ضابطُ الانتساب لأهل السنة والجماعة،
ومتى يكون الخروج من أهل السنة؟
أقصد بأهل السنة كُلَّ من اعتقد أصول أهل السنة والجماعة، والتزم مرجعيَّتهم: الكتاب الْمُحْكَم، والسنة الثابتة،، والإجماع المتيقن، وكل ذلك على فهم وقواعد السلف، ويكون الرجل من أهل السنة إذا أعلن البراءة من أصول أو طريقة أهل البدع، التي كانت سبباً في انحرافهم عن أصول أهل السنة، ومروقهم من المنهج الذي كان عليه رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأصحابه.
فالإيمان الْمُجْمَلُ بأصول أهل السنة، والبراءةُ المجملةُ من أصول أهل البدع، كلُّ ذلك كافٍ في جَعْلِ الرجُلِ من جهة الإجمال من جملة أهل السنة والجماعة، فإن ظهر منه ما يخالف ذلك؛ بُيِّن له، ونُوصِحَ، وعُومل بما يستحق بعد البيان وإقامة الحجة، وتوضيح المحجَّة، وذلك لمن يُحكم له بالإسلام بنطقه بالشهادتين، وإعلانه المجمل القيام بكل ما أوجبه الله عليه، وبراءته من كل دين غير الإسلام، فإذا أخلَّ بشيء من ذلك؛ بُيِّن له، ونوصِحَ، وعُومل بما يستحق.
أما السُّنِّيُّ على وجْه التفصيل: فهو الذي يعتقد عقيدة أهل السنة في جميع المسائل التي فَصَّلُوها في كتبهم، وردّوا على مخالفيهم فيها من أهل البدع والأهواء، وقام بما أوجبه الله -تعالى- عليه، وانتهى عن كل ما حرمه الله عليه، وكل ذلك مقيَّد بتفاصيل عند أهل العلم.
وقد بيّن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -في غير موطن – فقال: «فَمَنْ قَالَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ؛ كَانَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ». اهـ([26])
فلفظ السنة كما قال الشاطبي -ؒ: «يطلق في مقابل البدعة، فيقال: فلان على سنة؛ إذا عَمِلَ على وَفْقِ ما عليه النبي ﷺ، ويقال: فلان على بدعة؛ إذا عمل على خلاف ذلك». اهـ([27])
فأهل السنة المَحْضَةِ كما يقول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي -ؒ: «هم السالمون من البدع، الذين تَمَسَّكوا بما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه في الأصول كلها: أصول التوحيد، والرسالة، والقدر، ومسائل الإيمان، وغيرهم من الخوارج، والمعتزلة، والجهمية، والقدرية، والرافضة، والمرجئة، ومن تفرع عنهم، كلهم من أهل البدع الاعتقادية». اهـ([28])
(تنبيه): يُراد بمصطلح «أَهْل السُّنَّة»، معنيان:
الأول: المعنى العامُّ: ويدخل فيه جميعُ المنتسبين إلى الإسلام إلا فرقة الرافضة، فيقَالَ: هذا رافضي، وهذا سُنِّي، وهذا هو اصطلاح العامة، قَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية -ؒ-: «وَلَا رَيْبَ أَنَّهُمْ -أي الرافضة- شَرٌّ مِن الْخَوَارِجِ، لَكِنَّ الْخَوَارِجَ كَانَ لَهُمْ فِي مَبْدَأِ الْإِسْلَامِ سَيْفٌ عَلَى أَهْلِ الْجَمَاعَةِ، وَمُوَالَاتُهُمْ -أي الروافض- الْكُفَّارَ أَعْظَمُ مِنْ سُيُوفِ الْخَوَارِجِ»([29]).
الثاني: المعنى الخاصُّ: ويُراد به أهل السنة المحْضَة الخالصة من البدع، قَالَ شيخ الإسلام -ؒ- جامعا للمعنيين: «فلفظُ «أهلِ السنة» يُراد به: من أَثْبَتَ خلافةَ الثلاثة، فيَدْخُلُ في ذلك جميعُ الطوائف إلا الرافضة، وقد يُراد به: أهلُ الحديث والسنة المحْضَة؛ فلا يَدْخُلُ فيه إلا مَنْ يُثْبِتُ الصفاتِ لله تعالى، ويقول: القرآن غير مخلوق، وأن الله يُرى في الآخرة، ويُثْبِتُ القَدَرَ، وغير ذلك من الأمور المعروفة عند أهل الحديث والسنة»([30]).
قلت: بهذا يُعْلم أن اشتراط الغلاة في التبديع والهجر أن تكون على طريقة شيخهم وكبيرهم في الغلُو والإسراف، وأن تبدِّع فلانا أو فلانا من دعاة السنة والجماعة – وإن أخذ على بعضهم بعض المآخذ-؛ فقد جعل الله -جل وعلا- لكل شيء قدْرا، فلا يلزم من خطأ الرجل من أهل السنة في كل خطأ أن يكون مبتدعا، يجب هجْره، وهجر من لم يبدِّعْهُ ويهجره، كما هو الحال في هؤلاء المسرفين المتهوِّرين شِيباً وشُبَّاناً!!
ضابط الافتراق عن أهل السنة والالتحاق بأهل البدعة













