(بابٌ في تحرِّي أهل العلم ودقتهم وتفصيلهم في مسائل التكفير)
ويَأْخذُنُي العجب والتساؤلُ وأنا أقرأ فتوى للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ -رحمة الله عليهم جميعًا-، وهو يُفصِّل في أمرٍ دقيقٍ في باب تكفير المعين، وغيرُه لا يبالي به، وقد قُدِّم له سؤالٌ عمن يَفْرَحُ بانتصارِ قبيلةٍ من القبائل العربية في الجزيرة، على المسلمين الموحدين، وعَمَّن يحب انتصارهم على أهل التوحيد، ألا يكون هذا كافرًا؟
وهذا نصُّ جوابه -رحمه الله-: «بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن إلى الابن المكرم النجيب إبراهيم بن عبد الملك -سلمه الله، ورحم أباه، وزَيَّنَهُ بزينة خاصَّتِهِ وأوليائه، آمين-.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد: فأَحْمَدُ إليك الله، الذي لا إله إلا هو، وهو للحَمْدِ أَهْلٌ، وهو على كل شيء قدير، والخطُّ قد وَصَلَ، وقد سألتَ فيه عن خمس مسائل:
(أولاها): قولك: إنه قد وقع من بعض الإخوان تكفير مَنْ أَحَبَّ انتصار «آل شامر»([139]) على المسلمين، وفَرِحَ بِذَبْحِهِم، هل له مُسْتَنَدٌ في ذلك أم لا؟
الجواب: إني لا أَعْلَم مُسْتَنَدًا لهذا القول، والتجاسر على تكفير من ظاهره الإسلام من غير مستندٍ شَرْعِيٍّ، ولا برهانٍ مَرْضِيٍّ؛ يخالف ما عليه أئمةُ العلم من أهل السنة والجماعة، وهذه الطريقة هي طريقة أهل البدع والضلال، ومَنْ عُدِمَ الخشيةَ والتقوى فيما يَصْدُر عنه من الأقوال والأفعال، والفرح بمثل هذه القضية قد يكون له أسباب متعددة، لا سيما وقد كَثُرَ الهرجُ، وخاضتْ الأمة في الأموال والدماء، واشتد الكربُ والبلاء، وخَفِيَ الحَقُّ والهدى، وفشا الجهل والهوى، وكَثُرَ الخوضُ والردى، وغَلَبَ الطغيانُ والعمى، وقَلَّ المتمسكُ بالكتاب والسنة، بل قَلَّ من يعرفهما، ويَدْرِي حدودَ ما أنزل الله من الأحكام الشرعية: كالإسلام، والإيمان، والكفر، والشرك، والنفاق، ونحوهم. وقد جاء في الحديث: «من قال لأخيه: يا كافر؛ فقد باء بها أحدُهما»
فإطلاق القول بالتكفير -والحالةُ هذه- دليل على جَهْلِ المُكَفِّر، وعَدَمِ عِلْمِهِ بمدارك الأحكام، وتَأَوُّلِ أهل العلم ما ورد من إطلاق الكفر على بعض المعاصي كما في حديث: «سِبابُ المسلم فُسُوقٌ، وقِتَالُهُ كُفْرٌ»، وحديث: «لا تَرْجِعُوا بعدي كفارًا؛ يَضْرِب بعضُكم رقابَ بعض»، وحديث: «لا تَرْغَبوا عن آبائكم؛ فإنه كُفْر بكم أن تَرْغَبوا عن آبائكم»؛ فهذا ونحوه تأولوه على أنه كُفْر عَمَلِي، ليس كالكفر الاعتقادي الذي ينقل عن الملة، كما جزم به العلامة ابن القيم -رحمه الله- وغيره من المحققين.
هذا، مع أنه باشَرَهُ عَمَلٌ، وفَرَحٌ، وأَطْلَقَ عليه الشارعُ هذا الوصفَ، فكيف بمُجَرِّد الفرح؟ وذُكِرَ عن الإمام أحمد -رحمه الله- أنه قال: أمِرُّوا هذه النصوص كما جاءتْ، ولا تَعَرَّضُوا لتفسيرها.
وقد ذكر شيخ الإسلام في «الفتاوى المصرية»([140]) أن السلف متفقون على عدم تكفير البغاة، فكيف بمُجَردِّ الفرح؟ وقد قابل هذا الصنفَ من الإخوان قومٌ كَفَّروا أهلَ العارِضِ([141])، أو جمهورَهم في هذه الفتنة، واشْتُهِر عن بعضهم أنه تلا عند سماع وقعة «آل شامر» قولَهُ -تعالى-: [ﰀ ﰁ] {محمد:10}، وعَلَّلُوا بأشياءَ متعددةٍ من فَرَحٍ، ومُكاتبةٍ، وموالاةٍ، وغير ذلك؛ والفريقان ليس لهم لِسَانُ صِدْقٍ، ولا هُدًى، ولا كتابٍ منير.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: لا بد للمتكلم في هذه المباحث ونحوها أن يكون معه أصولٌ كليةٌ، يَرُدُّ إليها الجزئياتِ؛ ليَتَكَلَّم بعِلْمٍ وعَدْلٍ، ثم يعرف الجزئياتِ كيف وَقَعَتْ، وإلا فيقع في كَذِبٍ وجَهْل في الجزئيات، وجَهْلٍ وظُلْمٍ في الكليات.
قال -رحمه الله-: وأَطالَ -رحمه الله- الكلامَ في الفَرْق بين المتأوِّل والمتعمِّد، ومن قامت عليه الحجة، وزالتْ عنه الشبهة، والمخطئ الذي التبس عليه الأمر، وخفي عليه الحكم، وقَرَّرَ مذهبَ علي بن أبي طالب في عدمِ تكفير الخوارج المقاتلين له، المكَفِّرين له ولعثمان، ولمن والاهما
-رضي الله عنهما-، ونَقَلَ قول علي -رضي الله عنه- لما سُئِل عن الخوارج: أَكُفَّارٌ هُم؟ قال: مِنَ الكُفْر فَرُّوا. وقوله: إن لكم علينا أن لا نقاتِلَكُم حتى تبدؤونا بالقتال، ولا نَمْنَعَكُم مساجِدَ الله، ولا نَمْنَعَكُم حقًّا هو لكم في مال الله، ومع هذا هم مُصَرِّحُون بتكفيره، مقاتلون له، مُسْتَحِلُّون لدمه، فكيف بمُجَرَّد الفَرَح؟ وقد ذَكَر في «الزواجر» أن الفرح بمثل هذه المعاصي من المحرمات، ولم يَقُل: إنه كُفْر.
قال -رحمه الله-: ثم اعلم أن الفتنة في هذا الزمان بالبادية والبغاة، وبالعساكر الطغاة، فتنةٌ عمياءُ صماءُ، عَمَّ شَرُّها، وطار شَرَرُها، ووَصَلَ لهيبها إلى العذارى في خُدورهن، والعواتق وَسْطَ بيوتهن، ولم يتخلص منها إلا من سَبَقَتْ له الحُسْنى، وكان له نصيب وافر من نور الوحي، والنورِ الأولِ يوم خَلَقَ الله الخلق في ظلمة، وألقى عليهم من نوره، وما أَعَزَّ من يعرف هذا الصنف، بل ما أَعَزَّ من لا يعاديهم ويرميهم بالعظائم؟ وأكثر الناس كما وصفهم علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- فيما رواه كُمَيْل بن زياد: لم يسْتَضِيئوا بنور العلم، ولم يَلْجَؤُوا إلى رُكْنٍ وثيق، ومُجَرَّدُ الانتساب إلى الإيمان والإخوان، والتزيِّي بِزِيِّ أهل العلم والإيمان، مع فَقْدِ الحقيقة لا يُجْدِي.
وَالناسُ مُشتَبِهونَ في إِيرادِهِم وَتَبايُنُ الأَقوامِ في الإِصْدارِ». اهـ
* وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ في «الصلاة وأحكام تاركها»([142]): «فصل: وها هنا أَصْلٌ آخر: وهو أن الكفر نوعان: كُفْرُ عَمَلٍ وكُفْرُ جحودٍ وعنادٍ؛ فَكُفْرُ الجُحُود: أن يَكْفُر بما عَلِمَ أن الرسول جاء به من عند الله جحودا وعنادا، من أسماء الرب وصفاته وأفعاله وأحكامه، وهذا الكُفر يُضَادُّ الإيمانَ من كل وَجْهٍ، وأما كُفْرُ العمل فينقسم إلى ما يُضَادُّ الإيمانَ وإلى ما لا يُضَادُّهُ: فالسجود للصنم، والاستهانةُ بالمصحف، وقَتْل النبي وسَبُّهُ؛ يُضَادُّ الإيمان، وأما الحكم بغير ما أَنْزَلَ الله، وتركُ الصلاة؛ فهو من الكفر العملي قطعًا، ولا يمكن أن يُنْفَي عنه اسمُ الكُفْر بعد أن أَطْلَقَهُ الله ورسوله عليه، فالحاكمُ بغير ما أنزل الله كافر، وتاركُ الصلاة كافر بنص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولكن هو كُفْرُ عَمَلٍ لا كُفْرَ اعتقاد([143])، ومن الممتنع أن يُسَمِّيَ الله -سبحانه- الحاكمَ بغير ما أنزل الله كافرا، ويُسَمِّىَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- تارك الصلاة كافرا، ولا يُطْلَقْ عليهما اسم كافر، وقد نَفَى رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- الإيمانَ عن الزاني والسارق وشارب الخمر، وعمن لا يَأْمَنُ جارُهُ بوائِقَهُ، وإذا نُفِيَ عنه اسمُ الإيمان؛ فهو كافر من جهة العمل، وانتفى عنه كُفْر الجحود والاعتقاد، وكذلك قولُه: «لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كفارا؛ يَضْرِبْ بعضُكم رِقابَ بعضٍ»، فهذا كُفْر عملٍ، وكذلك قوله: «من أَتَى كاهنا، فَصَدَّقه، أو امرأةً في دُبُرِها؛ فقد كَفَرَ بما أُنزل على محمد». وقوله: «إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر؛ فقد باء بها أحدهما». وقد سمى الله -سبحانه وتعالى- مَنْ عَمِلَ ببعض كتابه وتَرَكَ العملَ ببعضه مؤمنا بما عمل به، وكافرا بما ترك العمل به، فقال تعالى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ] {البقرة:84-85}، فأخبر سبحانه أنهم أقروا بميثاقه الذي أمرهم به والتزموه، وهذا يدل على تصديقهم به، أنهم لا يَقْتُلُ بعضهم بعضا، ولا يُخْرِج بعضهم بعضا من ديارهم، ثم أخبر أنهم عَصَوْا أَمْره، وقَتَلَ فريقٌ منهم فريقا، وأخرجوهم من ديارهم؛ فهذا كُفْرُهم بما أُخِذَ عليهم في الكتاب، ثم أخبر أنهم يُفْدُون من أُسِرَ من ذلك الفريق، وهذا إيمانٌ منهم بما أُخِذَ عليهم في الكتاب، فكانوا مؤمنين بما عملوا به من الميثاق، كافرين بما تركوه منه، فالإيمان العملي، يضاده الكفر العملي، والإيمان الاعتقادي يضاده الكفر الاعتقادي.
وقد أعلن النبي -صلى الله عليه وسلم- بما قلناه في قوله في الحديث الصحيح: «سبابُ المسلم فُسوقٌ، وقتاله كُفْر». فَفَرَّقَ بين قتاله وسبابه، وجعل أحَدَهما فسوقاً لا يَكْفُر به والآخَرَ كفرًا، ومعلوم أنه إنما أراد الكفر العملي لا الاعتقادي، وهذا الكفر لا يُخْرِجه من الدائرة الإسلامية والملة بالكلية، كما لا يُخْرِج الزاني والسارقَ والشاربَ من الملة، وإن زال عنه اسمُ الإيمان، وهذا التفصيل هو قولُ الصحابة، الذين هم أَعْلَمُ الأمة بكتاب الله وبالإسلام والكفر ولوازمهما، فلا تُتَلَقَّى هذه المسائل إلا عنهم؛ فإن المتأخرين لم يَفْهَموا مرادَهُم، فانقسموا فريقين: فريقا أَخْرَجوا من الملة بالكبائر، وقَضَوْا على أصحابها بالخلود في النار، وفريقا جعلوهم مؤمنين كاملي الإيمان؛ فهؤلاء غَلَوْا، وهؤلاء جَفَوْا، وهَدَى الله أهلَ السنة للطريقة المُثْلَى، والقولِ الوَسَطِ، الذي هو في المذاهب كالإسلام في الملل، فها هنا كُفْرٌ دون كُفرٍ، ونِفَاقٌ دون نِفَاقٍ، وشِرْكٌ دون شِرْكٍ، وفُسُوقٌ دون فُسُوقٍ، وظُلْمٌ دون ظُلْمٍ». اهـ
* وقال ابن رجب الحنبلي ـ رحمه الله ـ في «فتح الباري»([144]): «وللعلماء في هذه الأحاديثِ – وما أشبهها – مسالك متعددةٌ:
منهم: من حَمَلَها على من فعلَ ذلكَ مُسْتَحِلاًّ لذلكَ.
وقد حملَ مالكٌ حديثَ: «من قال لأخيه: يا كافرُ» على الحَرُوريَّةِ، المعتقدينَ لكفر المسلمينَ بالذنوبِ – نقلَهُ عنه أشهبُ، وكذلك حملَ إسحاقُ بنُ راهويه حديثَ: «من أتى حائضًا – أو امرأةً – في دُبُرها؛ فقد كَفَرَ» على المُسْتَحِلِّ لذلكَ: نَقَلَهُ عنه حربٌ وإسحاقُ الكوسجُ.
ومنهم: من يحملُها على التغليظِ والكُفر الذي لا ينقلُ عن الملةِ، كما تقدَّمَ عن ابنِ عباس وعطاءٍ.
* ونقلَ إسماعيلُ الشالنجي عن أحمدَ، وذُكِرَ له قولُ ابنِ عباسٍ المتقدمُ، وسأله: ما هذا الكفرُ؟ قال أحمدُ: هو كفر لا ينقلُ عن الملةِ، مثلُ الإيمانِ بعضُه دونَ بعضٍ، فكذلك الكفرُ، حتى يجيءَ من ذلكَ أمرٌ لا يُخْتَلَفُ فيه.
* قال محمدُ بنُ نصرٍ المروزيُّ:
واختلفَ من قالَ من أهلِ الحديثِ: إن مرتكبَ الكبائرِ مسلم وليسَ بمؤمنٍ: هل يسمَّى كافرًا كفرًا لا ينقلُ عن الملةِ؟ كما قال عطاءٌ: كُفْر دون كفرٍ، وقالَ ابنُ عباس وطاووسُ: كفرٌ لا ينقلُ عن الملةِ؛ على قولينِ لهم؟ قالَ: وهما مذهبانِ في الجملةِ مَحْكِيَّانِ عن أحمدَ بنِ حنبلِ في موافقيه من أهلِ الحديثِ.
* قلتُ: قد أنكرَ أحمدُ – في روايةِ المرُّوذيِّ – ما رُوي عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو أنَّ شاربَ الخمرِ يُسَمَّى كافرًا، ولم يُثْبِتْه عنه، مع أنَّه قد رُوي عنه من وجوهٍ كثيرةٍ، وبعضُها إسنادُهُ حسن، ورُوي عنه مرفوعًا، وكذلك أنكر القاضي أبو يعلى جوازَ إطلاقِ كفرِ النعمةِ على أهلِ الكبائرِ.
ونصبَ الخلافَ في ذلك معَ الزيديةِ من الشيعةِ والإباضيةِ من الخوارج. وروايةُ إسماعيلَ الشالنجيِّ عن أحمدَ قد توافقُ ذلك، فَمِنْ هُنا حَكَى محمدُ ابنُ نصر عن أحمدَ في ذلك مذهبينِ، والذي ذكرهُ القاضي أبو عبد اللَّهِ بنُ حامدٍ شيخُ القاضي أبي يعلى، عن أحمدَ: جوازُ إطلاقِ الكفرِ والشركِ على بعضِ الذنوبِ التي لا تُخْرِجُ عن الملةِ، وقد حكاهُ عن أحمدَ.
وقد رُوي عن جريرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، أنه سئلَ: هل كنتُم تُسَمُّونَ شيئًا منَ الذنوبِ الكُفْرَ أو الشِّرْكَ؟ قال: معاذَ اللَّهِ، ولكنَّا نقولُ: مؤمنينَ مذنبينَ.
خرَّجه محمدُ بنُ نصر وغيرُهُ.
وكان عمَّارٌ يَنْهَى أن يُقال لأهلِ الشامِ الذين قاتلوهم بصِفِّينْ: كَفَروا، وقال: قولُوا: فَسَقُوا، قولُوا: ظَلَمُوا. وهذا قولُ ابنِ المباركِ وغيرِه من الأئمةِ.
وقد ذكرَ بعضُ الناسِ أن الإيمانَ قسمانِ:
أحدُهما: إيمانٌ باللَّهِ، وهو الإقرارُ والتصديقُ به.
والثاني: إيمانٌ للَّه، فنقيضُ الإيمانِ الأولِ الكفرُ، ونقيضُ الإيمانِ الثاني الفسقُ، وقد يُسَمَّى كُفْرًا، ولكن لا ينقلُ عن الملةِ.
وقد وردتْ نصوصٌ اختلفَ العلماءُ في حملِهَا على الكُفرِ الناقلِ عن الملةِ، أو على غيره، مثلُ الأحاديثِ الواردةِ في كُفْرِ تاركِ الصلاةِ.
وتردَّدَ إسحاقُ بنُ راهويهِ فيما وردَ في إتيانِ المرأةِ في دُبُرها، أنه كُفرٌ: هلْ هو مُخرِجٌ عن الدِّينِ بالكليَّة ِ، أم لا؟ ومن العلماءِ: من يتوقَّى الكلامَ في هذه النصوصِ تورعًا، ويُمِرُّها كما جاءتْ من غيرِ تفسيرٍ، مع اعتقادِهِم أنَّ المعاصي لا تُخْرِجُ عن الملةِ، وحكاه ابنُ حامدٍ روايةً عن أحمدَ، ذكرَ صالحُ بنُ أحمدَ وأبو الحارثِ: أنَّ أحمدَ سُئل عن حديثِ أبي بكرٍ الصديقِ: كُفْرٌ باللَّه تَبَرِّي مِنْ نَسَبٍ وإنْ دَقَّ، وكُفْرٌ باللَّهِ ادعاءٌ إلى نَسَبٍ لا يُعلَمُ، قالَ أحدُهما: قالَ أحمدُ: قد رُويَ هذا عن أبي بكرٍ، واللَّهُ أعلمُ، وقال الآخرُ: قالَ: ما أعلمُ، قد كتبنَاها هكذَا.
* قالَ أبو الحارثِ: قيل لأحمدَ: حديثُ أبي هريرةَ: «من أتى النساءَ في أعجازِهِنَّ؛ فقد كَفَر» فقال: قد رُويَ هذا، ولم يزِدْ على هذا الكلامِ.
* وكذا قالَ الزهريُّ، لمَّا سُئلَ عن قولِ النبيِّ – صلى الله عليه وسلم -: «ليس منَّا من لطمَ الخُدودَ» وما أَشْبَهَهُ من الحديثِ – فقالَ: من اللَّه العلمُ، وعلى الرسولِ البلاغُ، وعلينا التسليمُ.
ونقلَ عبدوسُ بنُ مالكٍ العطارُ، عن أحمدَ، أنه ذكر هذه الأحاديثَ التي وردَ فيها لفظُ الكفرِ، فقال: نسلِّمُها، وإن لم نعرفْ تفسيرَها، ولا نتكلَّمُ فيه، ولا نُفَسِّرُها إلا بما جاءتْ.
ومنهم: من فرَّقَ بين إطلاقِ لفظِ الكفرِ، فجوَّزه في جميع أنواع الكفرِ، سواء كان ناقلاً عن الملةِ أو لم يكنْ، وبين إطلاقِ اسم «الكافرِ»؛ فمنعَهُ، إلافي الكفرِ الناقلِ عن الملةِ؛ لأنَّ اسمَ الفاعلِ لا يُشتقُّ إلا من الفعلِ الكاملِ، ولذلكَ قالَ في اسم المؤمنِ: لا يقالُ إلا للكاملِ الإيمانِ، فلا يستحقُّه من كان مرتكبًا للكبائرِ حال ارتكابِهِ، وإن كان يقالُ: قد آمنَ، ومعه إيمان، وهذا اختيارُ ابنِ قتيبةَ.
وقريبٌ منه: قولُ من قالَ: إنَّ أهل الكتابِ يقالُ: إنهم أشركوا، وفيهم شِرْكٌ، كما قال تعالى: [ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ] {التوبة:31}، ولا يَدْخُلون في اسم المشركينَ عند الإطلاقِ، بل يُفَرَّقُ بينهم وبينَ المشركينِ، كما في قولِهِ تعالى: [ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ] {البينة:1}، فلا تدخلُ الكتابيّةُ في قولِهِ تعالى: [ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ] {البقرة:221}. وقد نصَّ على ذلك الإمامُ أحمدُ وغيرُهُ.
وكذلك كرِه أكثرُ السلفِ أن يقولَ الإنسانُ: أنا مؤمنٌ، حتى يقولَ: إن شاءَ اللَّهُ، وأباحُوا أن يقولَ: آمنتُ باللَّهِ.
وهذا القول حسنٌ، لولا ما تأوَّله ابنُ عباسٍ وغَيْرُهُ في قولِهِ تعالى: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ] {المائدة:44}، واللَّهُ أعلم». اهـ
* وها هو الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ -رحمهم الله- ذَكَرَ مقدمةً عظيمةً في التحذير من التجاسُر على أمر التكفير، وذكر أنه لا يتجاسَر على أمر التكفير إلا من لا يخاف الله، ولا يَتَّقِيِه، وأنه ليس من أهل العلم والدين والورع، إلى غير ذلك، ثم تكلم الشيخ عبد اللطيف -رحمه الله- بأن الفتن قد حَصَلَتْ، وهذه القبيلة «آل شامر» تُظهر الإسلام، فَتَشْهَدُ أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، لكن ربما قُتِلَ منهم أَحَدُ رجالها ظُلمًا؛ فإن الإخوانَ المجاهدين أهلَ التوحيد قد يقع من آحادهم ظُلْم على أَحَدٍ من الناس بفتوى، أو بضَرْبٍ، أو بِسَيْفٍ، أو بنَهْبِ مالٍ، أو بغير ذلك، فَتَأْخُذُ أهلَه الحميةُ -لا بغضًا للتوحيد ولا كراهيةً للدين- إنما تأخذهم الحميةُ انتصارًا لصاحبهم في بعض الأمور التي ظُلِم فيها.
* قال الشيخ عبد اللطيف -رحمه الله-: (لو تَنْظُرون إلى الفتن التي حَصَلَتْ بين الناس، وإلى الأخطاء التي تقع من هنا ومن هنا؛ فإن هذه كلَّها شُبَهٌ تَدْفَع الحكم بالتكفير على هؤلاء)، سبحان الله، ما أعظم هذا الفقه والورع في الفتوى!! ولو حَصَل عُشْر معشار ذلك اليوم من أحد يخالف هذه الفرقة المنحرفة الغالية في باب الأحكام على المخالف؛ لقال أحدهم: لا يُسْتبعد أن يُكفَّر فلان بكذا، أو هو مبتدع خبيث، أو عدُوٌّ مُنْدَسٌّ بيننا -وهذا اتهام بالنفاق، الذي لا تخفى عاقبته-، وتَقَرَّبُوا إلى الله باستحلال عِرضه، وربما وَشَوْا به إلى من هو أشد ظلما وشرًّا؛ كي يتخلصوا من شره، ويريحوا المسلمين من فتنته… إلى غير ذلك من التأويلات الفاسدة، والفتاوى المفسدة؛ وإن أفضَتْ إلى قتله وسفك دمه!! والأمر لله أولًا وآخرًا.
وذكر -رحمه الله- كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في خطورة الكلام على التكفير، وما حَدَثَ في الأزمنة المتأخرة من التأويل الفاسد، الذي جعلهم يعملون أعمالًا منكرة، وهم يظنون أنهم يخدمون الدين، وذكر كلامًا موسعًا في التريُّث والتأني في إطلاق الحكم بالتكفير على من كانت حوله شُبْهَةٌ.
ثم استدل بأن علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- قاتَلَهُ الخوارجُ، وكَفَّروه هو وعثمان -رضي الله عنهما-، واستحلُّوا ماله ودمه ودماء أصحابه، ومع ذلك فلما سُئِلَ عنهم ما كَفَّرهم، بالرغم من أن عليًّا مشهودٌ له بالجنة، ولم يَقُلْ: إن هؤلاء هم الذين كَفَّروني، وحديث النبي –صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من قال لأخيه: يا كافر؛ فقد باءَ أحدهما؛ إن كان كما قال؛ وإلا رَجَعَتْ عليه»([145]) وأنا أوقن أني لَسْتُ بكافر؛ فإني مُبَشَّر بالجنة، من رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الذي ما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحيٌ يُوحى؛ إِذَنْ فالكفر يرجع عليهم؛ فهؤلاء هم الكفار!!
لماذا لم يَقُلْ عَلِيٌّ -رضي الله عنه- هذا القول، ولم يستدل بهذا الحديث؟ ولو استدل به لكان له عذرٌ واضح؛ فإنهم كَفَّروا مسلمًا مُتيقَّنَ الإسلام، بل هو مشهود له بالجنة بشهادة النبي –صلى الله عليه وسلم-، ومع ذلك ما استساغ عليٌّ – رضي الله عنه- ولا أَحَدٌ من أصحابه -ومنهم عددٌ من الصحابة رضي الله عنهم- أن يكفِّر الخوارج، ولكن نُقِل عنه أنه -رضي الله عنه- قال «من الكُفْر قد فَرُّوا» الذي استدلَّ به غير واحد من العلماء!!!([146]).
فانظروا -رحمكم الله- كيف كانت طريقة أهل العلم والسلف الصالح في الكلام في أبواب التكفير؛ فإن سُوقَ هذا الأمر في هذه الأيام نافقةٌ رائجةٌ بلا حسابٍ، والتبديع لأدنى الأسباب بلا ثمن، وهذه الثمرة الحنظلية ثمرة البذور التي بذرها المتعالمون، واستوتْ على سُوقها، فأثمرت هذه الضلالات والافتراءات والفتن التي في صفوف المسلمين، إنها بذرة الجهل التي أنبتت شجرة الجرأة والشطط في الأحكام، فأثمرت التبديع والتكفير والتفسيق والتضليل في صفوف هذه الأمة!!
ومن العجب أنك ترى مَن إذا سئلوا عن مسألةٍ من مسائل النكاح أو البيوع، قالوا: نحن لا ندري، فاسألوا العلماء، أما في هذه المسائل الخطيرة والمبيرة فالواحد منهم يتكلم دون الرجوع للعلماء، بل يجزم بقوله، ويقول: وهذا بلا شك، أو بلا مرية، وربما بالغ في القسم بالله على صحة ما يقول!! وهذا الحال من الورع الكاذب الذي لا ينتفع به صاحبه ولا مَنْ جَالَسَهُ!!!
وماذا جَنَتْ الدعوة من الإعراض عن أصول أهل السنة الصافية؟
ماذا جَنَتْ الدعوة من التحذير والتنفير ممن يدعو إلى التمسك بأصول أهل السنة الصافية؟
o
p













