْ من الْمسَائِل المُحْدَثَة، الَّتِي ابتدعها الشَّيْطَان، فألقاها على أَفْوَاه أوليائه؛ ليختلفوا، وَيَرْمِي بَعضهم بَعْضًا بالْكفْر.
فَكُلًّ مَسْأَلَةٍ حَدَثَتْ فِي الْإِسْلَام، فَخَاضَ فِيهَا النَّاس، فَتَفَرَّقُوا وَاخْتلفُوا، فَلم يُورث ذَلِك الِاخْتِلَاف بَينهم عَدَاوَة وَلَا بغضا وَلَا تفَرقا، وَبقيت بَينهم الأُلفة والنصيحةُ والمودةُ وَالرَّحْمَةُ والشفقةُ؛ عَلِمْنَا أَن ذَلِك من مسَائِل الْإِسْلَام، يحل النّظر فِيهَا، وَالْأَخْذُ بقولٍ من تِلْكَ الْأَقْوَال لَا يُوجبُ تبديعا وَلَا تكفيرا، كَمَا ظهر مثل هَذَا الِاخْتِلَاف بَين الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ مَعَ بَقَاء الأُلفة والمودَّة.
وكُلُّ مَسْأَلَةٍ حَدَثَتْ، فَاخْتَلَفُوا فِيهَا، فأورثَ اخْتلَافُهمْ فِي ذَلِك: التولِّي والإعراضَ والتدابُرَ والتقاطعُ، وَرُبمَا ارْتقى إِلَى التَّكْفِير؛ عَلِمْتَ أَن ذَلِك لَيْسَ من أَمر الدّين فِي شَيْء، بل يجب على كل ذِي عَقْلٍ أَن يجتنبها، ويُعْرِضَ عَن الْخَوْض فِيهَا؛ لِأَن الله شَرط فِي تمسكنا بِالْإِسْلَامِ أَنا نصبح فِي ذَلِك إخْوَانًا، فَقَالَ تَعَالَى: [ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ] {آل عمران:103}». اهـ([80])
* قلت: فهل يعقل الغلاة والمقلِّدون ما هم عليه بعد وقوفهم على هذا الكلام من علماء السنة؟!
أهمية المنهج الواضح في ضوابط وأصول الرد على المخالف:
وبعد ذلك؛ فلا بد من منهج واضح في ضوابط وأصول الرد على المخالف، والحُكْم عليه، يستهدف هذا المنهج ضبطَ قبول أصول الأحكام؛ لتصدر بعد تَحَرٍّ وتَثَبُّتٍ، وصيانَتَها من الانسياق مع جواذب الأهواء، وسلامَتَها من الجهل والافتراء على الناس، وبَخْسِهم حقوقَهُم، كما يسْتهدف ضَبْطَ التعامل مع الخطأ والانحرافِ بما يناسبه، اقتداءً بالسلف الصالح في ذلك.
ويتحقق هذا المنهج بصياغة أصول كلية قائمة على الأدلة المعتبرة، يَرْجِعُ إليها من احتاج الردَّ على المخالفين، والحكمَ على أقوالهم وأعمالهم، كلما اقتضت الحاجة ذلك؛ تفادِيًا لما ينشأ عن الجهل بها من مفاسد وعظائم لا تَخْفَى.
ومن يراجع كلام أهل العلم من أئمة أهل السنة، وبخاصَّةٍ كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- يتضح له معالِمُ هذا المنهج وأصولُهُ.
* فقد أبان شيخ الإسلام -رحمه الله- عن أهمية هذا المنهج، فقال: «وَنَحْنُ نَذْكُرُ قَاعِدَةً جَامِعَةً فِي هَذَا الْبَابِ لَهُمْ وَلِسَائِرِ الْأُمَّةِ، فَنَقُولُ: «لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْإِنْسَانِ أُصُولٌ كُلِّيَّةٌ، يَرُدَّ إِلَيْهَا الْجُزْئِيَّاتِ؛ لِيَتَكَلَّمَ بِعِلْمٍ وَعَدْلٍ، ثُمَّ يَعْرِفَ الْجُزَيْئَاتِ كَيْفَ وَقَعَتْ، وَإِلَّا فَيَبْقَى فِي كَذِبٍ وَجَهْلٍ فِي الْجُزْئِيَّاتِ، وَجَهْلٍ وَظُلْمٍ فِي الْكُلِّيَّاتِ؛ فَيَتَوَلَّدُ فَسَادٌ عَظِيمٌ»([81]). اهـ
* إن أهمية هذه الأصول تتلخص في أمرين:
الأول: أنها قاعدةُ الوصول إلى أحكام دقيقةٍ، وتصرفاتٍ منضبطة ومُنْصِفَة، مَبْنِيَّةٍ على العلم والعدل، وقائمة على المنهج الحق.
الثاني: أنها سبيل الوقاية من التخبط في الأحكام على غير هُدًى، وما يتولد عنه من أضرار كبيرة ومفاسد عظيمة، تَلْحَقُ بالأفراد والمجتمعات في الدين والدنيا.
وهذه الآداب والضوابط نلخّصها في الآتي:
1- إخلاصُ النِّيةِ للهِ -عَزَّ وجلَّ-:
بأنْ يكونَ باعثُ الرَّدِّ على المخالفِ: إعلاءَ كلمةِ الله، والذَّبَّ عَنْ دينهِ، وإرادةَ وجههِ -سبحانه وتعالى- وما أعدَّه مِنَ الأجرِ والثوابِ في الآخرةِ لمن قام بذلك.
ومنَ المعلومِ أَنَّ الإخلاصَ شرطٌ عامٌّ في كُلِّ الأعمالِ الصالحةِ؛ كما قال تعالى: [ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ] {البينة:5}.
* ويقولُ الحافظُ الذَّهبيُّ-رَحِمهُ اللهُ-: «الصَّدعُ بِالْحَقِّ عَظِيْمٌ، يَحْتَاجُ إِلَى قُوَّةٍ وَإِخْلاَصٍ، فَالمُخْلِصُ بِلاَ قُوَّةٍ؛ يَعجِزُ عَنِ القِيَامِ بِهِ، وَالقَوِيُّ بِلاَ إِخلاَصٍ؛ يُخْذَلُ، فَمَنْ قَامَ بِهِمَا كَامِلاً؛ فَهُوَ صِدِّيْقٌ»([82]). اهـ
2- المتابعةُ لِهَدْيِ الشَّريعةِ:
بأنْ يُدفعَ الباطلُ بالحقِّ، وليسَ بالباطلِ؛ كما هو هديُ النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّمَ- والسلفِ الصالحِ في الرَّدِّ على المخالفِ.
3- الأَهْلِيَّةُ:
وذلكَ بأنْ يَكُونَ الرَّادُّ على المخالفِ مِنْ أهلِ العلمِ الأقوياءِ، المتمسكينَ بـِمنهاجِ النُّبوةِ، القائمينَ بالحقِّ، والرَّدِّ على الباطلِ بالحججِ والبَيِّناتِ والأدلةِ القاطعاتِ، وينبغي لَهُ أيضاً أَنْ تكونَ له قدمٌ راسخةٌ في فقه المصالح والمفاسد، وفي النَّظرِ إلى عواقبِ الأمورِ والمآلاتِ.
فَمَنْ لَمْ يَكنْ كذلكَ؛ فليسَ أهلاً للرَّدِّ والمدْح، وإِنَّما هو أهلٌ للذَّمِّ؛ كما قال تعالى: [ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ] {آل عمران:66}.
وقالَ -سبحانه وتعالى-: [ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ] {الأعراف:33}.
* ويقولُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيمية-رحمهُ اللهُ-: «وَقدْ يَنْهَوْنَ -يعني أهلَ السنة- عنِ المجادلةِ والمناظرةِ إذا كَانَ المناظِرُ ضعيفَ العلمِ بالحجةِ، وجوابِ الشُّبهةِ؛ فَيُخافُ عَليهِ أَنْ يُفْسِدَهُ ذلكَ المُضِلُّ؛ كَما يُنْهَى الضّعيفُ في المقاتلةِ أَنْ يُقاتِلَ عِلْجاً قَوِيًّا مِنْ عُلوجِ الكفارِ؛ فَإِنَّ ذَلكَ يَضُرُّهُ، ويَضُرُّ المسلمينَ بلا مَنْفَعةٍ»([83]) اهـ.
4- تحقيقُ العدلِ:
فالعدلُ نظامٌ شاملٌ، يَستوعبُ جميعَ ميادينِ الحياةِ وأبوابِ الدِّينِ؛ كما قال -تعالى ذكره-: [ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ] {النحل:90}، وقالَ -سبحانَهُ جل شأنه-: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ] {النساء:135}، وقالَ -جَلَّ وعلا-: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ] {الحديد:25} وقال -تبارك وتعالى-: [ﭨ ﭩ ﭪ ] {الأنعام:152} وقال -جلَّ شأنه وذِكْره-: [ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ] {المائدة:8}.
وَيَكونُ العَدلُ بالتَّثبُّتِ مِنْ كلامِ المخالفِ، والتَّبيُّنِ مِنْ مخالفتهِ، وعدمِ تحميلِ كلامهِ ما لا يحتملُ، و الحذرِ مِنَ التَّقوُّلِ عليه بما لم يَقُلْ، ونَقْلِ كلامه من كُتبه، لا من كتب أعدائه وخصومه، ونَقْلِ كلامه بسياقِهِ وسباقِهِ ولحاقِهِ، لا بما فَهِمَ منه الناقل، لا سيما إن كان سيئَ الفَهْم أو سيئَ القَصْد.
وهذا من جملة الحدِّ الفاصلِ بين منهج أهل السنة والجماعة، ومنهج أهل البدع والغواية في الكلام على الناس.
* ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: «وَالْكَلَامُ فِي النَّاسِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِعِلْمٍ وَعَدْلٍ، لَا بِجَهْلٍ وَظُلْمٍ، كَحَالِ أَهْلِ الْبِدَعِ ; فَإِنَّ الرَّافِضَةَ تَعْمِدُ إِلَى أَقْوَامٍ مُتَقَارِبِينَ فِي الْفَضِيلَةِ، تُرِيدُ أَنْ تَجْعَلَ أَحَدَهُمْ مَعْصُومًا مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا، وَالْآخَرَ مَأْثُومًا فَاسِقًا أَوْ كَافِرًا، فَيَظْهَرُ جَهْلُهُمْ وَتَنَاقُضُهُمْ»([84]). اهـ
إن الانطلاق من العلم والعدل شرط في الكلام على الناس عمومًا، وفي الحكم على أقوال المخالفين وأعمالهم خصوصًا، وهذا لا يعني المداهنةَ مع المبتدعة، ولا الدفاعَ عن باطلهم، ولا تذويبَ العقيدة أو إضعافَ جانبها أمام أهل الضلالة، أو التقصيرَ نحو إظهارها أو إعلائها على غيرها من الأقوال والآراء المخالفة، لكنه هو المنهجُ الحقُّ الذي شَرَعَه الله لأنبيائه
-عليهم الصلاة والسلام- وعباده، وارتضاه لهم في كتبه، واتَّبَعَه رسولُه
-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وسار عليه سلفُ الأمة وعلماؤها، ومن تجاوز هذا المنهجَ، وعَدَل عنه -إفراطاً أو تفريطاً- فهو مذمومٌ بقدر مخالفته، ولا يُقتدَى به، بل يُنْصَحُ بلزوم الحق، وإلا زُجِر وعُوقب على ذلك، بما لا يُفْضِي إلى مفسدة أكبر، كل ذلك بتقدير أهل العلم والخبرة، لا بتقدير أهل الأهواء والعصبية والحزبية المقيتة!!!
* وهذا المنهجُ قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في سياق تقرير لزوم العدل في جميع أصناف المخالفين: «وَلَمَّا كَانَ أَتْبَاعُ الْأَنْبِيَاءِ هُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْعَدْلِ؛ كَانَ كَلَامُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ مَعَ الْكُفَّارِ وَأَهْلِ الْبِدَعِ بِالْعِلْمِ وَالْعَدْلِ، لَا بِالظَّنِّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ»([85]). اهـ
5- التزامُ الرَّدِّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ:
وهذا هو الأصلُ؛ كما قال تعالى: [ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ] {النحل:125}.
وقدْ يُصارُ إلى غيرِ هذا الأصلِ مِنَ الرَّدِّ بالتقريعِ والقسوةِ، وذكْرِ اسمِ المخالفِ تعييناً، إذا دَعتِ الضَّرورةُ لذلكَ، وهذا إذا كانَ المخالفُ مِنْ أهل الكذبِ والعنادِ والتَّلبيسِ والإرجافِ؛ كما هو شأنُ المنافقينَ والزَّائغينَ عَنِ الحقِّ، بخلاف صاحب السنة الذي له قَدَمُ صِدْقٍ في نُصرة السنة، ولكنه زلَّ زَلَّةً عن تأويل أو اجتهاد، فيُنصح حينذاك بالتي هي أحسن، وإلا حُذِّر الناسُ من خَطِئه؛ كي لا يُقْتَدَى به فيه، وقد يُحذَّر مِنْ مجالسته إذا اقتضى الحالُ ذلك، لكن الأَصْلَ هو التفرقةُ بينه وبين صاحب الهوى ومن لا يَرْفَع بالسنة ولا علمائها ولا بمنهج سلف الأمة رأسًا، والله أعلم.
* ولذا يَقولُ الإمامُ الشَّاطبيُّ-رحمهُ اللهُ- في شأنِ تعيينِ أهلِ الزَّيغِ بأسمائِهم والتَّشهيرِ بهم-: «حَيْثُ تَكُونُ الْفِرْقَةُ تَدْعُو إِلَى ضَلَالَتِهَا وَتَزْيِينِهَا فِي قُلُوبِ الْعَوَامِّ، وَمَنْ لَا عِلْمَ عِنْدِهِ؛ فَإِنَّ ضَرَرَ هَؤُلَاءِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَضَرَرِ إِبْلِيسَ، وَهُمْ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ؛ فَلَابُدَّ مِنَ التَّصْرِيحِ بِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبِدْعَةِ وَالضَّلَالَةِ، وَنِسْبَتِهِمْ إِلَى الْفِرَقِ، إِذَا قَامَتْ لَهُ الشُّهُودُ عَلَى أَنَّهُمْ مِنْهُمْ؛ كَمَا اشْتُهِرَ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِ، فَرَوَى عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ، قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى قَتَادَةَ، فَذَكَرَ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ، فَوَقَعَ فِيهِ، وَنَالَ مِنْهُ؛ فَقُلْتُ: أَبَا الْخَطَّابِ، أَلَا أَرَى الْعُلَمَاءَ يَقَعُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ؟ فَقَالَ: يَا أَحْوَلُ، أَوَلَا تَدْرِي أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا ابْتَدَعَ بِدَعَةً؛ فَيَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُذْكَرَ حَتَّى تُحْذَرَ؟، فَجِئْتُ مِنْ عِنْدِ قَتَادَةَ، وَأَنَا مُغْتَمٌّ بِمَا سَمِعْتُ مِنْ قَتَادَةَ فِي عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ، وَمَا رَأَيْتُ مَنْ نُسُكِهِ وَهَدْيِهِ؛ فَوَضَعْتُ رَأْسِي نِصْفَ النَّهَارِ، وَإِذَا عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وَالْمُصْحَفُ فِي حِجْرِهِ، وَهُوَ يَحُكُّ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللهِ؛ فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللهِ! تَحُكُّ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللهِ؟ قَالَ إِنِّي سَأُعِيدُهَا. قَالَ: فَتَرَكْتُهُ حَتَّى حَكَّهَا، فَقُلْتُ لَهُ: أَعِدْهَا. فَقَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ.
* قال الشَّاطبيُّ -رحمهُ اللهُ-: فَمِثْلُ هَؤُلَاءِ لَابُدَّ مِنْ ذِكْرِهِمْ وَالتَّشْرِيدِ بِهِمْ؛ لِأَنَّ مَا يَعُودُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ ضَرَرِهِمْ إِذَا تُرِكُوا؛ أَعْظَمُ مِنَ الضَّرَرِ الْحَاصِلِ بِذِكْرِهِمْ وَالتَّنْفِيرِ عَنْهُمْ»([86]). اهـ
6 – معرفةُ تفاوُتِ مراتبِ البدعة أو المخالفة، وتفاوُتِ الحُكْم على صاحبها، والردُّ عليه بحسَبِ درجَتِها:
فالبدعة تكون باطلاً على قَدْرِ ما فيها من مخالفة للكتاب والسنة، ونَأْيٍ عن متابعة السلف، فهي ليست باطلاً مَحْضًا؛ إذْ لو كانت كذلك؛ لظهرَتْ ضلالتها وبانَتْ لكل أَحَدٍ، وما قُبِلَتْ أصلا، كما أنها ليست حقًّا محضًا، لا شَوْبَ فيه، وإلا كانَتْ موافقةً للسنة التي لا تُناقِضُ حقًّا مَحْضًا، لا باطل فيه، وإنما تشتمل البدعة على حَقٍّ وباطلٍ، وعلى هذا يكون بعضُها أشدَّ من بعض، ويكون أهلُها على درجات متفاوتة، وليسوا على درجة واحدة.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «وَمِمَّا يَنْبَغِي أَيْضًا أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ الطَّوَائِفَ الْمُنْتَسِبَةَ إلَى مَتْبُوعِينَ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَالْكَلَامِ؛ عَلَى دَرَجَاتٍ: مِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ قَدْ خَالَفَ السُّنَّةَ فِي أُصُولٍ عَظِيمَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إنَّمَا خَالَفَ السُّنَّةَ فِي أُمُورٍ دَقِيقَةٍ، وَمَنْ يَكُونُ قَدْ رَدَّ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الطَّوَائِفِ، الَّذِينَ هُمْ أَبْعَدُ عَنْ السُّنَّةِ مِنْهُ؛ فَيَكُونُ مَحْمُودًا فِيمَا رَدَّهُ مِنْ الْبَاطِلِ وَقَالَهُ مِنْ الْحَقِّ؛ لَكِنْ يَكُونُ قَدْ جَاوَزَ الْعَدْلَ فِي رَدِّهِ: بِحَيْثُ جَحَدَ بَعْضَ الْحَقِّ، وَقَالَ بَعْضَ الْبَاطِلِ؛ فَيَكُونُ قَدْ رَدَّ بِدْعَةً كَبِيرَةً بِبِدْعَةِ أَخَفَّ مِنْهَا؛ وَرَدَّ بِالْبَاطِلِ بَاطِلًا أَخَفَّ مِنْهُ، وَهَذِهِ حَالُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْكَلَامِ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَمِثْلُ هَؤُلَاءِ إذَا لَمْ يَجْعَلُوا مَا ابْتَدَعُوهُ قَوْلًا يُفَارِقُونَ بِهِ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ؛ يُوَالُونَ عَلَيْهِ وَيُعَادُونَ؛ كَانَ مِنْ نَوْعِ الْخَطَأِ، وَاَللَّهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- يَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ خَطَأَهُمْ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، وَلِهَذَا وَقَعَ فِي مِثْلِ هَذَا كَثِيرٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا: لَهُمْ مَقَالَاتٌ قَالُوهَا بِاجْتِهَادِ، وَهِيَ تُخَالِفُ مَا ثَبَتَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، بِخِلَافِ مَنْ وَالَى مُوَافِقَهُ وَعَادَى مُخَالِفَهُ، وَفَرَّقَ بَيْنَ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَفَّرَ وَفَسَّقَ مُخَالِفَهُ دُونَ مُوَافِقِهِ فِي مَسَائِلِ الْآرَاءِ وَالِاجْتِهَادَاتِ، وَاسْتَحَلَّ قِتَالَ مُخَالِفِهِ دُونَ مُوَافِقِهِ؛ فَهَؤُلَاءِ مِنْ أَهْلِ التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافَاتِ»([87]). اهـ
وهذا التفاوت يقع في مسائل العقيدة والعبادة على حَدٍّ سواء، أو في المسائل العلمية والعملية؛ فإن «الْجَلِيلَ مَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الصِّنْفَيْنِ «مَسَائِلُ أُصُولٍ» وَالدَّقِيقَ «مَسَائِلُ فُرُوعٍ»([88]).
* وقد أشار شيخ الإسلام إلى هذا التفاوت من جهة قُرْبِ الفِرَق وبُعْدِها عن الحق قائلاً: «والنجَّارية والضِّرارية وَغَيْرُهُمْ: يَقْرُبُونَ مِنْ جَهْمٍ فِي مَسَائِلِ الْقَدَرِ وَالْإِيمَانِ، مَعَ مُقَارَبَتِهِمْ لَهُ أَيْضًا فِي نَفْيِ الصِّفَاتِ، والْكُلَّابِيَة وَالْأَشْعَرِيَّةُ: خَيْرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ فِي بَابِ الصِّفَاتِ؛ فَإِنَّهُمْ يُثْبِتُونَ لِلَّهِ الصِّفَاتِ الْعَقْلِيَّةَ، وَأَئِمَّتُهُمْ يُثْبِتُونَ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةَ فِي الْجُمْلَةِ، كَمَا فَصَّلَتُ أَقْوَالَهُمْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَأَمَّا فِي بَابِ الْقَدَرِ وَمَسَائِلِ الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ؛ فَأَقْوَالُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ، والْكُلَّابِيَة هُمْ أَتْبَاعُ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كُلَّابٍ، الَّذِي سَلَكَ الْأَشْعَرِيُّ خُطَّتَهُ، وَأَصْحَابُ ابْنِ كُلَّابٍ: كَالْحَارِثِ الْمُحَاسَبِيِّ، وَأَبِي الْعَبَّاسِ القلانسي، وَنَحْوِهِمَا خَيْرٌ مِنْ الْأَشْعَرِيَّةِ فِي هَذَا وَهَذَا، فَكُلَّمَا كَانَ الرَّجُلُ إلَى السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ أَقْرَبَ؛ كَانَ قَوْلُهُ أَعْلَى وَأَفْضَلَ»([89]). اهـ
7ـ التفرقة بين الخطأ فيما يَسُوغُ فيه الاجتهادُ وما لا يَسُوغُ فيه الاجتهاد:
لا ريب أن المجتهد إذا أخطأ فيما يَسُوغُ فيه الاجتهاد؛ فإنه يُعْفَى عن خطئه ولا يعاقَب ولا يُؤَثَّم، ويُثَاب على اجتهاده وحرصه على إصابة الحق -وإن لم يُوَفَّق إليه- لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ، فَاجْتَهَدَ، ثُمَّ أَصَابَ؛ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ، فَاجْتَهَدَ، ثُمَّ أَخْطَأَ؛ فَلَهُ أَجْرٌ»([90]).
* قال شيخ الإسلام -رحمه الله–: لذا يُعْذَر كثيرٌ من العلماء والعُبَّاد، بل والأُمراء فيما أَحْدَثُوه لنوع اجتهاد([91])، فإن كثيرًا من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة، ولم يَعْلَمُوا أنه بِدْعَةٌ؛ إما لأحاديثَ ضعيفة ظَنُّوها صحيحةً، وإما لآياتٍ فَهِمُوا منها ما لم يُرَدْ منها، وإما لِرَأْيٍ رَأَوْه، وفي المسألة نصوصٌ لم تَبْلُغْهُم، وإذا اتَّقَى الرجلُ رَبَّهُ ما استطاع؛ دَخَل في قوله تعالى: [ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ] {البقرة:286}، وفي «الصحيح»: «أن الله قال: قد فَعَلْتُ»([92]).
8 ـ يُفَرَّقُ بين من كان من المخطئين له قَدَمُ صِدْقٍ في السَّنة، والانتصار لها ولمنهج السلف، ومَنْ له حسناتٌ غالبةٌ ماحيةٌ، وبين غيره:
* روى الخطيب -رحمه الله- في «الكفاية»: عن ابن المسيّب قال: «ليس من عالم ولا شريفٍ ولا ذي فَضْلٍ إلاّ وفيه عَيْبٌ، ولكن من كان فَضْلُه أكثرَ من نَقْصِهِ؛ ذَهَبَ نَقْصُهُ لفَضْلِهِ»([93]).
* وقال سلمة بن شبيب: «قلت لأحمد بن حنبل: طلبتُ عفّان في منزله، قالوا: خَرَجَ، فخرجْتُ أسأل عنه، فقيل: توجّه هكذا، فجعلتُ أَمْضِي أسأَلُ عنه، حتّى انتهيتُ إلى مَقْبرةٍ، وإذا هو جالس يقرأ على قبر بنتِ أخي ذي الرّياسَتَيْنِ؛ فَبَزَقْتُ عليه، وقُلْتُ سَوْءَةٌ لك! قال: يا هذا، الخُبْزَ الخُبْزَ، قلت: لا أَشْبَعَ الله بطنك. قال: فقال لي أحمد: لا تَذْكُرَنّ هذا؛ فإنّه قد قام في المحنة مقامًا محمودًا عليه، ونَحْوَ هذا من الكلام»([94]).
* وقد اعتذر شيخ الاسلام -رحمه الله– لبعض أهل الفضل والصلاح ممن شَهِدوا سماعَ الصوفيةِ ورَقْصَهُم متأوِّلين، قائلاً: «وَالَّذين شَهِدُوا هَذَا اللَّغْو مُتَأَوِّلين من أهل الصدْق وَالْإِخْلَاص وَالصَّلَاح؛ غَمَرَتْ حسناتُهم مَا كَانَ لَهُم فِيهِ وَفِي غَيره من السَّيِّئَات أَو الْخَطَأ فِي مواقعِ الاجتهادِ، وَهَذَا سَبِيلُ كُلِّ صالحي هَذِه الْأمة فِي خطئهم وزلَّاتهم، قَالَ تَعَالَى: [ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ] { الزمر:33-35}»([95]). اهـ
كما اعتذر لشيوخ أهل التصوف، الذين حَسُنَ ذِكْرُهُم، وثَبَتَ إيمانُهم، فقال: «لكن شيوخ أهل العلم الذين لهم لِسَانُ صِدْقٍ، وإن وَقَعَ في كلامِ بعضِهم ما هو خَطَأٌ مُنْكَر؛ فَأَصْلُ الإيمان بالله ورسوله إذا كان ثابتًا؛ غُفِرَ لأحدهم خطأهُ الذي أَخْطَأَه بعد اجتهاد»([96]).
هذا إذا وقع الخطأ فيما يسوغ فيه الاجتهاد، أما من أخطأ مخالِفًا الكتابَ المُسْتَبِينَ، والسنةَ المستفيضةَ، أو ما أَجْمَعَ عليه سلفُ الأمة، خِلافًا لا يُعْذَرُ فيه -لا اجتهادًا ولا تقليدًا-؛ فهذا يُعامَلُ بما يُعامَلُ به أهلُ البدع»([97]).
9ـ فِعْلُ بعض أهلِ الفَضْل للبدعة ليس دليلاً على صِحَّتها.
فإن الصِّحَّة تُعْرَف من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ومع وقوعهم في البدعة يُعَامَلون بما يليق مع مكانتهم ومنزلتهم، ولا يتابعون على الخطأ:
* قال شيخ الإسلام -رحمه الله– مُبَيِّنًا هذا: «إذا فعلها قوم ذَوُو فَضْلٍ ودينٍ؛ فقد تركها في زمان هؤلاء من كان معتقدًا لكراهتها، وأَنْكَرَها قومٌ إنْ لم يكونوا أَفْضَل ممن فَعَلها؛ فليسوا دونهم، ولو كانوا دونهم في الفضل؛ فقد تنازعَ فيها أوُلُو الأمر؛ فتُرَدُّ إلى الله ورسوله»([98]).
* وقال ابن حجر الهيثمي -رحمه الله-: «قال بعض أكابر أئمتنا: كالإمام أبي القاسم الرافعي -رحمه الله-: مِنْ لُطْفِ الله بهذه الأمة وما خصَّها به من الكمالات: أنَّ علماءَها لا يَسْكُت بعضُهم على غَلَطِ غيره، ولا على بيان حاله، وإن كان المعتَرَضُ عليه والدًا؛ فَضْلًا عن غيره… بخلافِ غيرها من الأُمَم؛ فإنهم تمالَؤُوا وتطابَقُوا على أن بعض علمائهم لا يُنْكِر على بعضٍ… فلما تطابقوا على ذلك؛ تغيَّرت مِلَلُهُم، وبُدِّلَتْ شرائِعُهم»([99]). اهـ
وروى الإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم -رحمهما الله- في ترجمة يحيى ابن سعيد القطان عن عبد الرحمن بن مهدي -رحمهما الله- قَالَ: «اختلفوا يوما عند شعبة، فقَالَوا: اجْعَلْ بيننا وبينك حَكَمًا، فقَالَ: قد رَضِيتُ بالأَحْولِ، يعني: يحيى بن سعيد القطان، فما بَرِحْنَا حتى جاء يحيى؛ فتحاكموا إليه؛ فَقَضَى على شعبة -وهو شيخُه، ومنه تَعَلَّمَ، وبه تَخَرَّجَ-، فقَالَ له شعبة: ومن يُطيق نَقْدَكَ -أو من له مِثْلُ نَقْدِكَ- يا أحولُ؟!
* قَالَ ابن أبي حاتم -رحمهما الله-: هذه غاية المنزلة ليحيى بن سعيد القطان؛ إذ اختاره شيخُه شعبةُ من بين أهل العلم، ثم بلغ من عدالته بنفسه وصلابته في دينه؛ أن قَضَى على شعبة: شيخِهِ ومُعَلِّمِهِ»([100]).
وهذا يدل على أن أهل العلم من أهل السنة لا يجاملون في الحق صَدِيقَاً أو قَرِيبَاً، أو مَن يوافقهم على قولهم، وأما من خالفهم فإنهم يتصدَّوْن له فقط!! فهذا يحيى بن سعيد القطان لم يجامل شيخه شعبة، الذي به تخرَّج، ثم تَخرَّج ليحيى الحفّاظُ بعد ذلك، كالإمام أحمد، ويحيى بن معين، وابن المديني وغيرهم، فإن الأمر دين، وعلماء السنة هم المؤتمنون حقًّا على هذا الدين، فلله دَرُّهُم، وعلى الله أجرُهُم.
* وهذا الإمام أبو إسماعيل الهروي -رحمة الله عليه- له كتاب معروف اسمه «ذم الكلام» وكتاب في التصوف اسمه «منازل السائرين» الذي شرحه الإمام ابن القيم -رحمه الله- في «مدارج السالكين»؛ والإمام الهروي ممن يُلَقَّبُ بشيخ الإسلام، لكن الإمام ابن القيم استدرك عليه في كتابه مسائل عديدة، وتَعَقَّبَهُ في ألفاظ مختلفة، أطلقها الهروي؛ فَتَشَبَّثَ بها بعضُ أهل البدع، ومع استنكار الإمام ابن القيم عليه -رحمهما الله- إلا أنه وضع قاعدة للتعامل معه ومع غيره من أمثاله، فقال -رحمه الله-: «وَلَا تُوجِبُ هَذِهِ الزِّلَّةُ مِنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ إِهْدَارَ مَحَاسِنِهِ، وَإِسَاءَةَ الظَّنِّ بِهِ؛ فَمَحَلُّهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْإِمَامَةِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالتَّقَدُّمِ فِي طَرِيقِ السُّلُوكِ الْمَحَلُّ الَّذِي لَا يُجْهَلُ، وَكُلُّ أَحَدٍ فَمَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ وَمَتْرُوكٌ إِلَّا الْمَعْصُومَ -صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ- وَالْكَامِلُ مَنْ عُدَّ خَطَؤُهُ، وَلَا سِيَّمَا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَجَالِ الضَّنْكِ، وَالْمُعْتَرَكِ الصَّعْبِ، الَّذِي زَلَّتْ فِيهِ أَقْدَامٌ، وَضَلَّتْ فِيهِ أَفْهَامٌ، وَافْتَرَقَتْ بِالسَّالِكِينَ فِيهِ الطُّرُقَاتُ، وَأَشْرَفُوا -إِلَّا أَقَلُّهُمْ- عَلَى أَوْدِيَةِ الْهَلَكَاتِ».
وقَالَ في موضع آخر: «شَيْخُ الْإِسْلَامِ حَبِيبٌ إِلَيْنَا، وَالْحَقُّ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْهُ، وَكُلُّ مَنْ عَدَا الْمَعْصُومِ -صلى الله عليه وسلم- فَمَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ وَمَتْرُوكٌ، وَنَحْنُ نَحْمِلُ كَلَامَهُ عَلَى أَحْسَنِ مَحَامِلِهِ، ثُمَّ نُبَيِّنُ مَا فِيهِ([101]).
* وقد بَيَّنَ الإمامُ ابن القيم -رحمه الله تعالى- كيفية التعامل مع زلات العلماء بميزان العدل والإنصاف، لا الظلم والإجحاف، فقَالَ: «هَذَا وَنَحْوَهُ مِنَ الشَّطَحَاتِ الَّتِي تُرْجَى مَغْفِرَتُهَا بِكَثْرَةِ الْحَسَنَاتِ، وَيَسْتَغْرِقُهَا كَمَالُ الصِّدْقِ، وَصِحَّةُ الْمُعَامَلَةِ، وَقُوَّةُ الْإِخْلَاصِ، وَتَجْرِيدُ التَّوْحِيدِ، وَلَمْ تُضْمَنُ الْعِصْمَةُ لِبَشَرٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-.
وَهَذِهِ الشَّطَحَاتُ أَوْجَبَتْ فِتْنَةً عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنَ النَّاسِ:
إِحْدَاهُمَا: حُجِبَتْ بِهَا عَنْ مَحَاسِنِ هَذِهِ الطَّائِفَةِ، وَلُطْفِ نُفُوسِهِمْ، وَصِدْقِ مُعَامَلَتِهِمْ؛ فَأَهْدَرُوهَا لِأَجْلِ هَذِهِ الشَّطَحَاتِ، وَأَنْكَرُوهَا غَايَةَ الْإِنْكَارِ، وَأَسَاءُوا الظَّنَّ بِهِمْ مُطْلَقًا؛ وَهَذَا عُدْوَانٌ وَإِسْرَافٌ، فَلَوْ كَانَ كُلُّ مَنْ أَخْطَأَ أَوْ غَلِطَ؛ تُرِكَ جُمْلَةً، وَأُهْدِرَتْ مَحَاسِنُهُ؛ لَفَسَدَتِ الْعُلُومُ وَالصِّنَاعَاتُ وَالْحِكَمُ، وَتَعَطَّلَتْ مَعَالِمُهَا.
وَالطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ: حُجِبُوا بِمَا رَأَوْهُ مِنْ مَحَاسِنِ الْقَوْمِ، وَصَفَاءِ قُلُوبِهِمْ، وَصِحَّةِ عَزَائِمِهِمْ، وَحُسْنِ مُعَامَلَاتِهِمْ عَنْ رُؤْيَةِ عُيُوبِ شَطَحَاتِهِمْ، وَنُقْصَانِهَا، فَسَحَبُوا عَلَيْهَا ذَيْلَ الْمَحَاسِنِ، وَأَجْرَوْا عَلَيْهَا حُكْمَ الْقَبُولِ وَالِانْتِصَارِ لَهَا، وَاسْتَظْهَرُوا بِهَا فِي سُلُوكِهِمْ؛ وَهَؤُلَاءِ أَيْضًا مُعْتَدُونَ مُفْرِطُونَ.
وَالطَّائِفَةُ الثَّالِثَةُ: -وَهُمْ أَهْلُ الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ- الَّذِينَ أَعْطَوْا كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ، وَأَنْزَلُوا كُلَّ ذِي مَنْزِلَةٍ مَنْزِلَتَهُ، فَلَمْ يَحْكُمُوا لِلصَّحِيحِ بِحُكْمِ السَّقِيمِ الْمَعْلُولِ، وَلَا لِلْمَعْلُولِ السَّقِيمِ بِحُكْمِ الصَّحِيحِ. بَلْ قَبِلُوا مَا يُقْبَلُ، وَرَدُّوا مَا يُرَدُّ»([102]).
10 ـ تُحْمَلُ الأقوالُ المُحْتَمِلَةُ للخطأ والصواب إذا صَدَرَتْ من أهل الفضل والصلاح على أَحْسَنِ مَحْمَل، وأَسْلَم مَقْصَد، دون غُلُوٍّ أو إسراف في ذلك:
فالعلماء يَحْكُمون بالعدل والقسط على مقالات المخالفين، مع مراعاتهم مرتبةَ المخالفة ومَنْهَجَ المخالف وقَصْدَهُ، فإذا صَدَرَتْ كلمةٌ مُحْتَمِلَةٌ للخطأ والصواب من عالم معروف بالانتصار للسنة، والدفاع عنها، وعن أئمتها سلفا وخلفا؛ فإن العلماء لا يَحْمِلونها على المعنى المردود، إنما يَحْمِلونها ما أمكن على بقية كلامه ومواقفه المحمودة، ومع ذلك فينصحونه بترك الكلام المجمل المشتبه، ولزوم المصطلحات الشرعية السالمة من هذه الاحتمالات، والناظر في كلام الأئمة يجد على ذلك شواهد كثيرة جدا، وقد توسَّعْتُ في ذكر أدلة ذلك، ونقلْتُ من كلام أهل العلم ما لا يدع مجالا للشك في رسالتي: «الجواب الأكمل على من أنكر حمل المجمل على المفصَّل».
* فمن ذلك حَمْلُ شيخ الاسلام ابن تيمية -رحمه الله- لقول الجنيد
-رحمه الله-: (التوحيدُ: إفرادُ القِدَمِ من الحَدَثِ)، قائلاً: «قلت: هَذَا الْكَلَام فِيهِ إِجْمَالٌ، والمُحِقُّ يَحْمِلُهُ مَحْمَلًا حَسَنا، وَغَيْرُ المُحِقِّ يُدْخِل فِيهِ أَشْيَاء.
والقشيري مَقْصُوده: مَا يذكرهُ أهلُ الْكَلَام من تَنْزِيه الْقَدِيم عَن خَصَائِص المحدثات، وَهَذَا مُتَّفق عَلَيْهِ بَين الْمُسلمين، لَكِن التَّنَازُع بَينهم فِي كثير من الصِّفَات: هَل هِيَ من خَصَائِص المحدثات الَّتِي يجب تَنْزِيه الْقَدِيم عَنْهَا، أَو هِيَ من لَوَازِم الْوُجُود الَّتِي يكون نَفْيُهَا تعطيلا؟!
وَأما الْجُنَيْد فمقصوده: التَّوْحِيد الَّذِي يُشِير إِلَيْهِ الْمَشَايِخ، وَهُوَ التَّوْحِيد فِي الْقَصْد والإرادة، وَمَا يدْخل فِي ذَلِك من الْإِخْلَاص والتوكل والمحبة، وَهُوَ أن يُفْرِد الْحقَّ سُبْحَانَهُ -وَهُوَ الْقَدِيم- بِهَذَا كُله، فَلَا يَشْرَكُهُ فِي ذَلِك مُحْدَثٌ، وتمييزِ الرب من المربوب فِي اعتقادك وعبادتك، وَهَذَا حَقٌّ صَحِيحٌ، وَهُوَ دَاخل فِي التَّوْحِيد الَّذِي بعث الله بِهِ رسله، وَأنزل بِهِ كتبه، وَمِمَّا يدْخل فِي كَلَام الْجُنَيْد: تَمْيِيزُ الْقَدِيم عَن الْمُحْدَث، وَإِثْبَاتُ مباينته لَهُ بِحَيْثُ يَعْلَمُهُ، وَيشْهَدُ أَن الْخَالِق مبايِنٌ لِلْخلْقِ، خلافًا لما دخل فِيهِ الاتحاديةُ من المتصوفة وَغَيرهم، من الَّذين يَقُولُونَ بالاتحاد مُعَيَّنًا أوْ مُطلقًا»([103]). اهـ
وجاء في «سير أعلام النبلاء»: «قال أبو إسماعيل عبدالله بن محمد الأنصاري -وهو الهروي- مؤلِّف كتاب «ذم الكلام»: سمعت عبدالصمد بن محمد بن محمد، سمعت أبي يقول: أنكروا على أبي حاتم بن حبان قوله: «النبوةُ: العِلْمُ والعَمَلُ»، فَحَكَمُوا عليه بالزندقة، و هُجِرَ، وكُتِبَ فيه إلى الخليفة؛ فكَتَبَ بِقَتْلِهِ».
* قال الذهبي: «قلت: هذه حكايةٌ غريبة، وابن حبان فَمِنْ كبار الأئمة، ولَسْنَا ندَّعي فيه العصمة من الخطأ، لكن هذه الكلمة التي أَطْلَقَها، قد يُطْلِقُها المسلمُ، ويُطْلِقُها الزنديقُ الفيلسوفُ، فإطلاقُ المسلم لها؛ لا ينبغي، لكن يُعْتَذَرُ عنه، فنقول: لم يُرِدْ حَصْرَ المبتدأ في الخبر، ونظيرُ ذلك قوله -عليه الصلاة والسلام-: «الحجُّ عرفةُ»، ومعلوم أنَّ الحاجَّ لا يصير بمجرَّد الوقوف بعرفة حاجًّا، بل بقي عليه فروض وواجبات، وإنما ذَكَرَ مُهِمَّ الحجِّ، وكذا هذا ذَكَرَ مُهِمَّ النبوة؛ إذْ مِنْ أَكْمَلِ صفات النبي: كمالُ العلم والعمل، فلا يكون أحد نبيًّا إلا بوجودهما، وليس كلُّ من برّز فيهما نبيًّا؛ لأن النبوة مَوْهِبَةٌ من الحق تعالى، لا حِيلةَ للعبد في اكتسابها، بل بها يتولَّد العِلْمُ اللَّدُنِّي، والعملُ الصالحُ، وأما الفيلسوف فيقول: النبوة مُكْتَسَبَةٌ، يُنْتِجُها العِلْمُ والعملُ؛ فهذا كُفْر، ولا يريده أبو حاتم أصلًا، وحاشاه، وإن كان في تقاسيمه من الأقوال والتأويلات البعيدة، والأحاديث المنكرة عجائب، وقد اعترف بأن «صحيحه» لا يَقْدِرُ على الكشف منه إلا من حَفِظَهُ، كمن عنده مُصْحَف، لا يَقْدِر على موضع آية يريدها منه إلا مَنْ يَحْفَظُه…»([104]). اهـ.
11 ـ عَدَمُ تَأْثِيم المجتهدٍ إذا أخطأ في مسائل أُصولية أو فَرْعية.. ومن باب أَوْلَى عَدَمُ تَكْفِيرِهِ أو تَفْسِيقِهِ لذلك، وإلحاقُ الحُكْم المُطْلَق بالمعيَّن، يحتاج إلى استيفاء الشروط وانتفاء الموانع.
نسب شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- هذا الحكم إلى السلف وأئمة الفتوى، كأبي حنيفة والشافعي والثوري وداود بن علي وغيرهم، وذكر أنهم كانوا لا يُؤَثِّمون مجتهدًا أخطأ في المسائل الأصولية والفروعية، وذكر ذلك عنهم ابنُ حزم وغيره، واستدل على هذا بأن أبا حنيفة والشافعي وغيرهما كانوا يَقْبَلُون شهادةَ أهل الأهواء، إلا الخطابية، ويُصَحِّحُون الصلاةَ خَلْفَهُم، والكافرُ لا تُقْبَلُ شهادتُه على المسلمين، ولا يُصَلَّى خلفه، وأنهم قالوا: هذا هو القول المعروف عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الدين، وأنهم لا يُكَفِّرون ولا يُفَسّقون ولا يُؤَثِّمون أحدًا من المجتهدين المخطئين، لا في مسألة عَمَلية ولا عِلْمية.
* فقد قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: «إن عُلَمَاءَ الْمُسْلِمِينَ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي الدُّنْيَا بِاجْتِهَادِهِمْ؛ لَا يَجُوزُ تَكْفِيرُ أَحَدِهِمْ بِمُجَرَّدِ خَطَأٍ أَخْطَأَهُ فِي كَلَامِهِ، وَهَذَا كَلَامٌ حَسَنٌ، تَجِبُ مُوَافَقَتُهُ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ تَسْلِيطَ الْجُهَّالِ عَلَى تَكْفِيرِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَعْظَمِ الْمُنْكَرَاتِ؛ وَإِنَّمَا أَصْلُ هَذَا مِنْ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ أَئِمَّةَ الْمُسْلِمِينَ؛ لِمَا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ أَخْطَئُوا فِيهِ مِنْ الدِّينِ، وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّ عُلَمَاءَ الْمُسْلِمِينَ لَا يَجُوزُ تَكْفِيرُهُمْ بِمُجَرَّدِ الْخَطَأِ الْمَحْضِ؛ بَلْ كُلُّ أَحَدٍ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إلَّا رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ يُتْرَكُ بَعْضُ كَلَامِهِ لِخَطَأِ أَخَطَأَهُ يُكَفَّرُ ولا يُفَسَّقُ؛ بل ولا يَأْثَمُ؛ فإن الله تعالى قال في دُعَاءِ المؤمنين: [ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ] {البقرة:286}، وفي «الصَّحِيحِ» عن النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- «أن اللَّهَ تَعَالَى قَالَ قَدْ فَعَلْتُ»»([105]). اهـ
12 – التفريق بين المبتدع الداعي إلى بِدْعَتِهِ، ومن ليس بداعٍ إليها:
هذا، ولقد فَرَّقَ السلفُ -رضوان الله عليهم- بين المبتدع الداعي إلى بدعته ومن ليس بداعٍ إليها، وفَرَّقُوا في الروايةِ عنه، والسلامِ عليه حَيًّا، والصلاةِ عليه ميتاً، وزيارتِهِ، ومودتِهِ، والاستفادةِ من عِلْمِهِ في غير هذه البدعة، كأن يكون قارئاً للقرآن مُعَلِّماً له، أو عالماً بالسنة ومخارجها، وبالأخبار، أو التواريخ، ونحو ذلك.
* قال أبو داود -رحمه الله-: «قلت لأحمد: لنا أقاربُ بخراسان يَرَوْنَ الإرجاءَ، فنكْتُب إلى خراسان نُقْرِئُهم السلام؟ قال: سبحان الله، لماذا لا تُقْرِئُهم؟»
أخبرنا أبو بكر، قال: حدثنا أبو داود قال: قلت لأحمد: نُكَلِّمهم؟ قال: نعم، إلا أن يكونَ داعياً، ويُخاصِمَ فيه «([106]).
* وقال عبدالله: قلت لأبي: ما تقول في أصحاب الحديث، يأتون الشيخ لعله يكون مرجئا، أو شيعيا، أو فيه شيء من خلاف السنة، أينبغي أن أَسْكُتَ فلا أُحَذِّرَ عنه، أو أُحَذِّرَ عنه؟ قال: إن كان يَدْعو إلى بدعة، وهو إمامٌ فيها، ويَدْعُو إليها؛ تُحَذِّرُ منه([107]).
* ويقول شيخ الإسلام في مَعْرِض بيان منهج أهل السنة في عدم تأثيم المجتهد -وإن أخطأ في اجتهاده-: «ولم يَقُلْ أحد من السلف والصحابة والتابعين: أن المجتهد الذي اسْتَفْرَغَ وُسْعَه في طلب الحق يَأْثَمُ، لا في الأصول ولا في الفروع»([108]). اهـ
ثم قال بعد ذلك: «ولهذا يَقْبَلُون شهادةَ أهلِ الأهواء، ويُصَلُّون خَلْفَهم، ومَنْ رَدَّها كمالكٍ وأحمدَ؛ فليس مُسْتَلْزِماً للإثم، لكن المقصود إنكارُ المنكر، وهَجْرُ من أَظْهَر البدعة، ولهذا فَرَّقَ أحمد، وغيره بين الداعيةِ للبدعة المُظْهِرِ لها وغيرِهِ، وكذلك قال الخِرَقي: ومن صَلَّى خَلْفَ من يَجْهَرُ ببدعةٍ أو مُنْكَرٍ؛ أَعَادَ». اهـ
والشاهد هنا هو قول شيخ الإسلام بأن الإمام أحمد فَرَّقَ بين الداعية للبدعة المظهِرِ لها وغيره ممن يعتقد هذه البدعةَ، ولا يَدْعُو لها.
13 – ومن إنصافِ أهلِ السنة: أنهم لم يَقْبَلُوا غُلوَّ بعضِ موافقيهم في ذَمِّ مخالفيهم.
فلم يَكُنْ أَهْلُ السنة يكيلون المدْحَ أو القدْحَ جزافاً -كما يفعله أكثر الغلاة اليوم-، بل يَقْرِنُون ذلك بكثير من التحفُّظ، والسبب في ذلك أنهم بَنَوْا منهجَهم على مقياس الاتباع لمنهج أهل السنة، وليس على التعصب للأشخاص؛ إذْ كُلُّ إنسان -مهما كان- فإنه يُؤْخَذُ من قوله ويُتْرَكُ سوى رسولِ الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «كَأَبِي إسْمَاعِيلَ الْأَنْصَارِيِّ الهروي صَاحِبِ كِتَابِ «ذَمِّ الْكَلَامِ» فَإِنَّهُ مِنْ الْمُبَالِغِينَ فِي ذَمِّ الْجَهْمِيَّة لِنَفْيِهِمْ الصِّفَاتِ، وَلَهُ كِتَابُ «تَكْفِيرُ الْجَهْمِيَّة» وَيُبَالِغُ فِي ذَمِّ الْأَشْعَرِيَّةِ، مَعَ أَنَّهُمْ مِنْ أَقْرَبِ هَذِهِ الطَّوَائِفِ إلَى السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ، وَرُبَّمَا كَانَ يَلْعَنُهُمْ. وَقَدْ قَالَ لَهُ بَعْضُ النَّاسِ – بِحَضْرَةِ نِظَامِ الْمُلْكِ – أَتَلْعَنُ الْأَشْعَرِيَّةَ؟ فَقَالَ: أَلْعَنُ مَنْ يَقُولُ: لَيْسَ فِي السَّمَوَاتِ إلَهٌ، وَلَا فِي الْمُصْحَفِ قُرْآنٌ، وَلَا فِي الْقَبْرِ نَبِيٌّ، وَقَامَ مِنْ عِنْدِهِ مُغْضَبًا، وَمَعَ هَذَا فَهُوَ فِي مَسْأَلَةِ إرَادَةِ الْكَائِنَاتِ وَخَلْقِ الْأَفْعَالِ: أَبْلَغُ مِنْ الْأَشْعَرِيَّةِ؛ لَا يُثْبِتُ سَبَبًا وَلَا حِكْمَةً»([109]). اهـ
فتأمل وصْفه -رحمه الله- للهروي بالمبالغة في ذم الأشعرية؛ بل وصَفَه بأنه أَشَدُّ انحرافاً عن الأشعرية في بعض الجوانب، مع كون الهروي مِن مشاهِير أهل السنة!!
* وقال الذهبي -رحمه الله-: «قَالَ الحَاكِمُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ صَالِحِ بنِ هَانِئٍ، سَمِعْتُ ابْنَ خُزَيْمَةَ يَقُوْلُ: مَنْ لَمْ يُقِرَّ بِأَنَّ اللهَ عَلَى عَرشِه، قَدِ اسْتوَى فَوْقَ سَبعِ سَمَاوَاتِه؛ فَهُوَ كَافِرٌ حَلاَلُ الدَّمِ، وَكَانَ مَالُهُ فَيْئاً.
قال الذهبي -رحمه الله- معلقًا على ذلك: قُلْتُ: مَنْ أَقَرَّ بِذَلِكَ تَصْدِيْقاً لِكِتَابِ اللهِ، وَلأَحَادِيْثِ رَسُوْلِ اللهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَآمَنَ بِهِ مُفَوِّضاً مَعْنَاهُ إِلَى اللهِ وَرَسُوْلِهِ، وَلَمْ يَخُضْ فِي التَّأْوِيْلِ، وَلاَ عَمَّقَ؛ فَهُوَ المُسْلِمُ المُتَّبِعُ، وَمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ، فَلَمْ يَدْرِ بِثُبُوْتِ ذَلِكَ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ فَهُوَ مُقَصِّرٌ، وَاللهِ يَعْفُو عَنْهُ؛ إِذْ لَمْ يُوجِبِ اللهُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حِفظَ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ، وَمَنْ أَنكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ العِلْمِ، وَقَفَا غَيْرَ سَبِيْلِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَتَمَعقَلَ عَلَى النَّصِّ؛ فَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ، نَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الضَّلاَلِ وَالهَوَى.
وَكَلاَمُ ابْنِ خُزَيْمَةَ هَذَا -وَإِنْ كَانَ حَقّاً- فَهُوَ فَجٌّ، لاَ تَحْتَمِلُهُ نُفُوْسُ كَثِيْرٍ مِنْ مُتَأَخِّرِي العُلَمَاءِ»([110]). اهـ
* قلت: أهل السنة على تفويض الكيفية، وإلا فالمعنى الذي تشهد له لغة العرب، التي نزل بها القرآن معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، كما قال ربيعة بن أبي عبدالرحمن ومالك بن أنس -رحمهما الله تعالى- وهذا هو المراد من قول الحافظ الذهبي -رحمه الله- وإن كان قوله: «مفوِّضا معناه» فيه إجمال، وليس مقبولا، والله أعلم.
فالقائمون بهذه الشروطِ والآدابِ هم أهلُ الحقِّ في هذا البابِ، وهم الذين أثنى عليهم اللهُ بقولهِ -جلَّ و علا-: [ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ…] {البقرة:143}.
* ويقولُ الإمامُ ابن قيم الجوزية-رحمهُ اللهُ-: «وهَدَى اللهُ الأمةَ الوسطَ لما اختلفوا فيهِ منَ الحقِّ بإذنهِ…وهَذا بَيِّنٌ بحمدِ اللهِ عندَ أهلِ العلم والإيمانِ، مُستقِرٌّ في فِطَرِهم، ثابتٌ في قلوبِهم، يشهدونَ انحرافَ المنحرفينَ في الطَّرفينِ، وهُم لا إلى هؤلاءِ، ولا إلى هؤلاءِ، بلْ هُم إلى اللهِ تعالى ورسولِه مُتحَيِّزونَ، وإلى مَحْضِ سُنِتَّهِ مُنْتَسِبونَ، يَدينونَ دِينَ الحقِّ أَنَّى تَوجَّهتْ رَكائبهُ، ويَستقِرُّون مَعه حيثُ استقرَّتْ مَضارِبُه.
لا تَستفزُّهم بَدَواتُ آراءِ المختلفينَ، ولا تُزلزِلُهم شُبهاتُ المبطلينَ؛ فَهُم الحكَّامُ على أربابِ المقالاتِ، والمميِّزونَ لما فيها منَ الحقِّ والشبهاتِ.
يَردُّون على كُلٍّ بَاطلَهُ، ويُوافقونَه فيما معهُ في الحقِّ؛ فَهُمْ في الحقِّ سِلْمُه، وفي الباطلِ حَرْبُه.
لا يميلونَ مَع طائفةٍ على طائفةٍ، ولا يَجْحَدونَ حَقَّها لما قَالَتْهُ مِنْ باطلٍ سِواهُ.
بلْ هُم مُمتثلونَ قولَ اللهِ تعالى: [ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ] {المائدة:8}.
فإذا كَانَ قد نَهى عبادَه أَنْ يَحملَهم بُغضُهم لأعدائِه أَن لا يَعْدِلُوا عليهم
-مَعْ ظُهورِ عَداوتِهم، ومخالفتِهم، وتكذيبِهم للهِ ورسولهِ-؛ فكيفَ يَسوغُ لمنْ يَدَّعِي الإيمانَ أَنْ يَحمِلَهُ بُغْضُهُ لطائفةٍ مُنتسبةٍ إلى الرَّسولِ تُصيبُ وتُخطيءُ على أنْ لا يَعْدِلَ فيهم، بلْ يُجرِّدُ لهم العداوةَ وأنواعَ الأذَى؟!ولَعلَّه لا يَدري أَنَّهم أَوْلَى باللهِ ورسولهِ، وما جاءَ بهِ منه عِلماً، وعملاً، ودعوةً إلى اللهِ على بصيرةٍ، وصَبْراً منْ قَوْمِهِم على الأذى في اللهِ، وإقامةً لحجةِ اللهِ، ومعذرةً لمنْ خَالفَهم بالجهلِ!
لا كَمنْ نَصبَ مقالةً صادرة عَنْ آراءِ الرِّجالِ، فَدَعا إليها، وعاقبَ عليها، وعادَى مَنْ خَالفَها بالعصبيةِ، وحَمِيَّةِ الجاهِليَّةِ»([111]). اهـ
(تنبيه): وبعد هذا المدْخَل أو هذه التوطئة أشْرع -بتوفيق الله جل شأنه- بذكر كلام أهل العلم في بيان فضِل الدعوة، وأنه لا يُفْلح فيها إلا من سَلَكَ مسْلك الوسَطية، ونأى بنفسه عن الميل إلى الإفراط أو التفريط، وأكثرْتُ من الكلام حول التحذير من الغلو في التبديع والتفسيق والهجر والتكفير؛ لأن الولوغ في هذا الجانب -في كثيرٍ ممن ينتسب إلى العلم والدعوة- أكثر من الوقوع في جانب التفريط والتضييع، والشيطانُ يُسَوِّل لهم أن لزوم الشدَّة والإسراف في الاحكام على الناس -وإن أفْضى إلى إخراجهم من دائرة السنة بل ودائرة الإسلام عند بعض الغلاة- أن هذا من باب الغيْرة على الدين، والدفاع عن ثوابته ومادته، والحفاظ على عقيدة اهل السنة من الضياع والاندثار، وإن أدى ذلك إلى الوقوع في الظلم والافتراء، والقول على الله -جل شأنه- وعلى عباده بغير علم ولا ورع، وأقلُّ ذلك تضْيِيعُهم لكثير من واجبات الأُخُوَّة في الله.
ولما سَقَطَ في ذلك كثيرون ممن كانوا على الجادَّةِ؛ كان لزامًا على من أعطاه الله -جل جلاله- القدرة على الردِّ والبيان: القيامُ بواجبه في ذلك؛ فألقيتُ عدةَ دروسٍ ومحاضرات في «دار الحديث بمأرب» على مسامع طلاب العلم، ونُشِرَتْ تلك الأشرطة، فأرجو أن يكون الله -جل وعلا- قد نفع بها كثيرًا من العِبادِ في اليمن وخارجه، ثم رأيتُ أن تُفَرَّغ تلك المادة الصوتية؛ فتصير مكتوبةً؛ لما عُلم من بقاء المكتوب -عادةً- أكثر من المسموع في الأشرطة، ثم زِدْتُ تلك المادة بعد جَمْع كلام العلماء الذي يشْهد لما قرَرَّتُه، راجياً من الله -جل شأنه- القبول والمزيد من النفع والستر في الدارين، والله ولي التوفيق والسداد.
بسم الله الرحمن الرحيم([112])
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:
أسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يتولانا بلطفه وعفوه وستره، وأن يرزقنا وإياكم التي هي أقوم في أمرنا كله، وأن يدفع عنا وعنكم فتن المحيا والممات، وأن يُقَدِّر لنا ولكم ما فيه الخير في الدنيا والآخرة، ويرزقنا وإياكم حُسْنَ الأخلاق، وسَعَةَ الأرزاق، وأن يرزقنا وإياكم علما نافعا، وعُمُرًا مباركا، وعملا صالحا، وذرية طيبة مباركة، وأن يرزقنا وإخواننا وذرياتنا الحكمةَ وفَصْلَ الخطاب، أما بعد:
o
p













