ضابط الافتراق عن أهل السنة والالتحاق بأهل البدعة
لقد حَدَثَ في هذا الأمر تخليطٌ فاحشٌ، وأصبح كثير ممن ينتسبون إلى طلب العلم في هذه الأيام يَحْكُمون بخروج فلان من أهل السنة، وإلحاقه بأهل البدع، ويأمرون بهجره، ومن لم يُبَدِّعْهُ ويَهْجُرْهُ؛ فهو مبتدعٌ مِثْلُهُ، ويجب هجْره، وهكذا، كل ذلك دون مراعاة لضوابط أهل السنة، فضَلَّ بسبب ذلك كثير من الناس، وحصلت الفُرقَة والشتاتُ، دون موجِب لذلك إلا في زعم هؤلاء النوابت المتهورين!!!
وقد بيّن شيخ الإسلام ابن تيمية -ؒ- في غير موطن ضابط المفارقة لأهل السنة والجماعة، سواء في المسائل أو في الدلائل، ومتى يُحْكَم على الفرقة أو الطائفة بأنها خارج أهل السنة، فقال:
«وشعارُ هذه الفِرَقِ مفارقةُ الكتاب والسنة والإجماع، فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع؛ كان من أهل السنة والإجماع». اهـ([31])
فهذا -في الجملة- ضابط المفارقة في الدلائل، فمن كان يتلقى دينه من العقل والقياس المنطقي العقلي – مثل المعتزلة ونحوهم من المتكلمة -، أو يتلقى دينه من الذوق والوجد – كحال غلاة المتصوفة – أو يتلقَّى دينه من المعمَّمين والآيات وأئمة الروافض… ونحوهم؛ فليس هذا سبيل أهل السنة، وصاحبه ليس من أهل السنة.
وأما ضابط المفارقة في المسائل، فقد حرره الشاطبي بقوله: «هذه الفرق إنما تصير فرقاً بخلافها للفرقة الناجية في مَعْنًى كُلِّيٍّ في الدين، وقاعدة من قواعد الشريعة، لا في جزئي من الجزئيات؛ إذ الجزئيُّ والفرعُ الشاذُّ لا يَنْشَأُ عنه مخالفةٌ يقع بسببها التفرّقُ شِيَعاً.. ويَجْرِي مجرى القاعدة الكلية: كثرةُ الجزئيات؛ فإن المبتدعَ إذا كَثَّر من إنشاء الفروع المخترعة؛ عاد ذلك على كثير من الشريعة بالمعارضة». اهـ([32])
قلت: وليس المراد بكثرة الجزئيات التي تقوم مقام الكُلِّي المُخْرِج من دائرة أهل السنة الجزئيات الفقهية، أو المسائل الاجتهادية، فما أَكْثَرَ اختلافَ العلماء في ذلك، فلو حاولْنا حَصْر المسائل الفقهية المختلَف فيها بين مذاهب أئمة أهل السنة الأربعة -فضلا عن غيرهم-؛ لعَجَزْنا عن ذلك، أما المسائلُ العَقَديَّةُ المُجْمَعُ عليها؛ فالخلاف فيها خلافٌ في أَمْرٍ كُلِّيٍّ، ويُلْحَق به الإكثارُ في الخلاف في مسائل عقدية اختلف فيها العلماء، وانْحازَ إلى القول المرجوح فيها مَن ليس أهلًا للتأويل أو التقليد السَّائِغَيْنِ؛ فإن ذلك يجعله مُكْثِرًا من معارضة الشريعة لإكثاره من الفروع المخترعة بهواه وعصبيته، والله أعلم([33]).
وقرر شيخ الإسلام ابن تيمية -ؒ- قريباً من ذلك، فقال: «والبدعة التي يُعَدُّ الرجل بها من أهل الأهواء: ما اشتهر عند أهل العلم بالسنة مخالفَتُها للكتاب والسنة: كبدعة الخوارج، والروافض، والقدرية، والمرجئة». اهـ([34])
الفصل الأول:
الردُّ على المخالفين من أهل البدع مَعْلَمٌ بارزٌ في منهج أهل السنة
وفيه مباحثُ:













