نشأة مصطلح أهل السنة
ذهب بعضهم إلى أن أول من تَكَلَّم به الصحابي الجليل عبدالله بن عباس -رضي الله عنهما- فيما أخرجه اللالكائي -ؒ- بسنده عنه في قوله تعالى: [ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ] {آل عمران:106} قَالَ -رضى الله عنهما-: «فأما الذين ابْيَضَّتْ وجوهُهُم: فأهلُ السنة والجماعة، وأُولُو العلم، وأما الذين اسْوَدّت وجوهُهُم: فأهلُ البدعِ والضلالة» اهـ , إلا أن سنده لا يُحتج به([1]).
وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قَالَ: النظر إلى الرجل من أهل السنة -يدعو إلى السنة، وينهى عن البدعة-؛ عبادة([2]). وسنده ضعيف أيضًا.
ولذا فَلَعَلَّ أول من استعمل هذا المصطلح -فيما أعلم- هو محمد بن سيرين -ؒ-([3])، فيما أخرجه مسلم في «مقدمة صحيحه» بسنده إلى ابن سيرين، أنه قَالَ: «كانوا لا يَسْأَلون عن الإسناد، فلما وَقَعَت الفتنةُ؛ قَالَوا: سَمُّوا لنا رجالَكُم، فيُنْظَر إلى أهل السنة؛ فَيُؤْخَذُ حديثُهُم، ويُنْظَرُ إلى أهل البدعة؛ فيُردّ حديثُهُم»([4]).
ثم تتابع الناس على استعمال هذا المصطلح:
– فقد قَالَ أيوب بن أبي تميمة السختياني –ؒ– (68-131هـ) فيما أخرجه اللالكائي -ؒ-: «إني أُخْبَرُ بموت الرجل من أهل السنة؛ وكأنّي أَفْقِدُ بعضَ أعضائي»([5]).
وقَالَ أيضاً –ؒ-: «إن من سعادة الحَدَث والأعجميِّ: أن يوفِّقَهما اللهُ لعالم من أهل السنة»([6]).
قلت: وذلك لأن الرجل من أهل السنة سَيَدُلُّهُم على الطريق الصافي، بخلاف الرجل من أهل البدعة؛ فقد يكون سببًا لبقائهم في جزء كبير من الضلال والغواية.
وقَالَ أيوب –ؒ– أيضاً: «إن الذين يَتَمَنَّوْن موتَ أهل السنة؛ يريدون أن يُطْفئوا نور الله بأفواههم، والله مُتِمُّ نُورِهِ ولو كره الكافرون»([7]).
– وقَالَ سفيان بن سعيد الثوري –ؒ– (ت161هـ): «اسْتَوْصُوا بأهل السنة خيراً؛ فإنهم غُرباء»([8]) وقَالَ: «ما أَقَلَّ أهلَ السنة والجماعة»([9]) .
– وقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ –ؒ– (ت187هـ): «إِنَّ أَهْلَ الْإِرْجَاءِ يَقُولُونَ: إِنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ بِلَا عَمِلٍ، وَيَقُولُ الْجَهْمِيَّةُ: الْإِيمَانُ الْمَعْرِفَةُ بِلَا قَوْلٍ ولَا عَمَلٍ، وَيَقُولُ أَهْلُ السُّنَّةِ: الْإِيمَانُ الْمَعْرِفَةُ وَالْقَوْلُ وَالْعَمَلُ»([10]).
– وقَالَ وكيع بن الجراح –ؒ– (ت 197): «أهل السنة يقولون: الإيمان قول وعمل، والمرجئة يقولون: إن الإيمان قول بلا عمل، والجهمية يقولون: إن الإيمان المعرفة»([11]).
– وقَالَ أبو عبيد القاسم بن سَلَّام –ؒ– (157- 224 هـ) كما في مقدمة كتاب «الإيمان» له (ص9 ط المعارف): «فإن كُنْتَ تسألني عن الإيمان واختلاف الأمة في استكماله، وزيادته، ونقصانه، وتَذْكُر أنك أَحْبَبْتَ معرفةَ ما عليه أهلُ السنة من ذلك…» إلخ.
– وقَالَ الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة –ؒ– (164ــ 241هـ) في مقدمة كتاب «السنة» له: «… هذه مذاهبُ أهلِ العلم، وأصحابِ الأثر، وأهلِ السنة المتمسكين بعُرْوتها، المعْرُوفين بها، الـمُقْتَدَى بهم فيها، من لَدُنْ أصحاب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلى يومنا هذا…» الخ([12]).
– وقَالَ الإمام محمد بن جرير الطبري –ؒ– (ت 310 هـ): «وأما الصواب من القول في رؤية المؤمنين ربَّهم — يوم القيامة، وهو ديننا الذي نَدِينُ اللهَ به، وأدركْنا عليه أهلَ السنة والجماعة، فهو: أن أهل الجنة يرونه على ما صَحَّتْ به الأخبار عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
– وقَالَ أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي –ؒ– (239- 321هـ) في مقدمة «عقيدته» المشهورة: «هذا ذِكْر بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة».
وكذا قال غيرهم من أهل العلم.
وبهذه النُّقُولِ يَتَّضِحُ لنَا جَلِيًّا أَنَّ لَفْظَ «أَهْلِ السُّنَّةِ» كَانَ مَعْرُوفاً عِنْدَ السَّلفِ.
«وأهل السنة والجماعة»: هم أهلُ الاتباع والاجتماع، وأهلُ كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة، فبينما هم يَسْعَوْن لنَشْر كلمة التوحيد؛ فهم حريصون على توحيد الكلمة، والاعتصام بالكتاب والسنة، والتحذير من التفرق وأسبابه، وإذا كان نشر سُنة قد يؤدي إلى فُرْقَةٍ واختلافٍ وتشتيتٍ للصفوف؛ قَدَّمُوا واجب الاجتماع على واجب الاتباع، كما هو حال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عندما قال في الحامل له على عدم قَتْل المنافقين: «خَشِيتُ أن يقولَ النَّاسُ: إَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ»([13])، فيُؤدِّي ذلك إلى صدود الناس عن الدخول في دين الله، وفي ذلك مفسدةٌ كُبْرى، وكذلك خَشْيَةَ أن يتعَصَّب لهم أناسٌ من الصادقين في إيمانهم، لكنهم لا يعْرفون نفاقَهم، كما حَدَثَ في قصة الإفك، وما قاله سعد بن عبادة -رضي الله عنه- وردِّ أُسَيْد بن حضير -رضي الله عنه- عليه، حتى كادت الفتنة أن تقع بين حيِّ الأنصار: أهل الصدق والإيمان والإيثار.
وكذلك تَرْكُ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تَغْيِيرَ بناء الكعبة، وردَّها إلى قواعد إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- خَشْيَةَ الفتنة لقومٍ حُدَثاءَ عَهْدٍ بالإسلام؛ فيرتدُّوا على أدبارهم، فكل هذا فيه تقديمٌ لواجب الاجتماع على واجب الاتباع، وإحياء السنن، وإقامة الحدِّ على من يستحقه.
وهناك بعض حالاتٍ فيها تقديمُ واجب الاتباع، وإحياء السنن، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن أَفْضَى ذلك إلى قَتْل الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، ما لم تقع فتنة أعظم، كما في حديث: «سَيِّدُ الشهداء: حمزةُ -رضي الله عنه-، ورَجُلٌ قام إلى سلطانٍ جائر؛ فأَمَرَهُ ونهاه؛ فَقَتَلَهُ»([14]).
فإذا تزاحمت المصالح والمفاسد؛ نظر العلماء إلى تقديم هذا أو ذاك مُراعِين تفاصيلَ كثيرةً، ليس هذا موضعَ بيانها، وقد ذكرتُها في غير هذا الموضع -ولله الحمد والمنة أولًا وآخرًا-.
أسماء أهل السنة













