كتب للقراءة

المحجة البيضاء في تحقيق موقف أهل السنة والجماعة من أهل البدع والأهواء

المحجة البيضاء في تحقيق موقف أهل السنة والجماعة من أهل البدع والأهواء

وسائل وطرق علماء أهل السنة والجماعة في الرد على المبتدعة الضالين

وقد تَنَوَّعَ جهادُ علماء أهل السنة والجماعة لحماية جناب الدين، والدفاع عن حياض سنة سيد المرسلين – صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، وتعدَّدَتْ وسائلُهم وطرقُهم في الردِّ على المبتدعة الزائغين، فمنها:

أولاً: جَمْعُ السننِ والآثار، مع تمييز صحيحها من سقيمها، ومقبولها من مردودها؛ لبيان علَّة ما يستدل به المبتدعة على بِدَعهم:

لقد اهتم علماء السنة والجماعة بتجلية كافة الجوانب التي لها علاقة بالحديث سنداً ومتناً، من أجل تمييز المقبول منها من المردود، أو الصحيح والحسن والصالح من السقيم والمتروك والموضوع، وخاصة منذ الفتنة التي وقعت في آخر عهد أمير المؤمنين عثمان بن عفان – رضي الله عنه – والتي كانت نقطةَ انعطافٍ ومرحلةَ تَحوُّلٍ، حيث انتسب إلى الإسلام قِلَّةٌ من الرجال، ضعيفُو الإيمان، جَهَلَةٌ بالكتاب والسنة، ويَتَّبِعُون المتشابِهَ؛ فأباحوا لأنفسهم الكذب على رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – نُصرةً لبدعتهم وأهوائهم، ومنهم من يظن أنه يَكْذِب لرسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ولا يَكْذِب عليه، وهذا من تمام جَهْلِهِم!!

فتنوَّعَتْ جهودُ العلماء في وضْع قواعد دقيقة تؤدي إلى كشف باطل المبطلين، ووهْم الواهمين، وإن كانوا في الأصل من الصادقين المُخْلِصين؛ لتَشْمَلَ دارساتٍ حول الأسانيد والمتون، كما شَمِلَت التصنيفَ في الأحاديث الصحيحة والمقبولة، بل والواهية المردودة، كل هذا من أجل كشف حُجج المبطلين، وبيان حقيقة أدلة المبتدعين، عند وضعها على ميزان القبول والرد، والإسنادُ من الدين، ولولا الإسناد؛ لقال من شاء ما شاء، كما قال أهل العلم.

فعن عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ -ؒ- قال: «الْإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ، وَلَوْلَا الْإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ»([85]).

وعن الْعَبَّاسِ بْنِ أَبِي رِزْمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ، يَقُولُ: «بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْقَوَائِمُ» يَعْنِي الْإِسْنَادَ([86]).

وعن أبي عصمة نوح بن هشام الجوزجاني قال: «كنت عند المسيب بن واضح، وكان مرابطاً بمدينةٍ من مُدُن سواحل البحر، يقال لها: «بانياس»، فبينا نحن جلوس عنده للمناظرة، فقلت له: يا أبا محمد، يُحْكَى عندنا بخراسان عن ابن المبارك أنه قال: الإسنادُ من الدين، ولولا الإسنادُ؛ لَحَدَّثَ من شاء من الناس بما شاء، هل سمعتها منه؟ قال: لا، ولكن اكْتُبْ حتى أُمْلِي عليك حكايةً في هذا الباب، لا تَكْتُبها اليومَ عن أحد غيري، قلت: هاتِ، قال: سمعت عبد الله بن المبارك -وسأله رجل- فقال: ما تقول يا أبا عبد الرحمن: مَنْ طَلَبَ العلمَ هلْ له أن يُشَدِّدَ في الإسناد؟ قال: نعم، من كان طَلَبُهُ لله؛ ينبغي له أن يكون في الإسناد أَشَدَّ وأَشَدَّ؛ لأنك تجد ثقةً يروي عن ثقةٍ، وتجد ثقةً يروي عن غير ثقةٍ» ويقال: إن أَوَّلَ من تكلَّم في أحوال الرواة: شعبةُ بن الحجاج([87]).

قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: «الْإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ».

وعن إِبْرَاهِيمَ بْنَ مَعْدَانَ، قَالَ: ابْنُ الْمُبَارَكِ: «مَثَلُ الَّذِي يَطْلُبُ أَمْرَ دِينِهِ بِلَا إِسْنَادٍ؛ كَمَثَلِ الَّذِي يَرْتَقِي السَّطْحَ بِلَا سُلَّمٍ»([88]).

وعن محمد بن شاذان بن يزيد، أبو بكر الجوهري قَالَ: سَأَلْتُ عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ عَنْ إِسْنَادِ حَدِيثٍ سَقَطَ عَلَيَّ، فَقَالَ: تَدْرِي مَا قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْحَدَّادُ؟ قَالَ: «الْإِسْنَادُ مِثْلُ الدَّرَجِ، وَمِثْلُ الْمَرَاقِي، فَإِذَا زَلَّتْ رِجْلُكَ عَنِ الْمَرْقَاةِ؛ سَقَطْتَ، وَالرَّأْيُ مِثْلُ الْمَرْجِ»([89]).

وعن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: «مَا كُنَّا نَتَّهِمُ أَنَّ أَحَدًا يَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- مُتَعَمِّدًا، حَتَّى جَاءَنَا قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْمَشْرِقِ، فَحَدَّثُوا عَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- الَّذِينَ كَانُوا عِنْدَهُمْ بِأَحَادِيثَ لَا نَعْرِفُهَا، فَالْتَقَيْتُ أَنَا وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، وَاللَّهِ، إِنَّهُ لَيَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَعْرِفَ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- مِمَّنْ هُوَ، وَعَمَّنْ أَخَذْنَاهُ، فَقَالَ: صَدَقْتَ يَا أَبَا سَلَمَةَ، فَكُنْتُ لَا أَقْبَلُ حَدِيثًا حَتَّى يُسْنَدَ لِي، وَتَحَفَّظَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ الْحَدِيثَ مِنْ أَيَّامِئِذٍ، فَجِئْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَسَنِ فِي السُّوَيْقَةِ قَالَ: يَا ابْنَ سَلَمَةَ بْنِ أَسْلَمَ، أَمَا بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدِّثُ، تَقُولُ: حَدَّثَنِي فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ؟ قُلْتُ: بَلَى، خَلَّطَ عَلَيْنَا شِيعَتُكُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَجَاءُونَا بِأَحَادِيثَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- فَحَدَّثْتُهُ بَعْضَ مَا حَفِظْتُ؛ فَعَجِبَ لَهُ، وَقَالَ: أَصَبْتَ يَا ابْنَ أَخِي؛ فَزَادَنِي فِي ذَلِكَ رَغَبًا»([90]).

وعن هِلَالِ بْنِ الْعَلَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: «حَمَلَ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ يَوْمًا عَلَى ابْنِ عُيَيْنَةَ، فَصَعِدَ فَوْقَ غُرْفَةٍ لَهُ، فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ: تُرِيدُ أَنْ يَتَفَرَّقُوا عَنْكَ؟ حَدِّثْهُمْ بِغَيْرِ إِسْنَادٍ، فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا، يَأْمُرُنِي أَنْ أَصْعَدَ فَوْقَ الْبَيْتِ بِغَيْرِ دَرَجَةٍ» قَالَ صَالِحٌ: «يَعْنِي أَنَّ الْحَدِيثَ بِلَا إِسْنَادٍ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَأَنَّ الْإِسْنَادَ دَرَجُ الْمُتُونِ، بِهِ يُوصَلُ إِلَيْهَا»([91]).

وعن سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ -ؒ- قال: «الْإِسْنَادُ سِلَاحُ الْمُؤْمِنِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ سِلَاحٌ؛ فَبِأَيِّ شَيْءٍ يُقَاتِلُ»؟!([92])

وقال ابن حبان -ؒ- في «المجروحين»: «ولَسْنَا نَسْتَجِيزُ أن نحتج بخبر لا يَصِحُّ من جهة النقل في شيء مِنْ كُتُبِنَا، ولأنَّ فيما يَصِحُّ من الأخبار -بحمد الله ومَنِّهِ – كافٍ، يُغني عنا عن الاحتجاج في الدين بما لا يَصِحُّ منها، ولو لم يكن الإسنادُ، وطَلَبُ هذه الطائفة له؛ لَظَهَر في هذه الأمة من تبديل الدين ما ظَهَر في سائر الأمم، وذاك أَنه لم تَكُنْ أمةٌ لنبيٍّ قَطُّ حَفِظَتْ عليه الدينَ عن التبديل ما حَفِظَتْ هذه الأمة، حتى لا يتهيأ أن يزداد في سُنَّةٍ من سُنَنِ رسول الله -صَلى الله عَليهِ وعلى آله وَسلم- أَلِفٌ ولا واوٌ، كما لا يتهيأ زيادةُ مِثْلِهِ في القرآن، فَحَفِظَتْ هذه الطائفةُ السُّننَ على المسلمين، وكَثُرَتْ عنايتهم بأمر الدين، ولولاهم؛ لقال من شاء ما شاء»([93]).

وأخرج ابن حبان -ؒ – أيضاً في «المجروحين»: عن مؤمل بن إسماعيل، قال: سمعت شعبة، يقول: «كل حديث ليس فيه «حَدَّثنا»، و«حَدَّثنا» فهو مِثْلُ الرجُلِ بالفلاة معه البعير ليس له خِطَامٌ»([94]).

قال أبو حاتم ـ ابن حبان ؒ – أيضاً: «فِرْسَانُ هذا العلم: الذين حَفِظُوا على المسلمين الدينَ، وهَدَوْهُم إلى الصراط المستقيم، الذين آثروا قَطْعَ المفاوزَ والقِفَارَ، على التَّنَعُّمِ في الدِّمَن والأَوْطار، في طلب السنن في الأمصار، وجَمْعِها بالوجل -أي بالخوف- والأسفار، والدوران في جميع الأقطار، حتى إن أحدهم ليرحل في الحديث الواحد الفراسخَ البعيدةَ، وفى الكلمة الواحدة الأيامَ الكثيرةَ؛ لِئَلَّا يُدْخِلَ مُضِلٌّ في السنن شيئًا يُضِلُّ به، وإن فَعَلَ؛ فهم الذابُّون عن رسول الله -صَلى الله عَليهِ وَسلم- ذلك الكذبَ، والقائمون بنصرة الدين».

وعن مُحمد بن سِيرين -ؒ- قال: «لقد أَتَى على الناس زمانٌ وما يُسْأَل عن إسنادِ حديثٍ حتى وَقَعَت الفتنةُ، فلما وَقَعَت الفتنةُ؛ سُئِلَ عن إسناد الحديث؛ ليُنظَر: مَن كان من أهل السنة؛ أُخِذَ بحديثه، ومن كان من أهل البدعة؛ تُرِكَ حديثُهُ»([95]).

وعن عَمْرَو بْنَ قَيْسٍ -ؒ-، قال: «يَنْبَغِي لِصَاحِبِ الْحَدِيثِ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ الصَّيْرَفِيِّ الَّذِي يَنْقُدُ الدَّرَاهِمَ؛ فَإِنَّ الدَّرَاهِمَ فِيهَا الزَّيْفُ وَالبَهْرَجُ، وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ»([96]).

وقال الخطيب -ؒ- في «الكفاية في علم الرواية»: «وَأَمَّا كَتْبُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ الْمَرَاسِيلَ، وَالرِّوَايَةُ لَهَا؛ فَإِنَّهُ عَلَى ضُرُوبٍ: أَحَدُهَا لاِسْتِعْمَالِ مَا تَضَمَّنَتْ مِنَ الأَحْكَامِ عِنْدَ مَنْ رَأَى قَبُولَهَا، وَوُجُوبَ الْعَمَلِ بِهَا، مَعَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمُسْنَدَاتِ فِي الصِّحَّةِ وَالثَّبَاتِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكْتُبُهَا عَلَى مَعْنَى الْمَعْرِفَةِ لِعِلَلِ الْمُسْنَدَاتِ بِهَا؛ لأنَّ فِي الرُّوَاةِ مَنْ يُسْنِدُ حَدِيثًا يُرْسِلُهُ غَيْرُهُ، وَيَكُونُ الَّذِي أَرْسَلَهُ أَحْفَظَ وَأَضْبَطَ، فَيُجْعَلُ الْحُكْمُ لَهُ، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ مِثْلَ هَذَا»([97]).

وقال أبو بكر الخلال -ؒ- أخبرني الميموني، قال «تَعَجَّبَ إِلَيَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مِمَّنْ يَكْتُبُ الإسْنَادَ وَيَدَعُ الْمُنْقَطِعَ، ثُمَّ قَالَ: وَرُبَّمَا كَانَ الْمُنْقَطِعُ أَقْوَى إِسْنَادًا، أَوْ أَكْثَرَ، قُلْتُ: بَيِّنْهُ لِي كَيْفَ؟ قَالَ: يَكْتُبُ الإسْنَادَ مُتَّصِلاً وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَيَكُونُ الْمُنْقَطِعُ أَقْوَى إِسْنَادًا مِنْهُ، وَهُوَ يَرْفَعُهُ، ثُمَّ يُسْنِدُهُ، وَقَدْ كَتَبَهُ هُوَ عَلَى أَنَّهُ مُتَّصِلٌ، وَهُوَ يَزْعُمُ أَنَّهُ لاَ يَكْتُبُ إِلاَّ مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، مَعْنَاهُ: لَوْ كَتَبَ الإسْنَادَيْنِ جَمِيعًا؛ عُرِفَ الْمُتَّصِلُ مِنَ الْمُنْقَطِعِ، يَعْنِي ضَعْفَ ذَا، وَقُوَّةَ ذَا»([98]).

وقال الخطيب -ؒ-: «وَمِنْهُمْ مَنْ يَكْتُبُهَا مُسْنَدَةً، وَيَرْوِيهَا مُرْسَلَةً، عَلَى مَعْنَى الْمُذَاكَرَةِ وَالتَّنْبِيهِ؛ لِيَطْلُبَ إِسْنَادَهَا الْمُتَّصِلَ، وَيَسْأَلَ عَنْهُ، وَرُبَّمَا أَرْسَلُوهَا اخْتِصَارًا وَتَقْرِيبًا عَلَى الْمُتَعَلِّمِ، لِمَعْرِفَةِ أَحْكَامِهَا، كَمَا يَفْعَلُ الْفُقَهَاءُ الآنَ فِي تَدْرِيسِهِمْ، فَإِذَا أُرِيدَ الاِسْتِعْمَالُ؛ احْتِيجَ إِلَى بَيَانِ الإسْنَادَ».

وأخرج ابن عبد البر -ؒ- في «التمهيد» بسنده إلى أحمد بن حنبل -ؒ- قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: «الإسناد من الدين» قال يحيى: وسمعت شعبة يقول: إنما يُعْلَم صحةُ الحديث بصحة الإسناد([99]).

وعَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ، عَنْ مَطَرٍ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: [ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ] {الأحقاف:4} قَالَ: «إِسْنَادُ الْحَدِيثِ»([100]).

ثانياً: التصنيف في التحذير من البدع.

وذلك لعِلْمِ الأئمة –رحمه الله تعالى– بأن البدع تتَّسع وتتمدَّد مع مرور الزمن وانْدِثار السُّنن، وأنها في بدايتها تُشبه الحقَّ، وتكون سَهْلَةً، فَيَغْتَرُّ بها كثير من الناس، فإذا غَرِقُوا في أَوْحالها؛ اتَّسعَتْ عليهم، وتشعَّبت، وتفرَّعت، وأَنْتَجَتْ بِدعًا أُخرى، قد تكون أَشدَّ من البدع الأولى وأَغْلَظَ؛ فيشُقُّ عليهم التَّخلُّصُ منها، ففي أول الأمر تكون البدعُ سَهْلَةً، ثم تصير مِلَّةً ونِحْلَةً، يُوَالِي ويُعَادِي عليها!!!

قال الإمام البربهاري -ؒ- في «شرح السنة»: «واحْذَر صِغَارَ المحدَثات من الأمور؛ فإن صغير البدع يَعُود حتى يَصِير كبيراً، وكذلك كُلُّ بدعة أُحْدِثَتْ في هذه الأمة، كان أَوَّلُها صغيراً يُشْبِهُ الحقَّ، فاغْتَرَّ بذلك مَنْ دَخَلَ فيها، ثم لم يستطع الخروجَ منها، فَعَظُمَتْ وصَارَتْ ديناً يُدَانُ به؛ فخالَفَ الصراط المستقيم؛ فخَرَجَ من الإسلام»([101]). اهـ

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -ؒ- كما في «مجموع الفتاوى»: «فَالْبِدَعُ تَكُونُ فِي أَوَّلِهَا شِبْرًا، ثُمَّ تَكْثُرُ فِي الِاتِّبَاعِ؛ حَتَّى تَصِيرَ أَذْرُعًا وَأَمْيَالًا وَفَرَاسِخَ»([102]). اهـ

وفي «بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية»([103]) قالؒ-: «وهؤلاء المُحَرِّفة المُبَدِّلة في هذه الأمة من الجهمية وغيرهم اتَّبَعُوا سَنَنَ من كان قبلهم من اليهود والنصارى، وفارسٍ والرومِ؛ فغَيَّروا فطرةَ الله تعالى، وبَدَّلوا كتاب الله، والله -سبحانه وتعالى- خَلَقَ عباده على الفطرة التي فطرهم عليها، وبَعَثَ إليهم رُسُلَهُ، وأَنْزَلَ عليهم كُتُبَهُ، فصلاحُ العباد وقوامُهم بالفطرة المُكَمَّلَة بالشِّرْعة المُنَزَّلة، وهؤلاء بدَّلُوا وغَيَّرُوا فطرة الله وشِرْعَتَهُ: خَلْقَه وأَمْرَه، وأفسدوا اعتقاداتِ الناس، وإراداتِهِم، وإدراكاتِهِم، وحركاتِهِم: قولَهُم وعملَهُم من هذا وهذا، كما بَدَّل الذين ظلموا من بني إسرائيل القولَ الذي أُمِرُوا به، والعملَ الذي أُمِرُوا به، ففي «الصحيح» عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قيل لهم: [ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ] {البقرة: 58} فدخلوا الباب يَزْحَفُون على أَسْتَاهِم، وقالوا: حَبَّةٌ في شَعْرَة، وقد ذكرنا في غير هذا الموضع: أن مَبْدَأُ التَّجَهُّمِ في هذه الأمة كان أَصْلُه من المشركين ومُبَدِّلة الصابئين من الهند واليونان، وكان من مُبَدِّلَة أهلَ الكتاب من اليهود، وأن الجعد بن درهم، ثم الجهم بن صفوان، ومن اتَّبعهما أخذوا ذلك عنهم، وأنه بعد ذلك أواخر المائة الثانية وقُبَيْلَها وبَعْدها اجْتُلِبَتْ كُتب اليونان وغيرهم من الروم، من بلاد النصارى، وعُرِّبَتْ، وانتشر مذهب مُبَدِّلة الصابئة، مثل أَرِسْطو وذويه، وظهر في ذلك الزمان الخُرَّميَّة([104])، وهم أول القرامطة الباطنية الذين كانوا في الباطن يأخذون بعضَ دين الصابئين المُبَدِّلين، وبعضَ دين المجوس، كما أخذوا عن هؤلاء كلامَهُم في العقل والنَّفْس، وأخذوا عن هؤلاء كلامهم في النور والظلمة، وكَسَوْا ذلك عباراتٍ، وتصرفوا فيه، وأخرجوه إلى المسلمين، وكان من القرامطة الباطنية في الإسلام ما كان، وهم كانوا كثيرًا يميلون إلى طريقة الصابئة المُبَدِّلين، وفي زمنهم صُنِّفَتْ رسائل «إخوان الصفا»، وذكر ابن سينا أن أباه كان من أهل دعوتهم، من أهل دعوة المصريين منهم، وكانوا إذ ذاك قد ملكوا مصر، وغلبوا عليها، قال ابن سينا: وبسبب ذلك اشتغلْتُ في الفلسفة؛ لكونهم كانوا يرونها، وظهر في غير هؤلاء من التجهم ما ظهر، وظهر بذلك تصديق ما أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم- كما ثبت في «الصحيحين» عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «لَتَتَّبِعُنَ سَنَنَ مَنْ كان قبلكم، حَذْوَ القُذَّةِ بالقُذَّة، حتى لو دخلوا جُحْرَ ضَبٍّ؛ لدَخَلْتُمُوه» قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فَمَنْ»، وروى البخاري في «صحيحه» عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «لا تقوم الساعة حتى تَأْخُذَ أمتي ما أَخَذَ القرونُ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وذراعًا بذراعٍ»، فقيل: يا رسول الله، كفارس والروم؟ قال: «فمن الناسُ إلا أولئك» ومعلوم أن أهل الكتاب أقربُ إلى المسلمين من المجوس والصابئين والمشركين، فكان أولَ ما ظهر من البدع فيه: شُبَهٌ من اليهود والنصارى، والنبوةُ كلما ظَهَرَ نورُهَا؛ انْطَفَت البدعُ، وهي في أول الأمر كانت أعظم ظهورًا.

فكان إنما يظهر من البدع ما كان أَخَفَّ من غيره، كما ظهر في أواخر عصر الخلفاء الراشدين بدعة الخوارج والتشيع، ثم في أواخر عصر الصحابة ظهرت القدرية والمرجئة، ثم بعد انقراض أكابر التابعين؛ ظهرت الجهميةُ، ثم لما عُرِّبَتْ كُتُبُ الفرس والروم؛ ظهر التَّشَبُّهُ بفارس والروم، وكُتُبُ الهند انتقلت بتوسط الفرس إلى المسلمين، وكتب اليونان انتقلت بتوسط الروم إلى المسلمين، فظهرت الملاحدةُ الباطنيةُ، الذين رَكَّبوا مذهبهم من قول المجوس واليونان، مع ما أظهروه من التشيع، وكانت قرامطةُ «البحرين» أعظَمَ تعطيلاً وكفرًا، كُفْرُهُم من جِنْسِ كُفْرِ فرعون، بل شَرٌّ منه». اهـ

وقال -ؒ-: «إنما يَظْهَرُ من البدع أولاً ما كان أخَفَّ، وكُلَّما ضَعُفَ من يقوم بنور النبوة؛ قَوِيَت البدعةُ…»([105]). اهـ

وقال الإمام ابن القيم -ؒ- في «مدارج السالكين»: «البدع تُسْتَدْرَجُ بصغيرها إلى كبيرها، حتى يَنْسَلِخُ صاحِبُها من الدين، كما تَنْسَلّ الشعرةُ من العجين، فمفاسِدُ البدعِ لا يَقِفُ عليها إلا أربابُ البصائر، والعميانُ ضالُّون في ظُلمة العَمَى [ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ] {النور:40}»([106]). اهـ

وقال الشيخ بكر أبو زيد -ؒ- في «حكم الانتماء إلى الفرق والأحزاب والجماعات»: «كلُّ بدعة أُحْدِثَتْ في هذه الأمة كان أَوَّلُها صغيراً يُشْبِهُ الحقَّ، ثم صارتْ كبيرةً، فدخل فيها من لم يستطع الخروج منها، فاحْذَرْ صِغارَ البدعِ؛ فإنها صَغارٌ»([107]). اهـ

وقال الشيخ ناصر العقل -حفظه الله- في التعليق على «شرح السنة للبربهاري»([108]): «هذه أيضاً فائدة عظيمة، ينبغي أن يرعاها طلاب العلم، ويَعُوها جيداً، وأن يَحْذَروا من أن تتكرر مثل هذه الغلطات التي وَقَعَتْ من أهل البدع، أو تساهل فيها بعضُ المنتسبين للعلم: وهو أن صِغَارَ البدعِ والمُحْدَثاتِ طريقٌ إلى الأمور الكبار!!

أولاً: أن صِغَار المحدثات إذا تَسَاهَلَ فيها أهلُ العلم هي طريقٌ إلى الوقوع في الأمور الكبار.

الأمر الثاني: أن كلَّ الفِرَقِ التي ظَهَرَتْ في التاريخ تبدأ بِدَعُها بأمور صغار، أو ببدع محدودة، ثم كما وصفهم النبي -صلى الله عليه وسلم-: «تَتَجَارَى بهم الأهواءُ، كما يَتَجَارَى الكَلَبُ بصاحبه»([109]) يعني: تَمْضي بهم الأهواء كما يمضي المرض الخطير بصاحبه، يأخذه رويداً رويداً حتى يُهْلِكَهُ، وقد يبدأ دون أن يَشْعُر به صاحبه، أو يَشْعُر به الناس، ثم إذا ظهرت مظاهر المرض، ولم تُعَالَج بسرعة؛ فإنها تَفْتِكُ بالإنسان حتى يَهْلِكْ.

قال -حفظه الله: ومِصْدَاقُ ذلك واقعٌ في كل الفِرَقِ التي أصبحت الآن فِرَقاً كباراً؛ فَرَّقَت الأمةَ، وأَنْهَكَتْها، ولا تزال تُفَرِّق، وتَتَشَعَّب على الأمة إلى يومنا هذا، فالفِرَقُ الكبرى أولُها الخوارجُ، ومشكلتهم الأولى في مرتكب الكبيرة، حينما زعموا أن علي بن أبي طالب ومعاوية -رضي الله عنهما- حَكَّمَا الرجال، وقالوا: تحكيم الرجال كبيرة أو كُفْر، وهذا الكفر عندهم مُخْرِجٌ من الملة، فجعلوا الكبيرة كُفراً، ثم حَكَموا على صاحب الكبيرة بأحكام الكافر.

فالخوارج لم يكونوا يتكلمون عن غير هذه المسألة لمدة عقود من السنين، وما بدأت بهم الأهواء الأخرى إلا بعد منتصف القرن الأول الهجري، فقد ظهروا سنة (36هـ أو 37هـ) فظلوا إلى ما بعد سنة (60هـ) وهم لا يُعْرَفُ عنهم أنهم تكلموا إلا في مسائل محدودات، تتعلق بمرتكب الكبيرة، ثم بعد ذلك أصبحوا مُعَطِّلة؛ لأن قولهم بالحكم على مرتكب الكبيرة بالكفر أَدَّى بهم إلى القول بخلوده في النار، وأَدَّى بهم إلى أن يعتقدوا في المسلمين أنهم من المشركين والكفار، ثم أّدَّى بهم هذا إلى إنكار الشفاعة، ثم أّدَّى بهم هذا إلى إنكار الرؤية، ثم أّدَّى بهم هذا إلى إنكار الصفات، ثم أصبحوا الآن جهمية ومعتزلة.

ثم بعد ذلك يأتي القدرية: فالقدرية جاءت بكلمة واحدة، وهي قولهم: لا قَدَرَ، والأَمْرُ أُنُفٌ، يعني: لم يُقَدِّر اللهُ أفعالَ العباد، وهي مُسْتَأنَفَةٌ، ليس لها سابقُ تقديرٍ، ثم تجارَتْ بهم الأهواءُ حتى صارت القدريةُ مذاهب، وحتى انْدَمَجَت القدريَةُ مع المعطلة المعتزلة اندماجاً كاملاً؛ ففي القرن الثاني لا تعرف القدرية إلا أنها معتزلة.

وبدأت الجهمية بإنكار الاستواء، ثم تكلموا بعد ذلك في مسألة كلام الله –، ثم جاء الجعد وتكلم في ثلاث مسائل: الاستواء، والخُلَّةُ، والتكليم فقط، وجاء بعده الجهم فأعلن إنكار الأسماء، ثم بعد ذلك لم يقف الجهمية على مسألة الأسماء، فقالوا بالجبر، وقالوا بالإرجاء الغالي إلى آخره.

وهكذا بقية الفرق:

فالأشاعرة على سبيل المثال: وهم من المعاصرين، كانت مشكلتهم الأُولى في مسألة كلام الله –؛ وذلك إنهم جعلوا الكلام من لوازم ذات الله –، وقالوا: بأن الكلام قديم النوع، وليس حادثَ الآحاد، وقالوا بأن الكلام هو المْعَنى القائمُ بالنَّفْس، ولم يزيدوا عن هذا الأمر في عهد الأشعري، ثم تجارتْ بهم الأهواء حتى أصبحوا في عهد الشهرستاني والجويني والبغدادي والرازي جهمية، والآن أكثر مذاهب الجهمية موجودة في متكلمة الأشاعرة والماتريدية.

فهكذا تنسحب القاعدة حتى في العصور المتأخرة، فكثير من الفِرَقِ، أو الجماعاتِ، أو الأحزابِ، أو أصحابِ الشعارات التي ظَهَرَت الآن، صارَتْ أَقْرَبَ إلى الافتراق، وكانت بداياتُهم عن حُسْنِ نية، وفي مسائل معدودة، خالفوا فيها أهلَ العلم، ثم تجارَتْ بهم الأهواء، حتى قرروا مناهجَ، ووضعوا لأنفسهم أصولاً وشعاراتٍ، وصاروا يوالون عليها ويعادون، وهكذا.

فينبغي لطلاب العلم أن يَعُوا جيداً هذه المسألة، وألا يَسْتَهِينوا بصِغار المسائل والمخالفات لأهل العلم، أما أن يكون في الناس خلافٌ، أو يوجد خلافاتٌ في الأمور الخلافية السائغة؛ فهذا لا حَرَجَ فيه، وإنما المُشْكِلَةُ: الإصرارُ على أَمْرٍ يكون فيه خروجٌ عن المنهج حتى في المسائل الصغار، فمن خَرَجَ عن مناهج أهل العلم في وقته، فيُخْشَى أن يكون ممن بَذَرَ بِذْرَةَ الافتراق، وهو لا يَشْعُر، وما أظن -والله أعلم- أن أكثر الذين أَسَّسُوا الفِرَقَ يَظُنُّونها تَصِلُ إلى هذا المستوى من الافتراق عن السنة، لكن المسألة خَرَجَتْ عن حَدِّ ما أرادوا». اهـ

قلت: والسلف -رحمة الله عليهم- كانوا يُصَنِّفُون الكتب بقدر الحاجة لذلك، ولذا قَلَّ التصنيفُ في مسائل العقائد في الصدر الأول -عصر الصحابة والتابعين-؛ لأن العقائد الصحيحة كانت محل إجماع وتسليم، ولم يظهر التأليف فيها إلا مع ظهور البدع؛ فعندها حَظِيَ موضوعُ البدعة باهتمام كبير من قِبَلِ علماء الإسلام؛ لذا نجد الحديثَ عنه شائعا في أكثر علوم الشرع:

ففي الحديث وشروحه: تجد أبواب الاعتصام بالسنة، وذم البدع والأهواء، والتوحيد، والإيمان، وغير ذلك من الأبواب المختصة بالكلام عن البدعة، ويوجد الكلام عنها في كثير من الأبواب الحديثية الأخرى، بل كل باب من أبواب الحديث يَنُصُّ على سنة، يَلْزَمُ منه النهْيُ عما يخالفها من البدع والمحدثات.

وفي مصطلح الحديث: تجد الكلام عن حُكْم رواية المبتدع، ومتى يؤْخذ عنه، ومتى تردُّ روايته، وحكم الداعي إلى البدعة وغير الداعي إليها، ومن رَوَى منهم ما يُؤَيِّد بدعتَهَ، وغير ذلك.

وفي التفسير: تجد الكلام عن البدعة عند آيات الاعتصام وذم التفرق.

وفي الفقه: ذكروا حُكْمَ شهادة أهل الأهواء، وحُكْمَ المناكحة والمبايعة والإرث مع المبتدعة.

وفي أصول الفقه: تجد للبدعة علاقةً بأبواب الإجماع، والاستحسان، والمصالح المرسلة، وفي تعريف السنة، والاجتهاد والتقليد، وغير ذلك من المباحث والأبواب الأصولية.

وأما كُتُب العقيدة؛ أو كُتُب السنة، أو التوحيد، أو الإيمان، أو الإبانة لأصول الديانة، ومنهاج السنة، والرد على الزنادقة والجهمية… ونحو ذلك من أسماء؛ فتجد الكلام عن البدعة والمبتدعة في كل باب منها، وتجد التفصيل الشافي والكافي لإزالة الشبهات، وترسيخِ المُحْكَمات والبَيِّنات، وإثباتِ أن العقل الصريح لا يتناقض مع النقل الصحيح؛ وإثبات ضلال أهل البدع وحيْرتهم في المسائل اليقينية، وتَخَبُّطِهم واضطرابهم، والسببِ في ذلك، كإعراضهم عن السُّنن والآثار، واتباعِهم العَقْلَ والقياسَ المنطقيَّ العقليَّ، أو الذَّوْقَ والوَجْدَ… ونحو ذلك!!

وفي تراجم الرجال: تجد ذِكْر من جُرح بالبدعة، ومن رُدَّتْ روايته بسبب ابتداعه، ومن كان منهم في الأصل من أهل السنة، ومن ليس كذلك.

وفي كُتُب التاريخ: تجد سيرة المبتدعة أفراداً وفرقاً، وما أَحْدَثُوه من حروب وفتن، وما قام لهم من دول، وما وقع معهم من وقائع.

أما المؤلفاتُ التي تَكَلَّم أصحابُها عن البدعة؛ فهي تنقسم في تناولها لموضوع البدعة إلى أقسام:

القسم الأول: مؤلفاتٌ تَكَلَّمَتْ عن بدع محددة، وتناولتها بالرد والتبيين.

فقد بَدَأَ عِلْمُ الاعتقاد في التميز بالتدوين مع ظهور البدع، واشتداد وطأة الفِرَقِ المبتدعة، فأخذ أئمة المسلمين في تصنيف كتب تتضمن المسائل التي اختلف فيها المنتسبون إلى الإسلام، والتي يترتب على الاختلاف فيها تبديعُ المخالفِ أو تكفيرُهُ، وبَيَّنُوا فيها عقيدةَ أئمة السلف الصالح، أهل السنة والجماعة، وردوا على المخالفين من أهل البدع والأهواء.

لذلك فقد نشأت الكتابة في هذا العلم في صورة ردود على الفرق الضالة، فَكَتَبَ الإمامُ أحمد بن حنبل -ؒ- (241هـ) كتابَهُ «الرد على الزنادقة والجهمية»، وكَتَبَ الإمامُ البخاري -ؒ- (256هـ) كتابَهُ «الرد على الجهمية»، وكَتَبَ الإمامُ عثمان بن سعيد الدارمي -ؒ- (280هـ) كتابَهُ «الرد على بشر المريسي»، وفي الرد على الوعيدية -وهم الخوارج والمعتزلة-، وفي الردِّ على المرجئة كَتَبَ أبو عبيد القاسم بن سلَّام -ؒ- (224هـ) كتابَهُ «الإيمان»، وكذلك صنع أبو بكر أبي شيبة -ؒ- (235هـ)،

ومما أُلِّفَ في ذلك أيضاً: كتابُ «الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة» للإمام ابن قتيبة -ؒ-، و«الرد على من يقول: القرآن مخلوق» لأحمد بن سلمان النجاد أبي بكر -ؒ-، و«الرد على الجهمية» لمحمد بن إسحاق بن منده -ؒ-، و«رسالة السجزي»، وكتاب «الرد على من أنكر الحرف والصوت» لابن قدامة ولابن عقيل، و«إبطال التأويلات لأخبار الصفات» للقاضي أبي يعلى محمد بن الحسين الفراء -ؒ، وكتاب «منهاج السنة النبوية» لشيخ الإسلام ابن تيمية-ؒ-، و«درء تعارض العقل والنقل»، و«بيان تلبيس الجهمية» كلاهما له أيضاً، وكتاب «الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة» للإمام ابن القيم -ؒ-، و«اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية» للإمام ابن القيم -ؒ-، وكُتب ورسائل الإمام محمد بن عبد الوهاب وعلماء الدعوة النجدية -رحمهم الله- سلفًا وخلفًا، وكتاب «تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد» لشيخنا العلامة محمد ناصر الدين الألباني
-ؒ-، وكتاب «القول الفصل في حُكْم الاحتفال بمولد خير الرسُل»، للشيخ إسماعيل بن محمد الأنصاري، وكتاب «الرد القوي على الرفاعي، والمجهول، وابن علوي، وبيان أخطائهم في المولد النبوي»، للشيخ حمود ابن عبد الله التويجري -ؒ- .. وغيرها من الكتب التي تتعلق بالبدع العملية.

القسم الثاني: مؤلفات تكلمتْ عن جملة من البدع.

ومن هذه المؤلفات: كتاب «المدخل» لابن الحاج -ؒ-، وكتاب «الحوادث والبدع» لأبي بكر الطرطوشي المالكي -ؒ-، وكتاب «البدع» لابن التركماني -ؒ-، وكتاب «إصلاح المساجد من البدع والعوائد»، لعلامة الشام الشيخ محمد جمال الدين القاسمي -ؒ-، وكتاب «البدع الحولية» لعبد الله بن عبد العزيز بن أحمد التويجري -ؒ-، وغيرها كثير.

القسم الثالث: مؤلفات تكلمتْ عن البدع بنوع من الشمول: فتناولت تعريف البدعة، وأقسامها، وأحكامها، وأقسام المبتدعة، وأحكامهم، وغير ذلك من المسائل المتعلقة بقواعد النظر في مسألة البدعة، وقواعد التأصيل في حُكْمها وحُكْمِ فاعليها، وليست هذه المؤلفات على درجة واحدة في ذلك، بل بعضها أَشْمَلُ من بعض، وبعضها تَكَلَّم عن أكثر هذه المسائل التأصيلية، وبعضها لم يتجاوز إلا أجزاء يسيرة منها.

ومن هذه المؤلفات: كتاب «الباعث على إنكار البدع والحوادث»، للإمام أبي شامة، وكتاب «الإبداع في مضار الابتداع»، للشيخ علي محفوظ، وغيرهما.

القسم الرابع: مؤلَّفات عُنِيَتْ بمسائل التأصيل في النظر إلى البدعة والمبتدع، وهي على أقسام:

أ) مؤلفاتٌ تَكَلَّمَتْ بشمول وعُمْق عن سائر مسائل التأصيل هذه أو بعضها.

مثل «الاعتصام» للشاطبي -ؒ-، و«اقتضاء الصراط المستقيم» لشيخ الإسلام ابن تيمية -ؒ-، والرسائل التي خصصها شيخ الإسلام للكلام عن البدعة، مثل «رسالة العبادات الشرعية والفَرْق بينها وبين البدعية»، ومثل «قاعدة في تكفير أهل البدع والأهواء»، وغير ذلك من الرسائل والقواعد المبثوثة في «مجموع الفتاوى».

ب) مؤلفات اخْتُصِرَتْ، أو اقْتُبِسَتْ من المؤلفات التي اعْتَنَتْ بالتأصيل، مع زيادات يسيرة في هذا الباب.

ج) مؤلفات استقلَّتْ، فلم تُعْنَ بقضايا التأصيل، كالمؤلفات المذكورة سلفاً، ولكنها تُعَدُّ أصولاً اعتمد عليها مَنْ أَلَّفَ في البدعة، وأخذ عنها واقتبس منها، مثل: كتاب «الاعتصام» للإمام الشاطبي-ؒ-.

ويتضح مما سبق عنايةُ السلف والعلماء برد البدع والمقالات المنحرفة؛ لأن في هذه الطريقة إِفْحَاماً للمخالفين من أصحاب البدع، وكَسْرا لِشَوْكَتهم، وإِضْعافاً لهم، وكَشْفاً لتناقضهم؛ وفي هذا نصحٌ لأصحابها، وتبصير للمفتونين بحقيقتها، وتحصين لطلاب الحق والهدى.

ثالثاً: الدعوة لاتِّباع نُور السنة، والقيامِ بها ضِدَّ ضلالات المبتدعة وجهالاتهم.

وقد كان أهَمُّ ما سَلَكَه علماءُ السلف والخَلَف التابعين لهم في إنكار تلك البدع والمخالفات: التمسُّكَ بالآثار الشرعية، وعدمَ العدول عن منهجها في التعبد، قال تعالى: [ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ] {الأنعام:153}، وقال تعالى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ] {الأنفال:46} ولو ربطنا بين قوله تعالى: [ﭑ ﭒ ﭓ ] وبين قوله: [ﭔ ﭕ ﭖ ] لَوَصَلْنا إلى حقيقةٍ مفادُها: أن التمسك بالكتاب والسنة هو الطريق الوحيد للنجاة من الفُرْقَة والتنازع والفشل.

وقد أخرج الإمام مالك -ؒ- في «موطئه» عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «تَرَكْتُ فيكم أَمْرَيْنِ لن تَضِلُّوا ما تَمَسَّكْتُم بهما: كتابَ الله وسنةَ نبيه»([110]).

فالحديث هذا يُبين أن النجاة من الضلالة لا تكون إلا بالتمسك بنور الكتاب والسنة، فالنجاة من الضلالة لا تكون إلا بلزوم سُبل الهداية.

وقال الحسن بن ثواب -ؒ-: «قال لي أحمد بن حنبل: ما أَعْلَمُ الناسَ في زمان أَحْوَجَ منهم إلى طَلَبِ الحديث من هذا الزمان، قلتُ: وَلِمَ؟ قال: ظَهَرَتْ بِدَعٌ، فمَنْ لم يَكُنْ عنده حديثٌ؛ وَقَع فيها»([111]).

وقال الحسن بن أيوب البغدادي -ؒ-: «قيل لأبي عبد اللَّه أحمد بن حنبل: أحياك اللَّه يا أبا عبد اللَّه على الإسلام. قال: والسُّنة»([112]).

وقال المَرُّوذي -ؒ-: «قلت لأبي عبد اللَّه: من مات على الإسلام والسُّنَّة مات على خير؟ فقال لي: اسْكُتْ، من مات على الإسلام والسُّنَّة مات على الخير كُلِّه»([113]).

وقال الفضل بن زياد -ؒ-: «سمعت أبا عبد اللَّه يقول: مَنْ رَدَّ حديثَ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم-؛ فهو عَلَى شَفَا هَلَكَة»([114]).

وقال أحمد بن شهاب الإسفراييني -ؒ-: «سمعت أحمد بن حنبل، وسئل عَمَّنْ نَكْتُبُ في طريقنا؟ فقال: عليكم بهَنَّادٍ، وبسفيانَ بنِ وكيع، وبمكةَ ابنِ أبي عُمر، وإياكم أن تَكْتُبوا -يعني: عن أحد من أصحاب الأهواء، قليلا ولا كثيرًا؛ عليكم بأصحاب الآثار والسنن»([115]).

رابعاً: تَصْنِيفُ السلف كُتُباً في قواعد علوم الحديث، وضوابط المقبول من الحديث والمردود منه، وكُلُّ هذا يُضَيِّقُ المساحة التي تنتشر فيها البدع؛ فالأحاديث الضعيفة والمنكرة والموضوعة هي حَمَّالَةُ البدع:

قَالَ الْحَاكِمُ -ؒ-: «أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي لَمَّا رَأَيْتُ الْبِدَعَ فِي زَمَانِنَا كَثُرَتْ، وَمَعْرِفَةَ النَّاسِ بِأُصُولِ السُّنَنِ قَلَّتْ، مَعَ إِمْعَانِهِمْ فِي كِتَابَةِ الْأَخْبَارِ، وَكَثْرَةِ طَلَبِهَا عَلَى الْإِهْمَالِ وَالْإِغْفَالِ؛ دَعَانِي ذَلِكَ إِلَى تَصْنِيفِ كِتَابٍ خَفِيفٍ يَشْتَمِلُ عَلَى ذِكْرِ أَنْوَاعِ عِلْمِ الْحَدِيثِ، مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ طَلَبَةُ الْأَخْبَارِ، الْمُوَاظِبُونَ عَلَى كِتَابَةِ الْآثَارِ، وَأَعْتَمِدُ فِي ذَلِكَ سُلُوكَ الِاخْتِصَارِ، دُونَ الْإِطْنَابِ فِي الْإِكْثَارِ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِمَا قَصَدْتُهُ، والْمَانُّ فِي بَيَانِ مَا أَرَدْتُهُ، إِنَّهُ جَوَادٌ كَرِيمٌ، رَءُوفٌ رَحِيمٌ». اهـ([116])

وقال الخطيب البغدادي -ؒ-: «وَلَوْلاَ عِنَايَةُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ بِضَبْطِ السُّنَنِ وَجَمْعِهَا، وَاسْتِنْبَاطِهَا مِنْ مَعَادِنِهَا، وَالنَّظَرِ فِي طُرُقِهَا؛ لَبَطَلَتِ الشَّرِيعَةُ، وَتَعَطَّلَتْ أَحْكَامُهَا؛ إِذْ كَانَتْ مَسْتَخْرَجَةً مِنَ الآثَارِ الْمَحْفُوظَةِ، وَمُسْتَفَادَةً مِنَ السُّنَنِ الْمَنْقُولَةِ.

فَمَنْ عَرَفَ لِلإِسْلاَمِ حَقَّهُ، وَأَوْجَبَ لِلدِّينِ حُرْمَتَهُ؛ أَكْبَرَ أَنْ يَحْتَقِرَ مَنْ عَظَّمَ اللَّهُ شَأْنَهُ، وَأَعْلَى مَكَانَهُ، وَأَظْهَرَ حُجَّتَهُ، وَأَبَانَ فَضِيلَتَهُ، وَلَمْ يَرْتَقِ بِطَعْنِهِ إِلَى حِزْبِ الرَّسُولِ، وَأَتْبَاعِ الْوَحْيِ وَأَوْعِيَةِ الدِّينِ، وَخَزَنَةِ الْعِلْمِ، الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ، فَقَالَ: [ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ] {التوبة:100} وَكَفَى الْمُحَدِّثَ شَرَفًا، أَنْ يَكُونَ اسْمُهُ مَقْرُونًا بِاسْمِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ-، وَذِكْرُهُ مُتَّصِلاً بِذِكْرِهِ [ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ] {الحديد:21}. اهـ([117])

قلت: وبهذا يُعْلَم أن اتِّباعَ نُورِ الرسالة، ودعوةَ الناس إليها، وتعليمَهُم إياها؛ من أَعْظَم سُبُل رَدِّ البدع ودَحْضِها ودَحْرِها.

خامساً: مجادلَةُ أهلِ الباطل، ومعارَضَةُ كلِّ ما خالف دلالاتِ النصوص الشرعية من الشبهات الخَلَفِيَّة.

والمجادلة بوجه عام تنقسم إلى قسمين:

الأول: مجادلة محمودة: وهي ما كانت لإثبات الحق، أو دَفْعِ الباطل، أو للتعليم والاسْتِيضَاح فيما يُشْكِلُ من المسائل، وإزالة الشُّبهات، وهذا مأمورٌ به: إما وجوباً أو استحباباً بحسَب الحال؛ لقوله تعالى: [ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ] {النحل:125}.

الثاني: مجادلة مذمومة: وهي ما كانت لِرَدِّ الحق، أو لنُصْرة الباطل، أو لإِلْقاء الشبهات، أو كانت فيما نَهى الله -جل شأنه- ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عنه من الجدال، كالمجادلة بالمتشابه، أوفي الحق بعد ما تبين، أو الجدال بغير علم ولا فهم لمنهج أهل العلم والفهم، أو كانت لحظِّ المجادلة النفس؛ كإظهار الفطنة والذكاء وسعة العلم؛ أو مراءاةً للناس، وإعْجابًا وتِيهًا وزُهُوًّا وفخْرًا وتعاليًا، أو كانت المجادلة من أجل التعصب للرأي أو للمذهب أو للجماعة أو الحزب أو الشيخ… إلخ، أو في المسائل التي لا يمكن التوصل إلى الحق فيها؛ لقُصور العِلْمِ البشري عن إدراكها، أو كانت مجادلةً عقيمةً تُفْضِي إلى الفُرْقَة والتنازع، فالمجادلة في هذا كله ونحوه مذمومة وقبيحة، ومَنْهِيٌّ عنها؛ لقوله تعالى: [ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ] {غافر:5}([118])، وقوله تعالى: [ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ] {غافر:35}.

وبهذا يُعْلَم أن ما ثَبَتَ في النصوص وكلام السلف من الذم للجدال وأهله، والتحذير من مجادلة أهل البدع -ليس على عمومه، بل جاء الأمر ببعض صور المجادلة، والثناء عليها وعلى أهلها في بعض النصوص من الكتاب والسنة وكلام أهل العلم… فالمجادلة تكون محمودة أو مذمومة تبعاً لموضوع المجادلة، وقصْد صاحبها، وما تؤول إليه من ائتلاف أو تنازع واختلاف؛ فإن كانت المجادلة في أصل من أصول الدين، لا يمكن أن يظهر الحق فيه للخصم أو لغيره إلا بالمجادلة والمناظرة؛ فالمجادلة فيه ممدوحة، وقد جرى بذلك فِعْلُ السلف؛ فإنهم كانوا يناظرون أهلَ البدع في كثير من المسائل المتعلقة بأصول الدين؛ وقد اجتهدوا في دَفْعِ شبهاتهم وبيان خطئهم.

وقد اعتنى الحافظ ابن عبد البر -ؒ- بهذه المسألة حيث عَقَد في كتابه «جامع بيان العلم وفضله» باباً أورد فيه أدلةً كثيرةً على مشروعية المجادلة بالتي هي أحسن؛ فقال -ؒ-: «بَابُ إِتْيَانِ الْمُنَاظَرَةِ وَالْمُجَادَلَةِ وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ»:

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: [ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ] {البقرة:111}، وَقَالَ: [ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ] {الأنفال:42} وَالْبَينَةُ مَا بَانَ مِنَ الْحَقِ، وَقَالَ: [ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ] {يونس:68} قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: مِنْ حُجَّةٍ، قَالُوا: وَالسُّلْطَانُ: الْحُجَّةُ، وَقَالَ اللَّهُ –: [ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ] {الأنعام:149}، وَقَالَ: [ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ] {النحل:111}…وَقَالَ: [ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ] {البقرة:258} يَقُولُ: فَانْقَطَعَ وَخُصِمَ وَلَحِقَهُ الْبُهْتُ عِنْدَ أَخْذِ الْحُجَّةِ لَهُ، وَوَصَفَ اللَّهُ — خُصُومَةَ إِبْرَاهِيمَ -♠- قَوْمَهُ، وَرَدَّهُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى أَبِيهِ فِي عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ: [ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ] {الأنبياء:52} إِلَى قَوْلِهِ [ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ] {الأنبياء:67} الْآيَاتِ كُلِّهَا، وَنَحْوُ هَذَا فِي سُورَةِ الظُّلَّةِ([119]) [ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ] { الشعراء:70-73}، فَحَادُوا عَنْ جَوَابِ سُؤَالِهِ هَذَا -إِذِ انْقَطَعُوا وَعَجَزُوا عَنِ الْحُجَّةِ- فَقَالُوا: [ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ] {الشعراء:74}، وَهَذَا لَيْسَ بِجَوَابٍ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ، وَلَكِنَّهُ حَيْدَةٌ وَهُرُوبٌ عَمَّا لَزِمَهُمْ، وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ الِانْقِطَاعِ، وَقَالَ
–: [ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ] {الأنعام:83} قَالُوا: بِالْعِلْمِ وَالْحُجَّةِ، وَقَالَ فِي قِصَّةِ نُوحٍ -♠-: [ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ] {هود:32} الْآيَاتِ إِلَى قَوْلِهِ [ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ] {هود:35}، وَقَالَ فِي قِصَّةِ مُوسَى
-♠-: [ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ] {طه:49} الْآيَاتِ إِلَى قَوْلِهِ [ﮄ ﮅ ﮆ] {طه:55} وَكَذَلِكَ قَوْلُ فِرْعَوْنَ [ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ] {الشعراء:23} إِلَى قَوْلِهِ [ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ] {الشعراء:30} يَعْنِي -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- بِحُجَّةٍ وَاضِحَةٍ، أَدْحَضُ بِهَا حُجَّتَكَ، وَقَالَ –: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ] {يونس:34} إِلَى قَوْلِهِ: [ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ] {يونس:35} فَهَذَا كُلُّهُ تَعْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ — لِلسَّؤَالِ وَالْجَوَابِ وَالْمُجَادَلَةِ.

وَجَادَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَهْلَ الْكِتَابِ، وَبَاهَلَهُمْ بَعْدَ الْحُجَّةِ، قَالَ اللَّهُ –: [ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ] {آل عمران:59} الْآيَةَ، ثُمَّ قَالَ: [ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ] {آل عمران:61} الْآيَةَ…

وَجَادَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- الْيَهُودَ فِي جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ
— قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: كَانَ لِعُمَرَ أَرْضٌ بِأَعْلَى الْمَدِينَةِ، فَكَانَ يَأْتِيهَا، وَكَانَ طَرِيقُهُ عَلَى مَوْضِعِ مُدَارَسَةِ الْيَهُودِ، وَكَانَ كُلَّمَا مَرَّ دَخَلَ عَلَيْهِمْ، فَسَمِعَ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِمْ ذَاتَ يَوْمٍ؛ فَقَالُوا: يَا عُمَرُ، مَا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ أَحَدٌ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْكَ، إِنَّهُمْ يَمُرُّونَ بِنَا فَيُؤْذَونَنَا، وَتَمُرُّ بِنَا فَلَا تُؤْذِينَا، وَإِنَّا لَنَطْمَعُ فِيكَ، فَقَالَ لَهُمْ عُمَرُ: أَيُّ يَمِينٍ فِيكُمْ أَعْظَمُ؟ قَالُوا: الرَّحْمَنُ، قَالَ: فَبِالرَّحْمَنِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى بِطُورِ سَيْنَاءَ، أَتَجِدُونَ مُحَمَّدًا عِنْدَكُمْ نَبِيًّا؟ فَسَكَتُوا، قَالَ: تَكَلَّمُوا، مَا شَأْنُكُمْ؟ وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُكُمْ وَأَنَا شَاكٌّ فِي شَيْءٍ مِنْ دِينِي، فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ: أَخْبِرُوا الرَّجُلَ، أَوْ لَأُخْبِرَنَّهُ، قَالُوا: نَعَمْ، إِنَّا لَنَجِدُهُ مَكْتُوبًا عِنْدَنَا، وَلَكِنَّ صَاحِبَهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِي يَأْتِيهِ بِالْوَحْيِ هُوَ جِبْرِيلُ، وَجِبْرِيلُ عَدُوُّنَا، وَهُوَ صَاحِبُ كُلِّ قِتَالٍ وَعَذَابٍ وَخَسْفٍ، وَلَوْ أَنَّهُ كَانَ وَلِيُّهُ مِيكَائِيلَ؛ لَآمَنَّا بِهِ؛ فَإِنَّ مِيكَائِيلَ صَاحِبُ كُلِّ رَحْمَةٍ وَكُلِّ غَيْثٍ، قَالَ: فَأُنْشِدُكُمُ الرَّحْمَنَ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، أَيْنَ مِيكَائِيلُ وَأَيْنَ جِبْرِيلُ مِنَ اللَّهِ –؟ قَالُوا: جِبْرِيلُ عَنْ يَمِينِهِ وَمِيكَائِيلُ عَنْ يَسَارِهِ، قَالَ عُمَرُ: فَأَشْهَدُ أَنَّ الَّذِيَ هُوَ عَدُوٌّ لِلَّذِي عَنْ يَمِينِهِ عَدُوٌّ لِلَّذِي عَنْ يَسَارِهِ، وَالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لِلَّذِي عَنْ يَسَارِهِ عَدُوٌّ لِلَّذِي عَنْ يَمِينِهِ، وَأَنَّهُ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لَهُمَا؛ فَإِنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ، ثُمَّ رَجَعَ عُمَرُ لِيُخْبِرَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- فَوَجَدَ جِبْرِيلَ -♠- قَدْ سَبَقَهُ بِالْوَحْيِ، فَدَعَاهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- فَقَرَأَ عَلَيْهِ: [ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ] {البقرة:97، 98} الْآيَاتِ، فَقَالَ عُمَرُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَقَدْ جِئْتُ وَمَا أُرِيدُ إِلَّا أَنْ أُخْبِرَكَ([120]).

فَهَذَا مِمَّا صَدَّقَ اللَّهُ — فِيهِ قَوْلَ عُمَرَ وَاحْتِجَاجَهُ، وَهُوَ بَابٌ مِنَ الِاحْتِجَاجِ لَطِيفٌ، مَسْلُوكٌ عِنْدَ أَهْلِ النَّظَرِ، وَتَرَكْنَا إِسْنَادَ هَذَا الْخَبَرِ وَسَائِرِ مَا أَوْرَدْنَاهُ مِنَ الْأَخْبَارِ فِي هَذَا الْبَابِ وَالْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ؛ لِشُهْرَتِهَا فِي التَّفَاسِيرِ وَالْمُصَنَّفَاتِ…»([121]). اهـ إلى آخر هذا الباب.

قال الشافعي – ؒ -: «قال كثير من أئمة السلف: ناظِرُوا القدريةَ بالعِلْمِ، فإن أَقَرُّوا به؛ خُصِمَوا، وإن جَحَدُوا؛ فقد كَفَروا»([122]).

وقد نَبَّهَ شيخ الإسلام ابن تيمية -ؒ- على أنه إذا ظهرت البدعة في محل؛ تصدى علماء السنة فيه لردها وإبطالها.

ففي «مجموع الفتاوى» قال -ؒ-: «ثُمَّ ظَهَرَ جَهْمٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَشْرِقِ مِنْ تِرْمِذَ، وَمِنْهَا ظَهَرَ رَأْيُ جَهْمٍ، وَلِهَذَا كَانَ عُلَمَاءُ السُّنَّةِ بِالْمَشْرِقِ أَكْثَرَ كَلَامًا فِي رَدِّ مَذْهَبِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ، مِثْلُ إبْرَاهِيمَ بْنِ طهمان، وَخَارِجَةَ بْنِ مُصْعَبٍ، وَمِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، وَأَمْثَالُهُمْ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي ذَمِّهِمْ مَالِكُ وَابْنُ الماجشون وَغَيْرُهُمَا، وَكَذَلِكَ الأوزاعي، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَغَيْرُهُمْ، وَإِنَّمَا اشْتَهَرَتْ مَقَالَتُهُمْ مِنْ حِينِ مِحْنَةِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ مِنْ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ؛ فَإِنَّهُمْ فِي إمَارَةِ الْمَأْمُونَ قَوُوا وَكَثُرُوا، فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ بِخُرَاسَانَ مُدَّةً، وَاجْتَمَعَ بِهِمْ، ثُمَّ كَتَبَ بِالْمِحْنَةِ مِنْ طرسوس سَنَةَ ثَمَانِيَةَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ، وَفِيهَا مَاتَ، وَرَدُّوا أَحْمَد إلَى الْحَبْسِ بِبَغْدَادَ إلَى سَنَةِ عِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَفِيهَا كَانَتْ مِحْنَتُهُ مَعَ الْمُعْتَصِمِ، وَمُنَاظَرَتُهُ لَهُمْ؛ فَلَمَّا رَدَّ عَلَيْهِمْ مَا احْتَجُّوا بِهِ، وَذَكَرَ أَنَّ طَلَبَهُمْ مِن النَّاسِ أَنْ يُوَافِقُوهُمْ وَامْتِحَانَهُمْ إيَّاهُمْ جَهْلٌ وَظُلْمٌ، وَأَرَادَ الْمُعْتَصِمُ إطْلَاقَهُ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ مَنْ أَشَارَ بِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ ضَرْبُهُ؛ لِئَلَّا تَنْكَسِرَ حُرْمَةُ الْخِلَافَةِ؛ فَلَمَّا ضَرَبُوهُ؛ قَامَت الشَّنَاعَةُ فِي الْعَامَّةِ؛ وَخَافُوا؛ فَأَطْلَقُوهُ، وَكَانَ ابْنُ أَبِي دؤاد قَدْ جَمَعَ لَهُ نفاةَ الصِّفَاتِ مِنْ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ»([123]). اهـ

ومعلوم أن البدع ودعاتها سَبَبٌ في زوال الدول، وذَهاب قُوتها وهَيْبَتها:

فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية -ؒ-: «والْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ دَوْلَةَ بَنِي أُمَيَّةَ كَانَ انْقِرَاضُهَا بِسَبَبِ هَذَا الْجَعْدِ الْمُعَطِّلِ وَغَيْرِهِ مِن الْأَسْبَابِ الَّتِي أَوْجَبَتْ إدْبَارَهَا؛ وَفِي آخِرِ دَوْلَتِهِمْ ظَهَرَ الْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ بِخُرَاسَانَ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّ أَصْلَهُ مِنْ تِرْمِذَ؛ وَأَظْهَرَ قَوْلَ الْمُعَطِّلَةِ الْنُّفَاةِ الْجَهْمِيَّة، وَقَدْ قُتِلَ فِي بَعْضِ الْحُرُوبِ، وَكَانَ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ بِالْمَشْرِقِ أَعْلَمَ بِحَقِيقَةِ قَوْلِهِ مِنْ عُلَمَاءِ الْحِجَازِ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ، وَلِهَذَا يُوجَدُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ وَغَيْرِهِ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِالْمَشْرِقِ مِن الْكَلَامِ فِي الْجَهْمِيَّة أَكْثَرُ مِمَّا يُوجَدُ لِغَيْرِهِمْ، مَعَ أَنَّ عَامَّةَ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ تَكَلَّمُوا فِيهِمْ، وَلَكِنْ لَمْ يَكُونُوا ظَاهِرِينَ إلَّا بِالْمَشْرِقِ، لَكِنْ قَوِيَ أَمْرُهُمْ لَمَّا مَاتَ الرَّشِيدُ، وَتَوَلَّى ابْنُهُ الْمُلَقَّبُ بِالْمَأْمُونِ بِالْمَشْرِقِ، وَتَلَقَّى عَنْ هَؤُلَاءِ مَا تَلَقَّاهُ؛ ثُمَّ لَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ؛ اجْتَمَعَ بِكَثِيرِ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَدَعَا إلَى قَوْلِهِمْ فِي آخِرِ عُمُرِهِ، وَكَتَبَ إلَى بَغْدَادَ وَهُوَ بِالثَّغْرِ بطرسوس الَّتِي بِبَلَدِ سِيسَ -وَكَانَتْ إذْ ذَاكَ أَعْظَمَ ثُغُورِ بَغْدَادَ، وَمِنْ أَعْظَمِ ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ، يَقْصِدُهَا أَهْلُ الدِّينِ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَيُرَابِطُونَ بِهَا، رَابَطَ بِهَا الْإِمَامُ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وَالسَّرِيُّ السقطي وَغَيْرُهُمَا، وَتَوَلَّى قَضَاءَهَا أَبُو عُبَيْدٍ، وَتَوَلَّى قَضَاءَهَا أَيْضًا صَالِحُ بْنُ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ، وَلِهَذَا ذُكِرَتْ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ كَثِيرًا، فَإِنَّهَا كَانَتْ ثَغْرًا عَظِيمًا، فَكَتَبَ مِن الثَّغْرِ- إلَى نَائِبِهِ بِبَغْدَادَ إسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُصْعَبٍ كِتَابًا، يَدْعُو النَّاسَ فِيهِ إلَى أَنْ يَقُولُوا: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ، فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، ثُمَّ كَتَبَ كِتَابًا ثَانِيًا يَأْمُرُ فِيهِ بِتَقْيِيدِ مَنْ لَمْ يُجِبْهُ وَإِرْسَالِهِ إلَيْهِ، فَأَجَابَ أَكْثَرُهُمْ، ثُمَّ قَيَّدُوا سَبْعَةً لَمْ يُجِيبُوا، فَأَجَابَ مِنْهُمْ خَمْسَةٌ بَعْدَ الْقَيْدِ، وَبَقِيَ اثْنَانِ لَمْ يُجِيبَا: الْإِمَامُ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ نُوحٍ؛ فَأَرْسَلُوهُمَا إلَيْهِ، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَا إلَيْهِ، ثُمَّ أَوْصَى إلَى أَخِيهِ أَبِي إسْحَاقَ، وَكَانَ هَذَا سَنَةَ ثَمَانِي عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ، وَبَقِيَ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ فِي الْحَبْسِ إلَى سَنَةِ عِشْرِينَ، فَجَرَى مَا جَرَى مِن الْمُنَاظَرَةِ، حَتَّى قَطَعَهُمْ بِالْحُجَّةِ، ثُمَّ لَمَّا خَافُوا الْفِتْنَةَ؛ ضَرَبُوهُ وَأَطْلَقُوهُ»([124]). اهـ

وقال -ؒ-: «وَيَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْأُمُورَ الْمَعْلُومَةَ مِنْ دِينِ الْمُسْلِمِينَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ عَمَّا يُعَارِضُهَا جَوَابًا قَاطِعًا لَا شُبْهَةَ فِيهِ؛ بِخِلَافِ مَا يَسْلُكُهُ مَنْ يَسْلُكُهُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ، فَكُلُّ مَنْ لَمْ يُنَاظِرْ أَهْلَ الْإِلْحَادِ وَالْبِدَعِ مُنَاظَرَةً تَقْطَعُ دَابِرَهُمْ؛ لَمْ يَكُنْ أَعْطَى الْإِسْلَامَ حَقَّهُ، وَلَا وَفَّى بِمُوجَبِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ، وَلَا حَصَلَ بِكَلَامِهِ شِفَاءُ الصُّدُورِ، وَطُمَأْنِينَةُ النُّفُوسِ، وَلَا أَفَادَ كَلَامُهُ الْعِلْمَ وَالْيَقِينَ، وَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ الْإِيمَانَ بِالرَّسُولِ وَالْجِهَادَ مَعَهُ، وَمِن الْإِيمَانِ بِهِ: تَصْدِيقُهُ فِي كُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ، وَمِن الْجِهَادِ مَعَهُ: دَفْعُ كُلِّ مَنْ عَارَضَ مَا جَاءَ بِهِ، وَأَلْحَدَ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ وَآيَاتِهِ. اهـ([125])

نماذج من مناظرات السلف والعلماء لأهل البدع:

ومناظرتُهم -رحمة الله عليهم- لأهل البدع أَشْهَرُ من أن تُذْكَر، فمنها:

مناظرة عليّ وابن عباس -رضي الله عنهما- للخوارج، على ما هو مبسوط في كتب السنة والفِرَقِ.

قال ابن عبد البر -ؒ-: حدثنا أحمد بن محمد، قال: حدثنا محمد ابن عيسى، قال: حدثنا بكر بن سهل، قال: حدثنا نعيم بن حماد، قال: حدثنا محمد بن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن أبي البختري والشعبي وأصحاب علي، عن علي، أنه لما ظهر على البصرة يوم الجمل؛ جَعَلَ لهم ما في عسكر القوم من السلاح، ولم يجعل لهم غير ذلك، فقالوا: كيف تَحِلُّ لنا دماؤهم، ولا تَحِلُّ لنا أموالُهم ولا نساؤهم؟

قال: هاتوا سهامكم، فأقرعوا على عائشة، فقالوا: نستغفر الله، فخَصَمَهُم علي، وعَرَّفَهُم أنها إذا لم تَحِلَّ؛ لم تَحِلَّ بنوها.

والصحيح أن عليًّا -♠- لم يغنم شيئا من أموال أهل الجمل وصِفِّين، إلا أن السلاح أمر بنَزْعِها منهم ونَقْلِها([126]).

وقد بوب الإمام النسائي –ؒ– باباً، قال فيه:

ذِكْرُ مُنَاظَرَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ الْحَرُورِيَّةَ، وَاحْتِجَاجِهِ فِيمَا أَنْكَرُوهُ عَلَى أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ: عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-:

أَخبَرنا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ: حَدَّثنا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو زُمَيْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا خَرَجَتِ الْحَرُورِيَّةُ؛ اعْتَزَلُوا فِي دَارٍ، وَكَانُوا سِتَّةَ آلاَفٍ، فَقُلْتُ لِعَلِيٍّ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَبْرِدْ بِالصَّلاَةِ؛ لَعَلِّي أُكَلِّمُ هَؤُلاَءِ الْقَوْمَ، قَالَ: إِنِّي أَخَافُهُمْ عَلَيْكَ، قُلْتُ: كَلاَّ، فَلَبِسْتُ وَتَرَجَّلْتُ، وَدَخَلْتُ عَلَيْهِمْ فِي دَارٍ نِصْفَ النَّهَارِ، وَهُمْ يَأْكُلُونَ، فَقَالُوا: مَرْحَبًا بِكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، فَمَا جَاءَ بِكَ؟ قُلْتُ لَهُمْ: أَتَيْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-، المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَمِنْ عِنْدِ ابْنِ عَمِّ النَّبِيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- وَصِهْرِهِ، وَعَلَيْهِمْ نَزَلَ الْقُرْآنُ، فَهُمْ أَعْلَمُ بِتَأْوِيلِهِ مِنْكُمْ، وَلَيْسَ فِيكُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ؛ لأُبَلِّغَكُمْ مَا يَقُولُونَ، وَأُبَلِّغَهُمْ مَا تَقُولُونَ، فَانْتَحَى لِي نَفَرٌ مِنْهُمْ، قُلْتُ: هَاتُوا مَا نَقِمْتُمْ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-، وَابْنِ عَمِّهِ، قَالَوا: ثَلاَثٌ، قُلْتُ: مَا هُنَّ؟ قَالُوا: أَمَّا إِحْدَاهُنَّ: فَإِنَّهُ حَكَّمَ الرِّجَالِ فِي أَمْرِ اللهِ، وَقَالَ اللهُ: [ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ] {الأنعام:57} مَا شَأْنُ الرِّجَالِ وَالْحُكْمِ؟ قُلْتُ: هَذِهِ وَاحِدَةٌ؟

قَالُوا: وَأَمَّا الثَّانِيَةُ: فَإِنَّهُ قَاتَلَ وَلَمْ يَسْبِ، وَلَمْ يَغْنَمْ، إِنْ كَانُوا كُفَّارًا؛ لَقَدْ حَلَّ سِبَاهُمْ، وَلَئِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ؛ مَا حَلَّ سِبَاهُمْ، وَلاَ قِتَالُهُمْ، قُلْتُ: هَذِهِ ثِنْتَانِ؟ فَمَا الثَّالِثَةُ؟ وَذَكَرَ كَلِمَةً مَعْنَاهَا، قَالُوا: مَحَى نَفْسَهُ مِنْ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؛ فَهُوَ أَمِيرُ الْكَافِرِينَ!!!

قُلْتُ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ غَيْرُ هَذَا؟ قَالُوا: حَسْبُنَا هَذَا، قُلْتُ لَهُمْ: أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ قَرَأْتُ عَلَيْكُمْ مِنْ كِتَابِ اللهِ -جَلَّ ثَنَاؤُهُ- وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ، مَا يَرُدُّ قَوْلَكُمْ، أَتَرْجِعُونَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قُلْتُ: أَمَّا قَوْلُكُمْ: حَكَّمَ الرِّجَالَ فِي أَمْرِ اللهِ؛ فَإِنِّي أَقْرَأُ عَلَيْكُمْ فِي كِتَابِ اللهِ، أَنْ قَدْ صَيَّرَ اللهُ حُكْمَهُ إِلَى الرِّجَالِ فِي ثَمَنِ رُبْعِ دِرْهَمٍ، فَأَمَرَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنْ يَحْكُمُوا فِيهِ، أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: [ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ] {المائدة:95}، وَكَانَ مِنْ حُكْمِ اللهِ، أَنَّهُ صَيَّرَهُ إِلَى الرِّجَالِ، يَحْكُمُونَ فِيهِ، وَلَوْ شَاءَ لَحَكَمَ فِيهِ، فَجَازَ فِيهِ حُكْمُ الرِّجَالِ، أَنْشُدُكُمْ بِاللهِ: أَحُكْمُ الرِّجَالِ فِي صَلاَحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَحَقْنِ دِمَائِهِمْ، أَفْضَلُ أَوْ فِي أَرْنَبٍ؟ قَالُوا: بَلَى، هَذَا أَفْضَلُ، وَفِي المَرْأَةِ وَزَوْجِهَا: [ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ] {النساء:35}، فَنَشَدْتُكُمْ بِاللهِ: حُكْمُ الرِّجَالِ فِي صَلاَحِ ذَاتِ بَيْنِهِمْ، وَحَقْنِ دِمَائِهِمْ، أَفْضَلُ مِنْ حُكْمِهِمْ فِي بُضْعِ امْرَأَةٍ؟ خَرَجْتُ مِنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قُلْتُ: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: قَاتَلَ وَلَمْ يَسْبِ، وَلَمْ يَغْنَمْ، أَفَتَسْبُونَ أُمَّكُمْ عَائِشَةَ؟ تَسْتَحِلُّونَ مِنْهَا مَا تَسْتَحِلُّونَ مِنْ غَيْرِهَا؟ وَهِيَ أُمُّكُمْ، فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّا نَسْتَحِلُّ مِنْهَا مَا نَسْتَحِلُّ مِنْ غَيْرِهَا؛ فَقَدْ كَفَرْتُمْ، وَإِنْ قُلْتُمْ: لَيْسَتْ بِأُمِّنَا؛ فَقَدْ كَفَرْتُمْ: [ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ] {الأحزاب:6} فَأَنْتُمْ بَيْنَ ضَلاَلَتَيْنِ؛ فَأْتُوا مِنْهَا بِمَخْرَجٍ، أَفَخَرَجْتُ مِنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: نَعَمْ، وَأَمَّا: مَحْيُ نَفْسِهِ مِنْ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ؛ فَأَنَا آتِيكُمْ بِمَا تَرْضَوْنَ؛ إِنَّ نَبِيَّ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، صَالَحَ المُشْرِكِينَ، فَقَالَ لِعَلِيٍّ: «اكْتُبْ يَا عَلِيُّ: هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ»، قَالُوا: لَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ مَا قَاتَلْنَاكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-: «امْحُ يَا عَلِيُّ، اللهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ، امْحُ يَا عَلِيُّ، وَاكْتُبْ: هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ»، وَاللهِ، لَرَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- خَيْرٌ مِنْ عَلِيٍّ، وَقَدْ مَحَى نَفْسَهُ، وَلَمْ يَكُنْ مَحْوُهُ نَفْسَهُ ذَلِكَ مَحَاهُ مِنَ النُّبُوَّةِ، أَخْرَجْتُ مِنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: نَعَمْ؛ فَرَجَعَ مِنْهُمْ أَلْفَانِ، وَخَرَجَ سَائِرُهُمْ؛ فَقُتِلُوا عَلَى ضَلاَلَتِهِمْ، فَقَتَلَهُمُ المُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ([127]).

ومناظرة عمر بن عبد العزيز – ؒ – لغيلان الدمشقي القَدَرِي حتى انقطع، وأَعْلَنَ التوبة، إلا أنه عاد بعد موت عمر -ؒ-.

ففي «السنة» لعبد الله بن أحمد: قَالَ حَوْثَرَةُ: وَحَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْخَطْمِيِّ، قَالَ: قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، -ؒ-: إِنَّ غَيْلَانَ يَقُولُ فِي الْقَدَرِ كَذَا وَكَذَا، فَمَرَّ بِهِ فَقَالَ: «أَخْبِرْنِي عَنِ الْعِلْمِ؟» فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ، فَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا هِيَ عَامِلَةٌ، وَإِلَى مَا هِيَ صَائِرَةٌ؟» فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ قُلْتَ غَيْرَ هَذَا؛ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ، اذْهَبِ الْآنَ؛ فَاجْهَدْ جَهْدَكَ»([128]).

وقال: حَدَّثَنِي أَبِي، نا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، أَنْبَأَنَا خُصَيْفٌ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، لِغَيْلَانَ: أَلَسْتَ تُقِرُّ بِالْعِلْمِ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَمَا تُرِيدُ مَعَ أَنَّ اللَّهَ — يَقُولُ: [ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ] { الصافات:161-163}([129]).

وقال عبد الله بن أحمد: حَدَّثَنِي أَبِي، نا مُؤَمَّلٌ، نا حَمَّادٌ -يَعْنِي: ابْنَ سَلَمَةَ-، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْخَطْمِيُّ، قَالَ: شَهِدْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَقَدْ دَعَا غَيْلَانَ لِشَيْءٍ بَلَغَهُ فِي الْقَدَرِ، فَقَالَ لَهُ: «وَيْحَكَ يَا غَيْلَانُ، مَا هَذَا الَّذِي بَلَغَنِي عَنْكَ؟ قَالَ: يُكْذَبُ عَلَيَّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَيُقَالُ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ؟ قَالَ: مَا تَقُولُ فِي الْعِلْمِ؟ قَالَ: قَدْ نَفِدَ الْعِلْمُ، قَالَ: فَأَنْتَ مَخْصُومٌ، اذْهَبِ الْآنَ فَقُلْ مَا شِئْتَ، وَيْحَكَ يَا غَيْلَانُ، إِنَّكَ إِنْ أَقْرَرْتَ بِالْعِلْمِ؛ خُصِمْتَ، وَإِنْ جَحدْتَهُ؛ كَفَرْتَ، وَإِنَّكَ إِنْ تُقِرَّ بِهِ فَتُخْصَمَ؛ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجْحَدَهُ فَتَكْفُرَ، ثُمَّ قَالَ: تَقْرَأَ يَاسين؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: اقْرَأْ [ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ] {يس:1، 2}، فَقَرَأَ [ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ] إِلَى قَوْلِهِ: [ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ] {يس:7} قَالَ: قِفْ، كَيْفَ تَرَى؟ قَالَ: كَأَنِّي لَمْ أَقْرَأْ هَذِهِ الْآيَةَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: زِدْ، فَقَرَأَ [ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ] { يس:8-9} قَالَ: قَالَ عُمَرُ -ؒ-: قُلْ: [ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ] { يس:9- 10} قَالَ: كَيْفَ تَرَى؟» قَالَ: كَأَنِّي لَمْ أَقْرَأْ هَذِهِ الْآيَاتِ قَطُّ، وَإِنِّي لَأُعَاهِدُ اللَّهَ أَنْ لَا أَتَكَلَّمَ فِي شَيْءٍ مِمَّا كُنْتُ أَتَكَلَّمُ فِيهِ أَبَدًا، قَالَ: «اذْهَبْ، فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ كَاذِبًا فِيمَا قَالَ؛ فَأَذِقْهُ حَرَّ السِّلَاحِ، قَالَ: فَلَمْ يَتَكَلَّمْ زَمَنَ عُمَرَ -ؒ-، فَلَمَّا كَانَ زَمَنَ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ؛ جَاءَ رَجُلٌ لَا يَهْتَمُّ لِهَذَا، وَلَا يَنْظُرُ فِيهِ، فَتَكَلَّمَ غَيْلَانُ، فَلَمَّا وُلِّيَ هِشَامٌ؛ أَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ عَاهَدْتَ اللَّهَ — لِعُمَرَ أَنْ لَا تَتَكَلَّمَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ أَبَدًا،؟ قَالَ: أَقِلْنِي؛ فَوَاللَّهِ لَا أَعُودُ، قَالَ: لَا أَقَالَنِي اللَّهَ إِنْ أَقَلْتُكَ، هَلْ تَقْرَأُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاقْرَأْ، فَقَرَأَ [ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ] {الفاتحة:2-5} قَالَ: قِفْ؛ عَلَامَ اسْتَعَنْتَهُ عَلَى أَمْرٍ بِيَدِهِ لَا تَسْتَطِيعُهُ إِلَّا بِهِ، أَوْ عَلَى أَمْرٍ فِي يَدِكَ أَوْ بِيَدِكَ؟ اذْهَبُوا بِهِ؛ فَاقْطَعُوا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَاضْرِبُوا عُنُقَهُ، وَاصْلُبُوهُ»([130]).

قال عبد الله بن أحمد: حَدَّثَنِي سَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، قَالَ: «أَنَا رَأَيْتُ غَيْلَانَ مَصْلُوبًا عَلَى بَابِ دِمَشْقَ»([131]).

وفي «الكنى والأسماء» للدولابي: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ حَدَّثَنَا دُرُسْتُ بْنُ زِيَادٍ أَبُو الْحَسَنِ، قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَغَيْلَانُ قَاعِدٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: يَا غَيْلَانُ، وَيْلَكَ مَا الَّذِي أَحْدَثْتَ فِي الْإِسْلَامِ؟ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا أَحْدَثْتُ فِي الْإِسْلَامَ شَيْئًا , قَالَ: بَلَى قَوْلُكَ فِي الْقَدَرِ([132]).

وفي «المجالسة وجواهر العلم»: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، نا أَبُو إِسْمَاعِيلَ، نا نُعَيْمٌ، نا عَبْدُ السَّلامِ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ؛ قَالَ: لَقِيتُ غَيْلانَ الْقَدَرِيَّ، فَقُلْتُ لَهُ: مَنْ كَانَ أَشَدَّ النَّاسِ عَلَيْكَ كَلامًا؟ فَقَالَ: كَانَ أَشَدُّ النَّاسِ عَلَيَّ كَلامًا عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، كَأَنَّهُ يُلَقَّنُ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَقَدْ كُنْتُ أَطْلُبُ لَهُ مَسَائِلَ أَعْنِتُهُ فِيهَا؛ فَبَيْنَا أَنَا ذَاتَ يَوْمٍ فِي السُّوقِ؛ إِذَا دَرَاهِمُ بِيضٍ، يُقَلِّبُهَا الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ وَالْحَائِضُ وَالْجُنُبُ، قُلْتُ: إِنْ يَكُنْ يَوْمٌ أَظْفَرُ بِهِ؛ فَالْيَوْمَ، قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! هَذِهِ الدَّرَاهِمُ الْبِيضُ فِيهَا كِتَابُ اللهِ يُقَلِّبُهَا الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ وَالْحَائِضُ وَالْجُنُبُ؛ فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَأْمُرَ بِمَحْوِهَا! فَقَالَ لِي: أَرَدْتَ أَنْ تَحْتَجَّ عَلَيْنَا الأُمَمُ أَنْ غَيَّرْنَا تَوْحِيدَ رَبِّنَا — وَاسْمَ نَبِيِّنَا -♠-؟ ! قَالَ: فَبُهِتُّ؛ فَلَمْ أَدْرِ مَا أَرُدُّ عَلَيْهِ([133]).

وناظر عمرُ بن عبد العزيز -ؒ- أيضًا الخوارج على ما نَقَلَ ذلك ابنُ عبد البر -ؒ-:

فقال أبو عمر ابنُ عبد البرؒ-: أخبرنا أحمد بن محمد، قال: حدثنا محمد بن عيسى، قال: حدثنا بكر بن سهل، قال: حدثنا نعيم بن حماد، قال: حدثنا عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار، قال: حدثنا هشام بن يحيى الغساني، عن أبيه، قال: خَرَجَت الحروريةُ بالموصل، فكَتَبْتُ إلى عمر بن عبد العزيز بمَخْرَجِهِم، فكَتَبَ إليّ يأْمرني بالكّفِّ عنهم، وأن أّدْعُوَ رجالا منهم، فأحْمِلَهم على مراكبَ من البريد، حتى يقدموا على عمر، فجادلهم، فإن يكونوا على الحق؛ اتَّبَعَهُم، وإن يكُنْ عمر على الحق؛ اتَّبَعُوه، وأَمَرني أَنْ أَرْتَهِنَ منهم رجالا، وأن أُعْطِيَهُم رَهْنًا يكون في أيديهم حتى تَنْقَضِيَ الأمور، وأَجَّلَهُم في سيرهم ومقامهم ثلاثة أشهر، فلما قدموا على عمر؛ أَمَر بنزولهم، ثم أَدخْلَهَم عليه؛ فجادَلَهم، حتى إذا لم يَجِدْ لهم حجةً؛ رَجَعَتْ طائفةٌ منهم، ونَزَعُوا عن رأيهم، وأجابوا عمر.

وقالت طائفة أخرى: لسنا نجيبك حتى تُكَفِّرَ أهلَ بيتك، وتَلْعَنَهُم، وتتبرأَ منهم.

فقال عمر: إنه لا يَسَعُكُم فيما خَرَجْتُم له إلا الصدق، أَعْلِمُوني هل تبرأْتُم من فرعون، أو لعنتموه، أو ذكرتموه في شيء من أموركم؟ قالوا: لا.

قال: فكيف وسِعَكُم تَرْكُه، ولم يَصِف الله عبدًا بأَخْبَثَ من صفته إياه؟ ولا يَسَعُنِي تَرْكُ أهلِ بيتي، ومنهم المُحْسِنُ والمُسِيءُ والمُخْطِئُ والمُصِيبُ… وذكر الحديث([134])

وأخبرنا أحمد، حدثنا محمد بن عيسى، قال: حدثنا بكر بن سهل، قال: حدثنا نعيم، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، قال: حدثنا جرير بن حازم، عن محمد بن سليم -أحد بني ربيعة بن حنظلة بن عدي- قال: بعثني عون بن عبد الله بن عبد العزيز إلى خوارج خرجت بالجزيرة، فذكر الخبر في مناظرة عمر للخوارج، وفيه: قالوا: خالفْتَ أهلَ بيتك، وسَمَّيْتَهُم الظلمَة، فإما أن يكونوا على الحق، أو يكونوا على الباطل، فإن زعمت أنك على الحق، وهم على الباطل؛ فالْعَنْهُم، وتَبَرَّأ منهم، فإن فَعَلْتَ؛ فنحن منك وأنت منا، وإن لم تَفْعَلْ؛ فلَسْتَ منا ولَسْنَا منك.

فقال عمر: إني قد عَلِمْتُ أنكم لن تتركوا الأهل والعشائر، وتَعَرَّضْتُم القَتْلَ والقتالَ إلا وأنتم تَرْون أنكم مصيبون، ولكنكم أخطأتم، وضللتم، وتركتم الحق، أخبروني عن الدين: أواحد أو اثنان؟ قالوا: لا بل واحد.

قال: فَلْيَسَعْكُم في دينكم شيءٌ يَعْجَزُ عنِّي!

قالوا: لا. قال: أخبروني عن أبي بكر وعمر، ما حالهما عندكم؟

قالوا: أفضل أسلافنا أبو بكر وعمر.

قال: ألستم تعلمون أن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لما تُوُفِّي؛ ارْتَدَّت العربُ، فقاتلهم أبو بكر، فَقَتَلَ الرجال، وسَبَى الذرية والنساء؟

قالوا: بلى. قال عمر بن عبد العزيز: فلما تُوُفِّي أبو بكر؛ قام عمر، رَدَّ النساء والذراري على عشائرهم. قالوا: بلى.

قال عمر: فهل تبرأ عمر من أبي بكر، ولَعَنَهُ بخلافه إياه؟ قالوا: لا.

قال: فتَتَولَّوْنَهما على اختلاف سيرتهما؟ قالوا: نعم.

قال عمر: فما تقولون في بلال بن مرداس؟ قالوا: من خير أسلافنا بلال بن مرداس.

قال: أفلستم قد علمتم أنه لم يزل كافا عن الدماء والأموال، وقد لطخ أصحابُهُ أيديَهْم في الدماء والأموال؟ فهل تبرأَتْ إحدى الطائفتين من الأخرى، أو لَعَنَتْ إحداهما الأخرى.

قالوا: لا. قال: فتتولَّوْنهما جميعا على اختلاف سيرتهما؟

قالوا: نعم. قال عمر: فأخبروني عن عبد الله بن وهب الراسبي حين خرج من البصرة هو وأصحابه، يريدون أصحابَكُم بالكوفة، فمروا بعبد الله بن خباب، فَقَتَلُوه، وبَقَروا بَطْنَ جاريته، ثم عَدَوْا على قوم من بني قطيعة، فقتلوا الرجال، وأخذوا الأموال، وغَلُّوا الأطفال في المراجل، وتأولوا قول الله: [ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ] {نوح:27}، ثم قدموا على أصحابهم من أهل الكوفة، وهم كافُّون عن الفروج والدماء والأموال، فهل تبرأَتْ إحدى الطائفتين من الأخرى، أو لَعَنَتْ إحداهما الأخرى؟ قالوا: لا. قال عمر: فتتولَّوْنهما على اختلاف سيرتهما؟ قالوا: نعم. قال عمر: فهؤلاء الذين اختلفوا بينهم في السيرة والأحكام لم يتبرأ بعضهم من بعض على اختلاف سيرتهم، ووسِعَهم ووسِعَكُم ذلك، ولا يَسَعُني حين خالفتُ أهلَ بيتي في الأحكام والسيرة؛ حتى ألعنهم وأتبرأ منهم، أخبروني عن اللعن، أَفَرْضٌ على العباد؟

قالوا: نعم. قال عمر لأحدهما: متى عَهْدُكَ بِلَعْن فرعون؟

قال: ما لي بذلك عَهْدٌ منذ زمان.

فقال عمر: هذا رأْسٌ من رءوس الكفر، ليس لك عَهْدٌ بلَعْنِهِ منذ زمان، وأنا لا يَسَعُني أَلْعَنَ من خالفتُهم من أهل بيتي؟… وذكر تمام الخبر([135]).

– قال أبو عمر: هذا عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه- وهو ممن جاء عنه التغليظ في النهي عن الجدال في الدين، وهو القائل: من جعل دينه غَرَضًا للخصومات؛ أَكْثَرَ التَّنَقُّل.

ولما اضطُّرَّ، وعَرَفَ الفَلَح([136]) في قوله، ورُجِىَ أن يَهْدِيَ الله به؛ لَزِمَهُ البيانُ، فَبَيَّنَ وجادل، وكان أَحَدَ الراسخين في العلم, -ؒ-([137]).

وناظر الأوزاعيُّ قدريًّا طلب المناظرة، فحَجَّه، وقد روى ذلك اللالكائي([138]).
وكذا الإمام الشافعي ناظر حَفْصاً الفَرْدَ؛ فَغَلَبَهُ.

فقد روى أبو نعيمؒ– في «الحلية»([139]) قال: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا السَّاجِيُّ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ، يَقُولُ: سُئِلَ الشَّافِعِيُّ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الْكَلَامِ؛ فَغَضِبَ، وَقَالَ: «سَلْ هَذَا حَفْصًا الْفَرْدَ وَأَصْحَابَهُ، أَخْزَاهُمُ اللَّهُ».

وقال: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا زَكَرِيَّا السَّاجِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا شُعَيْبٍ الْمِصْرِيُّ، يَقُولُ – وَأَثْنَى عَلَيْهِ الرَّبِيعُ خَيْرًا – قَالَ: حَضَرَتُ الشَّافِعِيَّ، وَعَنْ يَمِينِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَعَنْ يَسَارِهِ يُوسُفُ بْنُ عَمْرِو بْنِ يَزِيدَ، وَحَفْصٌ الْفَرْدُ حَاضِرٌ، فَقَالَ لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ: «مَا تَقُولُ فِي الْقُرْآنِ؟» قَالَ: أَقُولُ كَلَامُ اللَّهِ، قَالَ: «لَيْسَ إِلَّا؟» ثُمَّ سَأَلَ يُوسُفَ بْنَ عَمْرٍو، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَجَعَلَ النَّاسُ يُومِئُونَ إِلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ الشَّافِعِيَّ، فَقَالَ حَفْصٌ الْفَرْدُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، النَّاسُ يُحِيلُونَ عَلَيْكَ.

قَالَ: فَقَالَ: دَعِ الْكَلَامَ فِي هَذَا، قَالُوا: فَقَالَ لِلشَّافِعِيِّ: مَا تَقُولُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فِي الْقُرْآنِ؟ قَالَ: «أَقُولُ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ»، فَنَاظَرَهُ، وَتَحَارَبَا فِي الْكَلَامِ؛ حَتَّى كَفَّرَهُ الشَّافِعِيُّ، فَقَامَ حَفْصٌ مُغْضَبًا، فَلَقِيتُهُ مِنَ الْغَدِ فِي سُوقِ الدَّجَاجِ بِمِصْرَ، فَقَالَ لِي: رَأَيْتَ مَا فَعَلَ بِيَ الشَّافِعِيُّ أَمْسِ؟ كَفَّرَنِي، قَالَ: ثُمَّ مَضَى، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُ مَعَ هَذَا مَا أَعْلَمُ إِنْسَانًا أَعْلَمَ مِنْهُ([140]).

وقال: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ طَاهِرِ بْنِ حَرْمَلَةَ، ثَنَا جَدِّي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: كُنَّا عِنْدَ مُحَمَّدَ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ، فَقَالَ حَفْصٌ الْفَرْدُ – وَكَانَ صَاحِبَ كَلَامٍ -: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ. فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: «كَفَرْتَ»([141]).

وقال ابن عبد البرؒ-: وقال يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعي يوم ناظره حفصٌ الفردُ، قال لي: يا أبا موسى، لأن يَلْقَي الله
— العبدُ بكل ذنب ما خلا الشرك؛ خيرٌ من أن يلقاه بشيء من الكلام، لقد سمعت من حفص كلاما لا أَقْدِر أن أَحْكِيَهُ([142]).

وقال: حدثنا خلف بن قاسم، قال: حدثنا الحسن بن رشيق، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن سلامة، قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: ذكر لي الشافعي -ؒ- كثيرًا مما جرى بينه وبين حفصٍ الفرد يوم كَلَّمَهُ، ثم قال لي: اعْلَمْ أني اطَّلَعْتُ من أهل الكلام على شيء ما ظَنَنْتُهُ قط، ولأَنْ يُبْتَلَى المرءُ بكل ما نَهَى الله عنه ما عَدَا الشركَ؛ خَيْرٌ له من أن يَنْظُر في الكلام([143]).

وقال أبو نعيم -ؒ- في «الحلية»: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ زَكَرِيَّا السَّاجِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا يَعْقُوبَ الْبُوَيْطِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ، يَقُولُ: «إِنَّمَا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ بِكُنْ، فَإِذَا كَانَتْ مَخْلُوقَةً؛ فَكَأَنَّ مَخْلُوقًا خُلِقَ بِمَخْلُوقٍ»([144]).

وقال: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، ثَنَا أَبُو الطَّيِّبِ أَحْمَدُ بْنُ رَوْحٍ ثنا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَاسِينَ، ثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: جَاءَتْ أُمُّ بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ إِلَى الشَّافِعِيِّ، فَقَالَتْ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، إِنَّ ابْنِي هَذَا يُحِبُّكَ، وَإِنْ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ؛ أَجَلَّكَ، فَلَوْ نَهَيْتَهُ عَنْ هَذَا الرَّأْيِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، فَقَدْ عَادَاهُ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: «أَفْعَلُ»، فَشَهِدْتُ الشَّافِعِيَّ، وَقَدْ دَخَلَ عَلَيْهِ بِشْرٌ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: «أَخْبِرْنِي عَنْ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ؛ أَفِيهِ كِتَابٌ نَاطِقٌ، وَفَرْضٌ مُفْتَرَضٌ، وَسُنَّةٌ قَائِمَةٌ، وَوَجَبَ عَلَى النَّاسِ الْبَحْثُ فِيهِ، وَالسُّؤَالُ؟» فَقَالَ بِشْرٌ: لَيْسَ فِيهِ كِتَابٌ نَاطِقٌ، وَلَا فَرَضٌ مُفْتَرَضٌ، وَلَا سُنَّةٌ قَائِمَةٌ، وَلَا وَجَبَ عَلَى الناسِ الْبَحْثُ فِيهِ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَسَعُنَا خِلَافُهُ، فَقَالَ لَهُ الشَّافِعِيُّ: «قَدْ أَقْرَرْتَ عَلَى نَفْسِكَ الْخَطَأَ، فَأَيْنَ أَنْتَ عَنِ الْكَلَامِ فِي الْأَخْبَارِ وَالْفِقْهِ، وَتُوَافِيكَ النَّاسُ عَلَيْهِ وَتترُكُ هَذَا»؟ فَقَالَ: لَنَا فِيهِ تُهْمَةٌ، فَلَمَّا خَرَجَ بِشْرٌ؛ قَالَ الشَّافِعِيُّ: «لَا يُفْلِحُ»([145]).

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ، ثَنَا عَلِيُّ ابْنُ أَحْمَدَ الْخُوَارِزْمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَلْخٍ الشَّافِعِيَّ عَنِ الْإِيمَانِ، فَقَالَ لِلرَّجُلِ: «فَمَا تَقُولُ أَنْتَ فِيهِ». قَالَ: أَقُولُ: إِنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ. قَالَ: «وَمِنْ أَيْنَ؟ قُلْتَ» قَالَ: مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: [ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ] {البقرة:277}، فَصَارَتِ الْوَاوُ فَصْلًا بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ، فَالْإِيمَانُ قَوْلٌ، وَالْأَعْمَالُ شَرَائِعُهُ. فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَعِنْدَكَ الْوَاوُ فَصْلٌ؟» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَإِذًا كُنْتَ تَعْبُدُ إِلَهَيْنِ: إِلَهًا فِي الْمَشْرِقِ وَإِلَهًا فِي الْمَغْرِبِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ] {الرحمن:17}» فَغَضِبَ الرَّجُلُ، وَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، أَجَعَلْتَنِي وَثَنِيًّا؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: «بَلْ أَنْتَ جَعَلْتَ نَفْسَكَ كَذَلِكَ»، قَالَ: كَيْفَ؟ قَالَ: «بِزَعْمِكَ أَنَّ الْوَاوَ فَصْلٌ». فَقَالَ الرَّجُلُ: فَإِنِّي أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِمَّا قُلْتُ، بَلْ لَا أَعْبُدُ إِلَّا رَبًّا وَاحِدًا، وَلَا أَقُولُ بَعْدَ الْيَوْمِ إِنَّ الْوَاوَ فَصْلٌ، بَلْ أَقُولُ: إِنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، قَالَ الرَّبِيعُ: فَأَنْفَقَ عَلَى بَابِ الشَّافِعِيِّ مَالًا عَظِيمًا، وَجَمَعَ كُتُبَ الشَّافِعِيِّ، وَخَرَجَ مِنْ مِصْرَ سُنِّيًّا([146]).

ومن ذلك مناظرات الإمام أحمد للجهمية بمحضَر الخليفة، وهي مشهورة، ذَكَر بعضَها الإمامُ نَفْسُه في كتاب «الرد على الزنادقة والجهمية».
  • طَرَفٌ من مناظرات شيخ الإسلام ابن تيمية -ؒ-:

وإذا كان من المهم أن يُنْتَفَعَ بمناظرات الأئمة السابقين، وتجاربهم في مجادلة ومناظرة المخالفين؛ فإن مناظرات شيخ الإسلام ابن تيمية -ؒ- لمخالفيه أَكْثَرُ أهميةً، وأَعْظَمُ نَفْعاً، لا سيما مع هذا الانفتاح الهائل، والتواصل الدائم الذي يعيشه العالم الآن، فقد أَظْهَر ذلك انتشاراً لمختلف العقائد والأفكار، وأوقع الكثير من المناظرات والمحاورات، فإبراز هذه المناظرات يُعْطِي نماذجَ متميزةً، وتطبيقات عمليةً مُحْكَمَةً في هذا المقام.

وقد جمع الدكتور عبد العزيز بن محمد بن علي آل عبد اللطيف مناظرات شيخ الإسلام ابن تيمية -ؒ- لأهل الملل والنحل في كتابٍ مستقلٍّ، تحدث فيه عن براعة شيخ الإسلام ابن تيمية -ؒ- في المناظرات، وتقريره مشروعية المناظرات، وأن للمناظراتِ أحوالاً متنوعةً.

ثم ساق مناظرات لشيخ الإسلام ابن تيمية -ؒ- تُجاه النصارى في شِركهم، وتأْليههم المسيحَ، وقولهم بظهور اللاهوت في الناسوت.

ثم أَتْبَعَ ذلك بمناظرات شيخ الإسلام ابن تيمية -ؒ- لأهل الاتحاد ووحدة الوجود، والتي تتميّز بكثرتها وتنوّع مسائلها، وعَثَرَ الباحثُ على مناظرتين لشيخ الإسلام ابن تيمية مع القبوريين، إحداهما في شأن تعظيمهم الأحجار، والأخرى في غلوهم في قبور العُبَيْديين، ثم أوجز الباحث مناظرات شيخ الإسلام ابن تيمية -ؒ- للرفاعية نظراً لطولها وشهرتها، ثم أَعْقَبَ ذلك بمناظرتين للرافضة في مسائل الإمامة، وأما مناظراته نفاة الصفات؛ فقد وقف الباحث على أربع مناظرات.

وسنورد أمثلةً مختصرة في هذا الموضع، فمن ذلك:

1 – مناظرات شيخ الإسلام ابن تيمية -ؒ- للنصارى:

– حكى شيخ الإسلام مناظرته للنصارى في القاهرة، فقال: «لما قدمتُ القاهرة؛ اجتمع بي بعض معظَّميهم من الرهبان، وناظرني في المسيح ودين النصارى، حتى بيّنت له فساد ذلك، وأَجَبْتُهُ عما يَدَّعِيه من الحجة.

وكان من أواخر ما خاطَبْتُ به النصراني أن قلت له: أنتم مشركون، وبيّنت من شركهم ما هم عليه من العكوف على التماثيل والقبور، وعبادتها، والاستغاثة بها.

قال لي: نحن ما نُشرك بهم، ولا نعبد هم، وإنما نتوسل بهم، كما يفعل المسلمون إذا جاءوا إلى قبر الرجل الصالح، فيتعلقون بالشُّبَّاك الذي عليه، ونحو ذلك.

فقلت له: وهذا أيضاً من الشرك، ليس هذا من دين المسلمين، وإنْ فَعَلَه الجهالُ، فأَقَرَّ أنه شِرْكٌ، حتى إن قسيساً كان حاضراً في هذه المسألة، فلما سمعها قال: نعم، على هذا التقدير نحن مشركون»([147]).

– ولما سُجِنَ شيخ الإسلام -ؒ- بمصر سنة (707هـ)، حَصَلَتْ له مناظرة مع رهبان النصارى، كما أوردها تلميذه إبراهيم بن أحمد الغياني -ؒ- قائلاً: «ولما كان الشيخ في قاعة الترسيم([148])، دخل عنده ثلاثة رهبان من الصعيد، فناظرهم، وأقام عليهم الحجة بأنهم كفار، وأنهم ليسوا على الدين الذي كان عليه إبراهيم والمسيح، فقالوا له: نحن نعمل مثل ما تعملون، أنتم تقولون بالسيدة نفيسة، ونحن نقول بالسيدة مريم، قد أجمعنا نحن وأنتم على أن المسيح ومريم أفضل من الحسين ومن نفيسة، وأنتم تستغيثون بالصالحين الذين قَبْلَكُم، ونحن كذلك.

فقال لهم: وإنَّ مَنْ فَعَلَ ذلك؛ ففيه شَبَهٌ منكم، وهذا ما هو دين إبراهيم الذي كان عليه، فإن الدين الذي كان إبراهيم عليه: أن لا نعبد إلا الله وحده، لا شريك له، ولا نِدَّ له، ولا صاحبة له، ولا وَلَدَ له، ولا نُشرك معه مَلَكًا، ولا نبياً، ولا صالحاً، وإن الأمور التي لا يقدر عليها غير الله؛ لا تُطْلَبُ من غيره، مثل تفريج الكربات، وغفران الذنوب.

والأنبياء – عليهم الصلاة والسلام – نؤمن بهم، ونُعَظِّمُهم، ونُصَدِّقُهم في جميع ما جاءوا به، ونطيعهم، كما قال نوح وصالح وهود وشعيب: (أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون) فجعلوا العبادة والتقوى لله وحده، والطاعة لهم؛ فإن طاعتهم من طاعة الله، فلو كَفَرَ أحد بنبيّ من الأنبياء، وآمن بالجميع؛ ما نفعه إيمانه حتى يؤمن بذلك النبي، فلما سمعوا ذلك منه قالوا: الدين الذي ذكرته خير من الدين الذي نحن وهؤلاء عليه»([149]).

2- مناظرات شيخ الإسلام ابن تيمية -ؒ- لأهل الاتحاد ووحدة الوجود:

يقول شيخ الإسلام –ؒ: «وقد كان عندنا بدمشق الشيخ المشهور الذي يقال له «ابن هود»، وكان من أعظم من رأيناه من هؤلاء الاتحادية زهداً ومعرفة، وكان أصحابه يعتقدون فيه أنه الله، وأنه – أعنى «ابن هود» – هو المسيح بن مريم، ويقولون: إن أُمَّهُ كان اسُمها مريم، وكانت نصرانية، ويعتقدون أن قول النبي – صلى الله عليه وسلم – «يَنْزِلُ فيكم ابن مريم» هو هذا، وأن روحانية عيسى تَنْزِلُ عليه.

وقد ناظرني في ذلك من كان أفضلَ الناس إذْ ذاك معرفةً بالعلوم الفلسفية وغيرها، مع دخوله في الزهد والتصوف، وجَرَى لهم في ذلك مخاطباتٌ ومناظراتٌ يطول ذِكْرها، جَرَتْ بيني وبينهم، حتى بيّنتُ لهم فساد دعواهم بالأحاديث الصحيحة الواردة في نزول عيسى بن مريم، وأن ذلك الوصف لا ينطبق على هذا، وبيّنت فساد ما دخلوا فيه من القرمطة، حتى أظْهَرْتُ مباهَلَتَهم، وحَلَفْتُ لهم أن ما يَنْتَظِرونه من هذه لا يكون ولا يَتِمُّ، وأن الله لا يُتِمُّ أَمْرَ هذا الشيخ، فأَبَرَّ اللهُ تلك الأقسام، والحمد لله رب العالمين، هذا مع تعظيمهم لي بمعرفتي عندهم، وإلا فهم يعتقدون أن سائر الناس محجوبون جهالٌ بحقيقتهم وغوامضهم، حتى قال لي شيخ مشهور من شيوخهم لما بيّنت له حقيقة قولهم، فأخذ يَسْتَحْسِن ويُعَظِّم معرفتي بقولهم، وقال: هؤلاء الفقهاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فهم لا يعقلون، فقلت له: هب أن الفقهاء كذلك، أبالله: أهذا القول موافق لدين الإسلام؟

وقال لي بعض من كان يُصَدِّق هؤلاء الاتحادية، ثم رجع عن ذلك، فكان من أفضل الناس وأكابرهم: ما المانع من أن يَظْهَرَ الله في صورة بشر؟ والنبي – صلى الله عليه وسلم – يقول في الدجال «إنه أَعْوَرُ، وإنَّ ربَّكم ليس بأَعْوَرَ» فلولا جواز ظهوره في هذه الصورة؛ لما احتاج إلى هذا في كلام له.. فبيّنت له امتناع ذلك من وجوه، وتكلمتُ معه في ذلك بكلامٍ طال عَهْدي به، لستُ أضبطه الآن، حتى تبيّن له بطلانُ ذلك، وذكرتُ له أن هذا الحديث لا حجة فيه، والله سبحانه قد بيّن عبودية المسيح، وكَفَّر من ادعى فيه الإلهية([150]).

3 – مناظرات شيخ الإسلام ابن تيمية -ؒ- للقبوريين:

ساق إبراهيم بن أحمد الغياني -ؒ- هذه المناظرة:

«شَرَعَ شيخُ الإسلام -ؒ- يعيب تلك الأحجار، التي كان الناس يتبركون بها، ويَنْهَى الناس عن إتيانها، أو أن يُحْسَنَ بها الظنُّ.

فقال بعض الناس: إنه قد جاء حديث «لو أَحْسَنَ أحدُكُم ظَنَّه بحَجَرٍ؛ لنفعه الله به».

فقال الشيخ: هذا الحديث كَذِبٌ مُخْتَلَقٌ، وإِفْكٌ مُفْتَرَى على رسول الله
– صلى الله عليه وسلم -، والذي صحّ وثبت عن النبي – صلى الله عليه وسلم – فيما يروي عن ربّه — أنه قال: «أنا عند ظَنِّ عَبْدِي بي»، وقال «لا يَمُوتَنَّ أحدكُمُ إلا هو يُحْسِنُ الظنَّ بالله»، فهو الرب العظيم الكبير المتعال، الذي بيده ملكوت كل شيء، يُحْسِنُ العبدُ به ظَنَّهُ، لا يُحْسِنُ ظَنَّهُ بالأحجار؛ فإن الكفار أَحْسَنُوا ظَنَّهم بالأحجار؛ فأدخلتهم النار، وقد قال الله تعالى في الأحجار، وفيمن أَحْسَنُوا بها الظن حتى عَبَدُوها من دونه: [ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ] {التحريم:6}، وقد أمر النبي – صلى الله عليه وسلم – أن يُسْتَجْمَر من البول بثلاثة أحجار، ما قال أَحْسَنُوا ظنكم بها، بل قال: استجمروا بها من البول، وقد كَسَّر النبي – صلى الله عليه وسلم – الأحجارَ التي أُحْسِنَ بها الظنُّ حتى عُبِدَتْ – حول البيت»([151]).

4 – مناظرات شيخ الإسلام ابن تيمية -ؒ- لنفاة الصفات:

من المعلوم أن مسائل الأسماء والصفات من أهم المسائل التي اشتغل شيخ الإسلام ابن تيمية -ؒ- بتقريرها، والرد على المخالفين فيها، فقد سطّر المصنفات العديدة في هذا الباب، كما كانت سيرته حافلةً بمناظراتٍ لنفاة الصفات، وكان موضوع «الرسالة المدنية»، ومحتواها: مناظرة شيخ الإسلام ابن تيمية -ؒ- لبعض الناس في مسألة تأويل الصفات، وخلاصة المناظرة: أن شيخ الإسلام -ؒ- قَرَّرَ لمخالفه مخالفتَهُ مذهبَ أهل السنة في مسألة الصفات، ومعنى قولهم: «ظاهر نصوص الصفات» مراد أو ليس مراداً، وأن الظاهر مراد إذا كان المقصودُ إثباتَ الصفات لله تعالى، كما يليق بجلاله وعَظَمَتِهِ، فأقرّ المناظر على ذلك، ثم ساق شيخ الإسلام ابن تيمية -ؒ- شروطاً في صَرْف نصوص الصفات عن ظاهرها، فلا يجوز أن يكون في نصوص الوحيين كلام يراد به خلاف ظاهره، إلا وقد نُصِب دليل يمنع مِنْ حَمْلِهِ على ظاهره، حيث سَلَّمَ ذلك الرجلُ بهذا التقرير، ثم ساق شيخ الإسلام -ؒ- صفة اليد لله تعالى مثالاً وأنموذجاً لذلك، وحكى تأويلات المخالفين، واعترف الرجل بها، ثم أجاب شيخ الإسلام عن تأويلاتهم بحجج من القرآن والسنة واللغة والعقل، ثم اعترض المخالف بأن إضافة اليد لله كناقة الله، وبيت الله، فأجاب ابن تيمية عن الاعتراض، ثم ختم مناظرته بإيراد أحاديث في إثبات صفة اليد لله تعالى، ثم خاطب مناظره قائلاً: «هل تَقْبَلُ هذه الأحاديثُ تأويلاً؟ أو هي نصوصٌ قاطعةٌ؟ وهذه أحاديث تَلَقَّتْها الأمةُ بالقبول والتصديق»، «فأظهر الرجل التوبة، وتبيّن له الحق»([152]).

وغير ذلك من مناظرات السلف لأهل البدع، فظهر بهذا ما يؤكد عناية السلف -رحمهم الله تعالى- بالرد على أهل الباطل، ومناظرتهم وجْها لوجْه إذا احتاج الأمر ذلك، وكان المناظر لهم أهلا لذلك، وفحْلًا من فحول السنة الصافية.

سادساً: التحذيرُ من دعاة البدعة، والتنفيرُ منهم، بل وإنزالُ العقوبة بهم:

ومن الأصول المقررة عند أهل السنة، التي جرى عليها عَمَلُ الحكام، والأمراء، والقضاة، والعلماء من أهل السنّة: عقوبةُ المبتدع إن كان داعية لبدعته، أو مُعْلِناً لها؛ ذلك لأن العقوبة من باب إنكار المنكر، والإنكار لا يكون إلا على من أظهر المنكر بخلاف المُسْتَتِرِ؛ فإنه لا يُنْكَرُ عليه بمعاقبته.

قال شيخ الإسلام ابن تيميةؒ مُبَيِّنًا أن التحذير من أهل البدع من جملة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: «والداعي إلى البدعة مُسْتَحِقُّ العقوبة باتفاق المسلمين، وعُقُوبَتُهُ تكون تارة بالقتل، وتارة بما دونه، كما قَتَلَ السلفُ جَهْمَ بنِ صفوان([153])، والجَعْدَ بنَ درهم([154])، وغَيْلانَ القَدَريَّ([155])، وغيرهم.

ولو قُدِّرَ أنه لا يَسْتَحِقُّ العقوبة، أو لا يُمْكنُ عقوبتُهُ؛ فلا بد من بيان بدعته، والتحذير منها؛ فإن هذا من جملة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي أَمَرَ اللهُ به ورسولُه»([156]). اهـ

وبمعرفة ما مضى يُعْلَم سببُ شدةِ السلف والعلماء ومن بعدهم على البدع وأهلها، وإعظامِهِم أَمْرَها، ووصفِهِم لها بأنها من مبادئ الكُفر، ومظانِّهِ، وأنها مشتقة منه، وأنها شُعْبَةٌ من شُعَبِهِ، وبريدٌ إليه([157])، قال شيخ الإسلام: «فإن البدع لا تزال تُخْرِجُ الإنسان من صغير إلى كبير؛ حتى تُخْرِجَهُ إلى الإلحاد والزندقة»([158]).

(فائدة): فإن قيل: لماذا يزجر أهلُ السنة أهلَ البدعة بالعبارات الشديدة، وهم يُوصُون دائما بالرِّفْق وحُسْن العبارة؟

  • فالجواب: أولًا: أن أهل السنة رَأَوْا الآثار السيئة لأهل البدعة في صفوف المسلمين، فمن ذلك: تفرقتهم لصفوف أهل الإسلام، وافتراآتهم على أهل السنةِ، ونسبة الألقاب القبيحة لهم، كالمجسِّمة، والمُشبِّهة والحشْويَّةَ، والمُجْبرة، والنواصب، والعامة، والشَكَّاكة… إلخ.

ومن ذلك أنهم جرَّوؤا أصحابَهم على المقالات الشنيعة، حتى في حق الله -جل شأنه- وفي حق رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فمن ذلك: ما قاله عَمْرو بن عُبَيد القَدَري الجهمي في حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- حَدَّثنا رسولُ الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهو الصادقُ المَصْدوقُ… وفيه: «بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ…» فقال معاذٌ العنبريُّ: سمعتُ عَمْرو بن عُبيد يقول…: لو سمعتُ الأعمشَ يقول هذا؛ لكَذَّبْتُه، ولو سمعتُ زيدَ بن وهب يقول هذا؛ ما أَجَبْتُه، ولو سمعتُ عبدَ الله بن مسعود يقول هذا؛ ما قَبِلْتُه، ولو سمعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول هذا؛ لَرَدَدْتُهُ، ولو سمعتُ الله -تعالى- يقول هذا؛ لقُلْتُ له: ليس على هذا أَخَذْتَ ميثاقنا([159]).

ثانيًا: أن أهل السنة نصَحُوا بِرِفْقٍ في البداية، وناظروا المبتدعة لما ظَهَر أمرهم، كما مَرَّ في مناظرة ابن عباس -رضى الله عنهما- للخوارج، وكما مرَّ في مناظرة عمر بن عبد العزيز-ؒ- لغيلان القدري… ونحو ذلك، لكن لما لم ينتفع هؤلاء الرؤوس للبدع بالنصائح والمناظرات، واستمرُّوا في نشْر باطلهم، وإضلالهم الخلْق؛ فلم يتبقَّ إلا عقوبتهم، وتختلف العقوبة من شخص لآخر حسَب نوع بدعته، ورُتْبتها: هل هي بدعةٌ كبرى، مخالفةٌ لأصْلٍ كُلِّيٍ، أم بدْعةٌ خفيةٌ، وقد سبق القائلَ بها أحدُ العلماء، ممن قد زَلَّتْ قدمُهُ فيها، ويُنظَر أيضاً إلى حال حاملها: هل هو ممن يدْعو لبدعته، ولا يبالي بكلام أئمة السنة معه، أو هو ساكتٌ لا يدعو إليها؟… ونحو ذلك.

(خاتمة لهذا الفصْل):

ظَهَرَ مما سبق وما سيأتي -إن شاء الله تعالى-: أن علماء السنة يحذِّرون من البدع الكبرى، المناقضة للأصول المعلومة من الدين بالضرورة، ويناصحون أهلها، بل وقد يناظرونهم، فإن لم ينتفعْ بذلك حاملها والداعي إليها؛ عاقبوه، وعلى الأقل حذَّرُوا منه ومِن بِدْعَتِهِ؛ كي لا يَغْتَرَّ به أَحَدٌ، فيبْقَى الدينُ نقيًّا صافيًا من المُحْدَثات، التي تُضِلُّ الناس.

وفي المقابل: فهناك من يحمل بدْعةً خفيفةً أو خفيةً، ويكتفي أهلُ السنة ببيان انحراف مقالته عن جادة السواء، لكن تجدهم مع حاملها لا يعاملونه بما عاملوا به الفريق الأول: فيشكرونه على ما أَحْسَن فيه من مواقف في خدمة السنة، ويطلبون العلم منه إذا كان ثقة في فنٍّ من الفنون، كالحديث، والفقه، واللغة، والقراءات،… ونحو ذلك، ولا يبخسونه حقَّه، ولا يُهدرون حسناتِه لزلَّتِه، ولا يُمَشُّون زلَّته لحسناته، بل يُعْطون لكل شيء قَدْره؛ فليس عندهم إفراطٌ ولا تفريطٌ، ويعرفون تفاوت مراتب البدع وأهلها، ويعرفون كيف يتعاملون في كل حالةٍ بما يليق بها، ويُفرِّقون بين الرجل من أهل السنة، الذي مواقِفُه مشكورةٌ في خدمة السنة، لكن زلَّ في مسألةٍ أو أكثر مِن البدع، وهو يريد بها تعظيم الله، ولم يعْلم مخالفتَه للحق، وبين صاحب الهوى، الذي اشتغل بحرب أهل السنة، والتشنيع عليهم، والبراءة منهم، مع تمجيد رؤوس البدع… إلخ.

ومن عَلِمَ هذا؛ أدْرك سوء الحال والمآل الذي عليه الغلاة في التبديع للكثير من علماء ودعاة وطلاب العلم من أهل السنة؛ لمجرد مخالفتهم لهم، وعدم تبديع من يبدِّعون، وهجْر من يهجرون، فنحمد الله أن عافانا من بَليَّتِهم، ونسأل الله أن يُعَجِّل بتوبتهم وإفاقتهم من غفلتهم وفتنتهم!!

الفصل الثاني:
فِقْهُ السلف في الرد على المخالف

ويشتمل على أربعة مباحث: