كتب للقراءة

المحجة البيضاء في تحقيق موقف أهل السنة والجماعة من أهل البدع والأهواء

المحجة البيضاء في تحقيق موقف أهل السنة والجماعة من أهل البدع والأهواء

الردُّ على المخالفين من أهل البدع هو منهجُ السلف

اعلم بأنَّ الرَّدَّ على المخالفِ، والذبَّ عن دين الله؛ يُعدُّ واجباً مِنْ واجباتِ الإسلامِ الكبرى على أهلِ العلمِ المتأهلينَ لذلك، وهو من أفضل الجهاد في سبيل الله، ففي هذا الجهاد: إظهارُ الحق، ودَحْضُ المُفْتَرَيَات، وكَشْفُ الشبهات، وصيانة الدين ليبقى صافيًا للأمة إلى آخر الزمان، كما أن فيه النصح للمسلمين والإشفاق عليهم، وتحذيرهم من سبيل المغضوب عليهم والضالين والزائغين.

وَبه يُحفظُ الدِّينُ منْ عَادياتِ التبديلِ، وغَوائلِ التحريفِ فيه، و لَهُ في ميزانِ الشريعةِ الغرَّاءِ شأنٌ عظيمٌ، وقدْرٌ كبيرٌ.

ولذلك كان أئمتنا أَفْقَهَ وأتْقَى لله -جل ثناؤه- من أن يداهنوا المنحرفين عن منهج السلف، مع حرصهم على جَمْع كلمة أهل الحق، بل رأوا جهادهم أكبر الجهادَيْن.

كما قَالَ نَصْرُ بنُ زَكَرِيَّا: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ يَحْيَى الذُّهْلِيَّ: سَمِعْتُ يَحْيَى بنَ مَعِيْنٍ يَقُوْلُ: الذَّبُّ عَنِ السُّنَّةِ، أَفْضَلُ مِنَ الجِهَادِ فِي سَبِيْلِ اللهِ.

فَقُلْتُ ليَحْيَى: الرَّجُلُ يُنْفِقُ مَالَهُ، وَيُتْعِبُ نَفْسَهُ، وَيُجَاهِدُ، فَهَذَا أَفْضَلُ مِنْهُ؟!

قَالَ: نَعَمْ، بِكَثِيْرٍ([35]).

وقِيلَ لِلإمام أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ -ؒ-: الرَّجُلُ يَصُومُ وَيُصَلِّي وَيَعْتَكِفُ، أَحَبُّ إلَيْك أَوْ يَتَكَلَّمُ فِي أَهْلِ الْبِدَعِ؟ فَقَالَ: إذَا قَامَ وَصَلَّى وَاعْتَكَفَ؛ فَإِنَّمَا هُوَ لِنَفْسِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ فِي أَهْلِ الْبِدَعِ؛ فَإِنَّمَا هُوَ لِلْمُسْلِمِينَ، هَذَا أَفْضَلُ([36]).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -ؒ-: «فَبَيَّنَ -أي: الإمام أحمد ؒ– أَنَّ نَفْعَ هَذَا عَامٌّ لِلْمُسْلِمِينَ فِي دِينِهِمْ مِنْ جِنْسِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ إذْ تَطْهِيرُ سَبِيلِ اللَّهِ وَدِينِهِ وَمِنْهَاجِهِ وَشِرْعَتِهِ، وَدَفْعُ بَغْيِ هَؤُلَاءِ وَعُدْوَانِهِمْ عَلَى ذَلِكَ؛ وَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْلَا مَنْ يُقِيمُهُ اللَّهُ لِدَفْعِ ضَرَرِ هَؤُلَاءِ؛ لَفَسَدَ الدِّينُ، وَكَانَ فَسَادُهُ أَعْظَمَ مِنْ فَسَادِ اسْتِيلَاءِ الْعَدُوِّ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ إذَا اسْتَوْلَوْا؛ لَمْ يُفْسِدُوا الْقُلُوبَ وَمَا فِيهَا مِن الدِّينِ إلَّا تَبَعًا، وَأَمَّا أُولَئِكَ فَهُمْ يُفْسِدُونَ الْقُلُوبَ ابْتِدَاءً». اهـ([37])

وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: «المُتِّبِعُ للسنة كالقابض على الجَمْرِ، وهو عندي اليوم أَفْضَلُ من الضَّرْبِ بالسيوف في سبيل الله»([38]).

وقال الحميدي -شيخ الإمام البخاري ↓-: «والله! لأن أَغْزُوَ هؤلاء، الذين يَرُدُّون حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحبُّ إليَّ من أن أَغْزُوَ عِدَّتهم من الأتراك»([39]).

يعني بالأتراك آنذاك: الكفار.

وقال الإمام الترمذيؒ في كتاب العلل من «جامعه»: «وَقَدْ عَابَ بَعْضُ مَنْ لاَ يَفْهَمُ عَلَى أَهْلِ الحَدِيثِ الكَلاَمَ فِي الرِّجَالِ، وَقَدْ وَجَدْنَا غَيْرَ وَاحِدٍ مِنَ الأَئِمَّةِ مِنَ التَّابِعِينَ قَدْ تَكَلَّمُوا فِي الرِّجَالِ، مِنْهُمُ: الحَسَنُ البَصْرِيُّ، وَطَاوُوسٌ، تَكَلَّمَا فِي مَعْبَدٍ الجُهَنِيِّ، وَتَكَلَّمَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فِي طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ، وَتَكَلَّمَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَعَامِرٌ الشَّعْبِيُّ فِي الحَارِثِ الأَعْوَرِ.

وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، وَعَبدِ اللهِ بْنِ عَوْنٍ، وَسُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، وَشُعْبَةَ بْنِ الحَجَّاجِ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَالأَوْزَاعِيِّ، وَعَبدِ اللهِ ابْنِ المُبَارَكِ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ القَطَّانِ، وَوَكِيعِ بْنِ الجَرَّاحِ، وَعَبدِ الرَّحمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ، تَكَلَّمُوا فِي الرِّجَالِ وَضَعَّفُوا.

وإِنَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ عِندَنَا -وَاللهُ أَعْلَمُ-: النَّصِيحَةُ لِلْمُسْلِمِينَ، لاَ يُظَنُّ بِهِمْ أَنَّهُمْ أَرَادُوا الطَّعْنَ عَلَى النَّاسِ، أَوِ الغِيبَةَ، إِنَّمَا أَرَادُوا عِندَنَا أَنْ يُبَيِّنُوا ضَعْفَ هَؤُلاَءِ، لِكَيْ يُعْرَفُوا.

لأَنَّ بَعْضَ الَّذِينَ ضُعِّفُوا كَانَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ مُتَّهَمًا فِي الحَدِيثِ، وَبَعْضُهُمْ كَانُوا أَصْحَابَ غَفْلَةٍ وَكَثْرَةِ خَطَإٍ، فَأَرَادُوا هَؤُلاَءِ الأَئِمَّةُ، أَنْ يُبَيِّنُوا أَحْوَالَهُمْ؛ شَفَقَةً عَلَى الدِّينِ وَتَثَبُّتًا؛ لأَنَّ الشَّهَادَةَ فِي الدِّينِ أَحَقُّ أَنْ يُتَثَبَّتَ فِيهَا مِنَ الشَّهَادَةِ فِي الحُقُوقِ وَالأَمْوَالِ.

وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ القَطَّانُ، حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: سَأَلْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ، وَشُعْبَةَ، وَمَالِكَ بْنَ أَنَسٍ، وَسُفْيَانَ ابْنَ عُيَيْنَةَ عَنِ الرَّجُلِ تَكُونُ فِيهِ تُهْمَةٌ أَوْ ضَعْفٌ، أَسْكُتُ أَوْ أُبَيِّنُ؟ قَالُوا: بَيِّنْ»([40]). اهـ

وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي ـ ؒ ـ في «شرح علل الترمذي»: «مقصود الترمذي – ؒ – أن يبين أن الكلام في الجرح والتعديل جائز، قد أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها، لما فيه من تمييز ما يجب قبوله من السنن مما لا يجوز قبوله»([41]).

وقال الحافظ ابن رجب -ؒ- أيضًا في «شرح علل الترمذي»([42]): «هذا الأثر خَرَّجَهُ البخاري في أول كتابه «الضعفاء»، كما خَرَّجَهُ الترمذي ههنا عنه، وخَرَّجَهُ مسلم في مقدمة كتابه عن عمرو بن علي الفلاس، عن يحيى بن سعيد، قال: سألت الثوري وشعبة ومالكا وابن عيينة عن الرجل لا يكون ثَبْتًا في الحديث، فيأتيني الرجل، فيسألني عنه؟ قالوا: أَخْبِرْ عنه ليس بثَبْتٍ.

ورواه أبو بكر النجاد، (نا) جعفر بن محمد الصائغ، (نا) عفان، (نا) يحيى بن سعيد، قال: سألت شعبة وسفيان ومالك بن أنس وسفيان بن عيينة عن الرجل يُتَّهَمُ في الحديث، أو لا يَحْفَظُ. قالوا: بَيِّنْ أَمْرَهُ للناس»([43]).

وقال يعقوب بن شيبة: (ثنا) موسى بن منصور، حدثني أبو سلمة الخزاعي قال: سمعت حماد بن سلمة، ومالك بن أنس، وشريك بن عبد الله، يقولون في الرجل يُحَدِّث، نُخْبِر بأمره؟ يعنون ضَعْفَهُ مِنْ قُوَّتِهِ، وصِدْقَهُ مِنْ كَذِبِهِ.

قال: وقال شريك: كيف نعرف الضعيف من القوي إذا لم نُخْبِرْ به؟([44]).اهـ

وقد ظَنَّ بعضُ من لا عِلْم عنده أن ذلك مُحَرَّمٌ من أساسه، وأنه من باب الغِيبة، وليس كذلك؛ فإن ذِكْر عَيْبِ الرجل إذا كان فيه مصلحة، ولو كانت مصلحةً خاصّةً، كالقدح في شهادة شاهد الزور؛ جائز بغير نزاع، فما كان فيه مصلحة عامة للمسلمين؛ فهو أَوْلَى، لكنّ الشأْن كل الشأْنِ في التقيد بضوابط أهل العلم والحلم والفهم والفقه في ذلك بخلاف صنيع التهوِّرين المفْرِطين.

وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن بهز بن أسد، قال: لو أنَّ لِرَجُلٍ على رَجُلٍ عَشْرَةَ دراهم، ثم جَحَدَه؛ لم يَسْتَطِعْ أَخْذَها منه إلا بشاهديْنِ عَدْلَيْنِ؛ فدينُ الله أَحَقُّ أن يُؤْخَذَ فيه بالعدول([45]).

وكذلك يجوز ذِكْرُ العيب إذا كان فيه مصلحة خاصة، كمن يستشير أحدًا في نكاح، أو معاملة مع آخر، وقد دَلَّ عليه قولُ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لفاطمة بنت قيس:

«أما معاوية؛ فصُعْلُوكٌ لا مال له، وأما أبو جَهْم؛ فلا يَضَعُ العصا عن عاتِقِهِ»([46]).

وكذلك استشار النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عليًّا وأسامة في فراق أهله، لما قال أهل الإفك ما قالوا([47]).

ولهذا كان شعبة يقول: «تعالَوْا حتى نَغْتَابَ في الله ساعة»([48])، يعني: نذكر الجرح والتعديل للرواة.

وذكر ابن المبارك رجلًا، فقال: يَكْذِب، فقال له رجل: يا أبا عبدالرحمن، تغتاب؟

قال: اسْكُتْ؛ إذا لم نُبَيِّنُ؛ كيف يُعْرَفُ الحقُّ من الباطل؟([49]).

وكذا رُوِيَ عن ابن علية، أنه قال في الجرح: إن هذا أمانة، ليس بِغِيبة([50]).

وقال أبو زرعة الدمشقي: سمعت أبا مسهر يُسْأَل عن الرجل يَغْلَطُ ويَهِمُ ويُصَحِّفُ؟

فقال: بَيِّنْ أَمْرَهُ، فقلت لأبي زرعة: أَتَرى ذلك غِيبةً؟ قال: لا([51]).

وروى أحمد بن مروان المالكي، (ثنا) عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: جاء أبو تراب النخشبي إلى أبي، فجعل أبي يقول: فلان ضعيف، وفلان ثقة.

فقال أبو تراب: يا شيخ، لا تَغْتَب العلماء.

قال: فالْتَفَتَ أبي إليه، قال: ويْحَكَ، هذا نصيحةٌ، ليس هذا غِيبةً([52]).

وقال محمد بن بندار السباك الجرجاني: قلت لأحمد بن حنبل: إنه لَيَشْتَدُّ عَلَيَّ أن أقول: فلان ضعيف، فلان كذاب؟

قال أحمد: إذا سَكَتَّ أنت، وسَكَتُّ أنا؛ فمن يُعَرِّفُ الجاهلَ الصحيحَ من السقيم؟([53]).

وقال إسماعيل الخطبي: ثنا عبد الله بن أحمد، قلت لأبي: ما تقول في أصحاب الحديث يأتون الشيخ لعله أن يكون مرجئا، أو شيعيا، أو فيه شيء من خلاف السنة، أَيَسَعُنِي أن أَسْكُتَ عنه، أم أُحَذِّرَ عنه؟

فقال أبي: إن كان يَدْعُو إلى بدعة، وهو إمامٌ فيها، ويَدْعُو إليها؛ قال: نعم، تُحَذِّرُ عنه([54]).

وقد خَرَّجَ ذلك كُلَّهُ أبو بكر الخطيب في كتاب «الكفاية»، وغيره من أئمة الحفاظ.

وكلام السلف في هذا يطول ذِكْرُهُ جدا.

وذكر الخلال، عن الحسن بن علي الإسكافي، قال: سألت أبا عبد الله -يعني أحمد بن حنبل- عن معنى الغِيبة – يَعْنِي: فِي النَّصِيحَةِ -؟ قال: إذا لم تُرِدْ عَيْبَ الرجل.

قلت: فالرجل يقول: فلان لم يَسْمَعْ، وفلان يُخْطِئ؟

قال: لو ترك الناسُ هذا؛ لم يُعْرَف الصحيحُ من غيره([55]).

وخَرَّجَ البيهقي من طريق الحسن بن الربيع، قال: قال ابن المبارك:

المعلى بن هلال هو، إلا أنه إذا جاء الحديثُ يَكْذِب.

فقال له بعض الصوفية: يا أبا عبد الرحمن، تغتاب؟

قال: اسْكُتْ؛ إذا لم نُبَيِّنْ؛ كيف يُعْرَفُ الحقُّ من الباطل؟ أو نحو هذا». اهـ

وقال الحافظ ابن الجوزي: «كان الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل لشدة تَمَسُّكِهِ بالسنة يتكلم في جماعة من الأخيار إذا صدر منهم ما يخالف السنة، وكلامه محمول على النصيحة للدين». اهـ([56])

وقال ابن هبيرة في حديث أبي سعيد في قتال الخوارج: «فيه من الفقه: توفُّر الثواب في قَتْل الخوارج، وأنه بَلَغَ إلى أن خاف عليٌّ -رضي الله عنه- أن يَبْطَرَ أصحابه إذا أخبرهم بثوابهم في قَتْلِهِم، وإنما ذَكَر هذه؛ لئلا يَرَى أحدٌ في وقت ظهور مِثْلِهِم: أن قتالَ المشركين أَوْلَى من قتالِهم، بل قتالُهم على هذا الكلام أَوْلَى من قتالِ المشركين؛ لأن في ذلك حِفْظَ رأس مال الإسلام، وقتالُ المشركين هو طَلَبُ رِبْحٍ في الإسلام». اهـ([57])

وقد بَيَّن ذلك ووضَّحه أَتَمَّ إيضاح شيخُ الإسلام ابن تيمية -عليه من الله الرحمة والرضوان- حيث قال في سياق التأكيد على وجوب بيان حال أعداء الدين: «وَإِذَا كَانَ النُّصْحُ وَاجِبًا فِي الْمَصَالِحِ الدِّينِيَّةِ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ: مِثْلُ نَقَلَةِ الْحَدِيثِ الَّذِينَ يَغْلَطُونَ، أَوْ يَكْذِبُونَ، كَمَا قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: سَأَلْت مَالِكًا وَالثَّوْرِيَّ وَاللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ – أَظُنُّهُ – وَالْأَوْزَاعِيَّ عَن الرَّجُلِ يُتَّهَمُ فِي الْحَدِيثِ أَوْ لَا يَحْفَظُ؟ فَقَالُوا: بَيِّنْ أَمْرَهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: إنَّهُ يَثْقُلُ عَلَيَّ أَنْ أَقُولَ: فُلَانٌ كَذَا، وَفُلَانٌ كَذَا!! فَقَالَ: إذَا سَكَتَّ أَنْتَ وَسَكَتُّ أَنَا؛ فَمَتَى يَعْرِفُ الْجَاهِلُ الصَّحِيحَ مِن السَّقِيمِ.

وَمِثْلُ أَئِمَّةِ الْبِدَعِ مِنْ أَهْلِ الْمَقَالَاتِ الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، أَو الْعِبَادَاتِ الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ فَإِنَّ بَيَانَ حَالِهِمْ، وَتَحْذِيرَ الْأُمَّةِ مِنْهُمْ وَاجِبٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ». اهـ([58])

وقالؒأيضًا: «والداعي إلى البدعةِ مستحقُّ العقوبةِ باتفاق المسلمين، وعقوبَتُهُ تكون تارة بالقتل، وتارة بما دونه… ولو قُدِّر أنه لا يَسْتَحِقُّ العقوبةَ، أو لا يُمْكِن عقوبَتُهُ؛ فلابد من بيان بدعته، والتحذير منها؛ فإن هذا من جملة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي أمر الله به ورسوله»([59]). اهـ

ويقولُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيمية-ؒ- أيضًا في شأنِ أهلِ الزَّيغِ والضَّلالِ، والذَّابِّينَ عنهم-: «وَهَكَذَا هَؤُلَاءِ الِاتِّحَادِيَّةُ: فَرُءُوسُهُمْ هُمْ أَئِمَّةُ كُفْرٍ يَجِبُ قَتْلُهُمْ، وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَةُ أَحَدٍ مِنْهُمْ إذَا أُخِذَ قَبْلَ التَّوْبَةِ؛ فَإِنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ الزَّنَادِقَةِ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ الْإِسْلَامَ، وَيُبْطِنُونَ أَعْظَمَ الْكُفْرِ، وَهُم الَّذِينَ يَفْهَمُونَ قَوْلَهُمْ وَمُخَالَفَتَهُمْ لِدِينِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَجِبُ عُقُوبَةُ كُلّ مَن انْتَسَبَ إلَيْهِمْ، أَوْ ذَبَّ عَنْهُمْ، أَوْ أَثْنَى عَلَيْهِمْ، أَوْ عَظَّمَ كُتُبَهُمْ، أَوْ عُرِفَ بِمُسَاعَدَتِهِمْ وَمُعَاوَنَتِهِمْ، أَوْ كَرِهَ الْكَلَامَ فِيهِمْ، أَوْ أَخَذَ يَعْتَذِرُ لَهُمْ بِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَا يَدْرِي مَا هُوَ، أَوْ: مَنْ قَالَ: إنَّهُ صَنَّفَ هَذَا الْكِتَابَ؟([60] وَأَمْثَالَ هَذِهِ الْمَعَاذِيرِ الَّتِي لَا يَقُولُهَا إلَّا جَاهِلٌ أَوْ مُنَافِقٌ؛ بَلْ تَجِبُ عُقُوبَةُ كُلّ مَنْ عَرَفَ حَالَهُمْ، وَلَمْ يُعَاوِنْ عَلَى الْقِيَامِ عَلَيْهِمْ؛ فَإِنَّ الْقِيَامَ عَلَى هَؤُلَاءِ مِنْ أَعْظَمِ الْوَاجِبَاتِ؛ لِأَنَّهُمْ أَفْسَدُوا الْعُقُولَ وَالْأَدْيَانَ عَلَى خَلْقٍ مِن الْمَشَايِخِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ، وَهُمْ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا، وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ؛ فَضَرَرُهُمْ فِي الدِّينِ أَعْظَمُ مِنْ ضَرَرِ مَنْ يُفْسِدُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ دُنْيَاهُمْ وَيَتْرُكُ دِينَهُمْ: كَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ، وَكَالتَّتَارِ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ مِنْهُم الْأَمْوَالَ، وَيُبْقُونَ لَهُمْ دِينَهُمْ»([61]). اهـ

وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية – ؒ – في معرض كلامه – ؒ – عن ذم المنطق، فقال: «ولهذا مازال علماءُ المسلمين وأئمَّة الدين يذمُّونه ويذمُّون أهله، وينهون عنه وعن أهله، ‌حتى ‌رأيتُ ‌للمتأخرين ‌فُتيا فيها خطوطُ جماعةٍ من أعيان زمانهم من أئمَّة الشافعية والحنفية وغيرهم، فيها كلامٌ عظيمٌ في تحريمه وعقوبة أهله.

حتى إن من الحكايات المشهورة التي بلغتنا أن الشيخ أبا عمرو بن الصَّلاح أمر بانتزاع مدرسةٍ معروفة([62]) من أبي الحسن الآمدي([63])، وقال: أخذُها منه أفضلُ من أخذ عَكَّا([64]

مع أن الآمديَّ لم يكن أحدٌ في وقته أكثرَ تبحُّرًا في العلوم الكلامية والفلسفية منه، وكان مِن أحسنهم إسلامًا وأمثَلهم اعتقادًا». اهـ([65])

ولابن الصلاح – ؒ – في فتاويه([66]) فتوى مشهورة في المنطق وأهله، عرَّض فيها بالآمدي فقال: «فالواجبُ على السلطان – أعزَّه الله وأعزَّ به الإسلام وأهلَه – أن يدفع عن المسلمين شرَّ هؤلاء المشائيم، ويخرجهم من المدارس ويبعدهم، ويعاقب على الاشتغال بفنهم، ويعرض من ظهر منه اعتقاد عقائد الفلاسفة على السيف أو الإسلام، لتخمد نارهم وتنمحي آثارها وآثارهم، يسَّر الله ذلك وعجَّله، ومِن أوجب هذا الواجب عزلُ من كان مدرِّسَ مدرسةٍ من أهل الفلسفة والتصنيف فيها والإقراء لها ثم سجنه وإلزامه منزله، ومن زعم أنه غيرُ معتقدٍ لعقائدهم فإن حاله يكذِّبه، والطريقُ في قلع الشر قلعُ أصوله، وانتصابُ مثله مدرسًا من العظائم». اهـ

وقال عنه ابن كثير – ؒ -: «يكره طرائق الفلسفة والمنطق، ويغضُّ منها، ولا يمكِّن من قراءتها بالبلد، والملوك تطيعُه في ذلك». اهـ([67])

ويقولُ الإمامُ ابنُ قيم الجوزيةؒ في سياق كلامه عن أنواع الأقلام ووظائفها: «القلمُ الثَّاني عشر: القلمُ الجامعُ، وهو قلمُ الرَّدِّ على المبطلينَ، ورفعِ سُنَّةِ المحِقَّينَ، وكشفِ أباطيلِ المبطلينَ -على اختلافِ أنواعِها وأجناسِها-، وبيانِ تناقضِهم، وتهافتِهم، وخُروجِهم عنِ الحقِّ، ودُخولهم في الباطلِ، وهَذَا القلمُ -في الأقلامِ- نظيرُ الملوكِ في الأنامِ، وأصحابُهُ أهلُ الحُجَّةِ الناصرونُ لما جاءتْ بهِ الرُّسلُ، المحاربونَ لأعدائِهم، وهُم الدَّاعونَ إلى اللهِ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ، المجادلونَ لمنْ خَرجَ عنْ سبيلِه بأنواعِ الجدالِ، وَأَصحابُ هذا القلمِ حَرْبٌ لكُلِّ مُبطلٍ، وعَدُوٌّ لكُلِّ مُخالفٍ للرُّسلِ؛ فَهم في شأنٍ وغيرُهم مِنْ أصحابِ الأقلامِ في شأنٍ»([68]). اهـ

وقال العلامة ابن القيم -ؒ- وهو يتحدث عن أهل التأويل الفاسد: «فَكَشْفُ عوراتِ هؤلاء، وبيانُ فضائِحِهِم، وفسادِ قواعِدِهِم: من أَفْضَلِ الجهاد في سبيل الله.

وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لحسان بن ثابت: «إن رُوحَ القُدُسِ معك ما دُمْتَ تنافح عن رسوله» وقال: «اهْجُهُم، أو هَاجِهِم وجبريلُ معك» وقال: «اللهم أَيِّدْهُ برُوحِ القُدُسِ ما دام ينافح عن رسولك» وقال عن هجائه لهم: «والذي نفسي بيده، لهو أَشَدُّ فيهم من النَّبْل» وكيف لا يكون بيان ذلك من الجهاد في سبيل الله، وأَكْثَرُ هذه التأويلاتِ المخالفةِ للسلف الصالح: من الصحابة، والتابعين، وأهل الحديث قاطبة، وأئمه الإسلام، الذين لهم في الأمة لسانُ صِدْقٍ تَتَضَمَّنْ مِنْ عَبَثِ المتكلِّم بالنصوص، وسوء الظن بها، من جنس ما تَضَمَّنَهُ طَعْنُ الذين يَلْمِزُون الرسولَ ودينَهُ وأهلِ النفاق والإلحاد، لما فيه من دعوى: أن ظاهر كلامه إِفْكٌ ومُحَالٌ، وكُفْرٌ وضَلَالٌ، وتشبيهٌ وتمثيلٌ أو تخييلٌ، ثم صَرْفُها إلى معانٍ يَعْلَم أن إرادتها بتلك الألفاظ من نوع الأحَاجِي والألغاز، لا يَصْدُرُ ممن قَصْدُهُ نُصْحٌ وبَيَانٌ، فالمدافعةُ عن كلام الله ورسوله، والذبُّ عنه؛ من أَفْضَل الأعمال، وأَحَبِّها إلى الله، وأَنْفَعِها للعبد». اهـ([69])

وقال -ؒ- أيضاً: «فما ذَنْبُ أهل السنة والحديث إذا نَطَقُوا بما نَطَقَتْ به النصوصُ، وأَمْسَكُوا عما أَمْسَكَتْ عنه… وردُّوا تأويلَ الجاهلين، وانتحالَ المبطلين، الذين عَقَدُوا أَلْوِيَةَ الفتنة، وأَطْلَقُوا أَعِنَّةَ المحنة، وقالوا على الله وفي الله بغير عِلْمٍ، فردُّوا باطلَهُم، وبَيَّنُوا زَيْفَهُم، وكَشَفُوا إِفْكَهُم، ونافحوا عن الله ورسوله». اهـ([70])

وذكر الإمام ابن القيم – ؒ – أنَّ الجهاد بالحُجَّة واللسان مقدَّمٌ على الجهاد بالسيف والسِّنان، حيث قال -ؒ-: «ولهذا كان الجهادُ نوعين:

جهادٌ باليد والسِّنان، وهذا المشارِكُ فيه كثيرٌ.

وجهادٌ بالحجَّة والبيان، وهذا جهادُ الخاصَّة من أَتْباع الرسُل، وهو جهادُ الأئمَّة، وهو أفضلُ الجهادَين؛ لِعِظَمِ مَنْفَعَتِهِ، وشِدَّةِ مُؤْنَتِهِ، وكَثْرَةِ أعدائه». اهـ([71])

قال تعالى في سورة الفرقان- وهي مكيَّة-: [ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ] {الفرقان:51-52}، فهذا جهادٌ لهم بالقرآن، وهو أكبرُ الجهادَيْن، وهو جهادُ المنافقين أيضًا؛ فإنَّ المنافقين لم يكونوا يقاتلون المسلمين، بل كانوا معهم في الظَّاهر، وربَّما كانوا يقاتلون عدوَّهم معهم، ومع هذا فقد قال تعالى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ] {التوبة:73} {التحريم:9}﴾، ومعلومٌ أن جهادَ المنافقين بالحجَّة والقرآن.

– وقال ابن حجر الهيتمي – ؒ -: «قال بعض أكابر أئمتنا: كالإمام أبي القاسم الرافعي([72]) -ؒ-: «مِنْ لُطْفِ الله بهذه الأمة، وما خصَّها به من الكمالات: أنَّ علماءها لا يَسْكُتُ بعضُهم على غَلَطِ غيره، ولا على بيان حاله، وإن كان المعتَرَضُ عليه والدًا؛ فضلًا عن غيره… بخلافِ غيرها من الأمم؛ فإنهم تمالَؤوا وتطابَقُوا على أن بعض علمائهم لا يُنْكِر على بعض… فلما تطابَقُوا على ذلك؛ تغيَّرتْ مِلَلُهُم، وبُدِّلَتْ شرائِعُهم»([73]). اهـ

قلت: لكن لا يلزم من ذلك: الكلامُ والبيانُ بالبغي والظلم وتحميل الكلام ما لا يحتمل، أو عقْد الولاء والبراء على الخلاف في المسائل الاجتهادية، كما سبق بيانه!!!

إن العناية بتصحيح العقائد والعبادات والمناهج والمسالك دينٌ يَتَقَرب به العبد إلى الله تعالى، وعبادةٌ يَزْدَلِفُ بها لمولاه، ولا يزال سلف الأمة يَقْتَفُون في ذلك آثار الأنبياء والمرسلين -صلاة الله وسلامه عليهم- وقد سلك مسلكهم الدعاة المصلحون، الذين هداهم الله للحق القويم، والصراط المستقيم، فجاهدوا في سبيل إحياء السنن، وقَمْع الجهالة والبدع، فنالوا بذلك خيرية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي هو القُطْبُ الأعظم في الدين، والأمرُ المهم الذي ابْتَعَثَ الله له النبيين، والميزةُ التي امتازتْ بها أمة سيد الثقلين – صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: [ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ] {آل عمران:110}.

ولما كـان الصحابة – رضي الله عنهم – أعْمَقَ هذه الأمة عِلْماً وفَهْما، وأَكْمَلَها معرفةً بالخير والشر، وأتمَّها فقهاً لمراتب الأعمال الصالحة؛ كانت لهم الجهود المباركة، والمساعي المحمودة فـي مجاهدة المبتدعة، والدفاع عن السنة.

– يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -ؒ-: «كان الصحابة – رضي الله عنهم – أَعْظَمَ إيماناً وجهاداً ممن بَعْدَهم؛ لكمال معرفتهم بالخير والشر، وكمال محبتهم للخير، وبُغْضِهم للشر؛ لما عَلِمُوه من حُسْنِ حال الإسلام والإيمان والعمل الصالح، وقُبْحِ حال الكفر والمعاصي… إلى أن قال -ؒ-: – وكذلك مَنْ دَخَلَ مع أهل البدع والفجور، ثم بَيَّنَ الله لـه الحقَّ، وتاب عليه توبةً نصوحاً، ورزقه الجهاد في سبيل الله؛ فقد يكون بيانُهُ لحالهم، وهَجْرُهُ لمساويهم، وجهادُهُ لهم أعظَمَ من غيره، قال نعيم بن حماد الخزاعي([74]) -وكان شديداً على الجهمية-: «أنا شديدٌ عليهم؛ لأني كُنْتُ منهم..».

ومن الثابت تاريخياً: أن الصحابة -رضوان الله عليهم- هم الذين تولَّوْا تعليمَ الناس في عصر الفتوحات الإسلامية، فما أن مات النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – وفُتِحَت الأمصار؛ إلا وانتقل عدد كبير من الصحابة إلى تلك البلدان، وقد تخرج على أيديهم جُلُّ الفقهاء والعلماء والمحدثين من التابعين، فهم العلماء، وهم القضاة، وهم المفتون في النوازل الفكرية والدينية، وهذا كله راجع إلى أن عِلْمَهُم هو السائد في المجتمع، فرضي الله عنهم، ورفع درجاتهم، وأسْخَن عين شانئيهم إلى يوم الدين!!.

قلت: وهذا الموقف الصارم القوي من علماء السنة إنما هو مع غلاة المبتدعة، كالباطنية ونحوهم من أهل البدع الكبار، المبغضين لأهل السنة، الذين خالفوا الكتابَ المستبينَ، والسنةَ المستفيضةَ، والإجماعَ المُتَيَقَّن، وانْبَرَوْا للدعوة إلى ذلك، مع وضوح المحجة لهم، وقيام الحجة عليهم، إلا أنهم أهل أهواء وشقاقٍ وفتنة، وليس هذا الحكم عامًّا في كل من وقع في بدعة عن اجتهاد وتأويل، مع إيمانه في الجملة بما عليه سلف الأمة: الصحابة
-رضي الله عنهم- ومَنْ بَعْدَهم، وينافح عن ذلك، ويجتهد في نَشْرِ مذهب السلف ليلَهُ ونهارَهُ، ولكنه زلّ في فَهْمِ أمرٍ من أمور العقيدة، وهو يعتقد أنه بذلك ينصر ما عليه أئمة السنة المهتدين، فلا يرى أنه بِزَلَّتِهِ هذه يخالف منهج السلف الصالح؛ فهؤلاء ليسوا ممن يُعامَل هذه المعاملة، التي فَصَّلها شيخ الإسلام -ؒ- ويلزم نصحهم، أو التحذير من الاقتداء بهم فيما جانبوا فيه الصواب، لا في كل أمرهم، إن لم يتيسر نُصْحُهم.

ويدل على هذه التفرقة: تفصيلُ شيخ الإسلام نَفْسِهِ وكثيرٍ من علماء السنة، وتفرقَتُهُم بين من حارب منهج السلف، وانتصر لعلم الكلام، وقدَّم العقل والنظر على النقل والخبر والأثر، ولجّ في بدعته، وناظر عليها، ودعا إليها، وبَيْنَ مَنْ لَيْلُهُ ونَهَارُهُ في نصرة الكتاب والسنة، والانتماء إلى منهج الصحابة والقرون المفضلة، لكنه زَلَّ في موضع أو أكثر عن اجتهاد وتأويل، لا عن عنادٍ وتعطيل، والله أعلم.

قال شيخ الإسلام ابن تيميةؒ في ردّه على ابن المطَهَّر الرافضي تشنيعَهُ على الأشاعرة: فقال: «إن غالبَ شناعتِه على الأشعرية ومن وافقهم -والأشعريةُ خَيْرٌ من المعتزلةِ والرافضةِ عند كل مَنْ يَدْرِي ما يقول، ويَتَّقِي اللهَ فيما يقول- وإذا قيل: إن في كلامهم وكلام من قد وافقهم -أحياناً- من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم ما هو ضعيفٌ؛ فكثير من ذلك الضعيف إنما تَلَقَّوْهُ من المعتزلة، فهم أَصْلُ الخطأِ في هذا الباب، وبَعْضُ ذلك أخطأوا فيه لإفراطِ المعتزلةِ في الخطأ، فقابلوهم مقابلةً انحرفوا فيها، كالجيش الذي يقاتِلُ الكفار، فربما حَصَل منه إفراطٌ وعدوان»([75]) اهـ.

وقال -ؒ- في كتابه: «درء تعارض العقل والنقل»([76]) بعد أن ذكر عددًا من علماء الأشاعرة: «ثم إنه ما مِن هؤلاء إلا مَن له في الإسلامِ مَسَاعٍ مَشْكُورةٌ، وحسناتٌ مَبْرُورةٌ، وله في الرَّدِّ على كثيرٍ مِن أهلِ الإلحادِ والبِدَعِ، والانتصارِ لكثيرٍ مِن أهل السنة والدِّينِ ما لا يَخْفَى على مَن عَرَفَ أحوالَهم، وتكلَّم فيهم بِعْلمٍ وصِدْقٍ، وعَدْلٍ وإنصافٍ، لكن لما التبس عليهم هذا الأصلُ المأخوذُ ابتداءً عن المعتزلة، وهم فضلاء عقلاء؛ -يريد شيخ الإسلام من الْتَبَسَتْ عليهم أصولُ المعتزلة من الأشاعرة- احْتَاجُوا إلى طَرْدِهِ والتزامِ لوازمِهِ؛ فَلَزِمَهُم بسبب ذلك من الأقوال ما أَنْكَرَهُ المسلمون من أهل العلم والدين، وصار الناس بسبب ذلك: منهم مَنْ يُعَظِّمُهم؛ لما لهم من المحاسن والفضائل، ومنهم مَنْ يَذُمُّهم؛ لما وقع في كلامهم من البدع والباطل، وخيار الأمور أوساطها، وهذا ليس مخصوصًا بهؤلاء، بل مثل هذا وقع لطوائف من أهل العلم والدين، والله تعالى يتقبل من جميع عباده المؤمنين الحسنات، ويتجاوز لهم عن السيئات، [ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ] {الحشر:10}». اهـ

فتأمل كيف فصَّل شيخ الإسلام -ؒ- في كيفية النظر إلى هؤلاء الأشاعرة من جميع الجوانب، دون إفراطٍ أو تفريط، ولا يلزم من ذلك عدمُ ذَمِّهِ إياهم بإطلاقٍ في مواضعَ كثيرةٍ، فقد يكون في مقام ذم أخطائهم، أو مقارنتهم بمن هم أفضل منهم، أو في مقام التحذير من آثارهم السيئة…فهذا وأمثاله يُطلق فيه العلماءُ الذمَّ، وقد يُشَدِّدُون في الإنكار، بخلاف المقامات الأخرى؛ فلِكُلِّ مقامٍ مقالٌ، لكنَّ الغُلاةَ المتهوِّرين في زماننا لا يفهمون هذا التفصيل ودوافعَهُ ومواطِنَه؛ فإنهم لا يعرفون إلا الذَّمَّ المُطلقَ، ومَن أشار إلى جزءٍ يسيرٍ مِن المحاسن التي أشار إليها شيخ الإسلام -ؒ- اتهموه بأنه مبتدع، ومُميِّع، ومُلَبِّس، وكائدٌ للسنة وأهلها… إلخ هذه الافتراءات، والموفَّق من وفقَّه الله -جل وعلا-.

وقال -ؒ- كما في «مجموع الفتاوى»([77]) وهو يُشِيد بجهود علماء الأشاعرة وجهادهم في الرد على الباطنية: «وقد صَنَّفَ المسلمون في كَشْفِ أسرارهم وهَتْكِ أستارِهم كُتُبًا كبارا وصغارا، وجاهدوهم باللسان واليد، إذْ كانوا بذلك -يعني الباطنية الزنادقة، الذين لا يؤمنون بدين الإسلام – أَحَقَّ من اليهود والنصارى، ولو لم يكن إلا كتاب «كشف الأسرار وهتك الأستار» للقاضي أبي بكر محمد بن الطيب، وكتاب عبد الجبار بن أحمد، وكتاب أبي حامد الغزالي، وكلام أبي إسحاق، وكلام ابن فورك، والقاضي أبي يعلى، والشهرستاني، وغير هذا مما يطول وَصْفُهُ…» اهـ.

ومن ذلك ما قاله -ؒ- عن الأشاعرة في كتابه «بيان تلبيس الجهمية»([78]): «وإن كان في كلامهم من الأدلة الصحيحة، وموافقة السنة، مالا يُوجَدُ في كلام عامة الطوائف؛ فإنهم أَقْرَبُ طوائفِ أهلِ الكلام إلى السنة والجماعة والحديث، وهم يُعَدّون من أهل السنة والجماعة عند النظر إلى مثل المعتزلة والرافضة، ونحوهم، بل هم أهل السنة والجماعة في البلاد التي يكون أهلُ البدع فيها المعتزلة، والرافضة، ونحوهم». اهـ

ومن ذلك مَدْحُه وثناؤه -ؒ- على نظام المُلْك، والجويني، وغيرهما من أئمة الأشاعرة، فقال كما في «مجموع الفتاوى»([79]): «وكانت الرافضة، والقرامطة: علماؤها وأمراؤها قد اسْتَظْهَرَتْ في أوائل الدولة السلجوقية، حتى غَلَبَتْ على الشام والعراق، وأخرجَت الخليفةَ القائم ببغداد إلى تكريت، وحَبَسُوه بها في فتنة البساسيري المشهورة، فجاءت بعد ذلك السلجوقية، حتى هزموهم، وفتحوا الشام والعراق، وقهروهم بخراسان، وحَجَروهم بمصر، وكان في وقتهم من الوزراء مِثْلُ نظامِ الملك، ومن العلماء مِثْلُ أبي المعالي الجويني، فصاروا بما يُقِيمُونَهُ من السنة، ويردُّونَهُ من بدعة هؤلاء ونحوِهم لهم من المكانة عند الأمة بحسَبِ ذلك، وكذلك المتأخرون من أصحاب مالك، الذين وافقوه، كأبي الوليد الباجي، والقاضي أبي بكر بن العربي، ونحوهما، لا يُعظَّمون إلا بموافقة السنة والحديث». اهـ

والوزير نظام الملك من أبرز من نصر المذهب الأشعري، من خلال المدارس النظامية، التي أنشأها في أنحاء متفرقة من العراق، وخراسان.

وفي «سير أعلام النبلاء»([80]) ترجمة قتادة بن دعامة السدوسي البصري، قال الذهبي -ؒ-: «ثم إن الكبير من أئمة العلم، إذا كَثُرَ صَوَابُهُ، وعُلِم تَحَرِّيه للحقِّ، واتَّسَعَ عِلْمه، وظَهَر ذكاؤه، وعُرِفَ صَلاحُهُ، وَوَرَعُه، واتِّباعُه؛ يُغْفَرُ له زَلَلُهُ، ولا نُضَلِّلُه ونَطَّرِحُه، ونَنْسَى مَحاسِنَهُ، نَعَمْ: ولا نَقْتَدِي به في بِدْعَتِهِ وخَطَئِهِ، ونرجو له التوبةَ من ذلك». اهـ

هذا، وقتادة قد تكلم فيه بعضهم من أجل مقالة القدرية، التي كانت مشهورة في البصرة، وتأثر بها بعض المشاهير، وهو يظن أنه ينصر منهج الصحابة -رضى الله عنهم- ومن سار على منهجهم!!

وفي «النبلاء»([81]) ترجمة محمد بن نصر المروزي، ذكر الذهبي -ؒ- بعضَ المسائل التي خالف فيها أهلَ السنةِ -مع إمامته- وقد هَجَرَهُ بعضُ علماءِ وَقْتِهِ، فَرَدَّ ذلك الذهبي -ؒ- ثم قال: «ولو أنَّه كلما أَخْطَأ إمامٌ في اجتهادِهِ في آحاد المسائل، خَطَأً مغفورًا له؛ قُمْنَا عليه، وبدَّعْناه، وهَجَرْناه؛ لما سَلِمَ معنا لا ابن نصر، ولا ابن منده، ولا مَنْ هو أَكْبَرُ منهما، والله هو هادي الخَلْقِ إلى الحَقِّ، وهو أَرْحَمُ الراحمين، فنعوذ بالله من الهَوى والفَظَاظَةِ». اهـ.

وفي «النبلاء»([82]) ترجمة محمد بن إسحاق بن خزيمة، والذي يُلَقَّب بإمام الأئمة، قال -ؒ-: «ولابن خزيمة عَظَمَةٌ في النفوسِ، وجلالةٌ في القلوبِ؛ لِعِلْمِهِ ودِيِنِهِ واتباعِهِ السنةَ، وكتابُهُ في التوحيد مُجَلَّدٌ كَبيرٌ، وقد تَأَوْل في ذلك حديثَ الصُّورة، فَلْيُعْذَرْ من تَأَوَّلَ بَعْضَ الصفات، وأما السَّلَفُ فما خاضُوا في التأويل، بل آمنوا وكَفُّوا، وفَوّضوا عِلْمَ ذلك إلى الله ورسوله».

قلت: أي: فوّضوا عِلْمَ الكيفية لا تفويض المعنى الذي تدل عليه اللغة العربية، التي نزل بها القرآنُ الكريم.

ثم قال -ؒ-: «ولو أَنَّ كلَّ مَنْ أَخْطَأَ في اجتهادِهِ، مع صِحَّةِ إيمانِهِ، وتوخِّيهِ لاتباعِ الحقِّ؛ أَهْدَرْناه، وبَدَّعْناه؛ لَقَلّ مَنْ يَسْلَمُ مِنَ الأئمةِ مَعَنا، رحم الله الجميع بمنه وكرمه». اهـ.

وفي تعليقةٍ على كتاب «التوحيد»([83]): قال الحافظ أبو موسى المديني فيما جمعه من مناقب الإمام قوام السنة أبي القاسم إسماعيل بن محمد بن إسماعيل التيمي: «سمعته يقول: «أخطأ محمد بن إسحاق بن خزيمة في حديث الصورة، ولا يُطْعَنُ عليه في ذلك، وقال أبو موسى: أشار بذلك إلى أنه قَلَّ مِنْ إمام إلا وله زَلّةٌ، فإذا تُرِكَ الإمامُ لأَجْلِ زَلَّتِه؛ تُرِكَ كثيرٌ من الأئمة، وهذا لا يَنْبَغِي أن يُفْعَل». اهـ.

وقد قال الشاطبي -ؒ- في «الموافقات»([84]): «إن زَلَّةَ العالِم لا يَصِحُّ اعتمادُها مِنْ جِهَةٍ، ولا الأَخْذُ بها تقليدًا له… كما أنه لا ينبغي أن يُنْسَب صاحِبُهَا إلى التقصير، ولا أن يُشَنَّع عليه بها، ولا يُنْتَقَصَ من أَجْلها، أو يُعْتَقَد فيه الإِقْدامُ على المخالفةِ بَحْتًا؛ فإن هذا كُلَّه خلافُ ما تقتضي رُتْبَتُهُ في الدين». اهـ.

قلت: ما أبَعْدَ الغلاة المسرفين في الأحكام على الناس، وما أَسْوَأ ظَنَّهم بمن قضَوْا أعمارهم في خدمة الإسلام، ولكنهم – رحمهم الله – زَلُّوا في بعض المواضع، وقد تكون زلَّةً في نظر الغلاة الأعْشى فقط، وليستْ زلَّةً في الحقيقة، ما أَبْعَدَهم عن هذه المعاني الرائقة التي يقرِّرها علماء الأمة سلفاً وخلفاً، ومع ذلك؛ فإنهم يزعمون أنه لا يتمسك بمنهج السلف أحدٌ على وجْه الأرض إلا من كان على شاكلتهم، حَذْوَ القُذَّة بالقُذَّة!!!

وسائل وطرق علماء أهل السنة والجماعة في الرد على المبتدعة الضالين