ضوابط وأصول ينبغي مراعاتها في الرد على المخالف
ومع ما سبق بيانه من أهمية القيام بواجب الرد على المخالفين والمبتدعة؛ إلا أنَّ هذا الواجبَ كغيرهِ منَ الواجباتِ الشرعيةِ، جنحَ به كثير من النَّاسُ: إمَّا إلى جانبِ الإفراط والغُلُوِّ، وإما إلى جانبِ التفريط والجفاءِ، وقليلٌ منهم -وهم ممن رَحمَهم اللهُ- هم المتمسِّكونَ بالوسطِ والاعتدالِ في هذا الواجبِ وغيرهِ من الواجبات.
وإلا فالناس: منهم من ينظر إلى خطر البدعة وأثرها، وتأخذه الغيرة بدون ضابط شرعي؛ فيتجاوز الحد في الإنكار، ويرمي المخالف بما لا يستحق، ويُهْدر كل الجوانب الصالحة فيه، دون النظر إلى نوع البدعة وصاحبها، والحامل له على الابتداع: هل هو الاجتهادُ والتأويل إن كان من أهل العلم، أو التقليد السائغ إن كان من العوام المحِّبين -في الجملة- للسنة وعلمائها وطريقتهم، أو الحامل له العصبية الجاهلية، أو الهوى والرغبة في الأتْباع والأطماع، ويُهْدر بقية الجوانب الصالحة التي قد يُحتاج إليه فيها، بل قد يفعل ذلك وزيادة مع من هو أفضل منه في التمسك بالسنة، والانتصار لها، ومنهم من ينظر إلى ما عند صاحب البدعة من حُسْن السَمْت، والزهد والصلاح، ومكارم الأخلاق، وحُسْن البيان في الخطابة، وحُسْن الصوت في قراءة القرآن… ونحو ذلك؛ فيرقّق ويهوِّن من خطر البدعة على صاحبها وعلى الأمة والأجيال اللاحقة، بل ربما فضَّله على أصحاب السنة المحضة، والحقُّ وَسَطٌ بين طرفين ذميمين، وهُدَى بين ضلالتَيْن متقابلتين، ووادٍ سْهل موطوءٌ بين جبليْن وَعِرَيْن!!!
قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيمية -ؒ- في بيانِ هذه الحقيقةِ-: «قَدْ يَبْغِي بَعْضُ الْمُسْتَنَّةِ إمَّا عَلَى بَعْضِهِمْ، وَإِمَّا عَلَى نَوْعٍ مِن الْمُبْتَدِعَةِ بِزِيَادَةٍ عَلَى مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ، وَهُوَ الْإِسْرَافُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِمْ: [ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ] {آل عمران:147}.
وَبِإِزَاءِ هَذَا الْعُدْوَانِ تَقْصِيرُ آخَرِينَ فِيمَا أُمِرُوا بِهِ مِن الْحَقِّ، أَوْ فِيمَا أُمِرُوا بِهِ مِن الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَن الْمُنْكَرِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ كُلِّهَا.
فَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: «مَا أَمَرَ اللهُ بِأَمْرِ؛ إلَّا اعْتَرَضَ الشَّيْطَانُ فِيهِ بِأَمْرَيْنِ -لَا يُبَالِي بِأَيِّهِمَا ظَفَرَ- غُلُوٍّ أَوْ تَقْصِير…ٍ، وَفَاعِلُ الْمَأْمُورِ بِهِ وَزِيَادَةٍ مَنْهِيٍّ عَنْهَا؛ بِإِزَائِهِ تَارِكُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَبَعْضِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَاَللهُ يَهْدِينَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللهِ»([160]). اهـ
وقال الإمام ابن القيم -ؒ-: «وما أَمَرَ الله بأَمْرٍ إلا وللشيطان فيه نَزْعَتَانِ:
إما إلى تفريطٍ وإضاعةٍ، وإما إلى إفراطٍ وغُلُوٍّ.
ودينُ الله وَسَطٌ بين الجافي عنه، والغالي فيه، كالوادي بين جَبَلَيْن، والهُدَى بين ضلالَتَيْنِ، والوسطِ بين طرفَيْن ذَمِيمَيْن، فكما أن الجافي عن الأمر مُضَيِّعٌ له؛ فالغالي فيه مُضَيِّعٌ له، هذا بتقصيره عن الحد، وهذا بتجاوزه الحدَّ». اهـ([161])
وقد ثبتَ عن الإمامِ أحمدَ-ؒ- أَنَّهُ قالَ: «إِخراجُ النَّاسِ مِنَ السُّنَّةِ شَديدٌ»([162])، أي الحكم بذلك شديد وشاق، فلا يُقْدِمُ عليه المرءُ إلا بحجة جلية، وأدلة قوية، تجعل له مَخْرجًا وحُجةً بين يَدَي الله -جل شأنه-، ويجب عليه أن يتأنى فيه، ويبالغ في التحري في ثبوت ذلك أو لا عَمَّنْ يُخْرجه من السنة، وأن ما هو عليه يوجب الخروج من السنة حقًّا، ولا يحتمل وجْهًا آخر غير ذلك… إلخ أم لا؟!
ومعلوم أن السلف -رحمة الله عليهم- كانوا يُفرِّقون في التعامل شدَّةً ولينًا مع أهل البدع: لا عن هَوًى، وإنما هذا راجع إلى تفاصيلَ كثيرةٍ عندهم:
وقد قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيمية -ؒ-: «وَلِهَذَا كَانَ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ مُتَّفِقِينَ عَلَى تَبْدِيعِ مَنْ خَالَفَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأُصُولِ؛ بِخِلَافِ مَنْ نَازَعَ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ هَذَا الْمَبْلَغَ فِي تَوَاتُرِ السُّنَنِ عَنْهُ: كَالتَّنَازُعِ بَيْنَهُمْ فِي الْحُكْمِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَفِي الْقَسَامَةِ، وَالْقُرْعَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن الْأُمُورِ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ هَذَا الْمَبْلَغَ»([163]). اهـ
فلا بد من منهج واضح في ذلك، ومراعاة الضوابط والأصول في الرد على المخالف، يستهدف هذا المنهج ضبطَ الأحكام؛ لتصْدُرَ بعد تَحَرٍّ وتَثَبُّتٍ، وصيانَتَها من الانسياق مع جواذب الأهواء وحِدَّة النفوس، وسلامَتَها من الجهل على الناس وظلمهم وبَخْسِهم حقوقَهُم، ثم ضَبْطَ التعامل مع الخطأ والانحرافِ بما يناسبه، وإعطاء كل شيء قَدْرَهُ ولاءً وبراءً، مع مراعاة حالِ أهل السنة في كل زمان: قوةً وضعفًا، وكثرةً وقلَّة، ومراعاة تزاحم المصالح والمفاسد، فَتُدْرَأُ المفسدةُ الكبرى بارتكابِ المفسدةِ الصغرى إذا تَعَذَّر دَرْأُهُمَا جميعًا…، وكذلك مراعاة حالِ أهل البدع والأهواء في كل زمان: قوةً وضعفًا، وكثرةً وقلَّة، اقتداءً بالسلف الصالح في ذلك، مع تفاصيل أخرى ستظهر للقارئ فيما بعد -إن شاء الله تعالى-.
ويتحقق هذا المنهج بصياغة أصول كلية قائمة على الأدلة الشرعية المعتبرة، يَرْجِعُ إليها من احتاج الردَّ على المخالفين، والحكمَ على أقوالهم وأعمالهم، كلما اقْتَضَت الحاجةُ ذلك؛ تفادِيًا لما ينشأ عن الجهل بها من مفاسد وعظائم لا تَخْفَى.
ومن يراجع كلام أهل العلم من أئمة أهل السنة، – وبخاصَّةٍ كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -ؒ- يتضح له معالم هذا المنهج وأصوله.
فقد أبان شيخ الإسلام -ؒ- عن أهمية هذا المنهج، فقال: «وَنَحْنُ نَذْكُرُ قَاعِدَةً جَامِعَةً فِي هَذَا الْبَابِ لَهُمْ وَلِسَائِرِ الْأُمَّةِ، فَنَقُولُ: «لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْإِنْسَانِ أُصُولٌ كُلِّيَّةٌ يَرُدُّ إِلَيْهَا الْجُزْئِيَّاتِ؛ لِيَتَكَلَّمَ بِعِلْمٍ وَعَدْلٍ، ثُمَّ يَعْرِفُ الْجُزَيْئَاتِ كَيْفَ وَقَعَتْ، وَإِلَّا فَيَبْقَى فِي كَذِبٍ وَجَهْلٍ فِي الْجُزْئِيَّاتِ، وَجَهْلٍ وَظُلْمٍ فِي الْكُلِّيَّاتِ؛ فَيَتَوَلَّدُ فَسَادٌ عَظِيمٌ»([164]). اهـ
قلت: وهذا -وللأسف- موجود: فمن الناس من يسْعى إلى الاعتدال والإنصاف؛ فيقع في التفريط والتهوين من ضرر البدعة والدعاة إليها، ومن الناس من يسْعى إلى الحزْم والحسْم، وإهانة البدعة وحملتها؛ فيقع في الإفراط والغلُوِّ، وكل فريق من هؤلاء يستدل بأدلة صحيحة، وأقوال ثابتة لأهْل العلم؛ لكن الشأْن كل الشأْن في فهم هذه الأدلة وتلك النقولات، ووضْعها في موضعها الصحيح، وهذا ما حصل في أهل البدع في أول الإسلام: فكل تفصيل ينزِعُ إلى جانب، إلى غلو او جفاء، والحق وسَطٌ بينهما!!!
إن أهمية هذه الأصول والضوابط تتلخص في أمرين:
الأول: أنها قاعدةُ الوصول إلى أحكام دقيقةٍ، وتصرفاتٍ منضبطة ومُنْصِفَة، مَبْنِيَّةٍ على العلم والعدل، وقائمةٍ على المنهج الحق، القائم على العلم بالحق، والرحمة بالخلق، والدفاع عن الشريعة، وصيانتها من كل ما أُلْحِقَ بها وليس منها، مع الحرص على الحفاظ على تماسك صفوف جماعة أهل السنة، وقوة شأنها، فلا مُجاملةَ في الحق تُفْضِي إلى جعْل المُحدَثَات والبدع جزءًا من الدين، ولا جرأة وهمجية في الردّ تُفْضِي إلى تفتيت وتشتيت صفوف أهل السنة، واندثار هيْبَتهم، وجرأة أعدائهم عليهم.
الثاني: أن التمسك بهذه الأصول يُحقِّق الاتباعَ الصحيحَ، والاقتداءَ بمنهج السلف: قولًا وعملًا، وإطلاقًا وتنزيلًا على المعين، وكَشْفًا لحقيقة الفساد الذي يَنْتُجُ عن مناهج أهل البدع والأهواء.
وهذه الضوابط التي يراعيها العلماء في الحُكْم على الأشخاص جرحًا وتعديلًا: منها ما يتصل بنوع المخالف وحاله، ومنها ما يتصل بنوع المخالَفَة، ومنها ما يتصل بالزمان والمكان اللذَيْن تقع فيهما المخالفة، ومنها ما يتصل بتزاحم المصالح والمفاسد، ومراعاة ذلك، وأَيِّهما يُقَدَّم على الآخر، ومنها ما يتصل بفهم كلام العلماء على المخالفين للسنة، ووضْعِهِ في موضعه الذي قَصَدوه، ومنها ما يتصل بالعبارة المستعملة في الجرح، ومنها ما يتصل بالمُجَرِّح والمُعَدِّل وأهليته وفهمه… إلخ، والجهل بشيءٍ من ذلك يُفْضِي إلى فساد كبير، وشرٍّ مستطير!!
وسَأُجْمِلُ هذه الضوابطَ في النقاط الآتية، ثم يأتي تفصيلُها قريبًا – إن شاء الله -:
1- أن يتكلَّم المتكلِّم لوجه الله — ولا يريد بذلك نُصْرةً لمذهبه، أو شيخه، أو حزبه وجماعته، أو انتقامًا لنفسه ومن يُحِب، وليَحْذر من الهوى الخفيّ، وتلبيس الشيطان عليه بأن غيرته لله -جل شأنه-!!!… إلخ، إنما يكون مرادُهُ نصرةَ الحقِّ بتصفيته مما أُلْحِقَ به، وليس منه.
2- أن يكون المتكلم في الجرح والتعديل أهْلًا لما يتكلم فيه، وإلا فلا التفات إلى كلامه، بل يُحَذَّر منه.
3- أن يكون مَقْصَدُ المتكلِّم نُصْحَ المتكلَّم فيه، وإعانَتَهُ على لزوم الحق، وليس قصدُهُ تشويهَهُ أو الانتقامَ منه، أو الإساءةَ إليه، أو إسقاطَه، كما يقول بعض الغلاة!! إلا إذا كان المخالف مُعاندًا مجازفًا، غير مبالٍ بالحقِّ وأهله، وظهرتْ له الحجة، ولم يرفع بها رأسًا.
أما إذا كان قاصدًا للحق، لكن أخطأ سبيله؛ فيكون الإنكار عليه بالحسنى، وبالعبارة التي تعينه على الرجوع إلى الحق.
4- أن يُفَرَّق في الكلام على المخالف بين مخالفٍ مجتهدٍ، وأخطأ عن تأويل سائغ، أو مقلِّدٍ تقليدًا سائغًا، فأخطأ تبعًا لمن قلَّده من أهل الاجتهاد، أو كعامِّيٍّ جاهلٍ غير معاندٍ ولا مكابرٍ، وبين مُسْتَبْصِرٍ بالحق، مُعْرِضٍ عنه لسوء قَصْده.
5- أن يُفَرَّق بين المخالف في مسألة أَجْمَعَ علماءُ أهل السنة على خلاف قوله فيها، وإجماعُهم مشهور، والمسألةُ معلومةٌ من الدين بالضرورة، أو مستفيضةٌ بين علماء الأمة دون نكير، وبين مسألة اجتهادية، تنازع فيها علماءُ السنة، فالنكير على المخالف في الأُولى أَشَدُّ من الثانية، والخلاف في الثانية مُحْتَمَلٌ؛ لكون القول الذي قال به المخالف قد قال به بعض علماء السنة.
6- التفرقة بين أزمنة وأمكنة اشتهار الحق وظهوره وقوته، وبين أزمنة وأمكنة انتشار الجهل بآثار الرسالة، وخفاء الأحكام العظمى -فضلًا عمَّا دونها- والسبب في جهل المخالف: هل هو قلَّة العلم، وانتشار علماء السوء، الذين يفرِّخون الشبهات، ويُضِلّون بها الناسَ، وبين خلافٍ سببه العنادُ واللامبالاةُ بالشرع وأحكامه، أو الإعراضُ عن تَعَلُّم حُكْم الله في هذه المسألة.
7- مراعاة أثر الجرح وما يؤول إليه بميزان المصالح والمفاسد، فإذا كان الجرح سيفضي إلى مفسدة أكبر من الخطأ الذي وقع فيه المخالف؛ فلا يجوز إنكار المنكر بما هو أَنْكَرُ منه، سواء كانت المفسدة الكبرى في حق المخالف، أو في حق من بلغه التجريح، فقد يحملُ التجريحُ الرجلَ المجَرَّحَ على الارتماءِ في أحضان أهل بدعةٍ أكبر من البدعة التي هو فيها، وقد يحملُ التجريحُ من بلغه في حقّ عالم سنِّي أخطأ في مسألة ما إلى الزهد في عِلْمِهِ بالكلية، والأَخْذِ عن علماء البدع الكُبرى… وهكذا.
8- التفريق في فهم أحكام العلماء على الآخرين بين الحُكْم المُطْلق، أو الحكم على العموم، وبين الحُكْم على المعيَّن؛ فلا يلزم من إطلاق العلماء الأحكامَ العامة بأن من فعل كذا؛ فحكمه كذا: تنزيلُها على المعيَّن، إلا بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، ومخالفة هذا الضابط تُفْضِي إلى فسادٍ عظيم، وللعلماء إطلاقات لا يُراد منها التعيين، وعدم مراعاة ذلك يجعل المتأخِّرَ ينسب إلى الأئمة الأوائل ما هم منه براء!! وبعض العلماء يُفتي في حقِّ شخص معيَّن، قد عَلِمَ المسؤولُ حالَه؛ ففتوى العالم في هذه الحالة تُنَزَّل منزلة قضايا الأعيان، ولا يقاس عليها غيرها الذي تختلف أحواله عن هذا المُعَيَّن، والخلاصة: أنه يُفَرَّق بين القول وقائله، والفعل وفاعله.
9- استعمال العبارة الدالة على قَدْر المخالفة ورُتْبَتِها، دون تَهْويلٍ أو تَهْوينٍ.
10- عدم رد الباطل بباطل، وإنما يُرَدُّ بالحق، ويُقْبَلُ ما في كلام المخالف من الحقّ.
وإليك تَفْصِيلَ هذه الأصول والضوابط مع تزيينها وتحبيرها بالأدلة الشرعية، والنقولات العلمية الموثَّقة عن الأئمة الأعلام:
الأول: إخلاصُ النِّيةِ للهِ –-:
- بأنْ يكونَ باعثُ الرَّدِّ على المخالفِ إعلاءَ كلمةِ الله، والذَّبَّ عَنْ دينهِ، وإرادةَ وجههِ سبحانه، وما أعدَّه الله -جل جلاله- مِنَ الأجرِ والثوابِ في الآخرةِ لمن ينصرُ دينه، ويذبُّ عنه، ويكون سببًا في هداية الخلْق.
ومنَ المعلومِ أَنَّ الإخلاصَ شرطٌ عامٌّ في كُلِّ الأعمالِ الصالحةِ؛ كما قال تعالى: [ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ] {البينة:5}.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية –ؒ-: «وهكذا الردُّ على أهل البدع من الرافضة وغيرهم: إن لم يَقْصِد (أي من يقوم بالرد عليهم ودَحْض باطلهم) فيه بيانَ الحق، وهُدَى الخَلْق، ورحمتَهُم، والإحسانَ إليهم؛ لم يكن عَمَلُه صالحا، وإذا غلَّظ في ذم بدعة ومعصية؛ كان قَصْدُه بيانَ ما فيها من الفساد؛ لِيَحْذَرَها العبادُ، كما في نصوص الوعيد وغيرها، وقد يُهْجَرُ الرجلُ عقوبةً وتعزيرا، والمقصودُ بذلك رَدْعُهُ ورَدْعُ أمثاله للرحمة والإحسان، لا للتَّشَفِّي والانتقامِ، كما هجر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أصحابَهُ الثلاثةَ الذين خُلِّفُوا»…» الخ ما قال -ؒ-([165])
وقال أيضاً –ؒ-: «فإن الإنسان عليه أولاً أن يكون أَمْرُه لله، وقَصْدُه طاعةَ الله فيما أَمَرَهُ به، وهو يُحِبُّ صلاحَ المأمور، أو إقامةَ الحجة عليه، فإنْ فَعَلَ ذلك لطلب الرياسة لنفسه ولطائفته، وتنقيص غيره؛ كان ذلك حَمِيَّةً لا يَقْبَلُه الله، وكذلك إذا فَعَلَ ذلك لطلب السمعة والرياء؛ كان عَمَلُهُ حابطاً، ثم إذا رُدَّ عليه ذلك، وأُوذِيَ، أو نُسِبَ إلى أنه مخطئ، وغَرَضُهُ فاسد؛ طَلَبَتْ نَفْسُه الانتصارَ لنفسِهِ، وأتاه الشيطانُ، فكان مَبْدَأُ عمله لله، ثم صار له هَوًى، يَطْلُب به أن ينتصر على من آذاه، وربما اعتدى على ذلك المؤْذِي.
وهكذا يصيب أصحابَ المقالات المختلفة (أي يصيب الهوى أصحابَ المقالات المختلفة)، إذا كان كل منهم يعتقد أن الحق معه، وأنه على السنة ; فإن أكثرهم قد صار لهم في ذلك هَوًى أن ينتصر جاهُهُم، أو رياستُهُم، وما نُسِبَ إليهم، لا يَقْصِدون أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدينُ كلُّه لله، بل يَغْضَبون على من خالفهم، وإن كان مجتهدا معذورا، لا يَغْضَبُ الله عليه، ويَرْضَوْن عمن يوافقهم، وإن كان جاهلا سيئَ القصْد، ليس له عِلْمٌ ولا حُسْنُ قَصْد، فيفضي هذا إلى أن يَحْمَدُوا مَنْ لم يَحْمَدْه اللهُ ورسولُهُ، ويَذُمُّوا مَنْ لم يَذُمَّه اللهُ ورسولُهُ، وتصير موالاتُهم ومعاداتُهم على أهواء أنفسهم، لا على دين الله ورسوله.
وهذا حال الكفار الذين لا يطلبون إلا أهواءهم، ويقولون: هذا صديقنا، وهذا عدونا، لا ينظرون إلى موالاة الله ورسوله، ومعاداة الله ورسوله.
ومن هنا تنشأ الفتن بين الناس، قال الله تعالى: [ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ] {الأنفال:39} فإذا لم يكُن الدينُ كلُّه لله؛ كانت فتنةً.
وصاحبُ الهوى يُعْمِيه الهوى ويُصِمُّه؛ فلا يَسْتَحْضِر ما لله ورسوله في ذلك، ولا يَطْلُبه، ولا يرضى لرضا الله ورسوله، ولا يغضب لغضب الله ورسوله، بل يرضى إذا حصل ما يرضاه بهواه، ويَغْضَب إذا حَصَل ما يَغْضَبُ له بهواه، ويكون مع ذلك معه شُبْهَةُ دينٍ: أن الذي يَرْضَى له ويَغْضَب له أنه السنة، وهو الحق، وهو الدين، فإذا قُدِّرَ أن الذي معه هو الحقُّ المحضُ
-دينُ الإسلام- ولم يكن قَصْدُه أن يكون الدينُ كلُّه لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، بل قَصَدَ الحميةَ لنفسِهِ وطائفتِهِ، أو الرياءَ؛ لِيُعَظَّمَ هُوَ، ويُثْنَى عليه، أو فَعَلَ ذلك شجاعةً وطَبْعًا، أو لغرض من الدنيا؛ لم يَكُنْ لله، ولم يَكُنْ مجاهدا في سبيل الله؛ فكيف إذا كان الذي يَدَّعِي الحقَّ والسنةَ هو كنظيره: معه حَقٌّ وباطلٌ، وسُنَّةٌ وبِدْعة، ومع خَصْمه حقٌّ وباطلٌ، وسُنَّةٌ وبِدْعة؟ وهذا حال المختلِفِين الذين فَرَّقُوا دينهم وكانوا شِيعا، وكَفَّر بعضُهم بعضًا، وفَسَّق بعضُهم بعضًا…» إلى آخر ما قال –ؒ-([166]).
ويقولُ الحافظُ الذَّهبيُّ–ؒ-: «الصَّدعُ بِالْحَقِّ عَظِيْمٌ، يَحْتَاجُ إِلَى قُوَّةٍ وَإِخْلاَصٍ، فَالمُخْلِصُ بِلاَ قُوَّةٍ؛ يَعجَزُ عَنِ القِيَامِ بِهِ، وَالقَوِيُّ بِلاَ إِخلاَصٍ؛ يُخْذَلُ، فَمَنْ قَامَ بِهِمَا كَامِلاً؛ فَهُوَ صِدِّيْقٌ»([167]). اهـ
قال ابن النحاس –ؒ-: «واعلم أن هنا دقيقةً عظيمةً مهمةً – قَلَّ مَنْ يَنْتَبِهُ لها – وهو أنه يجب أن يكون قَصْدُه بتغليظ الكلام وتخشينه رجوعَ العاصي عن تلك المعصية، لا الانتصارَ لنفسه، لكونه رَدَّ كلامَهُ واستهزأ به؛ فإنه ربما يكون مخلصاً في ابتداء الإنكار، فإذا استهزأ به؛ ثارَتْ نفسُهُ، وأَغْلَظَ في الكلام، وربما وقع في الفحش والكذب واللعن والضرب، وربما تَعَلَّق به واستعدى عليه إلى الحاكم، وكل ذلك في الحقيقة انتصارٌ لنفسه، لا غضب لله ولمحارمه، فخرج بهذا عن دائرة الإخلاص، ووقع في مَهْوَاتِ الغضب والحُمْق المَنْهِيِّ عنه، وصار ممن يجب الإنكار عليه بعد أن كان مُنْكِراً، ومثال هذا كمن يغسل الدم من ثوبه ببول الكلب؛ فَلْيَنْتَبِه المُنْكِر لهذا؛ فإنه قَلَّ مَنْ يَسْلَم منه.
فإن قلتَ: بم يُفَرَّق بين الغضبِ لله والانتصارِ للنفس؟
قلت: مَحَكُّ الاعتبار في هذا: أن ينظر في نفسه: لو حَصَلَ له سَبٌّ وشَتْمٌ واستهزاءٌ مع زوال المنكر؛ هل كانت نفسُهُ ترضى بذلك، وتَسْكُن إليه؟ فإن وجدها راضيةً بذلك، مطمئنةً به، صابرةً على ما نالها من السب والاستهزاء، مُحتسبةً له عند الله تعالى؛ عَلِمْنا بذلك أنه مُخْلِصٌ، وأنه ما كان قَصْدُه إلا وجه الله تعالى، وتغيير المنكر، وقد حصل مَقْصَدُه، فمثل هذا لا يكون آثمًا أو متَّبعًا لهواه، إذا سَبَّ أو غَلَّظَ الكلام إذا تبين أنه مُخْلِصٌ في جميع ذلك.
وإن وجد نفسه لا ترضى بذلك، ولا تصبر عليه، بل كان يقابله بما تصل إليه الاستطاعة من السب والأذى والافتراء عليه والظلم، والوشاية به، وهجْر من لم يتابعه على ما هو عليه… إلخ؛ عَلِمْنا أن ثَمَّ دَسِيسَةً نَفْسِيَّةً من حُبِّ الرئاسة والشموخ ونفاذ الكلام، فمثل هذا ينبغي أن يُمْسِك من الكلام الغليظ، إلى أن يتحقق من نفسه الإخلاص، وإلا فهو على شَفَا حفرة من الهلكة.
اعتبار آخر: وهو أن ينظر لو رجع المتكلَّم فيه أثناء الكلام الغليظ عن ذلك المنكر، هل كان المنكِر يسكن غضبه، ويُمْسِك عن الكلام؟ فإن عُلِمَ أنه يَسْكُن غَضَبُه، ويُمْسِكُ عن الكلام متى زال المنكر؛ عَلِمْنا أنه مُخْلِصٌ، وأنه ما كان قَصْدُه إلا زوالَ المنكر، وقد زال؛ فلم يَبْقَ للكلام الغليظ فائدةٌ ولا حاجة، وإن عُلِمَ أنه لا يَسْكُن غضبه، ويتم يسترسل في الكلام، وربما تمنى عدم رجوعه عن الخطأ؛ ليتخذ ذلك وسيلة للطعن في خصمه، بل ربما أنكر تراجع خَصْمه، وشكك فيه، وبذل جهده في إثبات عدم توبة الخصم، واستدل بكُسَيرٍ وعُوَيْرٍ وثالثٍ ما فيه خير؛ عَلِمْنا أن الحامل له على ذلك باعثٌ نفساني، وغضبٌ كمينٌ لغير الله تعالى، والله أعلم.
اعتبار آخر: وهو أن يُقَدِّر أن المُنْكَرَ عليه استهزأ به، وسَبَّهُ وشَتَمه، وأنه هَمَّ بإغلاظ الكلام له وتخشينه عليه، فجاء إنسانٌ آخر مُنكِرٌ على المتكلَّم فيه، فقام مقام المتكلِّم الأولِ في ذلك، وأحسن القولَ في الإنكار على المتكلَّمِ فيه، فرجع المتكلَّمُ فيه، واستجاب للثاني، ولم يستجب للأول، وزال ذلك المنكرُ، هل كان ذلك يَسُرُّهُ، أم لا؟
فإن كان ذلك يَسُرُّهُ، ويَفْرَحُ به؛ لأن القصد هو رجوعُ المخطئ عن خطئه على يد من كان، ويرى لله تعالى المِنَّة عليه فيه، إذْ صان لسانه عن الكلام السيء، وإيحاش قلب أخيه المسلم، مع حصول المقصود من زوال المنكر، وأنه حصل له ثوابٌ بِنِيَّتِهِ، وأَجْرُ ما أصيب به في عِرْضِهِ؛ فهذا مُخْلِصٌ.
وإن كان لا يَرُدُّه عن الشروع في السب والتغليظ وجودُ الاستجابة لغيره، ويَثْقُل عليه كونُ المنكَرِ زال بكلام غيره من غير سَبٍّ واستهزاء، ولم يَزُلْ بكلامه مع ما حصل له من السب والاستهزاء؛ فهو غير مخلص، والله أعلم». اهـ([168])
اعتبار آخر: ويَعْرِفُ المرءُ إخلاصَهُ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأن يسأل نَفْسَه: لو وقع رجلٌ يُحِبُّهُ فيما وقع فيه خَصْمُهُ، هل كان سَيُنْكِر عليه بالقَدْر الذي أَنْكَر به على خَصْمه، أم يَتَلَطَّف له، ويُلين له القولَ؟ فإن كان الأول؛ فهو مخلص في أمره ونهيه، وإلا فليراجع نَفْسَهُ، وصَدَقَ الله -جل ثناؤه- القائل: [ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ] {البقرة:235}.
الثاني: المتابعةُ لِهَدْيِ الشَّريعةِ:
- بأنْ يُدفعَ الباطلُ بالحقِّ، وليسَ بالباطلِ؛ كما هو هَدْيُ النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّمَ- في الرَّدِّ على المخالفِ.
فيجب الالتزام بمنهج الوحي في الرد، ولا تُرَدُّ البدعةُ ببدعة، ولا يُقَابَلُ الغلوُّ بالتفريط، ولا العكس؛ إلا أن «المبتدعة عادةً ما يقابِلُون البدعةَ بالبدعة، فعندما غلا بعضهم في علي – رضي الله عنه –؛ كَفَّرَهُ مبتدعةٌ آخرون، وعندما غلا بعضهم في الوعيد -وهم الخوارج-؛ غلا آخرون في الوعْد حتى نَفَوا بعضَ الوعيد -وهم المرجئة- وعندما غلا المعتزلة في التنزيه حتى نَفَوْا الصفات؛ غلا آخرون في الإثبات حتى وقعوا في التشبيه»([169]).
ويقول ابن قتيبة الدينوري– ؒ -: «ولما رأى قومٌ من أهل الإثبات إفراطَ هؤلاء في القَدَر، وكَثُرَ بينهم التنازعُ؛ حَمَلَهم البغضُ لهم واللّجاجُ على أن قابلوا غُلُوَّهُم بِغُلُوٍّ، وعارَضُوا إفراطَهم بإفراطٍ، فقالوا بمذهب جهم في الجبر المحض، وجعلوا العبدَ المأمورَ المَنْهِيَّ المُكَلَّفَ لا يستطيع من الخير والشر شيئاً على الحقيقة، ولا يفعل شيئاً على الصحة… وكلا الفريقين ضَلَّ، وعن سواء الحق حائد». اهـ([170])
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية –ؒ-: «والمقصود هنا: أن هؤلاء المتكلمين، الذين جمعوا في كلامهم بين حق وباطل، وقابلوا الباطل بباطل، وردوا البدعة ببدعة، لما ناظروا الفلاسفة، وناظروهم في مسألة حدوث العالم ونحوها؛ استطال عليهم الفلاسفة لمَّا رَأَوْهُم قد سلكوا تلك الطريق، التي هي فاسدة عند أئمة الشرع والعقل، وقد اعترف حُذَّاقُ النظار بفسادها، فظن هؤلاء الفلاسفة الملاحدة أنهم إذا أبطلوا قولَ هؤلاء بامتناع حوادثَ لا أَوَّلَ لها، وأقاموا الدليل على دوام الفعل؛ لَزِمَ من ذلك قِدَمُ هذا العالم، ومخالفةُ نصوصِ الأنبياء، وهذا جهل عظيم؛ فإنه ليس للفلاسفة ولا لغيرهم دليل واحد عقلي صحيح يخالف شيئا من نصوص الأنبياء…». اهـ([171])
ونَبَّهَ شيخ الإسلام –ؒ– على أنه قد يكون في كلام المبتدعة وأهل الكلام ما هو حق؛ لأنهم قد يذكرون معاني حسنة وصحيحة، ولكن الضلال جاء من جهة أنهم نَفَوا ما زاد عليها من الحق، مما يثبته أهل السنة، وذكر
-ؒ- أمثلة لذلك، ومنها:
«ما يثبته المتكلمة من أن العبد يتقرب ببدنه وروحه إلى الأماكن المفضلة، التي يظهر منها نور الرب، كالسموات والمساجد، وكذلك الملائكة؛ فهذا صحيح، لكن دعواهم أنهم لا يتقربون إلى ذات الله، وأن الله على العرش؛ فهذا باطل، وإنما الصوابُ: إثباتُ ذلك، وإثباتُ ما جاءت به النصوص من قُرْبِ العبد إلى ربه، وتَجَلِّي الرب لعباده، بكشف الحُجُب المتصلة بهم، والمنفصلة عنهم، وإن القُرْبَ والتَّجَلِّي فيه عِلْمُ العبد الذي هو ظهورُ الحق له، وعَمَلُ العبد الذي هو دُنُوُّهُ إلى ربه… ثم بعض المتسننة والجهال إذا رأوا ما يثبته أولئك من الحق؛ قد يفرون من التصديق به، وإن كان لا منافاة بينه وبين ما ينازعون أهل السنة في ثبوته، بل الجميع صحيح، وربما كان الإقرار بما اتُّفِقَ على إثباته أَهَمَّ من الإقرار بما حَصَلَ فيه نزاع؛ إذ ذلك أَظْهَرُ وأَبْيَنُ، وهو أصل للمتنازَعِ فيه، فيحصل بعض الفتنة في نوع تكذيب، ونَفْي حال أو اعتقاد، ككمال المبتدعة، فيبقى الفريقان في بدعة وتكذيب ببعض مُوجَبِ النصوص، وسبب ذلك: أن قلوب المثبتة تبقى معلقة بإثبات ما نَفَتْهُ المبتدعة، وفيهم نُفْرَةٌ عن قول المبتدعة، بسبب تكذيبهم بالحق، ونَفْيِهم له، فَيُعْرِضون عن ما يُثْبِتونه من الحق، أو يَنْفُرون منه، أو يُكَذِّبون به». اهـ([172])
ثم ذكر -ؒ- أمثلة أخرى، فقال: «كما قد يصير بعضُ جهال المُتَسَنِّنَة في إعراضه عن بعض فضائل عليٍّ وأهلِ البيت؛ إذا رأى أَهْلَ البدعة يَغْلُون فيها، بل بعض المسلمين يصير في إعراض عن فضائل موسى وعيسى بسبب اليهود والنصارى… حتى يُحْكَى عن قوم من الجهال أنهم ربما شَتَمُوا المسيح إذا سمعوا النصارى يَشْتُمون نبيَّنا في الحرب، وعن بعض الجهال أنه قال:
| سُبُّوا عَلِيًّا كما سَبُّوا عَتِيقَكُمُ | كُفْرٌ بكُفْرٍ وإيمانٌ بإيمانِ…». اهـ([173]) |
وقال -ؒ-: «ومما ينبغي أيضًا أن يُعْرَفَ: أن الطوائف المنتسبة إلى متبوعين في أصول الدين والكلام درجات: منهم من يكون قد خالف السنة في أصول عظيمة، ومنهم من يكون إنما خالف السنة في أمور دقيقة.
ومن يكون قد رد على غيره من الطوائف، الذين هم أَبْعَدُ عن السنة منه؛ فيكون محمودا فيما رَدَّه من الباطل، وقالَهُ من الحق، لكن يكون قد جاوز العدلَ في رَدِّهِ، بحيث جَحَدَ بعض الحق، وقال بعض الباطل، فيكون قد رَدَّ بدعةً كبيرةً ببدعةٍ أَخَفَّ منها، ورَدَّ بالباطل باطلا بباطلٍ أَخَفَّ منه، وهذه حال أكثر أهل الكلام، المنتسبين إلى السنة والجماعة، ومثل هؤلاء إذا لم يجعلوا ما ابتدعوه قولا يفارقون به جماعة المسلمين، يوالون عليه، ويعادون؛ كان من نوع الخطأ، والله سبحانه يغفر للمؤمنين خطأهم في مثل ذلك». اهـ([174])
وقال أيضاً –ؒ-: «وقد ظهر بما بيناه أن المُسْتَدِلَّ لم يُقِمْ دليلاً صحيحًا، وأن أكثر أَسئلةِ المعترض وأجوبةِ المستَدِلّ باطلةٌ، وذلك يُوجِبُ أن كلاًّ منهما منقطع؛ فإنَّ من احْتَجَّ بما لم يُفِدْ؛ فهو مُنْقَطِعٌ، ومَنْ أَوْرَدَ ما لا يَقْدَح؛ فهو منقطع، لكن في تفاصيل الكلام قد يحصلُ من المستدلِّ أجوبةٌ صحيحة من ذلك المقام، ومن المعترض أسوِلةٌ قادحة كما بيناه، لكن ذلك كله مبنيٌّ على أصل غير صحيح، كما تقدم، فلهذا حَكَمْنا بانقطاع كل منهما.
وإنما ذكرتُ هذا؛ لأنّ بعضَ الطلبةِ قال: أُحِبُّ أن تَذْكُرَ لي في آخر كلامك من فَلَج بالحجة من المستدل والمعترض، فذكرتُ ذلك؛ لأن الجدال الباطل لا يُفلِحُ فيه مَن سَلكَه استدلالاً وسؤالاً وانفصالاً، فإن من استدلَّ بالباطل؛ فهو مُبطِلٌ، ومن ردَّ الباطلَ بالباطل، ولم يُبيِّن أن الدليل باطل؛ فهو مُبطِلٌ، ومن أجابَ عن الباطل بباطلٍ، ولم يُبيِّن أن السؤالَ باطل؛ فهو مُبطِل، وكلُّ مبطلٍ فإنه يكون منقطعًا إذا بُيِّن بطلانُه، والله أعلم». اهـ([175])
وقال الإمام ابن القيم – ؒ -: «وهذه الفرقةُ الثانية قابَلَتْ هذه الفرقةَ… ولكن ردوا من الحق المعلوم بالعقل والفطرة والشرع، ما سَلَّطُوا عليهم به خصومَهم، وصاروا ممن رد بدعة ببدعة، وقابَلَ الفاسدَ بالفاسد، ومَكَّنُوا خصومَهُم بما نَفَوْه من الحق». اهـ([176])
فظهر من هذا أن البدعة كانت سبباً في ظهور بدعة أخرى؛ لأنهم قابلوا باطلهم بباطل، فاندفعوا إلى المغالاة في تقدير حال أولئك الذين غالى غيرهم في إيذائهم، وهكذا يَدْفَعُ الكَبْتُ العقليُّ والنفسيُّ دائماً إلى المبالغة في التقدير، إما بإفراط أو تفريط.
ولازم هذه المقابلة بين المبتدعة: أن كلاً منهم يقول عن الآخر: إنه ليس على شيء.
قال شيخ الإسلام –ؒ-: «واختلاف أهل البدع هو من هذا النمط، فالخارجي يقول: ليس الشيعي على شيء، والشيعي يقول: ليس الخارجي على شيء، والقَدَري النافي يقول: ليس المُثْبِتُ على شيء، والقَدَري الجبري المُثْبِتُ يقول لك: ليس النافي على شيء، والوعيدية تقول: ليست المرجئة على شيء، والمرجئة تقول: ليست الوعيدية على شيء، بل ويوجد شيء من هذا بين أهل المذاهب الأصولية والفروعية المنتسبين إلى السنة، فالكُلَّابي يقول: ليس الكَرَّامي على شيء، والكَرَّامي يقول: ليس الكُلَّابي على شيء، والأشعري يقول: ليس السالمي على شيء، والسالمي يقول: ليس الأشعري على شيء، ويُصَنِّفُ السالميُّ كأبي علي الأهوازي كتاباً في مثالب الأشعري، ويُصَنِّفُ الأشعري كابن عساكر كتاباً يناقض ذلك من كل وجه، وذكر في هذا مثالب السالمية». اهـ([177])
وقال معالي الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ -حفظه الله-: «ومن قواعد أهل السنة والجماعة: أنَّ البدعة لا تُرَدُّ ببدعة، والغلَطَ لا يُرَدُّ بغَلَطَ؛ بل يَصْبِر، حتى الإنسان إذا اعْتُدِيَ عليه، ونِيلَ منه؛ يَصْبِر ويحتسب عند الله -جل وعلا-، ولا يقابل الباطل بباطل، أو يقابل التسمية بتسمية، أو يقابل البدعة ببدعة؛ لأن هذا يُفَرِّق أكثر وأكثر، ولا تُجْمَع النفوس». اهـ([178])
ويقول أيضاً -حفظه الله-: «وبالمناسبة نحتاج إلى أن نَفْقَهَ كيف يُرَدُّ على من خالف في مثل هذه المسائل، والمخالفين في التكفير أو في التضليل، أو في ذِكْرِ الأمور على غير ما هي عليه، يجب:
أولا: أن لا يُرَدَّ الباطلُ بباطلٍ، وأن الباطلَ يُرَدُّ بحقٍّ، مَنْ كَفَّرَنا؛ لا نُكَفِّره لأجل تكفيره لنا، ومَنْ بَدَّعَنَا؛ لا نُبَدِّعُه لأجل تبديعه لنا، وإنما هذه مسائل تحتاج إلى رد الباطل بالحق، هذا هو منهج السلف الصالح، منهج أئمة أهل السنة والجماعة.
ثانيا: أن يُحْرَصَ على هداية هؤلاء، ويُنْظَرَ إليهم في الهداية بما يناسبهم: إذا كانوا يحتاجون إلى نصيحة؛ يُنْصَحُون، أو إلى إجابة للشبهات؛ يجاب عليهم، فقد يهدي الله -جل وعلا- بعض أولئك، كما هدى طائفة من الخوارج مع ابن عباس -رضي الله عنهما-». اهـ([179])
الثالث: توَفُّرُ الأَهْلِيَّةُ:
وذلكَ بأنْ يَكُونَ الرَّادُّ على المخالفِ مِنْ أهلِ العلمِ الأقوياءِ، المتمسكينَ بـِمنهاجِ النُّبوةِ، القائمينَ بالحقِّ، والرَّدِّ على الباطلِ بالحججِ والبَيِّناتِ والأدلةِ القاطعاتِ، و ينبغي لَهُ أيضاً أَنْ تكونَ له قَدَمٌ راسخةٌ في فِقْهِ تزاحُم المصالح والمفاسد، وفي النَّظرِ إلى عواقبِ الأمورِ والمآلاتِ.
فَمَنْ لَمْ يَكنْ كذلكَ؛ فليسَ أهلاً للرَّدِّ والكلام على من يظن أنه مخالف، وإِنَّما هو أهلٌ للذَّمِّ إذا تكلَّم فيما لا يُحْسِن.
قال شيخ الإسلام –ؒ– مُشَنِّعاً على الشهرستاني قُصُورَهُ في مجادلته للفلاسفة: «ولهذا كانت مناظرةُ كثيرٍ من أهل الكلام لهم مناظرةً قاصرةً، حيث لم يعرف أولئك حقيقة ما بعث الله به رُسُلَهُ، وأنزل به كُتُبَهُ، وما ذَمَّهُ من الشرك، ثم يكشفون بنور النبوة ما عند هؤلاء من الضلال، كما ناظرهم الشهرستاني في كتاب «الملل والنحل».. كان قولُهم أَظْهَرَ، فكان رَدُّهُ عليهم ضعيفاً؛ لضَعْفِ العلم بحقيقة دين الإسلام..». اهـ
وهذا العيب نعاه القرآن الكريم على أهل الكتاب، كما قال تعالى: [ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ] {آل عمران:66}.
قال القرطبي –ؒ-: «الآية دليل على المنع من الجدال لمن لا عِلْمَ له، والحظْر على من لا تحقيق عنده.. وقد ورد الأمر بالجدال لمن عَلِمَ وأَيْقَنَ، فقال تعالى: [ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ] {النحل:125}». اهـ
وقال الحافظ ابن كثير –ؒ-: «الآية هذه إنكارٌ على من يُحَاجُّ فيما لا عِلْمَ له به؛ فإن اليهود والنصارى تحاجُّوا في إبراهيم بلا علم.. فأنكر الله عليهم ذلك، وأمرهم برد ما لا عِلْمَ لهم به إلى عالم الغيب والشهادة، الذي يَعْلَم الأمور على حقائقها وجَلِيَّتِهَا». اهـ
وقد حذَّر الله تعالى من هذا الصنيع، فقال: [ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ] {الإسراء :36}.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية –ؒ-: «والمذموم شرعاً: ما ذمَّه الله ورسوله: كالجدال بالباطل، والجدال بغير علم، والجدال في الحق بعد ما تَبَيَّن». اهـ
وقالَ سبحانه: [ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ] {الأعراف:33}.
وقال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيمية-ؒ-: «وَقدْ يُنْهَوْنَ عنِ المجادلةِ والمناظرةِ إذا كَانَ المناظرُ ضعيفَ العلمِ بالحجةِ، وجوابِ الشُّبهةِ؛ فَيُخافُ عَليهِ أَنْ يُفسِدَهَ ذلكَ المضِلُّ؛ كَما يُنْهى الضعيفُ في المقاتلةِ أَنْ يُقاتِلَ عِلْجاً قَوِيًّا مِنْ عُلوجِ الكفارِ؛ فَإِنَّ ذَلكَ يَضُرُّهُ، ويَضُرُّ المسلمينَ بلا منفعةٍ»([180]) اهـ.
وقد تحدَّث شيخ الإسلام ابن تيمية -ؒ- في موضع آخر حول هذه القضيَّة قائلاً: «وكثيراً ما يعارضهم من أهل الإسلام من لا يُحسن التمييز بين الحقِّ والباطل، ولا يقيم الحجَّة التي تَدْحَضُ باطِلَهم، ولا يبيِّن حجَّةَ الله التي أقامها برسله، فَيَحْصُل بسبب ذلك فتنة». اهـ([181])
قلت: فلا بد من أن يكون الرادّ على أهل الباطل، أو المتكلِّم بالجرح والتعديل متأهلًا لذلك.
ويدل على ذلك ما قال الذهبي وغيره من العلماء -رحمهم الله تعالى-.
قال الحافظ الذهبي – رحمه الله تعالى -: «والكلام في الرجال لا يجوز إلا لتامِّ المعرفة، تامِّ الورع». اهـ([182])
ويقول -ؒ- في «الموقظة»: «والكلام في الرواة يحتاج إلى ورعٍ تامٍّ، وبراءةٍ من الهوى والميل، وخبرةٍ كاملةٍ بالحديث وعلله، ورجاله». اهـ([183])
وقال -ؒ- في «تذكرة الحفاظ»: «لا سبيل إلى أن يصير العارفُ الذي يُزَكِّي نَقَلَةَ الأخبار ويجرحهم جهبذا([184]) إلا بإدمان الطلب، والفحص عن هذا الشأن، وكثرة المذاكرة، والسهر، والتيقظ، والفهم، مع التقوى والدين المتين، والإنصاف، والتردد إلى مجالس العلماء، والتَحَرِّي والإتقان.
وإلا تَفْعَلْ: فَدَعْ عنك الكتابة لَسْتَ منها ولو سَوَّدْتَ وَجْهَكَ بالمدادِ
قال الله تعالى: [ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ] {النحل: 43}،
فإنْ آنَسْتَ يا هذا، مِنْ نَفْسِكَ فهمًا وصِدقًا ودينًا وورعًا؛ وإلا فلا تَتَعَنَّ، وإنْ غَلَبَ عليك الهوى والعصبيةُ لرأيٍ ولمذهبٍ؛ فبالله لا تَتْعَبْ، وإن عَرَفْتَ أنك مُخلِّط مُخبِّط، مُهْمِلٌ لحدود الله؛ فأَرِحْنَا مِنْك؛ فَبَعْدَ قليلٍ يَنْكَشِفُ البَهْرَجُ، ويَنْكَبُّ الزَّغَلُ، [ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨﯩ] {فاطر:43}، فقد نَصَحْتُك، فعِلْمُ الحديث صَلْفٌ، فأين عِلْمُ الحديث، وأين أَهْلُهُ؟ كِدْتُ أن لا أراهم إلا في كتابٍ، أو تحت تراب» اهـ([185]).
وقال ابن دقيق العيد -ؒ-: «أعراض المسلمين حُفْرة من حُفَر النار، وَقَفَ على شفيرها طائفتان من الناس: المحدثون والحكام». اهـ([186])
وقال الحافظ ابن حجر -ؒ-: «لِيَحْذَرَ المتكلم في هذا الفن من التساهل في الجرح والتعديل؛ فإنه إن عَدَّلَ بغير تَثَبُّتٍ؛ كان كالمُثْبَت حُكْماً ليس بثابت، فيُخْشَى عليه أن يَدْخُل في زُمرة من روى حديثاً وهو يظن أنه كَذِبٌ؛ وإن جرّح بغير تَحَرُّزٍ؛ أَقْدَمَ على الطعن في مسلم بريء من ذلك، ووسَمه بميسم سُوءٍ يَبْقَى عليه عارُهُ أبداً». اهـ([187])
وقال العلامة المعلمي -ؒ- في مقدمته لكتاب «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم:
«ليس نَقْدُ الرواة بالأمر الهين؛ فإن الناقد لا بد أن يكون واسعَ الاطلاع على الأخبار المروية، عارفاً بأحوال الرواة السابقين وطرق الرواية، خبيراً بعوائد الرواة ومقاصدهم وأغراضهم، وبالأسباب الداعية إلى التساهل والكذب، والمُوقِعَةِ في الخطأ والغلط، ثم يحتاج إلى أن يَعْرِف أحوالَ الراوي متى وُلِدَ؟ وبأي بلد؟ وكيف هو في الدين والأمانة والعقل والمروءة والتحفظ؟ ومتى شَرَعَ في الطلب؟ ومتى سَمِعَ؟ وكيف سمع؟ ومع من سمع، وكيف كتابه؟؛ ثم يعرف أحوال الشيوخ الذين يُحَدِّث عنهم، وبلدانَهُم، ووفياتِهِم، وأوقاتَ تحديثهم، وعادَتَهُم في التحديث، ثم يعرفَ مروياتِ الناس عنهم، ويَعْرِضَ عليها مروياتِ هذا الراوي، ويعتبرها بها، إلى غير ذلك مما يطول شرحه، ويكونَ مع ذلك متيقظاً، مُرْهَفَ الفهم، دقيقَ الفطنة، مالكاً لنفسه، لا يستميلَهُ الهوى، ولا يستفِزَّهُ الغضبُ، ولا يستخِفَّهُ بادِرُ ظَنٍّ؛ حتى يستوفِيَ النظر، ويَبْلُغَ المَقَرَّ، ثم يُحْسِنَ التطبيق في حُكْمه؛ فلا يجاوز، ولا يُقَصِّر، وهذه المرتبة بعيدة المرام، عزيزة المنال، لم يَبْلُغْها إلا الأفذاذ، وقد كان من أكابر المحدثين وأَجِلَّتِهِم من يتكلم في الرواة، فلا يُعَوَّلُ عليه، ولا يُلْتَفَتُ إليه.
قال الإمام علي بن المديني -وهو من أئمة هذا الشأن-: «أبو نعيم وعفان صدوقان، لا أَقْبَلُ كَلَامَهُمَا في الرجال، هؤلاء لا يَدَعُون أحداً إلا وَقَعُوا فيه».
وأبو نعيم وعفان من الأجلة، والكلمة المذكورة تدل على كثرة كلامهما في الرجال، ومع ذلك لا تكاد تجد في كتب الفن نَقْلَ شيء من كلامهما». اهـ([188])
الرابع: لزومُ العدل والإنصاف:
- فلا إفراط ولا تفريط في المدح أو القدح: فالعدلُ نظامٌ شاملٌ يَستوعبُ جميعَ ميادينِ الحياةِ وأبوابِ الدِّينِ؛ كما قال -تعالى ذكره-: [ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ] {النحل:90}، وقالَ -سبحانَهُ وتعالى-: [ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ] {النساء:135}، وقالَ -جَلَّ وعلا-: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ] {الحديد:25}، وقال -تعالى ذِكره-: [ﭨ ﭩ ﭪ ] {الأنعام:152}، وقال -جلَّ ذِكْره-: [ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ] {المائدة:8}.
قال الإمام ابن جرير –ؒ – في قوله تعالى: [ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ] {المائدة:8}:
«يعني بذلك -جل ثناؤه-: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله محمد، لِيَكُن من أخلاقكم وصفاتكم: القيامُ لله، شهداءُ بالعدل في أوليائكم وأعدائكم، و لا تجوروا في أحكامكم وأفعالكم، فتجاوزوا ما حَدَّدْتُ لكم في أعدائكم لعداوتهم لكم، ولا تُقَصِّرُوا فيما حَدَّدْتُ لكم من أحكامي وحدودي في أوليائكم لولايتهم لكم، ولكن انْتَهُوا في جميعهم إلى حَدِّي، واعملوا فيه بأمري.
وأما قوله: [ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ] {المائدة:8} فإنه يقول: و لا يَحْمِلَنَّكُم عداوةُ قومٍ أن لا تَعْدِلُوا في حُكْمِكُمْ فيهم، وسيرتكم بينهم، فتجوروا عليهم من أجل ما بينكم من العداوة» اهـ([189])
قال الحافظ الذهبي –ؒ– في ترجمة الفضيل بن عياض من «سير أعلام النبلاء»:
«…وإنما الكلام في العلماء مُفْتَقِرٌ إلى وَزْنٍ بالعَدْل والوَرَع». اهـ([190])
وَيَكونُ العَدلُ بالتَّثبُّتِ مِنْ صحة ثبوت كلامِ المخالفِ إليه، والتَّبيُّنِ مِنْ مخالفتهِ، وعدمِ تحميلِ كلامهِ ما لا يحتملُ، و الحذرِ مِنَ التَّقوُّلِ عليه بما لم يَقُلْ، ونَقْلِ كلامه من كُتبه بنصّه، لا من كتب أعدائه وخصومه، الذين ينقلون كلام خَصمهم بالمعنى الذي فهموه من كلامه، ويردون على باطلٍ لم يتكلم به خَصْمُهم، إنما هو لسوء فهمهم أو قصدهم؛ صيَّرُوه باطلا، وانشغلوا بالردِّ على خرافة ليس لها وجود.
وهذا من جملة الحدود الفاصلة بين منهج أهل السنة والجماعة، ومنهج أهل البدع والغواية والشناعة في الكلام على الناس.
وقد أقام الله تعالى للعلماء ميزان الحق، الذي يَزِنُون به الأقوال المخالفة، ويُصْدِرون عنه أحكامهم..
أقامه — على العلم والعدل: العلم الذي يتبين به الحق من الباطل، وتُقام به الحجة على قائله أو فاعله، قال تعالى: [ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ] {الإسراء:36}، والعَدْلُ الذي يَثْبُتُ به لكل ذي حق حقَّه مِنْ مَدْحٍ أو ذَمٍّ غير مغموط فيه، ولا مُتَعْتَعٍ، وبقَدْرٍ متساوٍ مع الأولياء والأعداء، قال تعالى: [ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ] {المائدة:8}.
ذلك أن الأصل حِفْظُ جارحة اللسان من القول إلا حقًّا، وحمايةُ أعراض الناس من انتهاكها زورًا وبُهتانًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ ؒ ـ: «وَالْكَلَامُ فِي النَّاسِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِعِلْمٍ وَعَدْلٍ، لَا بِجَهْلٍ وَظُلْمٍ، كَحَالِ أَهْلِ الْبِدَعِ ; فَإِنَّ الرَّافِضَةَ تَعْمِدُ إِلَى أَقْوَامٍ مُتَقَارِبِينَ فِي الْفَضِيلَةِ، تُرِيدُ أَنْ تَجْعَلَ أَحَدَهُمْ مَعْصُومًا مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا، وَالْآخَرَ مَأْثُومًا فَاسِقًا أَوْ كَافِرًا، فَيَظْهَرُ جَهْلُهُمْ وَتَنَاقُضُهُمْ»([191]). اهـ([192])
إنَّ الانطلاق من العلم والعدل شَرْطٌ في الكلام على الناس عمومًا، وفي الحكم على أقوال المخالفين وأعمالهم خصوصًا، وهذا لا يعني المداهنة مع المبتدعة، ولا الدفاع عن باطلهم، ولا تذويب العقيدة، أو إضعاف جانبها أمام أهل الضلالة، أو التقصير في إظهارها أو إعلائها على غيرها من الأقوال والآراء المخالفة، لكنه المنهج الحق الذي شرعه الله لأنبيائه -عليهم الصلاة والسلام- وعباده التابعين لهم، وارتضاه لهم في كُتبه، واتبعه رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وسار عليه سلف الأمة وعلماؤها، ومن تجاوز هذا المنهج وعَدَل عنه -إفراطا أو تفريطا-؛ فهو مذموم بقدر مخالفته، ولا يُقتدَى به في مخالفته، بل يُنْصَحُ بلزوم الحق، وإلا زُجِر وعوقب على ذلك، بما لا يُفْضي إلى مفسدة أكبر بتقدير أهل العلم والخبرة.
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية –ؒ– في تقرير لزوم العدل في جميع أصناف المخالفين: «وَلَمَّا كَانَ أَتْبَاعُ الْأَنْبِيَاءِ هُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْعَدْلِ، كَانَ كَلَامُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ مَعَ الْكُفَّارِ وَأَهْلِ الْبِدَعِ بِالْعِلْمِ وَالْعَدْلِ لَا بِالظَّنِّ، وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ»([193]). اهـ
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية –ؒ-: «والمقصود هنا: أنه إذا وجب فيما شجر بين عموم المؤمنين أن لا يُتَكَلَّمَ إلا بِعِلْمٍ وعَدْلٍ، ويُرَدَّ ذلك إلى الله والرسول؛ فذاك في أمر الصحابة أظهر». اهـ([194])
وقال -ؒ-: «لابد أن يكون مع الإنسان أصولٌ كلية، يَرُدُّ إليها الجزئياتِ؛ لِيَتَكَلَّمَ بِعِلْمٍ وعَدْلٍ، ثم يَعْرِفَ الجزئيات كيف وقعتْ، وإلا فيَبْقى في كَذِبٍ وجَهْل في الجزئياتِ، وجَهْل وظُلْم في الكلياتِ؛ فيتولَّد فساد عظيم». اهـ
الخامس: التزامُ الرَّدِّ بالتي هِيَ أحسنُ، دون فُحْشٍ في القول، أو تجاوزٍ للحدِّ في التحذير والتشهير بالمخالف:
- وهذا هو الأصلُ؛ كما قال تعالى: [ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ] {النحل:125}.
ومن ذلك: أن الأصل عدمُ التصريح باسم المخالف إذا كان من مشاهير أهل السنة بالعلم والصلاح، لكن زَلَّت قَدَمُهُ في بدعة أو معصية -إلا لحاجة شرعية- لحديث: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا»([195]).
قال أبو المحاسن جمال الدين المَلَطي الحنفي (المتوفَّى: 803هـ) –ؒ–([196]): «دَأْبُهُ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على ما جُبِلَ عليه من الخُلُق العظيم: عدمُ مخاطبة مَنْ صَدَرَ منه هفوةٌ، وبَلَغَتْهُ، وكان إذا بلغه عن أحد شيء يقول: «ما بال أقوام يقولون كذا، ويفعلون كذا» ولا يقول: ما بال فلان؛ لئلا يَلْحَقَهُ في ذلك ما يُبَغِّضُهُ عند غيره، بل يحصل الانزجار عما كان منه بوقوفه ودخوله في العموم». اهـ
وقال محيي الدين أبو زكريا أحمد بن إبراهيم ابن النحاس الدمشقي (المتوفَّى: 814 هـ)([197]):
«مَنْ أَقْدَمَ على مُنْكر جاهِلاً أنه منكر -ولو عَلِمَ أنه منكر؛ رجع عنه- يجب أن يُعَلَّمَ بلُطْفٍ ورِفْقٍ وسياسةٍ، وإن عُلِمَ أنه إذا سمع الكلام لغيره؛ فَهِمَ ورَجَعَ عن فِعْلِهِ؛ فينبغي أن يُخاطَبَ بما لا يَشُقُّ عليه ويسمعه.
فلو رأى رجلاً مسيئاً في صلاته لجهله، ويُعْلَم من حاله أنه لو عَلِمَ أن هذه الصلاة كعدمها؛ لم يرض لنفسه تَرْكَ الصلاة، وكذلك إذا رآه يجمع الصلوات ليلاً، ومتى وجد الفراغ لِشُغْلِهِ عنها؛ فينبغي أن يَتَلَطَّف في موعظته وتعليمه، مثل أن يقول له: أنا أعلم أنك مشتغل عن التعلم وعن الطمأنينة، وإذا صَلَّيْتَ كل صلاة في وقتها بما أنت فيه من الشغل أو السعي على العائلة والخدمة، وأنت كالمعذور في صلاتك هذه؛ إذْ ترى كثيراً من الناس يُصَلُّون كصلاتك، فتظن أن ذلك جائز، والذي ينصح الإنسان في دينه قليل، ونحو هذه العبارات، ولكن يا أخي، لا يُعْذَر أحدٌ في تَرْكِ تَعَلُّم أمور دينه؛ فإن الله تعالى قال: [ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ] {النحل:43} وصلاة المسيء والمحسن وقتها متقارب، والصلاة مؤقتة، والعلماء كلهم متفقون على أن الإنسان لا يجوز له أن يُخْرِج الصلاة عن وقْتُها عمداً، ولقد كنا مِثْلَكَ، ولكن العلماء أرشدونا وعَلَّمُونا، والمرء لا يُولَد عالماً، ونحو ذلك الكلام؛ ليحصل المقصود من إرشاده وتعليمه من غير أن يحصل له أذى في باطنه؛ فإن إيذاء المسلم حرام، إذا أَمْكَنَ الوصولُ إلى إرشاده بدونه.
وقد جاء في «شعب الإيمان» للبيهقي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من أَمَرَ بمعروف؛ فلْيَكُن أَمْرُه بمعروف»([198]).
قال: وقد صح أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان لا يواجه أحداً بما يَكْره.
وكان إذا بلغه عن أحد من أصحابه شيء يَكْرهه يقول: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا، وما بال رجال يفعلون كذا».
ولا يُعَيِّنُهُم خشيةَ أن يَحْصُل لهم خَجَلٌ واستحياء بالتعيين بين الناس، ويَكْفِيهم ذلك في النهي.
وانظر إلى قوله تعالى: [ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ] {آل عمران:159}، وقال تعالى لموسى وهارون –: [ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ] {طه:44}…
قال: فإذا كان الفاعل يَقْدُم على الفعل مع عِلْمِهِ أنه منكر، أو بعد تعريفه أنه منكر، كالذي يواظب على الغِيبة، أو أَكْلِ المُكْس أو الربا أو الرشوة، مع علمه أنه حرام، ولكن لا يعلم رتبة تحريمه، ولا ما جاء فيه من الوعيد والتهديد؛ فهذا ينبغي أن يُوعَظَ ويُخَوَّفَ بالأخبار الواردة في تلك المعصية، ويُدَرَّج الكلام معه تدريجياً بشفقة ولُطْفٍ من غير تعنيف ولا غضب ولا ازدراء، ولكن يَنْظُرُ إليه بعين الرحمة، ويرى أن القضاء والقدر قد قهره على هذا، ويلاحظ هو بباطنه لطف الله تعالى به؛ إذْ حَفِظَه من مثل هذه المعصية، ولو شاء لكان الأمر بالعكس، وأنه لا يدري إلى ماذا يصير حاله؛ إذ القلوبُ بيد الله تعالى، والنفوسُ لها إقبال وإدبار، وما يدري هل يدوم له هذا الحفظ أو الفتن، والعياذ بالله تعالى.
فكم من تائبٍ عابدٍ رجع إلى المعاصي؛ فَقُبِضَ عليها، وكم من عاصٍ مُسْرِفٍ تاب الله عليه؛ فجبَّتْ توبتُهُ ما سلف قبلها، وقُبِضَ طاهراً من لَوَثِ معاصيه، مغفوراً له ما سلف قبلها من إسرافه… إلى آخر ما قال -ؒ-.
وقدْ يُصارُ إلى غيرِ هذا الأصلِ مِنَ الرَّدِّ بالتقريعِ والقسوةِ وذكْرِ اسمِ المخالفِ تعييناً؛ إذا دَعتِ الضَّرورةُ لذلكَ، وهذا إذا كانَ المخالفُ مِنْ أهل الكذبِ والعنادِ والتَّلبيسِ والإرجافِ؛ كما هو شأنُ المنافقينَ والزَّائغينَ عَنِ الحقِّ، بخلاف صاحب السنة الذي له قَدَمُ صِدْق في نصرة السنة والذّبِّ عنها، وزلَّ قدمه في مسألة أو أكثر عن تأويل أو اجتهاد، فيُنصح بالتي هي أحسن، وتُحْفَظُ له حُرْمَتُهُ وحِشْمَتُهُ؛ وإلا حُذِّر من خطئه؛ كي لا يُقتدى به فيه، وقد يُحذَّر من مجالسته إذا اقتضى الحال ذلك، لكن الأصل التفرقة في طريقة الإنكار عليه بينه وبين صاحب الهوى، ومن لا يرفع بالسنة ولا بمنهج سلف الأمة رأسًا، وقد يحتاج المقام إلى شدة الإنكار على من له جهود في نصرة السنة، إذا كان الاغترار به أكثر ممن لم يرفع بالسنة رأسًا، لكن هذا المقام محفوف بالنظر إلى تزاحم المصالح والمفاسد حالًا ومآلًا، وهذا مقام ضَنْك، لا يكاد يُوَفَّق في استعماله بضوابطه على وجه الدِّقة إلا النَّزْر اليسير جدا، وأما أهل الإفراط والتفريط فمحرومون من التوفيق في هذا المقام، والله أعلم.
ولذا يَقولُ الإمامُ الشَّاطبيُّ–ؒ– في شأنِ تعيينِ أهلِ الزَّيغِ بأسمائِهم والتَّشهيرِ بهم-: «حَيْثُ تَكُونُ الْفِرْقَةُ تَدْعُو إِلَى ضَلَالَتِهَا، وَتَزْيِينِهَا فِي قُلُوبِ الْعَوَامِّ، وَمَنْ لَا عِلْمَ عِنْدِهِ؛ فَإِنَّ ضَرَرَ هَؤُلَاءِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَضَرَرِ إِبْلِيسَ، وَهُمْ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ؛ فَلَابُدَّ مِنَ التَّصْرِيحِ بِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبِدْعَةِ وَالضَّلَالَةِ، وَنِسْبَتِهِمْ إِلَى الْفِرَقِ الضالة، إِذَا قَامَتْ لَهُ الشّواهدُ عَلَى أَنَّهُمْ مِنْهُمْ؛ كَمَا اشْتُهِرَ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِ، فَرَوَى عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ، قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى قَتَادَةَ، فَذَكَرَ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ، فَوَقَعَ فِيهِ، وَنَالَ مِنْهُ؛ فَقُلْتُ: أَبَا الْخَطَّابِ: أَلَا أَرَى الْعُلَمَاءَ يَقَعُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ؟ فَقَالَ: يَا أَحْوَلُ، أَوَلَا تَدْرِي أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا ابْتَدَعَ بِدَعَةً؛ فَيَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُذْكَرَ حَتَّى تُحْذَرَ؟، فَجِئْتُ مِنْ عِنْدِ قَتَادَةَ، وَأَنَا مُغْتَمٌّ بِمَا سَمِعْتُ مِنْ قَتَادَةَ فِي عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ، وَمَا رَأَيْتُ مِنْ نُسُكِهِ وَهَدْيِهِ؛ فَوَضَعْتُ رَأْسِي نِصْفَ النَّهَارِ، وَإِذَا عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وَالْمُصْحَفُ فِي حِجْرِهِ، وَهُوَ يَحُكُّ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللهِ؛ فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللهِ! تَحُكُّ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللهِ؟ قَالَ إِنِّي سَأُعِيدُهَا، قَالَ: فَتَرَكْتُهُ حَتَّى حَكَّهَا، فَقُلْتُ لَهُ: أَعِدْهَا. فَقَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ([199]).
فَمِثْلُ هَؤُلَاءِ لَابُدَّ مِنْ ذِكْرِهِمْ وَالتَّشْرِيدِ بِهِمْ؛ لِأَنَّ مَا يَعُودُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ ضَرَرِهِمْ إِذَا تُرِكُوا؛ أَعْظَمُ مِنَ الضَّرَرِ الْحَاصِلِ بِذِكْرِهِمْ وَالتَّنْفِيرِ عَنْهُمْ»([200]). اهـ قلت: وعمرو بن عبيد وإن كان من العُبَّاد الزُّهاد إلا أن ترجمته مظلمة جدًّا؛ لمقالاته البدعية الفاحشة.
السادس: معرفةُ تفاوتِ مراتب البدعة أو المخالفة، وتفاوتِ الحُكْمِ، والرَّدَّ على صاحبها بحسب درجتها ومرتبتها، فلا تُحَقَّر المخالفةُ العظيمةُ، ولا تُعَظَّم المخالفةُ اليسيرةُ، سواء كانت المخالفة في المسائل العلمية أو العملية:
فالبدعة تكون باطلاً على قَدْر ما فيها من مخالفةٍ للكتاب والسنة، وابتعادٍ عن متابعة سبيل السلف، فهي ليست باطلاً محضًا صافيًا في نظر الناظر؛ إذْ لو كانت كذلك؛ لظهرَتْ وبانَتْ لكل أحد، وما قُبِلَتْ، كما أنها ليست حقًّا محضًا لا شَوْبَ فيه، وإلا كانت موافقةً للسنة التي لا تناقض حقًّا محضًا لا باطل فيه، وإنما تشتمل البدعة على حق وباطل، وعلى هذا يكون بعضُها أشدَّ من بعض، ويكون أهلُها على درجات متفاوتة، وليسوا على درجة واحدة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية –ؒ-: «وَمِمَّا يَنْبَغِي أَيْضًا أَنْ يُعْرَفَ: أَنَّ الطَّوَائِفَ الْمُنْتَسِبَةَ إلَى مَتْبُوعِينَ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَالْكَلَامِ؛ عَلَى دَرَجَاتٍ: مِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ قَدْ خَالَفَ السُّنَّةَ فِي أُصُولٍ عَظِيمَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إنَّمَا خَالَفَ السُّنَّةَ فِي أُمُورٍ دَقِيقَةٍ، وَمَنْ يَكُونُ قَدْ رَدَّ عَلَى غَيْرِهِ مِن الطَّوَائِفِ الَّذِينَ هُمْ أَبْعَدُ عَن السُّنَّةِ مِنْهُ؛ فَيَكُونُ مَحْمُودًا فِيمَا رَدَّهُ مِن الْبَاطِلِ وَقَالَهُ مِن الْحَقِّ؛ لَكِنْ يَكُونُ قَدْ جَاوَزَ الْعَدْلَ فِي رَدِّهِ: بِحَيْثُ جَحَدَ بَعْضَ الْحَقِّ، وَقَالَ بَعْضَ الْبَاطِلِ، فَيَكُونُ قَدْ رَدَّ بِدْعَةً كَبِيرَةً بِبِدْعَةِ أَخَفَّ مِنْهَا؛ وَرَدَّ بَاطِلًا بِبَاطِلٍ أَخَفَّ مِنْهُ، وَهَذِهِ حَالُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْكَلَامِ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَمِثْلُ هَؤُلَاءِ إذَا لَمْ يَجْعَلُوا مَا ابْتَدَعُوهُ قَوْلًا يُفَارِقُونَ بِهِ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ: يُوَالُونَ عَلَيْهِ وَيُعَادُونَ؛ كَانَ مِنْ نَوْعِ الْخَطَأِ، وَاَللَّهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- يَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ خَطَأَهُمْ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، وَلِهَذَا وَقَعَ فِي مِثْلِ هَذَا كَثِيرٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا: لَهُمْ مَقَالَاتٌ قَالُوهَا بِاجْتِهَادِ، وَهِيَ تُخَالِفُ مَا ثَبَتَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، بِخِلَافِ مَنْ وَالَى مُوَافِقَهُ، وَعَادَى مُخَالِفَهُ، وَفَرَّقَ بَيْنَ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَفَّرَ وَفَسَّقَ مُخَالِفَهُ دُونَ مُوَافِقِهِ فِي مَسَائِلِ الْآرَاءِ وَالِاجْتِهَادَاتِ، وَاسْتَحَلَّ قِتَالَ مُخَالِفِهِ دُونَ مُوَافِقِهِ؛ فَهَؤُلَاءِ مِنْ أَهْلِ التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافَاتِ»([201]). اهـ
فتأمل كيف جعل -ؒ- من اخترع قولًا، ووالى وعادى عليه؛ من أهل التفَرُّق والاختلافات، وهذا بعينه ما سلكه عدد من المُسْرفين في الحكم على من خالفهم، وإن كان المخالف لهم أَفْقَهَ منهم، وأوْلى باتباع ما عليه السلف منهم، وهذا أمر لا يحتاج إلى برهان، فهو أشهر من أن يُذْكَر في كثير من الغلاة المسرفين في الأحكام اليوم، على من هم أعلم بالحق منهم!!!
وقد أشار شيخ الإسلام –ؒ– إلى هذا التفاوت من حيث قُرْبُ الفِرَق وبُعْدُها عن الحق قائلاً: «والنجَّارية والضِّرارية وَغَيْرُهُمْ: يَقْرُبُونَ مِنْ جَهْمٍ فِي مَسَائِلِ الْقَدَرِ وَالْإِيمَانِ، مَعَ مُقَارَبَتِهِمْ لَهُ أَيْضًا فِي نَفْيِ الصِّفَاتِ، والْكُلَّابِيَة وَالْأَشْعَرِيَّةُ: خَيْرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ فِي بَابِ الصِّفَاتِ؛ فَإِنَّهُمْ يُثْبِتُونَ لِلَّهِ الصِّفَاتِ الْعَقْلِيَّةَ، وَأَئِمَّتُهُمْ يُثْبِتُونَ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةَ فِي الْجُمْلَةِ، كَمَا فَصَّلْتُ أَقْوَالَهُمْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَأَمَّا فِي بَابِ الْقَدَرِ وَمَسَائِلِ الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ؛ فَأَقْوَالُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ، والْكُلَّابِيَة هُمْ أَتْبَاعُ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كُلَّابٍ، الَّذِي سَلَكَ الْأَشْعَرِيُّ خُطَّتَهُ، وَأَصْحَابُ ابْنِ كُلَّابٍ: كَالْحَارِثِ الْمُحَاسَبِيِّ، وَأَبِي الْعَبَّاسِ القلانسي، وَنَحْوِهِمَا خَيْرٌ مِن الْأَشْعَرِيَّةِ فِي هَذَا وَهَذَا، فَكُلَّمَا كَانَ الرَّجُلُ إلَى السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ أَقْرَبَ؛ كَانَ قَوْلُهُ أَعْلَى وَأَفْضَلَ»([202]). اهـ
وهذا التفاوت أيضاً يقع في مسائل العقيدة والعبادة على حَدٍّ سواء، فإن «الْجَلِيلَ مَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِن الصِّنْفَيْنِ «مَسَائِلُ أُصُولٍ» وَالدَّقِيقَ «مَسَائِلُ فُرُوعٍ»([203]).
قلت: بل هم أيضاً يفرقون بين المخالف في الأصول المتفق عليها، والمخالف في مسألة مختلف فيها بين علماء السلف، وإن كانت من مسائل العقيدة.
فليستْ كل مسائل الاعتقاد متفقاً عليها عند أهل السنة والجماعة؛ إذْ قد وقع الخلاف بين الصحابة أنفسهم حول بعض مسائل العقيدة، ولكن لم تكن هذه المسائل من الأمهات والكليات في هذا الباب.
وكثير من جهلة المنتسبين إلى الدعوة يظن أن الخلاف بين أئمة السنة لم يقع إلا في المسائل العملية الفقهية، وبعضهم يسميها: «الفروع» أما مسائل «الأصول» -في نظرهم- وهي مسائل العقيدة فالخلاف فيها دائرٌ بين الكفر والبدعة، وليس الأمر كذلك، فالخلاف واقع في المسائل العلمية والعملية، وفي كلٍّ منهما مسائل أصول وفروع.
ومن الأمثلة على وقوع الخلاف بين السلف حول بعض مسائل العقيدة:
– اختلافهم في رؤية النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لربه ليلة المعراج، هل وَقَعَتْ أم لا؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله تعالى– كما في «مجموع الفتاوى»: «وإنما كان النزاع بين الصحابة: في أن محمدا هل رأى ربه ليلة المعراج؟ فكان ابن عباس -رضي الله عنهما- وأكثر علماء السنة يقولون: إن محمدا رأى ربه ليلة المعراج: وكانت عائشة -رضي الله عنها- وطائفة معها تنكر ذلك»([204]). اهـ
– ومن ذلك أيضًا: اختلافُهم في أنه هل يكون للبدن في القبر عذاب أو نعيم دون الروح أم لا؟
ففي «مجموع الفتاوى»: سئل شيخ الإسلام –رحمه الله تعالى– عن عذاب القبر: هل هو على النفس والبدن، أو على النفس دون البدن؟
فأجاب –ؒ-: «بل العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعا، باتفاق أهل السنة والجماعة، تَنْعَمُ النَّفْسُ وتُعَذَّب منفردةً عن البدن، وتُعَذَّبُ مُتَّصِلَةً بالبدن، والبدنُ مُتَّصِلٌ بها، فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مُجْتَمِعَيْن، كما يكون للروح منفردة عن البدن، وهل يكون العذاب والنعيم للبدن بدون الروح؟ هذا فيه قولان مشهوران لأهل الحديث والسنة والكلام»([205]). اهـ
وقال –ؒ– في المرجع السابق: «ومعادُ الأبدان متفق عليه عند المسلمين، واليهود والنصارى، وهذا كله متفق عليه عند علماء الحديث والسنة، وهل يكون للبدن دون الروح نعيم أو عذاب؟ أَثْبَتَ ذلك طائفة منهم، وأنكره أكثرهم»([206]). اهـ
– ومن ذلك: اختلافُهم فيما يُوزَن يوم القيامة: هل هو العمل، أَمْ صحائف العمل، أَم العامِلُ نَفْسُه، أي صاحِبُ الأعمال؟([207]).
ويقولُ –أيضاً-ؒ- في شأنِ أهلِ التَّوحيدِ والسنة-: «وإنْ حَصلَ بينهم تنازعٌ في شيءٍ مِمَّا يَسوغُ فيه الاجتهادُ؛ لم يُوجِبْ ذَلكَ تَفَرُّقاً ولا اختلافاً، بلْ هم يَعلمونَ أنَّ المصيبَ منهم له أجرانِ، وأنَّ المجتهدَ المخطئَ له أجرٌ على اجتهادهِ، وخطؤهٌ مغفورٌ له»([208]). اهـ
ومن ذلك أيضًا: اختلافُ أهل السنة في رؤية الكفار ربَّهم يوم القيامة في العَرْض.
فقد اختلف العلماء في رؤية المنافقين لله تعالى يوم القيامة، بل اختلفوا في رؤية الكفار – عموما – لله تعالى يوم القيامة.
وسبب هذا الاختلاف أنه لم يَرِدْ نَصٌّ قاطع، أو ظاهِرٌ ظهورا قويا، يدل على الإثبات أو النفي، فاجتهد العلماء في فهم النصوص الواردة في ذلك، ولهذا فليست هذه المسألة من مسائل الاعتقاد، التي يجب على كل مسلم أن يعتقدها، كما أنها ليست من المسائل التي يُبَدَّع فيها المخالف، بل لا حَرَجَ على من أَثْبَتَها أو نفاها أو توقَّف فيها، حسب ما ظهر له من الأدلة الشرعية، لا عن تعصُّب أو اتباعٍ للهوى.
وقد حكى شيخ الإسلام ابن تيمية –ؒ– اختلافَ العلماء في رؤية الكفار لله تعالى يوم القيامة، فقال: «فَأَمَّا «مَسْأَلَةُ رُؤْيَةِ الْكُفَّارِ»: فَأَوَّلُ مَا انْتَشَرَ الْكَلَامُ فِيهَا، وَتَنَازَعَ النَّاسُ فِيهَا – فِيمَا بَلَغَنَا – بَعْدَ ثَلَاثمِائَةِ سَنَةٍ مِن الْهِجْرَةِ، وَأَمْسَكَ عَن الْكَلَامِ فِي هَذَا قَوْمٌ مِن الْعُلَمَاءِ وَتَكَلَّمَ فِيهَا آخَرُونَ، فَاخْتَلَفُوا فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ….
أَحَدُهَا: أَنَّ الْكُفَّارَ لَا يَرَوْنَ رَبَّهُمْ بِحَالِ، لَا الْمُظْهِرُ لِلْكُفْرِ، وَلَا الْمُسِرُّ لَهُ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ عُمُومُ كَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرُهُمْ.
الثَّانِي: أَنَّهُ يَرَاهُ مَنْ أَظْهَرَ التَّوْحِيدَ مِنْ مُؤْمِنِي هَذِهِ الْأُمَّةِ وَمُنَافِقِيهَا وَغَبَرَاتٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَذَلِكَ فِي عَرْصَةِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَحْتَجِبُ عَن الْمُنَافِقِينَ، فَلَا يَرَوْنَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ بْنِ خُزَيْمَة مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى نَحْوَهُ فِي حَدِيثِ إتْيَانِهِ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- لَهُمْ فِي الْمَوْقِفِ الْحَدِيثَ الْمَشْهُورَ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْكُفَّارَ يَرَوْنَهُ رُؤْيَةَ تَعْرِيفٍ وَتَعْذِيبٍ – كَاللِّصِّ إذَا رَأَى السُّلْطَانَ – ثُمَّ يَحْتَجِبُ عَنْهُمْ لِيَعْظُمَ عَذَابُهُمْ، وَيَشْتَدَّ عِقَابُهُمْ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ سَالِمٍ وَأَصْحَابِهِ، وَقَوْل غَيْرِهِمْ؛ وَهُمْ فِي الْأُصُولِ مُنْتَسِبُونَ إلَى الْإِمَامِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَإِلَى سَهْلٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْتَسْتَرِي». اهـ([209])
ثم ذكر شيخ الإسلام أدلة هذه الأقوال وناقشها.
فمما استدل به القائلون بأن المنافقين سيرون الله تعالى في الموقف: حديثا أبي هريرة وأبي سعيد -رضي الله عنهما-.
فعن أَبي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-: «أَنَّ نَاسًا قَالُوا لِرَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-: يَا رَسُولَ اللهِ ! هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-: «هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ؟»، قَالُوا: لَا، يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «هَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ ؟»، قَالُوا: لَا، يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ؛ يَجْمَعُ اللهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا؛ فَلْيَتَّبِعْهُ…» إلى أن قال: «وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّةُ، فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ، هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا؛ عَرَفْنَاهُ، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ تَعَالَى فِي صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا، فَيَتَّبِعُونَهُ، وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ»([210]).
وعن أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -رضي الله عنه- قَالَ: «قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَة ؟، قَالَ: «هَلْ تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ إِذَا كَانَتْ صَحْوًا ؟»، قُلْنَا: لاَ، قَالَ: «فَإِنَّكُمْ لاَ تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ يَوْمَئِذٍ، إِلَّا كَمَا تُضَارُونَ فِي رُؤْيَتِهِمَا»، ثُمَّ قَالَ: «يُنَادِي مُنَادٍ: لِيَذْهَبْ كُلُّ قَوْمٍ إِلَى مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ…» إلى أن قال: «حَتَّى يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا يَحْبِسُكُمْ وَقَدْ ذَهَبَ النَّاسُ ؟ فَيَقُولُونَ: فَارَقْنَاهُمْ، وَنَحْنُ أَحْوَجُ مِنَّا إِلَيْهِ اليَوْمَ، وَإِنَّا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي: لِيَلْحَقْ كُلُّ قَوْمٍ بِمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ، وَإِنَّمَا نَنْتَظِرُ رَبَّنَا، قَالَ: فَيَأْتِيهِمُ الجَبَّارُ فِي صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا، فَلاَ يُكَلِّمُهُ إِلَّا الأَنْبِيَاءُ، فَيَقُولُ: هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ تَعْرِفُونَهُ ؟ فَيَقُولُونَ: السَّاقُ، فَيَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ؛ فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ، وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ لِلَّهِ رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ كَيْمَا يَسْجُدَ؛ فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا، ثُمَّ يُؤْتَى بِالْجَسْرِ، فَيُجْعَلُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ…»([211]).
ففي هذين الحديثين: أن الله تعالى سيأتي هذه الأمة وفيها منافقوها في صورة غير صورته، ثم يأتيهم مرة أخرى في صورته، فأخذ بعض العلماء منه أن المنافقين سيرون الله.
قال الإمام ابن خزيمة –رحمه الله تعالى–: «جميعُ أمة النبي -صلى الله عليه وسلم-: بَرِّهِم وفاجِرِهِم، مُؤْمِنِهِم ومُنَافِقِهِم، وبعضُ أهل الكتاب: يرون الله — يوم القيامة، يراه بعضهم رؤية امتحان، لا رؤية سرورٍ وفرحٍ وتلذُّذٍ بالنظر في وجه ربهم – ذي الجلال والإكرام-.
وهذه الرؤية: قبل أن يُوضَعَ الجسرُ بين ظَهْرَيْ جهنم… – ثم ساق الحديثين السابقين –». اهـ([212])
وأُجِيبَ عن هذا الاستدلال: بأن الحديث ليس فيه التصريح بذلك، وإنما فيه أن الجمع الذي فيه المؤمنون والمنافقون سيرون الله، ولا يلزم من ذلك أن يراه جميعهم([213]).
وقد سئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز –ؒ-: هل رؤية الله -سبحانه وتعالى- ثابتة ؟ وما الدليل؟ وما القول الراجح في ذلك ؟ وهل المنافقون يرونه في المحشر ؟
فأجاب –ؒ-: «رؤية الله في الآخرة ثابتة عند أهل السنة والجماعة، من أنكرها؛ كَفَرَ، يراه المؤمنون يوم القيامة، ويرونه في الجنة كما يشاء، بإجماع أهل السنة، كما قال –: [ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ] {القيامة:22، 23}، وقال -سبحانه-: [ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ] {يونس:26}.
وقد فَسَّر النبي -صلى الله عليه وسلم- الزيادة بأنها النظر إلى وجه الله، وتواترت الأحاديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة وفي الجنة.
أما في الدنيا: فلا يُرَى في الدنيا، كما قال -سبحانه وتعالى-: [ﭥ ﭦ ﭧ] {الأنعام:103}، وقال لموسى: [ﯝ ﯞ] {الأعراف: 143}، وثبت عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «واعلموا أنه لن يَرَى أَحَدٌ رَبَّهُ حتى يموت»؛ فالدنيا ليست محل الرؤية؛ لأن الرؤية نعيم، رؤية الله أعلى نعيم أهل الجنة، وهذه الدار ليست دار النعيم، دار الأكدار، ودار الأحزان، ودار التكليف، فلا يُرَى في الدنيا، لكنه يُرَى في الآخرة، يراه المؤمنون، أما الكفار فهم عنه محجوبون، كما قال -سبحانه-: [ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ] {المطففين:15} فالكفار محجوبون عن الله يوم القيامة، والمؤمنون يرونه في الآخرة، والصحيح أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم ير ربه.
أما المنافقون: فمحل نظر، جاء في بعض الروايات ما يدل على أنه يأتي هذا اليوم، الأمة وفيها منافقوها، لكن ليس فيه الصراحة بأنهم يرونه يوم القيامة». اهـ([214])
وقد ذكر شيخ الإسلام –ؒ– أعذار من اختلف من أهل العلم في هذه المسألة؛ فإن مع كل فريق من الأدلة ما يرى أنه يدل على ما ذهب إليه.
فقال -ؒ-: «أَمَّا الْجُمْهُورُ فَعُذْرُهُمْ ظَاهِرٌ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَمَا نُقِلَ عَن السَّلَفِ، وَأَنَّ عَامَّةَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي «الرُّؤْيَةِ» لَمْ تَنُصَّ إلَّا عَلَى رُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُمْ نَصٌّ صَرِيحٌ بِرُؤْيَةِ الْكَافِرِ، وَوَجَدُوا الرُّؤْيَةَ الْمُطْلَقَةَ قَدْ صَارَتْ دَالَّةً عَلَى غَايَةِ الْكَرَامَةِ وَنِهَايَةِ النَّعِيمِ.
وَأَمَّا الْمُثْبِتُونَ عُمُومًا وَتَفْصِيلًا: فَقَدْ ذَكَرْتُ عُذْرَهُمْ، وَهُمْ يَقُولُونَ: قَوْلُهُ: [ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ] {المطففين:15}، هَذَا الْحَجْبُ بَعْدَ الْمُحَاسَبَةِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ يُقَالُ: حَجَبْتُ فُلَانًا عَنِّي، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ الْحَجْبَ نَوْعُ رُؤْيَةٍ؛ وَهَذَا حَجْبٌ عَامٌّ مُتَّصِلٌ، وَبِهَذَا الْحَجْبِ يَحْصُلُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ؛ فَإِنَّهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- يَتَجَلَّى لِلْمُؤْمِنِينَ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ بَعْدَ أَنْ يُحْجَبَ الْكُفَّارُ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الْمُتَقَدِّمَةُ، ثُمَّ يَتَجَلَّى لَهُمْ فِي الْجَنَّةِ، عُمُومًا وَخُصُوصًا، دَائِمًا أَبَدًا سَرْمَدًا.
وَيَقُولُونَ: إنَّ كَلَامَ السَّلَفِ مُطَابِقٌ لِمَا فِي الْقُرْآنِ. ثُمَّ إنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ «الرُّؤْيَةِ» الَّذِي هُوَ عَامٌ لِلْخَلَائِقِ، قَدْ يَكُونُ نَوْعًا ضَعِيفًا، لَيْسَ مِنْ جِنْسِ «الرُّؤْيَةِ» الَّتِي يَخْتَصُّ بِهَا الْمُؤْمِنُونَ؛ فَإِنَّ «الرُّؤْيَةَ» أَنْوَاعٌ مُتَبَايِنَةٌ تَبَايُنًا عَظِيمًا لَا يَكَادُ يَنْضَبِطُ طَرَفَاهَا». اهـ([215])
والأهم في هذه المسألة:
– إثبات أن المؤمنين سيرون الله تعالى في موقف الحساب، وفي الجنة، وأن هذه الرؤية الحاصلة لهم في الجنة: هي أعظم نعيمهم.
– أن أحدا لن يرى الله تعالى في الدنيا، ولم يختلف العلماء في حصول ذلك لأحد إلا النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مع أن الصحيح في ذلك أنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم ير ربه -سبحانه وتعالى-.
– أن الكفار والمنافقين – إن قيل بأنهم سيرون الله في موقف الحساب – فإن هذه الرؤية ليست رؤية نعيم، وإنما هي رؤية حساب وامتحان.
– أنه ليس لأحد أن يطلق القول بأن الكفار سيرون ربهم من غير تقييد؛ لأن الرؤية المطلقة قد صار يفهم منها الكرامة والثواب، وليس لأحد أن يطلق لفظا يوهم خلاف الحق، إلا أن يكون مأثورا عن السلف في الباب، وإطلاق القول برؤية الكفار أو المنافقين: ليس مما أُثِرَ عن السلف في هذا الباب([216]).
السابع: التفرقة بين الخطأ في المسائل المجمع عليها والمسائل الاجتهادية، والتفرقة في المسائل الاجتهادية بين ما يَسُوغُ فيه الاجتهادُ وما لا يَسُوغُ من الاجتهاد:
لا ريب أن المجتهد إذا أخطأ فيما يَسُوغُ فيه الاجتهاد؛ فإنه يُعْفَى عن خطئه، ويُثَاب على اجتهاده -إن كان من أهل الاجتهاد- وحرصه على إصابة الحق؛ وإن لم يُوَفَّق إليه؛ لقول رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ، فَاجْتَهَدَ، ثُمَّ أَصَابَ؛ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ، فَاجْتَهَدَ، ثُمَّ أَخْطَأَ؛ فَلَهُ أَجْرٌ»([217]).
فهذا نص صريح في أنَ المجتهدين منهم المصيب، ومنهم المخطئ، ومن المعلوم أن المخطئ في الأحكام بعد استكمال الشروط معذور في خطئه، مأجور باجتهاده، كما هو منطوق الحديث([218]).
قال العلامة الشَّوْكَانِيّ –ؒ-: «فهذا الحديث قد دل دلالة بينة أن للمجتهد المصيب أجرين، وللمجتهد المخطئ أجراً، فسماه مخطئاً، وجعل له أجراً، فالمخالف للحق بعد أن اجتهد مخطئ مأجور، وهو يَرُدُّ على من قال: إنه مصيب، ويَرُدُّ على من قال: إنه آثم رداً بيناً، ويدفعه دفعاً ظاهراً». اهـ([219])
وقال أيضًا –ؒ-: «فهذا الحديث يفيدك أن الحق واحد، وأن بعض المجتهدين يوافقه، فيقال له: مصيب، ويستحق أجرين، وبعض المجتهدين يخالفه، ويقال له: مخطئ، واستحقاقُهُ الأجْرَ لا يَسْتَلْزِمُ كونَهُ مصيباً، واسمُ المخطئ فيه لا يَسْتَلْزِمُ ألا يكون له أجر». اهـ([220])
وقال الإمام البَغَوِيّ –ؒ-: «وقوله -♠-: «إِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ؛ فَلَهُ أَجْرٌ» لم يُرِدْ به أنه يؤجر على الخطأ، بل يُؤْجَر على اجتهاده في طلب الحق؛ لأن اجتهاده عبادة، والإثم في الخطأ عنه موضوع؛ إذ لم يأْلُ جُهْدَه». اهـ([221])
فيجب الاعتقاد بأن العصمة للأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- المؤيَّديِن بالوحي، وأما العلماء فمهما بَلَغُوا في العلم والتقوى والإمامة؛ فتقع منهم الزلات والأخطاء، بل ربما وقع بعض الأكابر منهم في بعض البدع من حيث يرونها سنة وقُرْبة إلى الله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية –ؒ-: «فأما الصديقون والشهداء والصالحون فليسوا بمعصومين». اهـ([222])
وقال الحافظ ابْنُ قُدَامَةَ –ؒ-: «أما الإجماع: فإن الصحابة -رضي الله عنهم- اشتهر عنهم في وقائع لا تخفى إطلاقُ الخطأ على المجتهد…، ثم ذكر الآثار في ذلك، ثم قال: وهذا اتفاق منهم على أن المجتهد يخطئ». اهـ
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -ؒ-: «لذا يُعْذَر كثير من العلماء والعُبَّاد، بل والأمراء فيما أَحْدَثُوه لنوع اجتهاد»([223]).
وقال شيخ الإسلام ابْنُ تَيْمِيَّةَ –ؒ-: «بل يَضِلُّ عن الحق مَنْ قَصَدَ الحق، وقد اجتهد في طلبه، فعجز عنه؛ فلا يُعاقَبُ، بل يكون له أجر على اجتهاده، وخطؤه الذي ضَلَّ فيه عن حقيقة الأمر مغفور له، وكثير من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة، ولم يَعْلَمُوا أنه بدعة، إما لأحاديث ضعيفة ظنوها صحيحة، وإما لآيات فهموا منها ما لم يُرَدْ منها، وإما لرَأْيٍ رَأَوْه، وفي المسألة نصوص لم تَبْلُغْهم، وإذا اتقى الرجلُ رَبَّه ما استطاع؛ دخل في قوله: [ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ] {البقرة:286} وفي «الصحيح» من حديث ابن عباس -رضي الله عنه- أن الله قال: «قد فَعَلْتُ». اهـ([224])
وقال-ؒ- أيضًا: «.. فالاستحلالُ الذي يكون في موارد الاجتهاد، وقد أخطأ المُسْتَحِلُّ في تأويله مع إيمانه وحسناته: هو مما غفره الله لهذه الأمة من الخطأ في قوله: [ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ] {البقرة:286}؛ كما اسْتَحَلَّ بعضُهم بعضَ أنواع الربا، واسْتَحَلَّ بعضُهم نوعًا من الفاحشة، وهو إتيان النساء في حُشُوشِهِنَّ، واسْتَحَلَّ بعضُهم بعضَ أنواع الخمر، واسْتَحَلَّ بعضُهم استماع المعازف، واسْتَحَلَّ بعضُهم من دماء بعضٍ بالتأويل ما اسْتَحَلَّ». اهـ([225])
وقال أيضاً: «قال تعالى: [ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ] {الشورى:21}، فمن نَدَبَ إلى شيء يَتَقَرَّبَ به إلى الله، أو أَوْجَبه بقوله أو فِعْلِه، من غير أن يُشَرِّعَه الله؛ فقد شَرَعَ من الدين ما لم يأذن به الله، ومن اتَّبَعَه في ذلك؛ فقد اتَّخَذه شريكاً له، شَرَع له من الدين ما لم يأذن به الله، نَعَم قد يكون متأولاً في هذا الشرع؛ فيُغْفَرُ له لأجل تأويله، إذا كان مجتهداً الاجتهاد الذي يُعْفَى فيه عن المخطئ، ويُثَابُ أيضاً على اجتهاده، لكن لا يجوز اتباعُهُ في ذلك، كما لا يجوز اتباعُ سائر من قال أو عمل قولاً قد عُلم الصواب في خلافه، وإن كان القائلُ أو الفاعلُ مأجوراً أو معذوراً». اهـ([226])
وقال –ؒ– في السماع الصوفُّي: «… وإن كان من المشايخ الصالحين من تأول في ذلك، وبتأويله واجتهاده يَغْفِرُ الله له خطأه، ويُثِيبُهُ على ما مع التأويل من عَمَلٍ صالحٍ؛ فذلك لا يمنع أن يقال ما في الفعل من الفساد؛ إذ التأويل من باب المعاريض في حق بعض الناس تُدْفَع به عنه العقوبة، كما تُدْفَعُ بالتوبة والحسنات الماحية، وهذا لمن استفرغ وُسْعَهُ في طلب الحق». اهـ([227])
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية -ؒ- أيضًا: «ومما يتعلق بهذا الباب: أن يُعْلَم أن الرجل العظيم في العلم والدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى يوم القيامة: أهل البيت وغيرهم، قد يحصل منه نوعٌ من الاجتهاد مَقْروناً بالظن ونوعٍ من الهوى الخَفِيِّ، فيحصل بسبب ذلك مالا ينبغي اتباعُهُ فيه، وإن كان من أولياء الله المتقين، ومثل هذا إذا وقع يصير فتنة لطائفتين: طائفةٍ تُعَظِّمُهُ، فتريد تصويبَ ذلك الفعلِ واتباعَهُ عليه، وطائفةٍ تذمّه، فتجعل ذلك قادحاً في ولايته وتقواه، بل في برّه وكونه من أهل الجنة، بل في إيمانه حتى تخرجه عن الإيمان، وكلا هذين الطرفين فاسد.
والخوارج والروافض وغيرهم من ذوي الأهواء دخل عليهم الداخل من هذا، ومن سلك طريق الاعتدال؛ عظَّم مَنْ يَسْتَحِقُّ التَّعْظِيمَ، وأَحَبَّهُ ووالاه، وأَعْطَى الحقَّ حقَّه، فيعظّم الحقَّ، ويَرْحَمُ الخَلْق، ويَعْلَمُ أن الرجل الواحد تكون له حسنات وسيئات: فيُحْمَدُ ويُذَمُّ، ويُثابُ ويُعاقَبُ، ويُحَبُّ من وجه ويُبْغَضُ من وجه، هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، خلافاً للخوارج والمعتزلة ومن وافقهم». اهـ([228])
وقال شيخ الإسلام -ؒ- مبِّينًا أن الفُرْقَةَ الناتجة عن الاختلاف في المسائل الاجتهادية، سَبَبُهَا البغيُ والظلمُ، فقال -ؒ -: «ولكن الاجتهاد السائغ، لا يبلغ مَبْلَغَ الفتنة والفُرْقَة؛ إلا مع البغي، لا لمجرد الاجتهاد». اهـ([229])
وقال -ؒ- أيضًا: «فَدِينُ الْمُسْلِمِينَ مَبْنِيٌّ عَلَى اتِّبَاعِ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ، وَمَا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ، فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ هِيَ أُصُولٌ مَعْصُومَةٌ، وَمَا تَنَازَعَتْ فِيهِ الْأُمَّةُ؛ رَدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ، وَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَنْصِبَ لِلْأُمَّةِ شَخْصًا يَدْعُو إلَى طَرِيقَتِهِ، وَيُوَالِي وَيُعَادِي عَلَيْهَا غَيْرَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَلَا يَنْصِبَ لَهُمْ كَلَامًا يُوَالِي عَلَيْهِ وَيُعَادِي غَيْرَ كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَا اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ، بَلْ هَذَا مِنْ فِعْلِ أَهْلِ الْبِدَعِ الَّذِينَ يَنْصِبُونَ لَهُمْ شَخْصًا أَوْ كَلَامًا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْأُمَّةِ، يُوَالُونَ بِهِ عَلَى ذَلِكَ الْكَلَامِ أَوْ تِلْكَ النِّسْبَةِ، وَيُعَادُونَ». اهـ([230])
وقال صاحب الفضيلة الشيخ ابن عثيمين– ؒ-: «وأما موقفنا من العلماء المُؤَوِّلين، فنقول: من عُرف منهم بحسن النية، وكان لهم قَدَمُ صِدْقٍ في الدين، واتباعِ السنة؛ فهو معذور بتأويله السائغ، ولكِنْ عُذْرُهُ في ذلك لا يمنع من تخطئة طريقته المخالفة لما كان عليه السلف الصالح: من إجراء النصوص على ظاهرها، واعتقاد ما دل عليه ذلك الظاهر، من غير تكييف ولا تمثيل؛ فإنه يجب التفريق بين حُكْم القول وقائله، والفعل وفاعله، فالقول الخطأ إذا كان صادرًا عن اجتهادٍ وحُسْنِ قَصْدٍ؛ فلا يُذَمُّ عليه قائلُه، بل يكون له أجر على اجتهاده، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إذا حَكَم الحاكم، فاجتهد، ثم أصاب؛ فله أجران، وإذا حَكَم، فاجتهد، ثم أخطأ؛ فله أجر». متفق عليه.
وأما وَصْفُه بالضلال؛ فإن أريد بالضلالِ الضلالُ المطلقُ، الذي يُذَمُّ به الموصوف، ويُمْقَتُ عليه؛ فهذا لا يتوجَّه في مثل هذا المجتهد، الذي عُلم منه حُسْنُ النية، وكان له قَدَمُ صِدْقٍ في الدين واتباعِ السنة، وإن أريد بالضلال مخالفةُ قوله للصواب، من غير إشعار بذمِّ القائل؛ فلا بأس بذلك؛ لأن مثل هذا ليس ضلالًا مُطْلَقًا؛ لأنه من حيث الوسيلة صواب، حيث بَذَلَ جُهْدَه في الوصول إلى الحق، لكنه باعتبار النتيجة ضلال، حيث كان خلاف الحق، وبهذا التفصيل يزول الإشكال والتهويل، والله المستعان». اهـ([231]).
وهذا كلامه -ؒ- فيمن أوّل بعض الصفات، فما ظنك بما هو دون ذلك بدرجات ودرجات، بل من لم يَثْبُتْ -من حيث الحجة والبرهان- أن ما أُنْكِر عليه من الغلاة أنه قد أخطأ فيه، بل كلامه هو الحق، وكلام المُنْكِر عليه هو الباطل فمن باب أولى؟!
وقال– ؒ-: «الأمر التاسع: احترامُ العلماء وتقديرُهُم: إنَّ على طلبة العلم احترامَ العلماء، وتقديرَهُم، وأن تتسع صدورهم لما يحصل من اختلاف بين العلماء وغيرهم، وأن يقابلوا هذا بالاعتذار عَمَّنْ سَلَكَ سبيلاً خَطَأً في اعتقادهم، وهذه نقطة مهمة جدًّا؛ لأن بعض الناس يتتبع أخطاء الآخرين؛ ليتخذ منها ما ليس لائقًا في حقهم، ويشوّش على الناس سُمعتهم، وهذا من أكبر الأخطاء، وإذا كان اغتياب العامي من الناس من كبائر الذنوب؛ فإن اغتياب العالم أكبر وأكبر؛ لأن اغتياب العالم لا يقتصر ضَرَرُهُ على العالم، بل عليه وعلى ما يَحْمِلُهُ من العلم الشرعي، والناس إذا زهدوا في العالم، أو سَقَطَ من أعينهم؛ تَسْقُط كلمته أيضًا، وإذا كان يقول الحق، ويهدى إليه؛ فإنَّ غِيبَةَ هذا الرجل لهذا العالم، تكون حائلاً بين الناس وبين علمه الشرعي، وهذا خطره كبير وعظيم».
وقال -ؒ-: أقول: «إن على هؤلاء الشباب أن يَحْمِلُوا ما يَجْرِي بين العلماء من الاختلاف، على حُسْنِ النية، وعلى الاجتهاد، وأن يَعْذُرُوهم فيما أخطؤوا فيه، ولا مانع أن يتكلموا معهم فيما يعتقدون أنه خطأ؛ ليبينوا لهم: هل الخطأ منهم، أو من الذين قالوا: إنهم أخطؤوا؛ لأن الإنسان أحيانًا يتصوَّر أن قول العالم خطأ، ثم بعد المناقشة يتبين له صوابه، والإنسان بَشَرٌ: «كل ابن آدم خَطَّاء، وخير الخطائين التوابون»، أما أن يَفْرَحَ بزلة العالم وخطئه؛ ليشيعها بين الناس، فتحصل الفُرقةُ؛ فإن هذا ليس من طريق السلف». اهـ([232]).
وجاء في «كتاب العلم» للشيخ العثيمين –ؒ– أيضًا: سؤال: «ما قولكم فيمن يتخذ من أخطاء العلماء طريقًا للقدح فيهم، ورميهم بالبهتان، وما النصيحة التي توجِّهها لطلبة العلم في ذلك؟!
فأجاب الشيخ– ؒ– قائلاً: «العلماء بلا شك يخطئون ويصيبون، وليس أحد منهم معصومًا، ولا ينبغي لنا، بل ولا يجوز أن نتخذ من خطئهم سُلّمًا للقدح فيهم؛ فإن هذا طبيعة البشر كُلِّهم: أن يخطئوا إذا لم يُوفَّقوا للصواب، ولكن علينا إذا سمعنا عن عالم، أو عن داعية من الدعاة، أو عن إمام من أئمة المساجد، إذا سمعنا خطأ؛ أن نَتَّصِلَ به، حتى يتبيّن لنا؛ لأنه قد يحصل في ذلك خطأٌ في النقل عنه، أو خطأ في الفهم لما يقول، أو سوء قَصْدٍ في تَشْويِه سُمعة الذي نُقِل عنه هذا الشيء، وعلى كل حال: فمن سمع منكم عن عالم، أو عن داعية، أو عن إمام مسجد، أو أي إنسان له ولاية، من سمع عنه مالا ينبغي أن يكون؛ فعليه أن يتصل به، وأن يسأله: هل وَقَعَ ذلك منه، أم لم يقع؟ ثم إذا كان قد وقع؛ فليبين له ما يرى أنه خطأ، فإما أن يكون قد أخطأ؛ فيرجع عن خطئه، وإما أن يكون هو المصيب؛ فيبين وجه قوله، حتى تزول الفوضى التي قد نراها أحيانًا، ولا سيما بين الشباب، وإنَّ الواجب على الشباب وعلى غيرهم، إذا سمعوا مثل ذلك؛ أن يَكُفُّوا ألسنتهم، وأن يسعوا بالنصح والاتصال بمن نُقِل عنه ما نُقل، حتى يتبيَّن الأمر، أما الكلام في المجالس، ولا سيَّما في مجالس العامَّة، أن يُقال: ما تقول في فلان؟! ما تقول في فلان الآخر، الذي يتكلم ضد الآخرين؟! فهذا أمر لا ينبغي بثه إطلاقًا؛ لأنه يثير الفتنة والفوضى؛ فيجب حِفْظُ اللسان؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ بن جبل -رضي الله عنه-: «ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟» قلت: بلى، يا رسول الله، فأَخَذَ بلسان نَفْسِهِ، وقال: «كُفَّ عليك هذا»، قلت: يا رسول الله، إنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: «ثَكَلَتْكَ أمُّك يا معاذ، وهل يَكُبُّ الناسَ في النار على وجوههم -أو قال: على مناخرهم- إلا حصائِدُ أَلْسِنَتِهِم؟!».
قال -ؒ-: «وأَنْصَحُ طلبةَ العلم وغَيْرَهم: أن يتقوا الله، وألا يجعلوا أعراضَ العلماء والأمراء مَطِيَّةً، تَرْكبونها كيفما شِئْتُم، فإنه إذا كانت الغِيبة في عامة الناس من كبائر الذنوب؛ فهي في العلماء والأمراء أَشَدُّ وأَشَدُّ، حمانا الله وإياكم عما يغضبه، وحمانا عما فيه العدوان على إخواننا، إنه جواد كريم». اهـ([233]). وانظر نحو ذلك في شريط «الحياة السعيدة» الوجه (ب).
وفي «مجلة البحوث الإسلامية» في العدد (59)([234]) فتوى لسماحة المفتي العام الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ، سُئل -حفظه الله تعالى-: ما هو الضابط في التعامل مع المبتدع؟ وهل يُهجر بمجرد فِعْلِهِ بدعةً أو أكثر؟
قال: «من أَعْلَن بدعةً؛ وَجَبَ أنْ ننصحَه ونُوَجِّهَه، ونناقشه؛ فلعلّ شُبْهَةً عَرَضَتْ له، وتأويلًا خَطَر بباله، وعليه: يجب أنْ نُزيلَ شبهته، ونُبينَ خطأ تأويله، ونُوضِّحَ له الحق، فإنّ هذا هو الواجب علينا؛ لأنّ كُلًّا عُرضةٌ للخطأ، وربما هو أخطأ، ويظن أنه مصيب، وتُعْرَض عليه شبهةٌ أو تأويل، وظَنَّ أنّ ذلك خيرٌ، فيجب أنْ ننصَحَهُ أولًا، ونُوجِّهَهُ، ونُقْنِعَهُ، ونُجادِلَهُ بالتي هي أَحْسَنُ؛ لِنُحِقَّ الحقَّ، ونُبْطِلَ الباطل.
فإنّ كثيرًا من الناس قد يقع في الخطأ من غير قَصْد، ولكن لأجل سوء فَهْمٍ، وقِلَّةِ إدراكٍ، وشبهةٍ عَرَضَتْ له، وتأويلٍ لبعض النصوص؛ ظنّ أنّ هذا التأويلَ تأويلٌ سائغ، فلا بُدَّ من النصيحة والإقناع، فعسى الله أنْ يفتحَ على قلبه، ويُخَلِّصَه من تلك الشبهات، ويصرفَ قلْبَه عن تلك التأويلات الباطلة».
ثم قال -حفظه الله- بعد ذلك: «وإذا أُقيم الحقُّ عليه، وأَبَى واستكبر، ولم يَنْقَدْ إلى الحق؛ وجب أنْ نهجره على قَدْرِ بدعته، ونَكْرَهَه على قَدْرِ ما قام به من الشر». اهـ
وقال معالي الشيخ صالح بن فوزان الفوزان -حفظه الله-: «الطريقة الصحيحة للتعامل مع العلماء عند ظن خطئهم: نعم، أَنَا لا أقول عن العلماء: معصومون، وأنهم لا يخطئون، العصمةُ لكتاب الله، وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، والعلماء يخطئون، ولكن ليس العلاجُ أننا نُشَهِّر بهم، وأننا نتخذُهم أغراضًا في المجالس، أو ربما على بعض المنابر، أو بعض الدروس؟! لا يجوز هذا أبدًا، حتى لو حَصَلَتْ من عالم زَلَّةٌ أو خطأٌ؛ فإنَّ العلاج يكون بغير هذه الطريقة، قال تعالى: [ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ] {النور:19}.
نسأل الله العافية والسلامة، فالواجب أن نَتَنَبَّهَ لهذا الأمر، وأن يَحْتَرِمَ بعضُنا بعضًا، ولا سيما العلماء؛ فإن العلماءَ ورثةُ الأنبياءِ، ولو كان فيهم ما فيهم». اهـ([235]).
وقال معالي الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ -حفظه الله تعالى- في شريط «الفتوى بين مطابقة الشرع ومسايرة الأهواء» الوجه (ب): «أيضًا، إذا كانت المسألةُ متعلقةً بالعقائد، أو كانت المسألةُ متعلقةً بعالمٍ من أهل العلم، في الفتوى في شأنه في أمر من الأمور؛ فإنه هنا يجب النظر فيما يَؤُولُ إليه الأَمْر من المصالح ودَفْعِ المفاسد؛ ولهذا ترى أئمة الدعوة -رحمهم الله تعالى- من وقت الشيخ عبدالرحمن بن عبداللطيف بن حسن -أحد الأئمة المشهورين- والشيخِ محمد بن إبراهيم، إذا كان الأمر متعلقًا بعالم، أو بإمام، أو بمن له أَثَرٌ في السنة؛ فإنهم يتورعون، ويبتعدون عن الدخول في ذلك:
الشيخ صِدِّيق حسن خان القِنَّوْجيّ الهندي: المعروف، عند علمائنا له شأن، ويقدِّرون كتابه «الدين الخالص»، مع أنه نَقَدَ الدعوةَ في أكثرِ من كتابٍ له، لكن يَغُضّون النظرَ عن ذلك، ولا يُصَعِّدون هذا؛ لأجل الانتفاع بأصل الشيء، وهو تحقيق التوحيد، ودرء الشرك.
المثالُ الثاني: الإمامُ محمد بن إسماعيل الصنعاني، المعروفُ، صاحبُ كتاب «سُبُل السلام» وغيره، له كتاب «تَطْهِير الاعتقاد»، وله جهودٌ كبيرة في رَدِّ الناس إلى السنة، والبُعْدِ عن التقليد المذموم، والتعصب، وعن البدع، لكنْ زَلَّ في بعض المسائل، ومنها ما يُنْسَبُ إليه في قصيدته المشهورة، لما أَثْنَى على الدعوة، قيل: إنه رجع عن قصيدته تلك بأخرى، يقول فيها: «رَجَعْتُ عن القول الذي قلتُ في النجدي» يعني: محمد بن عبدالوهاب النجدي، ويأخذ هذه القصيدةَ أربابُ البدع، وهي تُنْسَب له، وتُنْسَب لابنه إبراهيم، وينشرونها على أن الصنعاني كان مؤيِّدًا للدعوة، لكنه رَجَع.
والشوكاني أيضًا –رحمه الله تعالى– مقامه أيضًا معروف، له اجتهادٌ خاطئٌ في التوسُّل، وله اجتهادٌ خاطئٌ في الصفات، وتفسيره في بعض الآيات له تأويلٌ، وله كلامٌ في عمر -رضي الله عنه- ليس بالجيد، و له كلام -أيضًا- في معاوية – رضي الله عنه- ليس بالجيد، لكن العلماء لا يَذْكُرون ذلك، وألَّف الشيخُ سليمان بن سحمان –ؒ– كتاب «تبرئة الشيخين الإمامين»، يعني: بهما الإمامَ الصنعانيَّ والإمام الشوكانيَّ، وهذا لماذا؟ لماذا فعل ذلك؟ لأن الأصلَ الذي يَبْنِي عليه هؤلاء العلماءُ هو السنةُ، فهؤلاء ما خالفونا في أصل الاعتقاد، وما خالفونا في التوحيد، ولا خالفونا في نصرة السنة، ولا خالفونا في رَدِّ البِدَعِ، وإنما اجتهدوا، فأخطؤوا في مسائل، والعالم لا يُتَّبَعَ بزلَّتِهِ -كذا، ولعله «لا يُتَتَبَّعَ»: أي: يُفْضَح- كما أنه لا يُتَّبَعَ في زَلَّتِهِ- أي: لا يُقْتَدَى به فيها – فهذه تُتْركُ، ويُسكتُ عنها، ويُنشَرُ الحقُّ، ويُنشر من كلامه مما يُؤَيَّد به.
وعلماءُ السنة لما زَلَّ ابنُ خزيمة –ؒ– في مسألة الصورة -كما هو معلوم- ونَفَى صِفَةَ الصورة لله -جل وعلا-؛ ردّ عليه ابنُ تيمية –ؒ– في أكثر من مائة صفحة، مع ذلك؛ علماء السنة يقولون عن ابن خزيمة: إنه «إمام الأئمة»، ولا يَرْضَوْن أن أحدًا يَطْعَنُ في ابن خزيمة؛ لأن كتاب «التوحيد»، الذي ملأه بالدفاع عن التوحيد لله رب العالمين، وبإثبات أنواع الكمالات لله -جل وعلا-، في أسمائه ونعوته، -جل جلاله، وتَقَدَّسَتْ أسماؤه-، والذهبي –ؒ– في «سير أعلام النبلاء» قال: «وزَلَّ ابنُ خزيمة في هذه المسألة».
فإذنْ: هنا إذا وقع زَلَلُ في مثل هذه المسائل، فما الموقف منها؟ الموقف: أنه يُنظر إلى موافقَتِهِ لنا في أصل الدين، وموافقَتِهِ للسنة، ونُصرتِهِ للتوحيد، ونُصرتِهِ لنَشْر العلم النافع، ودعَوتِهِ إلى الهُدى، ونحو ذلك من الأصول العامة، ويُنْصَح في ذلك، وربما رُدَّ عليه على حِدَةٍ، لكن لا يُقْدَح فيه قدحًا – كذا – يُلْقيه تمامًا، وعلى هذا كان منهجُ أئمة الدعوة في هذه المسائل، كما هو معروف.
وقد حَدَّثَني فضيلةُ الشيخ صالح بن محمد اللِّحِيدان -حفظه الله تعالى- حينما ذكر قصيدة الصنعاني الأخيرة: «رجعتُ عن القول الذي قُلْتُ في النجدي» التي يقال: إنه رجع فيها، أو أنه كتبها، قال: سألتُ شيخَنا محمدَ بن إبراهيم –ؒ– عنها، هل هي له، أم ليستْ له؟ قال: فقال لي: الظاهر أنها له، والمشايخ مشايخنا يُرَجِّحون أنها له، ولكن لا يريدون أنه يقال ذلك؛ لأنه نَصَرَ السنة، ورَدَّ البدعة، مع أنه هجم على الدعوة، وتكلَّم في هذه القصيدة عن الشيخ محمد بن عبدالوهاب، ثم الشوكاني له قصيدةٌ أَرْسَلَها إلى الإمام سعود، ينهاه فيها عن كثير من الأفعال، من القتال، ومن التوسُّع في البلاد، ونحو ذلك في أشياء، لكنَّ مقامه محفوظ، لكن ما زلُّوا فيه؛ لا يُتَابَعُون عليه، ويُنْهَى عن متابعته في…»، إلى أن قال -حفظه الله-:
«لأن الشريعةَ جاءتْ بتحصيلِ المصالحِ وتَكْمِيلِها، ودَرْءِ المفاسدِ وتَقْلِيلِها، وهذه القاعدةُ المتفقُ عليها، لها أَثَرٌ كبيرٌ، بل يجب أن يكون لها أَثَرٌ كبيرٌ في الفتوى…». اهـ.
(تنبيه) سبق الكلام في عدم إطلاق تبديع المجتهد من أهل العلم من علماء السنة، إنما يُحَذَّر من خطئه، ويُبَيَّن انحرافه في مسألة كذا، لا بإطلاق، ويُلْحق بذلك العاميُّ المقلِّد لعلماء السنة تقليدًا سائغًا، بأن كان يقلد أحد علماء السنة فيما وقع فيه من الخطأ المخالف لما عليه أهل السنة، والعاميّ لم يقلِّده تعصُّبًا وحمية جاهلية، أو لمصلحة شخصية، أو عداوة لفلان دون فلان، إنما ظنَّ أنه أعلم من غيره، وأنه أَوْلَى بالتقليد ممن لم يقلِّده، فهذا يكون من عوام أهل السنة، ومغفورًا له خطؤه، ومأجورًا أجرًا واحدًا لاجتهاده في اختيار هذا العالم دون غيره، وهذا هو المراد بالتقليد السائغ، والله أعلم.
الثامن: يُفَرَّقُ بين من كان من المُخْطِئين المخالفين: لكنْ له قَدَمُ صِدْقٍ في السنة، والانتصارِ لها، ولمنهجِ السلف الصالح، ومن له حسناتٌ غالبةٌ ماحيةٌ لهذا الخطأ، وبين من ليس كذلك.
وقد سَبَقَ في الضابط السابع كلام لعدد من العلماء في تخطئة العالم الذي له قَدَمُ صِدْق في نُصْرة الدين فيما خالف فيه الصواب، مع الحِفَاظِ على مكانته وحُرمته وحِشْمته، وهذا أمر ذُكِر في عدة مواضع؛ لأن العالم يذكره مع غيره من الضوابط.
فقد روى الخطيب -ؒ- في «الكفاية»: عن ابن المسيّب -ؒ- قال: «ليس من عالم ولا شريفٍ ولا ذي فَضْلٍ إلاّ وفيه عَيْبٌ، ولكن من كان فَضْلُه أكثرَ من نَقْصِهِ؛ ذَهَبَ نَقْصُهُ لفَضْلِهِ»([236]).
وقال سلمة بن شبيب: قلت لأحمد بن حنبل -ؒ-: «طلبتُ عفّان في منزله، قالوا: خَرَجَ، فخرجْتُ أسأل عنه، فقيل: توجّه هكذا، فجعلت أَمْضِي أسألُ عنه، حتّى انتهيتُ إلى مقبرة، وإذا هو جالس يقرأ على قبر بنت أخي ذي الرّياستين([237])، فَبَزَقْتُ عليه، وقلت: سوءةٌ لك! قال: يا هذا، الخُبْزَ الخُبْزَ، قلت: لا أَشْبَعَ الله بَطْنَكَ. قال: فقال لي أحمد: لا تَذْكُرَنّ هذا؛ فإنّه قد قام في المحنة مقاما محمودا عليه، ونحوَ هذا من الكلام»([238]).
وقد حقّق شيخ الإسلام ابن تيمية -ؒ- تحقيقاً ماتعاً لهذه القاعدة في التعامل مع المخالف في مواضع من مصنّفاته، فبيّن وجوب التّفريق بين ما يُسَطِّرُهُ الرجلُ وبين شَخْصِهِ: فيجب بيان الخطأ المسطور وردّه، أمّا الشخص:
– فقد يكون صادقا في خدمة الدّين، ولا يتعمّد الكذب.
– وقد يجتهد ويكون ما قاله هو مَبْلَغُ عِلْمِهِ، أو يكون مقلِّداً.
فقال -ؒ-: «يقول الإنسان قولاً مخالفاً للنصّ والإجماع القديم حقيقةً، ويكون معتقداً أنّه متمسّك بالنصّ والإجماع، وهذا إذا كان مبلغَ عِلْمِهِ واجتهاده؛ فالله يُثِيبه على ما أطاع الله فيه من اجتهاده، ويغفر له ما عجز عن معرفته من الصّواب الباطن» اهـ([239]).
ويقول شيخ الإسلام في مَعْرِض بيان منهج أهل السنة في عدم تأثيم المجتهد -وإن أخطأ في اجتهاده-: «ولم يَقُلْ أحد من السلف والصحابة والتابعين: إن المجتهد الذي اسْتَفْرَغَ وُسْعَه في طلب الحق يَأْثَمُ، لا في الأصول ولا في الفروع»([240]). اهـ
وقد اعتذر شيخ الإسلام -ؒ- لبعض أهل الفضل والصلاح، ممن شَهِدوا سماعَ الصوفيةِ ورَقْصَهُم متأوِّلين، قائلاً: «وَالَّذين شَهِدُوا هَذَا اللَّغْوَ مُتَأَوِّلين من أهل الصدْق وَالْإِخْلَاص وَالصَّلَاح؛ غَمَرَتْ حسناتُهم مَا كَانَ لَهُم فِيهِ وَفِي غَيره من السَّيِّئَات أَو الْخَطَأَ فِي مواقع الاجتهاد، وَهَذَا سَبِيلُ كُلِّ صالحي هَذِه الْأمة فِي خطئهم وزلاتهم، قَالَ تَعَالَى: [ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ] {الزمر: 33- 35}»([241]). اهـ
كما اعتذر -ؒ- لشيوخ أهل التصوف، الذين حَسُنَ ذِكْرُهُم، وثَبَتَ إيمانُهم، فقال: «لكن شيوخَ أهل العلم الذين لهم لسانُ صِدْقٍ، وإن وقع في كلام بعضهم ما هو خطأ مُنْكَر؛ فَأَصْلُ الإيمان بالله ورسوله إذا كان ثابتًا؛ غُفِرَ لأحدهم خطؤهُ الذي أخطأه بعد اجتهاد»([242]).
«هذا إذا وقع الخطأ فيما يسوغ فيه الاجتهاد، أما من أخطأ مخالِفًا الكتابَ المُسْتَبِينَ، والسنةَ المستفيضةَ، أو ما أَجْمَعَ عليه سلفُ الأمة، خِلافًا لا يُعْذَرُ فيه؛ فهذا يُعامَلُ بما يُعامَلُ به أهلُ البدع»([243]).
وقال الإمام ابن القيّم -ؒ-: «من قواعد الشّرع والحكمة أيضًا: أنّ من كَثُرَتْ حسناتُهُ، وعَظُمَتْ، وكان له في الإسلام تأثيرٌ ظاهرٌ؛ فإنّه يُحْتَمَلُ له ما لا يُحْتَمَلُ لغيره، ويُعْفَي عنه مالا يُعْفَي عن غيره؛ فإنّ المعصية خَبَثٌ، والماءَ إذا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ لم يَحْمِل الخَبَثَ، بخلاف الماء القليل، فإنّه لا يَحْمِلُ أدنى خَبَثٍ، ومن هذا قول النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- لعُمَر -رضي الله عنه-: «وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ؛ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ»، وهذا هو المانع له -صلّى الله عليه وسلّم- مِنْ قَتْل من جَسَّ عليه وعلى المسلمين، وارتكب مثل ذلك الذّنبِ العظيمِ، فأَخْبَرَ -صلّى الله عليه وسلّم- أنّه شهد بدرا، فدلّ على أنّ مُقْتَضِى عقوبته قائم، لكن منع مِنْ تَرَتُّبِ أَثَرِهِ عليه: ما له من المشهد العظيم، فوقعتْ تلك السّقطةُ العظيمةُ مُغْتَفَرَةً في جَنْبِ مالَهُ من الحسنات». اهـ([244])
وقال الإمام ابن القيم -ؒ- في «المدارج» – وقد أشار لبعض شطحات المخالفين-: «وهذه الشطحات أوجبتْ فتنةً على طائفتين من الناس:
إحداهما: حُجِبتْ بها عن محاسن هذه الطائفة، ولُطْفِ نفوسهم، وصِدْقِ معاملاتهم؛ فأهدروها لأجل هذه الشطحات، وأنكروها غاية الإنكار، وأساؤوا الظَّنَّ بهم مطلقًا، وهذا عدوانٌ وإسرافٌ، فلو كان كل من أخطأ أو غَلِطَ، تُرِكَ جُملةً، وأُهْدِرَتْ محاسنه؛ لَفَسَدَت العلومُ والصناعاتُ والحِكَمُ، وتَعَطَّلَتْ معالمها…».
ثم ذَكَرَ -ؒ- الطائفة المضادَّةَ لما سبق، وسماهم مُعْتَدِين مُعْرِضِين، ثم قال:
والطائفة الثالثة: «وهم أهلُ العَدْلِ والإنصافِ، والذين أَعْطَوْا كُلَّ ذي حَقٍّ حقَّه، وأنزلوا كلَّ ذي منـزلةٍ منـزلَتَهُ؛ فلم يحكموا للصحيح بحُكْم السَّقِيم المعلُول، ولا للمعلُول السَّقيم بحكم الصحيح، بل قَبِلُوا ما يُقْبَلُ، ورَدُّوا ما يُرَدُّ». اهـ([245]).
وقال -أيضًا ؒ- في سياق ذِكر ما أُخِذَ على أبي إسماعيل الهروي -ؒ- وهو من العلماء المدافعين عن السنة، لكن زلَّتْ قدمُهُ في أمور خطيرة، فقال:
«ولا تُوجِبُ هذه الزلةُ من شيخ الإسلام إهدارَ محاسنِهِ، وإساءةَ الظنِّ به، فَمَحَلُّه من العلم والإمامة والمعرفة والتقدم في طريق السلوك المحلُّ الذي لا يُجْهَلُ، وكلُّ أَحَدٍ فمأْخُوذٌ من قوله ومَتْروك، إلا المعصوم -صلوات الله وسلامه عليه-، والكاملُ مَنْ عُدَّ خطؤه، ولا سيما في مثل هذا المجالِ الضَّنْكِ، والمُعْتَرَكِ الصَّعْبِ، الذي زَلَّتْ فيه أقدامٌ، وضَلَّتْ فيه أفهامٌ، وافترقَتْ بالسالكين فيه الطرقاتُ، وأَشْرَفوا -إلا أقلُّهم- على أَوْدِيَةِ المُهْلِكات، وكيف لا؛ وهو البحْرُ الذي تَجْرِي سفينةُ راكِبِهِ في موجٍ كالجبال، والمُعْتَرَكُ الذي تضاءلَتْ لشهوده شجاعةُ الأبطال، وتحيرتْ فيه عقولُ ألبّاء الرجال، ووصلت الخليقَةُ إلى ساحِلِهِ يَبْغُونَ رَكُوبَهُ» إلخ ما قال -ؒ- من كلام نفيس، فارجع إليه -إن شئت-([246]).
وقال -ؒ-: «فَصْلٌ: وَلَا بُدَّ مِنْ أَمْرَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِن الْآخَرِ، وَهُوَ النَّصِيحَةُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَكِتَابِهِ وَدِينِهِ، وَتَنْزِيهِهِ عَن الْأَقْوَالِ الْبَاطِلَةِ الْمُنَاقِضَةِ لِمَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ مِن الْهُدَى وَالْبَيِّنَاتِ، الَّتِي هِيَ خِلَافُ الْحِكْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْعَدْلِ، وَبَيَانُ نَفْيِهَا عَن الدِّينِ، وَإِخْرَاجِهَا مِنْهُ، وَإِنْ أَدْخَلَهَا فِيهِ مَنْ أَدْخَلَهَا بِنَوْعِ تَأْوِيلٍ.
وَالثَّانِي: مَعْرِفَةُ فَضْلِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ، ومقاديرهم، وحقوقهم، ومراتبهم، وأن فَضْلَهُم وعِلْمَهُم ونُصْحَهُم لله ورسوله؛ لا يُوجِبُ قبولَ كلِّ ما قالوه، وما وقع في فتاويهم من المسائل التي خَفِيَ عليهم فيها ما جاء به الرسول، فقالوا بمبلغ عِلْمِهِم، والحقُّ في خلافها؛ لا يُوجِب اطِّراحَ أقوالهم جُملةً، وتنقُّصَهُمْ، والوقيعةَ فيهم، فهذان طرفان جائران عن القصد، وقَصْدُ السبيل بينهما، فلا نُؤَثِّمُ ولا نُعَصِّمُ، ولا نَسْلُكُ بهم مَسْلَكَ الرافضة في عليٍّ، ولا مَسْلَكَهُم في الشيخَيْنِ، بل نَسْلُكُ مَسْلَكَهم أَنْفُسِهم فيمن قَبْلهم من الصحابة؛ فإنهم لا يُؤَثِّمونهم، ولا يُعَصِّمونهم، ولا يَقْبَلُون كلَّ أقوالهم، ولا يُهْدرونها، فكيف يُنكرون علينا في الأئمة الأربعة مسلكًا يَسْلُكونه هم في الخلفاء الأربعة وسائر الصحابة، ولا منافاة بين هذين الأمرين لمن شرح الله صدره للإسلام، وإنما يتنافيان عند أحد رجلين: جاهلٍ بمقدار الأئمة وفضلهم، أو جاهلٍ بحقيقة الشريعة التي بَعَثَ الله بها رسولَهُ، ومن له عِلْمٌ بالشرع والواقع؛ يَعْلَم قطعًا أن الرجل الجليل، الذي له في الإسلام قَدَمٌ صالحٌ، وآثارٌ حسنةٌ، وهو من الإسلام وأهله بمكان؛ قد تكون منه الهفوةُ والزلةُ، هو فيها معذورٌ، بل ومأجورٌ لاجتهاده، فلا يجوز أن يُتَّبَعَ فيها، ولا يجوز أن تُهْدَرَ مكانَتُهُ وإمامَتُهُ ومنـزلَتُهُ من قلوب المسلمين». اهـ([247]).
وقد قال الشاطبي -ؒ-: «إنَّ زَّلَة العالم لا يَصِحُّ اعتمادُها من جهة، ولا الأخذُ بها تقليدًا له… كما أنه لا ينبغي أن يُنْسَبَ صاحِبُها إلى التقصير، ولا أن يُشنَّعَ عليه بها، ولا يُنْتَقَصَ من أَجْلِها، أو يُعْتَقَدَ فيه الإقدامُ على المخالفة بحتًا؛ فإن هذا كُلُّه خلافُ ما تَقْتَضِي رُتْبَتُهُ في الدين». اهـ([248]).
والحافظ الذهبي –ؒ– قد قرر هذا في عدة مواضع:
أ- ففي «النبلاء»([249]) ترجمة ابن خزيمة، قال -ؒ-: «ولابن خزيمة عَظَمَةٌ في النفوس، وجلالةٌ في القلوب؛ لِعِلْمِهِ ودينهِ واتباعِهِ السنةَ، وكتابُهُ في التوحيد مُجَلَّدٌ كبير، وقد تأول في ذلك حديث الصورة، فَلْيُعْذَرْ مَنْ تَأَوَّلَ بعضَ الصفات، وأما السلف فما خاضوا في التأويل، بل آمنوا وكَفُّوا، وفَوّضوا عِلْمَ ذلك إلى الله ورسوله([250])، ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده، مع صِحَّة إيمانه، وتَوَخِّيه لاتباع الحق، أَهْدَرْناه، وبَدَّعْناه؛ لَقَلَّ مَنْ يَسْلَمُ مِنَ الأئمة معنا، رحم الله الجميع بمنه وكرمه». اهـ.
قلت: هذا مع أن هناك من الأئمة من جعل الكلام بذلك في حديث الصورة من قول الجهمية، لكن لا يلزم من ذلك الحُكْم على ابن خزيمة وأمثاله بالتجَهُّم، والله أعلم.
قلت: وفي تعليقٍ على «التوحيد» لابن خزيمة، للدكتور الشهوان (1/90) تابع الحاشية(1):
قال الحافظ أبو موسى المديني فيما جمعه من مناقب الإمام قوام السنة أبي القاسم إسماعيل بن محمد بن إسماعيل التيمي: «سمعته يقول: أخطأ محمد بن إسحاق بن خزيمة في حديث الصورة، ولا يُطْعَنُ عليه في ذلك»، وقال أبو موسى: «أشار بذلك إلى أنه قَلّ مِنْ إمامٍ إلا وله زَلَّةٌ، فإذا تُرِكَ الإمام لأَجْلِ زَلَّتِهِ؛ تُركَ كثيرٌ من الأئمة، وهذا لا يَنْبَغِي أن يُفعل». اهـ.
ب- وفي «النبلاء»([251]) ترجمة محمد بن نصر المروزي، ذكر الذهبي -ؒ- بعض المسائل التي خالف فيها أهلَ السنة -مع إمامته- وقد هَجَرَهُ بعضُ علماء وقته، فَرَدَّ ذلك الذهبي -ؒ-، ثم قال: «ولو أنَّه كُلَّما أَخْطَأَ إمامٌ في اجتهادِهِ في آحادِ المسائل، خَطَأً مغفورًا له، قُمْنَا عليه، وبَدَّعْناه، وهَجَرْناه؛ لما سَلِمَ معنا لا ابنُ نَصْرٍ، ولا ابنُ مَنْدَه، ولا من هو أكبر منهما، والله هو هادي الخلق إلى الحق، وهو أرحم الراحمين، فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة». اهـ.
ج- وفي «النبلاء»([252]) ترجمة قتادة بن دعامة السدوسي -ؒ-، قال الذهبي -ؒ-: «ثم إن الكبير من أئمة العلم، إذا كَثُرَ صوابُهُ، وعُلِم تَحَرَّيهِ للحق، واتَّسَعَ عِلْمُهُ، وظَهَرَ ذكاؤُهُ، وعُرِفَ صلاحُهُ، وورعُهُ، واتباعُهُ؛ يُغْفَرُ له زَلَلُهُ، ولا نُضَلّلُهُ، ونطَّرِحُه، ونَنْسَى محاسنَهُ، نعم: ولا نَقْتَدي به في بِدْعَتِهِ وخَطَئِهِ، ونرجوا له التوبةَ من ذلك». اهـ.
وكذا فقد ذكر شيخُ الإسلام –ؒ– شيئًا من ذلك:
ففي «مجموع الفتاوى»([253]) قال شيخ الإسلام -ؒ-: «ثُمَّ الناسُ في الحُبِّ والبُغْضِ، والموالاة والمعاداة، هم أيضًا مجتهدون، يصيبون تارة، ويخطئون تارة، وكثير من الناس إذا عَلِمَ من الرجل ما يُحِبُّهُ؛ أَحَبَّ الرجلَ مطلقًا، وأَعْرَضَ عن سيئاته، وإذا عَلِمَ منه ما يُبْغِضُه؛ أَبْغَضَهُ مطلقًا، وأَعْرَضَ عن حسناته، وهذا من أقوال أهل البدع والخوارج والمعتزلة والمرجئة، وأهل السنة والجماعة يقولون ما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع…». اهـ([254]).
وفي «الدُّرَر السَّنِيَّة»([255]) قال شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب النجدي – ؒ- في رسالته إلى عبدالله بن عيسى وابن عبدالوهاب: «…ومتى لم تَتَبَيَّن لكم المسألةُ؛ لم يَحِلَّ لكم الإنكارُ على مَنْ أَفْتَى أو عَمِلَ، حتى يَتَبَيَّنَ لكم خَطَؤه، بل الواجبُ السكوتُ والتوقفُ، فإذا تحققتم الخطأ؛ بَيَّنْتُمُوه، ولم تُهْدِروا جميعَ المحاسن لأجلِ مسألةٍ، أو مائةٍ، أو مائتين، أخطأتُ فيهن؛ فإنيِّ لا أَدَّعِي العِصْمَةَ». اهـ.
وفي «مجموعة الرسائل والمسائل النجدية»([256]) قال الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن آل الشيخ -رحمهم الله- في رسالته إلى زيد بن محمد آل سليمان: «… فيجب حمايةُ عِرْض من قام لله، وسَعَى في نَصْرِ دينه الذي شَرَعَه وارتضاه، وتَرْكُ الالتفات إلى زلاته، والاعتراضُ على عباراته، فمحبةُ الله، والغيرةُ لدينه، ونصرةُ كتابه ورسوله؛ مُرَتَّبَةٌ عليه، مَحْبُوبَةٌ لله، مَرْضِيَّةٌ، يُغْتَفَر فيها العظيمُ من الذنوب، ولا يُنْظَرُ معها إلى تلك الاعتراضات الواهية، والمناقشات التي تَفُتُّ في عَضُد الداعي إلى الله، والمُلْتَمِسِ لرضاه، وهَبْهُ كما قيل؛ فالأمر سَهْلٌ في جَنْبِ تلك الحسنات، «وما يُدْرِيك: لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ على أَهْلِ بَدْرٍ، فقال: اعْمَلُوا ما شِئْتُم؛ فقد غَفَرْتُ لكم».
| فلْيَصْنَعِ الركْبُ ما شاؤوا لأنفسهم | هم أهلُ بَدْرِ فلا يَخْشَوْنَ مِنْ حَرَجِ |
ولما قال المتوكِّل لابن الزيات: يا ابْنَ الفاعلة، وقذف أُمَّهُ، قال الإمام أحمد – ؒ-: «أَرْجُو أن الله يَغْفِر له؛ نظرًا إلى حُسْنِ قَصْدِهِ في نَصْر السنة، وقَمْع البدعة» ولما قال عمر لحاطب ما قال، ونَسَبَهُ إلى النفاق؛ لم يعنِّفه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وإنما أخبره أنَّ هناك مانعًا…». اهـ.
وقال صاحب الفضيلة الشيخ ابن عثيمين– ؒ- في معرض دفاعه عن بعض أهل «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» في المملكة العربية السعودية -حَرَسها الله وأدامها عزيزةً منيعةً-، عندما يتجاوز الحد في الإنكار، فقال: «والإنسان قد يكون لديه غيرةٌ شديدةٌ قويةٌ، واندفاعٌ قويٌّ، فلا يَضْبِطُ نَفْسَهُ عند التصرف، لكن لا يجوز لنا أن نَتَّخِذَ من مثل هذا الحال سُلّما للقَدْح في جميع أعضاء الهيئة، أو في جميع أعمال هذا الشخص نفسه، بل الواجبُ أن نَلْتَمِسَ له العذر، وأن نَتَّصِلَ به، ونُبين له ما هو الطريق الراشد في معالجة الأمور». اهـ([257]).
وقال شيخنا أبو عبد الرحمن مُقبل بن هادي الوادعي -ؒ -: «وشَخْصٌ سُنِّيٌّ، ولو أخطأ، لابد أن يُغَضَّ الطرفُ عنه، والحمد لله، وأما الرجوع إلى الحق؛ ففضيلة، والحمد لله الذي وفقني لذلك». اهـ([258]).
وهذا كلام نفيس، للشّيخ عبدالرّحمن بن ناصر السعدي -ؒ-، حيث قال في «فتاويه»: – (التَّعَامُلُ مَعَ خَطَأِ العَالِمِ):
ومن أَعْظَمِ المحرّمات، وأَشْنَعِ المفاسد: إشاعةُ عَثَراتِهم، والقدحُ فيهم في غَلَطاتهم، وأقبحُ من هذا: إهدارُ محاسِنِهم عند وجود شيء من ذلك، وربّما يكون-وهو الواقع كثيراً-أنّ الغلطات التي صَدَرَتْ منهم لهم فيها تأويلٌ سائغٌ، ولهم اجتهادٌ هُمْ فيه معذورون، والقادحُ فيهم غير معذور؛ وبهذا وأشباهه يَظْهَر لك الفَرْقُ بين أهل العلم النّاصحين، والمنتسبين للعلم من أهل البغْيِ والحَسَدِ والمُعْتدين؛ فإنّ أهلَ العلمِ الحقيقيّ قَصْدُهم التّعاونُ على البرّ والتّقوى، والسّعيُ في إعانة بعضهم بعضاً في كلّ ما عاد إلى هذا الأمر، وستْرُ عورات المسلمين، وعدمُ إشاعة غَلَطاتهم، والحِرْصُ على تنبيههم بكلّ ممكن من الوسائل النّافعة، والذّبُّ عن أعراض أهل العلم والدّين، ولا ريبَ أنَّ هذا من أفضل القُرُبات.
ثمّ لو فُرِض أنّ ما أخطئوا أو عَثروا فيه ليس لهم تأويلٌ و لا عُذْرٌ؛ لم يَكُنْ من الحقّ والإنصاف أن تُهدَر المحاسنُ، وتُمحَى حقوقُهم الواجبةُ بهذا الشّيء اليسير، كما هو دأبُ أهل البغيِ والعدوانِ، فإنّ هذا ضررُه كبيرٌ، وفساده مستطيرٌ.. أيُّ عالِمٍ لم يخطِئْ؟ وأيُّ حكيمٍ لم يَعْثُرْ؟..
يُعْجِبُني ما وقع لبعض أهل العلم: كَتَبَ له إنسانٌ من أهل العلم والدّين ينتقده انتقاداً حارًّا في بعض المسائل، ويزعُم أنّه مخطئٌ فيها، حتّى إنّه قدح في قَصْدِهِ ونيّته، وادّعى أنّه يَدِينُ اللهَ ببُغضِه؛ بناءً على توهُّم خطئه، فأجاب المكتوب له:
يا أخي، إنّك إذا تركْتَ ما يجب عليك من المودّة الدينيّة، وسَلَكْتَ ما يحرُمُ عليك من اتّهام أخيك بالقَصْدِ السيِّئ على فرض أنّه أخطأ، وتجنّبْتَ الدّعوةَ إلى الله بالحكمة في مثل هذه الأمور؛ فإنّي أُخبرك قبل الشّروع في جوابي لك عمّا انتقدتني عليه: بأنّي لا أترُكُ ما يجب عليَّ من الإقامة على مودّتك، والاستمرارِ على محبّتك، المبنيّة على ما أعرفه من دينِك انتصاراً لنفسي، بل أزيد على ذلك بإقامة العُذْرِ لك في قدْحِك في أخيك؛ بأنّ الدّافع لك على ذلك قَصْدٌ حَسَنٌ، لكنْ لمْ يَصْحَبْه علمٌ يصحِّحه، ولا معرفةٌ تُبيّن مرتبتَه، ولا ورعٌ صحيحٌ يوقِف العبْدَ عند حَدِّهِ الّذي أوجبَه الشّارعُ عليه، فلِحُسْنِ قَصْدِك عَفَوْتُ لك عمّا كان منك لي من الاتّهام بالقَصْد السّيّئ، فَهَبْ أنّ الصّواب معك يقيناً؛ فهل خَطَأُ الإنسان عنوانٌ على سوء قَصْدِه؟ فلو كان الأمر كذلك؛ لوجب رمْيُ جميع علماء الأمّة بالقُصود السّيئة! فهل سَلِمَ أحد من الخطأ؟! وهل هذا الذي تجرّأْتَ عليه إلاّ مخالفٌ لما أَجْمَعَ عليه المسلمون، من أنّه لا يحلّ رَمْيُ المسلمِ بالقصدِ السّيّئ إذا أخطأ؟!
الله — قد عفا عن خطأ المؤمنين في الأقوال والأفعال وجميع الأحوال.. ثمّ نقول: هبْ أنّه جاز للإنسان القدحُ في إرادة مَنْ دلّت القرائِنُ والعلاماتُ على قصده السّيّئ؛ أَفَيَحِلُّ القدحُ فيمن عندك من الأدلّة الكثيرةِ على حُسْنِ قصده، وبُعْدِهِ عن إرادة السّوء ما لا يسوّغ لك أن تتوهّم فيه شيئا بما رَمَيْتَهُ به، وإنّ الله أمر المؤمنين أن يظنّوا بإخوانهم خيراً إذا قيل فيهم خلافُ ما يقتضيه الإيمان، فقال تعالى: [ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ] {النور:12}.
واعلم أنّ هذه المقدّمة ليس الغرض منها مقابَلَتَكَ بما قُلْتَ؛ فإنّي كما أَشَرْتُ لك: قد عَفَوْتُ عن حقّي إن كان لي حقّ، ولكنّ الغرضَ النّصيحةُ، وبيانُ موقعِ هذا الاتّهام من العقل والدّين والمروءة الإنسانيّة. اهـ([259])
التاسع: فِعْلُ بعض أهلِ الفَضْل للبدعة اجتهادًا، أو للشيء الممنوع شرعًا، ليس دليلاً على صِحَّته؛ فإن الصِّحَّة تُعْرَف من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وما كان عليه سلف الأمة من الأئمة الأعلام، لا بكون فاعل الشيء رجلًا صالحًا عالمًا!!
قال شيخ الإسلام -ؒ- مبينًا هذا: «إذا فَعَلَهَا قومٌ ذَوُو فَضْلٍ ودينٍ؛ فقد تَرَكَهَا في زمانِ هؤلاء من كان مُعتقدًا لكراهتها، وأنكرها قوم إن لم يكونوا أَفْضَلَ ممن فَعَلها؛ فليسوا دونهم، ولو كانوا دونهم في الفضل؛ فقد تنازع فيها أُولُو الأمر؛ فتُرَدُّ إلى الله ورسوله»([260]).
وقال ابن حجر الهيثمي -ؒ-: «قال بعض أكابر أئمتنا: كالإمام أبي القاسم الرافعي([261]) -ؒ-: «مِنْ لُطْفِ الله بهذه الأمة وما خصَّها به من الكمالات: أنَّ علماءَها لا يَسْكُتُ بعضُهم على غَلَطِ غيره، ولا على بيان حاله، وإن كان المعتَرَضُ عليه والدًا؛ فضلًا عن غيره… بخلافِ غيرها من الأُمَم؛ فإنهم تمالَؤُوا وتطابَقُوا على أن بعض علمائهم لا يُنْكِر على بعض… فلما تطابَقُوا على ذلك؛ تغيَّرتْ مِلَلُهُم، وبُدِّلَتْ شرائِعُهم»([262]). اهـ
وروى الإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم في ترجمة يحيى بن سعيد القطان عن عبد الرحمن بن مهدي -رحمهم الله جميعا- قَالَ: «اختلفوا يوما عند شعبة، فقَالَوا: اجْعَلْ بيننا وبينك حَكَمًا، فقَالَ: قد رَضِيتُ بالأَحْوَلِ -يعني: يحيى بن سعيد القطان، وهو تلميذ شعبة- فما بَرِحْنَا حتى جاء يحيى، فتحاكموا إليه؛ فقَضَى على شعبة -وهو شيخُه، ومنه تَعَلَّمَ، وبه تَخَرَّجَ- فقَالَ له شعبة: ومن يُطيق نَقْدَكَ -أو من له مِثْلُ نَقْدِكَ- يا أحولُ؟!»
قَالَ ابن أبي حاتم: «هذه غايةُ المنزلة ليحيى بن سعيد القطان؛ إذِ اخْتَارَهُ شيخُه شعبةُ من بين أهل العلم، ثم بَلَغَ من عدالته بنفسه وصلابته في دينه: أن قَضَى على شعبة شيخِهِ ومُعَلِّمِهِ»([263]).
قلت: ثم كان من فضل شعبة ورجوعه إلى الحق: رضاه بما حَكَم به يحيى بن سعيد القطان تلميذُه!!!
وهذا يدل على أن أهل العلم من أهل السنة لا يجاملون في الحق صديقاً، أو قريباً، أو من يوافقهم في الجملة على قولهم، مع كونهم لا يَبْغون ولا يظلمون من خالفهم، بل يَلْزَمُونَ العدلَ في الكلام عليه، فهذا يحيى بن سعيد القطان لم يجامل شيخه شعبة، الذي به تخرَّج، ثم خرَّج يحيى الحفّاظَ بعد ذلك: كالإمام أحمد ويحيى بن معين وغيرهما؛ فإن الأمر دين، وعلماء السنة هم المؤتمنون حقًّا على هذا الدين، فلله دَرُّهُم، وعلى الله أجرُهُم.
وهذا الإمام أبو إسماعيل الهروي -رحمة الله عليه- له كتابٌ معروفٌ، اسْمُهُ «ذَمُّ الكلام» وكتاب في التصوف اسمه «منازل السائرين» الذي شرحه الإمام ابن القيم -ؒ- في «مدارج السالكين»؛ والإمام الهروي ممن يُلَقَّبُ بشيخ الإسلام، لكن الإمام ابن القيم اسْتَدْرَكَ عليه في كتابه مسائلَ عديدةً، وتَعَقَّبَهُ في ألفاظ مختلفة ومُريبة، أطلقها الإمام الهروي، لكن مع ذلك أبقاه في منزلته فمِنْ ذلك: ما قاله الإمام ابن القيم -ؒ-، مُسْتَنْكِرًا على الإمام الهروي ؒ-: «وَلَا تُوجِبُ هَذِهِ الزِّلَّةُ مِنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ إِهْدَارَ مَحَاسِنِهِ، وَإِسَاءَةَ الظَّنِّ بِهِ؛ فَمَحَلُّهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْإِمَامَةِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالتَّقَدُّمِ فِي طَرِيقِ السُّلُوكِ الْمَحَلُّ الَّذِي لَا يُجْهَلُ، وَكُلُّ أَحَدٍ فَمَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ وَمَتْرُوكٌ إِلَّا الْمَعْصُومَ -صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ- وَالْكَامِلُ مَنْ عُدَّ خَطَؤُهُ، وَلَا سِيَّمَا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَجَالِ الضَّنْكِ، وَالْمُعْتَرَكِ الصَّعْبِ، الَّذِي زَلَّتْ فِيهِ أَقْدَامٌ، وَضَلَّتْ فِيهِ أَفْهَامٌ، وَافْتَرَقَتْ بِالسَّالِكِينَ فِيهِ الطُّرُقَاتُ، وَأَشْرَفُوا -إِلَّا أَقَلُّهُمْ- عَلَى أَوْدِيَةِ الْهَلَكَاتِ»([264]).
وقَالَ -ؒ- في موضعٍ آخر: «شَيْخُ الْإِسْلَامِ حَبِيبٌ إِلَيْنَا، وَالْحَقُّ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْهُ، وَكُلُّ مَنْ عَدَا الْمَعْصُومِ -صلى الله عليه وسلم- فَمَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ وَمَتْرُوكٌ، وَنَحْنُ نَحْمِلُ كَلَامَهُ عَلَى أَحْسَنِ مَحَامِلِهِ، ثُمَّ نُبَيِّنُ مَا فِيهِ»([265]).
وقد بَيَّنَ الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى- كيفية التعامل مع زلات العلماء بميزان العدل والإنصاف، لا الظلم والإجحاف، فقَالَ: «هَذَا، وَنَحْوُهُ مِنَ الشَّطَحَاتِ الَّتِي تُرْجَى مَغْفِرَتُهَا بِكَثْرَةِ الْحَسَنَاتِ، وَيَسْتَغْرِقُهَا كَمَالُ الصِّدْقِ، وَصِحَّةُ الْمُعَامَلَةِ، وَقُوَّةُ الْإِخْلَاصِ، وَتَجْرِيدُ التَّوْحِيدِ، وَلَمْ تُضْمَن الْعِصْمَةُ لِبَشَرٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-.
وَهَذِهِ الشَّطَحَاتُ أَوْجَبَتْ فِتْنَةً عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنَ النَّاسِ:
إِحْدَاهُمَا: حُجِبَتْ بِهَا عَنْ مَحَاسِنِ هَذِهِ الطَّائِفَةِ، وَلُطْفِ نُفُوسِهِمْ، وَصِدْقِ مُعَامَلَتِهِمْ، فَأَهْدَرُوهَا؛ لِأَجْلِ هَذِهِ الشَّطَحَاتِ، وَأَنْكَرُوهَا غَايَةَ الْإِنْكَارِ، وَأَسَاءُوا الظَّنَّ بِهِمْ مُطْلَقًا، وَهَذَا عُدْوَانٌ وَإِسْرَافٌ، فَلَوْ كَانَ كُلُّ مَنْ أَخْطَأَ أَوْ غَلِطَ؛ تُرِكَ جُمْلَةً، وَأُهْدِرَتْ مَحَاسِنُهُ؛ لَفَسَدَتِ الْعُلُومُ وَالصِّنَاعَاتُ وَالْحِكَمُ، وَتَعَطَّلَتْ مَعَالِمُهَا.
وَالطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ: حُجِبُوا بِمَا رَأَوْهُ مِنْ مَحَاسِنِ الْقَوْمِ، وَصَفَاءِ قُلُوبِهِمْ، وَصِحَّةِ عَزَائِمِهِمْ، وَحُسْنِ مُعَامَلَاتِهِمْ عَنْ رُؤْيَةِ عُيُوبِ شَطَحَاتِهِمْ، وَنُقْصَانِهَا؛ فَسَحَبُوا عَلَيْهَا ذَيْلَ الْمَحَاسِنِ، وَأَجْرَوْا عَلَيْهَا حُكْمَ الْقَبُولِ وَالِانْتِصَارِ لَهَا، وَاسْتَظْهَرُوا بِهَا فِي سُلُوكِهِمْ.
وَهَؤُلَاءِ أَيْضًا مُعْتَدُونَ مُفَرِّطُونَ.
وَالطَّائِفَةُ الثَّالِثَةُ: -وَهُمْ أَهْلُ الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ- الَّذِينَ أَعْطَوْا كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ، وَأَنْزَلُوا كُلَّ ذِي مَنْزِلَةٍ مَنْزِلَتَهُ، فَلَمْ يَحْكُمُوا لِلصَّحِيحِ بِحُكْمِ السَّقِيمِ الْمَعْلُولِ، وَلَا لِلْمَعْلُولِ السَّقِيمِ بِحُكْمِ الصَّحِيحِ، بَلْ قَبِلُوا مَا يُقْبَلُ، وَرَدُّوا مَا يُرَدُّ([266]).
وإليك نقولات مهمة ونافعة عن أهل العلم، تذم التعصب للأشخاص والاتباع المطلق لهم، مهما بلغوا من الإمامة في الدين:
يَقولُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيمية-ؒ ورفعَ قدرهُ ومنزلته في المهديينَ- في كلمةٍ تأصيليةٍ منهجيةٍ ماتعةٍ، تُكتبُ بماءِ الذهبِ على صُحفٍ منْ نورٍ- قال: «فَأَئِمَّةُ الدِّينِ هُمْ عَلَى مِنْهَاجِ الصَّحَابَةِ -رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ- وَالصَّحَابَةُ كَانُوا مُؤْتَلِفِينَ مُتَّفِقِينَ، وَإِنْ تَنَازَعُوا فِي بَعْضِ فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ: فِي الطَّهَارَةِ، أَو الصَّلَاةِ، أَو الْحَجِّ، أَو الطَّلَاقِ، أَو الْفَرَائِضِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِجْمَاعُهُمْ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ، وَمَنْ تَعَصَّبَ لِوَاحِدِ بِعَيْنِهِ مِن الْأَئِمَّةِ دُونَ الْبَاقِينَ؛ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ تَعَصَّبَ لِوَاحِدٍ بِعَيْنِهِ مِن الصَّحَابَةِ دُونَ الْبَاقِينَ؛ كالرافضي الَّذِي يَتَعَصَّبُ لِعَلِيٍّ دُونَ الْخُلَفَاءِ الثَّلَاثَةِ وَجُمْهُورِ الصَّحَابَةِ، وَكَالْخَارِجِيِّ الَّذِي يَقْدَحُ فِي عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- فَهَذِهِ طُرُقُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ، الَّذِينَ ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ أَنَّهُمْ مَذْمُومُونَ، خَارِجُونَ عَن الشَّرِيعَةِ وَالْمِنْهَاجِ الَّذِي بَعَثَ اللهُ بِهِ رَسُولَهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَمَنْ تَعَصَّبَ لِوَاحِدِ مِن الْأَئِمَّةِ بِعَيْنِهِ؛ فَفِيهِ شَبَهٌ مِنْ هَؤُلَاءِ، سَوَاءٌ تَعَصَّبَ لِمَالِكٍ، أَو الشَّافِعِيِّ، أَوْ أَبِي حَنِيفَةَ، أَوْ أَحْمَد، أَوْ غَيْرِهِمْ، ثُمَّ غَايَةُ الْمُتَعَصِّبِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَكُونَ جَاهِلًا بِقَدْرِهِ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَبِقَدْرِ الْآخَرِينَ، فَيَكُونُ جَاهِلًا ظَالِمًا، وَاَللهُ يَأْمُرُ بِالْعِلْمِ وَالْعَدْلِ، وَيَنْهَى عَن الْجَهْلِ وَالظُّلْمِ، قَالَ تَعَالَى: [ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ] {الأحزاب:72}… وَهَذَا أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ أَتْبَعُ النَّاسِ لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَعْلَمُهُمْ بِقَوْلِهِ، وَهُمَا قَدْ خَالَفَاهُ فِي مَسَائِلَ لَا تَكَادُ تُحْصَى، لِمَا تَبَيَّنَ لَهُمَا مِن السُّنَّةِ وَالْحُجَّةِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِمَا اتِّبَاعُهُ، وَهُمَا مَعَ ذَلِكَ مُعَظِّمَانِ لِإِمَامِهِمَا، لَا يُقَالُ فِيهِمَا: مُذَبْذَبَانِ؛ بَلْ أَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُ مِن الْأَئِمَّةِ يَقُولُ الْقَوْلَ، ثُمَّ تَتَبَيَّنُ لَهُ الْحُجَّةُ فِي خِلَافِهِ؛ فَيَقُولُ بِهَا، وَلَا يُقَالُ لَهُ: مُذَبْذَبٌ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَزَالُ يَطْلُبُ الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ، فَإِذَا تَبَيَّنَ لَهُ مِن الْعِلْمِ مَا كَانَ خَافِيًا عَلَيْهِ؛ اتَّبَعَهُ، وَلَيْسَ هَذَا مُذَبْذَبًا؛ بَلْ هَذَا مُهْتَدٍ، زَادَهُ اللهُ هُدًى.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: [ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ] {طه:114}. فَالْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ مُوَالَاةُ الْمُؤْمِنِينَ وَعُلَمَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنْ يَقْصِدَ الْحَقَّ وَيَتَّبِعَهُ حَيْثُ وَجَدَهُ، وَيَعْلَمَ أَنَّ مَن اجْتَهَدَ مِنْهُمْ فَأَصَابَ؛ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَمَن اجْتَهَدَ مِنْهُمْ فَأَخْطَأَ؛ فَلَهُ أَجْرٌ لِاجْتِهَادِهِ، وَخَطَؤُهُ مَغْفُورٌ لَهُ…
وَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَتَّخِذَ قَوْلَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ شِعَارًا يُوجِبُ اتِّبَاعَهُ، وَيَنْهَى عَنْ غَيْرِهِ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ»([267]). اهـ
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -ؒ-: «وَأَيْضًا فَكَثِيرٌ مِن النَّاسِ يُخْبِرُ عَنْ هَذِهِ الْفِرَقِ بِحُكْمِ الظَّنِّ وَالْهَوَى، فَيَجْعَلُ طَائِفَتَهُ -وَالْمُنْتَسِبَةَ إلَى مَتْبُوعِهِ الْمُوَالِيَةَ لَهُ – هُمْ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ؛ وَيَجْعَلُ مَنْ خَالَفَهَا أَهْلَ الْبِدَعِ، وَهَذَا ضَلَالٌ مُبِينٌ.
فَإِنَّ أَهْلَ الْحَقِّ وَالسُّنَّةِ لَا يَكُونُ مَتْبُوعُهُمْ إلَّا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الَّذِي لَا يَنْطِقُ عَن الْهَوَى، إنْ هُوَ إلَّا وَحْيٌ يُوحَى، فَهُوَ الَّذِي يَجِبُ تَصْدِيقُهُ فِي كُلِّ مَا أَخْبَرَ، وَطَاعَتُهُ فِي كُلِّ مَا أَمَرَ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْمَنْزِلَةُ لِغَيْرِهِ مِن الْأَئِمَّةِ، بَلْ كُلُّ أَحَدٍ مِن النَّاسِ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إلَّا رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
فَمَنْ جَعَلَ شَخْصًا مِن الْأَشْخَاصِ غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَنْ أَحَبَّهُ وَوَافَقَهُ؛ كَانَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَمَنْ خَالَفَهُ؛ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبِدْعَةِ وَالْفُرْقَةِ – كَمَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي الطَّوَائِفِ مِن اتِّبَاعِ أَئِمَّةٍ فِي الْكَلَامِ فِي الدِّينِ وَغَيْرِ ذَلِكَ -؛ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ وَالتَّفَرُّقِ.
وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِأَنْ تَكُونَ هِيَ الْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ: أَهْلُ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ؛ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ مَتْبُوعٌ يَتَعَصَّبُونَ لَهُ إلَّا رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهْم أَعْلَمُ النَّاسِ بِأَقْوَالِهِ وَأَحْوَالِهِ، وَأَعْظَمُهُمْ تَمْيِيزًا بَيْنَ صَحِيحِهَا وَسَقِيمِهَا، وَأَئِمَّتُهُمْ فُقَهَاءُ فِيهَا، وَأَهْلُ مَعْرِفَةٍ بِمَعَانِيهَا وَاتِّبَاعٍ لَهَا: تَصْدِيقًا، وَعَمَلًا، وَحُبًّا وَمُوَالَاةً لِمَنْ وَالَاهَا، وَمُعَادَاةً لِمَنْ عَادَاهَا
الَّذِينَ يَرُدُّونَ الْمَقَالَاتِ الْمُجْمَلَةَ إلَى مَا جَاءَ بِهِ مِن الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ؛ فَلَا يَنْصِبُونَ مَقَالَةً، وَيَجْعَلُونَهَا مِنْ أُصُولِ دِينِهِمْ وَجُمَلِ كَلَامِهِمْ، إنْ لَمْ تَكُنْ ثَابِتَةً فِيمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، بَلْ يَجْعَلُونَ مَا بُعِثَ بِهِ الرَّسُولُ مِن الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي يَعْتَقِدُونَهُ وَيَعْتَمِدُونَهُ». اهـ([268])
وقال -ؒ- مشيرًا لآفة التعصب للحزب أو الجماعة: «وأما رَأْسُ الحزب: فإنه رأسُ الطائفة التي تتحزب، أي تصير حزبًا، فإن كانوا مجتمعين على ما أمر الله به ورسوله، من غير زيادة ولا نقصان؛ فهم مؤمنون، لَهُمْ ما لَهُمْ وعليهم ما عليهم، وإن كانوا قد زادوا في ذلك ونَقَصُوا، مِثْلَ التعصُّبِ لمن دخل في حزبهم بالحق والباطل، والإعراضِ عمن لم يدخل في حزبهم، سواء كان على الحق والباطل؛ فهذا من التفرق الذي ذَمَّه الله تعالى ورسوله؛ فإن الله ورسوله أَمَرا بالجماعة والائتلاف، ونَهَيَا عن التفرقة والاختلاف، وأَمَرَا بالتعاون على البر والتقوى، ونَهَيَا عن التعاون على الإثم والعدوان». اهـ([269])
وقال -ؒ-: «ومما يتعلق بهذا الباب: أن يُعْلَم أن الرجل العظيم في العلم والدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى يوم القيامة -أهل البيت وغيرهم- قد يحصل منه نوعٌ من الاجتهاد، مَقْرُونًا بالظن ونوعٍ من الهوى الخفيِّ؛ فيحصل بسبب ذلك ما لا ينبغي اتباعُهُ فيه، وإن كان من أولياء الله المتقين، ومثل هذا إذا وقع يَصِير فتنةً لطائفتين:
1) طائفة تُعَظِّمُهُ، فتُريد تصويبَ ذلك الفعل واتباعَهُ عليه.
2) وطائفة تَذُمُّهُ، فتجعل ذلك قادحا في ولايته وتقواه، بل في بِرِّهِ، وكونه من أهل الجنة، بل في إيمانه حتى تخرجه عن الإيمان.
وكلا هذين الطرفين فاسد.
والخوارج والروافض وغيرهم من ذوي الأهواء دَخَلَ عليهم الدَّاخِلُ من هذا.
ومن سلك طريق الاعتدال: عَظَّمَ من يَسْتَحِقُّ التعظيمَ، وأَحَبَّهُ ووالاه، وأَعْطَى الحقَّ حقَّه، فَيُعَظِّمُ الحَقَّ، ويَرْحَمُ الخَلْقَ، ويَعْلَمُ أن الرجل الواحد تكون له حسناتٌ وسيئاتٌ، فَيُحْمَدُ ويُذَمُّ، ويُثَابُ ويُعَاقَبُ، ويُحَبُّ مِنْ وَجْهٍ، ويُبْغَضُ مِنْ وَجْهٍ: هذا هو مذهَبُ أهلِ السنة والجماعة، خلافا للخوارج والمعتزلة ومن وافقهم، وقد بُسِطَ هذا في موضعه». اهـ([270])
وقال الإمام ابن القيم -ؒ-: «والعاميُّ لا يُتَصَوَّر أن يَصِحَّ له مذهب، ولو تُصُوِّر له ذلك؛ لم يَلْزَمْهُ ولا لغيره، ولا يَلْزَمُ أحداً قطُّ أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة، بحيث يأخذ أقواله كُلَّها، ويَدَعُ أقوالَ غيره، وهذه بدعةٌ قبيحةٌ، حَدَثَتْ في الأمة، لم يَقُلْ بها أحد من أئمة الإسلام، وهم أَعْلَى رُتْبةً وأَجَلُّ قَدْراً، وأَعْلَمُ بالله ورسوله من أن يُلْزِمُوا الناس بذلك». اهـ
وقال -ؒ- أيضًا: «يمتنع مع العلم والعدل في كل اثنين: أحدهما أكمل من الآخر في فَنٍّ أنْ يُقَرَّ بِمَعْرِفَةِ ذلكَ الفَنِّ للمفضولِ دون الفاضلِ، وقولنا مع العلمِ والعدلِ؛ لأنَّ الظالمَ يُفَضِّلُ المفضولَ مع علمهِ بأنه مفضولٌ، والجاهلَ قد يعرفُ المفضولَ، ولا يعرفُ الفاضلَ.
فإن كثيرًا من الناس يعلمون فضيلة مَتْبُوعِهم إما في العلم أو العبادة، ولا يعرفون أخبار غيره، حتى يُوجَدَ أقوام يُعَظِّمون بعضَ الأتباع دون متبوعه، الذي هو أفضل منه عند التابع، وغيره لا يعرفونه، فهؤلاء ليس عندهم علم، ولهذا تجد كثيرًا من هؤلاء يُرَجِّح المفضولَ لِعدم عِلْمِهِ بأخبار الفاضل، وهذا موجود في جميع الأصناف، حتى في المدائن، يُفَضِّل الإنسانُ مدينةً يَعْرِفُها على مدينة هي أكمل منها؛ لكونه لا يعرفها، والحكم بين الشيئين بالتماثلِ أو التفاضلِ يستدعي معرفة كل منهما، ومعرفة ما اتَّصَفَ به من الصِّفاتِ التي يقعُ بها التماثلُ والتفاضلُ، كمن يريد أن يعرف أن البخاريَّ أَعْلَمُ من مسلم، وكتابَهُ أَصَحُّ، أو أن سيبويه أعَلَمُ من الأخفش، ونحو ذلك، وقد فضل الله بعض النبيين على بعض، كما قال تعالى: [ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ] {الإسراء:55}، وقال تعالى: [ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ] {البقرة:253}.
والكلام في شيئين:
أحدهما: في كون المفضول يَسْتَحِقُّ تلك المنزلَةَ دون الفاضل، وهذا غايةُ الجهل والظلم، كقول الرافضة الذين يقولون: إن عليًّا كان إماما عالما عادلا، والثلاثةَ لم يكونوا كذلك، وكذلك اليهود والنصارى الذين يقولون إن موسى كان رسولا، ومحمدًا لم يكن كذلك؛ فإن هذا في غاية الجهل والظلم، بخلاف من اعترف باستحقاق الإثنين للمنزلة، ولكن فَضَّل المفضولَ، فهذا أَقَلُّ جَهلا وظُلمًا…». اهـ([271])
وقال شيخُ الإسلام -ؒ-: «… وقد قُلْتُ ـ فيما مضى ـ: ما يَنْبَغِي لأحدٍ أن يَحْمِلَه تحنُّنُه لشخصٍ وموالاتُه له على أن يتعصبَ معه بالباطل، أو يُعَطِّلَ لأجله حدود الله تعالى!…». اهـ([272])
وقال أيضاً-ؒ-: «… وبهذا يتبين أن أحق الناس بأن تكون هي الفرقة الناجية: أهلُ الحديث والسنة، الذين ليس لهم مَتْبُوعٌ يتعصَّبون له إلا رسولَ الله، وهم أَعْلَمُ الناس بأقواله وأحواله، وأَعْظَمُهم تمييزًا بين صحيحها وسقيمها، وأئمتهم فقهاءُ فيها، وأهلُ معرفة بمعانيها، واتباعٍ لها: تصديقًا، وعملا، وحُبًّا، وموالاةً لمن والاها، ومعاداةً لمن عاداها…»([273]). اهـ
وقال أيضاً-ؒ-: «… وأما التعصبُ لأمرٍ من الأمورِ بلا هُدى من الله؛ فهو من عَمَلِ الجاهلية، ومَنْ أَضَلُّ ممن اتَّبَعَ هواه بغير هُدًى من الله…». اهـ([274])
وقال -ؒ- في «منهاج السنة النبوية»: «وكثير من الناس فيهم من الغُلُوِّ في شيوخهم من جِنْسِ ما في الشيعة من الغُلُوِّ في الأئمة». اهـ([275])
وقال الإمام ابن القيِّم –رحمه الله تعالى– في كتابه القيِّم «الصَّواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة» في سياق الكلام على أسباب قبول التَّأويل -وإن كان كلامه -ؒ- عن أهل التَّجهم والتَّحريف للآيات- إلا أنَّه يَنْطَبِقُ على كثيرٍ من البدع والضَّلالات والأخطاء التي ينشرها البعض، فيبدأ بعض الجهَّال من المتعصبين بالانتصار لها؛ لأن ذلك الملبِّس أَوْرَدَ اسمَ الشَّيخ المعظَّم فيها؛ ليَبْهَرَ به أعينهم –
فقال -ؒ-: «السبب الثالث: أن يَعْزُو المتأولُ تأويلَه وبدعته إلى جليلِ القدر، نَبِيهِ الذِّكْر من العقلاء، أو من آل البيت النبوي، أو مَنْ حَلَّ له في الأمة ثناءٌ جميل، ولسانُ صِدْقٍ؛ لِيُحَلِّيَه بذلك في قلوب الأغمار والجهال؛ فإن من شأن الناس تعظيمَ كلام من يَعْظُمُ قَدْرُه في نفوسهم، وأن يَتَلَقَّوْه بالقبول والميل إليه، وكلما كان ذلك القائلُ أعظمَ في نفوسهم؛ كان قبولُهم لكلامه أَتَمَّ، حتى إنهم ليقدمونه على كلام الله ورسوله، ويقولون: هو أعلم بالله ورسوله منا!!!
وبهذه الطريق تَوَصَّل الرافضةُ والباطنيةُ والإسماعيليةُ والنصيريةُ إلى تَنْفِيق باطلهم وتأويلاتهم، حتى أضافوها إلى أهل بيت رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمَّا عَلِمُوا أن المسلمين متفقون على محبتهم، وتعظيمهم، وموالاتهم، وإجلالهم؛ فانْتَمَوْا إليهم، وأَظْهَرُوا من محبتهم وموالاتهم، واللَهَجِ بذِكْرهم، وذِكْرِ مناقِبِهم ما خُيِّل إلى السامع أنهم أولياؤهم، وأَوْلَى الناسِ بهم، ثم نَفَّقُوا باطِلَهم وإِفْكَهم بنسبته إليهم، فلا إله إلا الله؛ كم من زندقة وإلحاد وبدعة وضلالة قد نَفَقَتْ في الوجود بنسبتها إليهم، وهم براءٌ منها براءةَ الأنبياء من التجهم والتعطيل، وبراءةَ المسيح من عبادة الصَّليب والتَّثْلِيث، وبراءةَ رسول الله من البدع والضلالات!!!
وإذا تأملْتَ هذا السبب؛ رَأَيْتَهُ هو الغالبُ على أكثر النفوس، وليس معهم سوى إحسان الظن بالقائل بلا برهانٍ من الله، ولا حجةٍ قادَتْهم إلى ذلك، وهذا ميراثٌ بالتعصيب من الذين عارضوا دين الرسل بما كان عليه الآباء والأسلاف؛ فإنهم لِحُسْنِ ظنهم بهم، وتعظيمِهم لهم؛ آثروا ما كانوا عليه على ما جاءتهم به الرسل، وكانوا أَعَظَم في صدورهم من أن يخالفوهم، ويَشْهَدُوا عليهم بالكفر والضلال، وإنهم كانوا على الباطل، وهذا شَأْنُ كُلِّ مُقَلِّدٍ لمن يُعَظِّمُه فيما خالف فيه الحقَّ إلى يوم القيامة». اهـ([276])
وقال الحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى-: «ولَمَّا كَثُرَ اختلافُ الناس في مسائل الدين، وكَثُرَ تفرقُهم؛ كَثُرَ بسبب ذلك تباغضُهم وتلاعُنهم، وكُلٌّ منهم يُظْهِر أنه يُبْغِضُ لله، وقد يكون في نفس الأمر معذورا، وقد لا يكون معذورا، بل يكون مُتَّبِعًا لهواه، مُقَصِّرًا في البحث عن معرفة ما يُبْغِضُ عليه؛ فإن كثيرًا من البغض كذلك، إنما يقع لمخالفة مَتْبُوعٍ يُظَنُّ أنه لا يقول إلا الحق، وهذا الظن خطأ قَطْعًا، وإن أُرِيدَ أنه لا يقول إلا الحقَّ فيما خولِفَ فيه؛ فهذا الظن قد يخطئ ويصيب.
وقد يكون الحامِلُ على الميل مُجردَ الهوى، أو الإِلْفِ أو العادةِ، وكل هذا يقدح في أن يكون هذا البغض لله.
فالواجب على المؤمن أن ينصح لنفسه، ويتحرز في هذا غاية التحرز، وما أُشْكِلَ منه فلا يُدْخِل نَفْسَه فيه؛ خشية أن يقع فيما نُهِىَ عنه من البُغْض المحرم.
وهاهنا أَمْرٌ خَفِيٌّ ينبغي التفطُّن له، وهو: أن كثيراً من أئمة الدين قد يقول قولاً مرجوحاً، ويكون مجتهداً فيه، مأجوراً على اجتهاده فيه، موضوعا عنه خطؤه فيه، ولا يكون المنتصِرُ لمقالته تلك بمنزلته في هذه الدرجة؛ لأنه قد لا ينتصر لهذا القول إلا لكون مَتْبُوعِهِ قد قاله، بحيث لو أنه قد قاله غيره من أئمة الدين؛ لما قَبِلَهُ، ولا انْتَصَرَ له، ولا والى من يوافقه، ولا عادى من خالفه، وهو مع هذا يظن أنه إنما انتصر للحق بمنزلة مَتْبُوعِهِ، وليس كذلك؛ فإن متبوعَهُ إنما كان قَصْدُه الانتصارَ للحق، وإن أخطأ في اجتهاده، وأما هذا التابعُ فقد شابَ انتصارَهُ لما يَظُنُّه الحقَّ إرادةُ عُلُوِّ متبوعه، وظُهورِ كلمته، وأنه لا يُنْسَب إلى الخطأ.
وهذه دسيسةٌ تَقْدَحُ في قَصْد الانتصار للحق، فافهم هذا؛ فإنه مُهمٌ عَظِيمٌ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم». اهـ([277])
وقال ابن أبي العز الحنفي -ؒ-: «فمن يتعصب لواحدٍ معينٍ غيرِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ويَرَى أن قولَهُ هو الصواب، الذي يجب اتباعُه دون الأئمة المتأخرين؛ فهو ضالٌّ جاهلٌ». اهـ([278])
ويقول الماوردي -ؒ-: «وَلَقَدْ رَأَيْت مِنْ هَذِهِ الطَّبَقَةِ رَجُلًا يُنَاظِرُ فِي مَجْلِسِ حَفْلٍ وَقَد اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ الْخَصْمُ بِدَلَالَةٍ صَحِيحَةٍ فَكَانَ جَوَابُهُ عَنْهَا أَنْ قَالَ: إنَّ هَذِهِ دَلَالَةٌ فَاسِدَةٌ، وَجْهُ فَسَادِهَا أَنَّ شَيْخِي لَمْ يَذْكُرْهَا وَمَا لَمْ يَذْكُرْهُ الشَّيْخُ لَا خَيْرَ فِيهِ، فَأَمْسَكَ عَنْهُ الْمُسْتَدِلُّ تَعَجُّبًا؛ وَلِأَنَّ شَيْخَهُ كَانَ مُحْتَشِمًا، وَقَدْ حَضَرَتْ طَائِفَةٌ يَرَوْنَ فِيهِ مِثْلَ مَا رَأَى هَذَا الْجَاهِلُ، ثُمَّ أَقْبَلَ الْمُسْتَدِلُّ عَلَيَّ وَقَالَ لِي: وَاَللَّهِ لَقَدْ أَفْحَمَنِي بِجَهْلِهِ وَصَارَ سَائِرُ النَّاسِ الْمُبَرَّئِينَ مِنْ هَذِهِ الْجَهَالَةِ مَا بَيْنَ مُسْتَهْزِئٍ وَمُتَعَجِّبٍ، وَمُسْتَعِيذٍ بِاَللَّهِ مِنْ جَهْلٍ مُغْرِبٍ». اهـ([279])
وقال الإمام أبو بكر الخطيب البغدادي -ؒ- حين تَصَدَّى لبيانِ أوهامِ أكابر علماء الأمة حقاً، في مقدمة «مُوَضِّح أوهام الجمع والتفريق»:
«ولعلَّ بعضَ من ينظرُ فيما سَطَّرْنَاهُ، ويقفُ على ما لكتابنا هذا ضَمَّنَّاهُ؛ يُلْحِقُ سَيِّءَ الظنِّ بنا، ويرى أنَّا عَمَدْنا للطعنِ على من تَقَدَمَنَا، وإظهارِ العيبِ لكُبَرَاءِ شُيُوخِنَا، وَعُلماءِ سَلَفِنَا!
وأَنَّى يكونُ ذلكَ؟! وبهم ذُكِرْنَا، وبِشُعَاعِ ضِيَائِهِم تَبَصَّرْنَا، وباقتِفَائِنَا واضحَ رُسُوْمِهِم تَمَيَّزْنَا، وبسلوكِ سَبِيْلِهِم عن الهَمَجِ تَحَيَّزْنَا.
وما مَثَلُهُم ومَثَلُنا إلا ما ذَكَرَ أبو عمرو بن العلاء؛ فيما أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عمر المقرئ، أخبرنا أبو طاهر عبد الواحد بن عمر بن محمد بن أبي هاشم، حدثنا محمد بن العباس اليزيدي حدثنا الرياشي، عن الأصمعي، قال: قال أبو عَمْرو: «مَا نَحْنُ فِيمَن مَضَى إِلاَّ كَبَقْلٍ فِي أُصُوْلِ نَخْلٍ طوَالٍ».
ولما جَعَلَ الله تعالى في الخلق أعلاماً، ونَصَبَ لكل قومٍ إماماً؛ لَزَم المهتدين بمُبِين أنوارهم، والقائمين بالحق في اقتفاء آثارهم -ممن رُزِقَ البحثَ والفَهْمَ، وإنعامَ النظر في العلم- بيانُ ما أَهْمَلوا، وتسديدُ ما أَغْفَلوا.
إذْ لم يكونوا معصومين من الزلَلِ، ولا آمنين من مفارقة الخطأ والخَطَلِ، وذلك حَقُّ العالمِ على المتعلِّم، وواجبٌ على التالي للمتقدِّم». اهـ
وقال أبو شامة المقدسي -ؒ-: «ومما يُتَعجَّب منه أيضًا من هؤلاء: أنَّهم يَرَوْنَ مصنَّفاتِ الشَّيخ أبي إسحاق([280]) وغيره مشحونةً بتخطئة المزنيِّ([281]) وغيره من الأكابر فيما خالفوا فيه مذهبهم؛ فلا تراهم ينكرون شيئا من هذا، فإن اتفق أنَّهم يسمعون أحدًا يقول: «أخطأ الشيخ أبو إسحاق في كذا بدليل كذا وكذا»؛ انزعجوا وغضبوا وأنكروا، ورأوا أنه قد ارتكب كبيرا من الإثم، فإن كان الأمر كما ذكروا؛ فالَّذي ارتكبه أبو إسحاق أعظم، فما لهم لا ينكرون ذلك، ولا يغضبون منه؟! لولا قلَّةُ العلم، وكثرةُ جهلهم بمراتب السَّلف -رضي الله عنهم-…». اهـ([282])
قال الذهبيُّ ـ ؒ ـ: «.. قُلْتُ: مَا يَتَقَيَّدُ بِمَذْهَبٍ وَاحِدٍ إِلاَّ مَنْ هُوَ قَاصِرٌ فِي التَّمَكُّنِ مِنَ العِلْمِ؛ كَأَكْثَرِ عُلَمَاءِ زَمَانِنَا، أَوْ مَنْ هُوَ مُتعصِّبٌ..». اهـ([283])
وذكرَ الذهبيُّ -ؒ أيضاً- في ترجمة أبي عليٍّ النيسابوري([284]):
«.. قَالَ الخَلِيْلِيُّ: سَمِعْتُ الحَاكِمَ يَقُوْلُ: لَسْتُ أَقُولُ تعصُّباً؛ لأَنَّه أُستَاذِي – يَعْنِي: أَبَا عَلِيٍّ – وَلَكِنْ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ قَطُّ..». اهـ([285])
وقال الفخر الرازي -ؒ-: «ولو تأملتَ حقَّ التأمل؛ لوجدتَ هذا الداءَ سارياً في عروق الأكثر من أهل الدنيا».
أي كان داء التعصب للمذاهب، وللرأي، وللفكر، وللسياسة، وللحزب، ساريًا في أكثر الناس، وكيف لو رَأى وعايَشَ وعاصَرَ هذا الوقْتَ، ورأَى فيه العجائِبَ مما هو أَدْهَى وأَمَرُّ مما كان حاصلاً في عهده؟.
وقال بعد ذلك: «ليس المراد من الآيات أنهم اعتقدوا فيهم أنهم آلهة العالم، بل المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم»، ثم ذكر أَوْجُهاً أخرى، وقال: وكل هذه الوجوه الأربعة مشاهَدٌ وواقعٌ في هذه الأمة» اهـ([286]).
العاشر: تُحْمَلُ الأقوالُ المُحْتَمِلَةُ للخطأ والصواب إذا صَدَرَتْ من أهل الفضل والصلاح على أَحْسَنِ مَحْمَل وأَسْلَمِ مَقْصَد، بعد التأكد من صحة نسبة الكلام إلى قائله، دون غُلُوٍّ أو إسراف في ذلك».
قلت: فالعلماء -رحمة الله عليهم- يحكمون بالعدل والقسط على مقالات المخالفين، مع مراعاتهم مرتبةَ المخالفة، ومنهجَ المخالف وقَصْدَه، فإذا صَدَرَتْ كَلِمَةٌ مُحْتَمِلَةٌ للخطأ والصواب من عالم معروف بالانتصار للسنة، والدفاع عنها وعن أئمتها سلفا وخلفا؛ فإن العلماء لا يَحْمِلونها على المعنى السيئ المردود، إنما يَحْمِلونها ما أَمْكَنَ على بقية كلامه ومواقفه المحمودة، ومع ذلك فينصحونه بترك الكلام المُجْمل المُشْتَبِه، ولزوم المصطلحات الشرعية السالمة من هذه الاحتمالات، والناظر في كلام الأئمة يجد على ذلك شواهدَ كثيرةً جدا، وقد توسَّعْتُ في ذكر أدلة ذلك، ونقلْتُ من كلام أهل العلم ما لا يَدَعُ مجالا للشك في ذلك في كتابي: «الجواب الأكمل على من أنْكَر حَمْل المجمل على المفصَّل».
فمن ذلك: ما جاء في «سير أعلام النبلاء»: «قال أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري -وهو الهروي- مؤلِّف كتاب «ذم الكلام»: سمعت عبدالصمد بن محمد بن محمد، سمعت أبي يقول: أنكروا على أبي حاتم بن حبان قوله: «النبوةُ العِلْمُ والعَمَلُ»، فَحَكَمُوا عليه بالزندقة، و هُجِرَ، وكُتِبَ فيه إلى الخليفة، فكَتَبَ بِقَتْلِهِ».
قال الذهبي -ؒ-: «قلت: هذه حكايةٌ غريبة، وابن حبان فَمِنْ كبار الأئمة، ولَسْنَا ندَّعي فيه العصمة من الخطأ، لكن هذه الكلمة التي أطلقها، قد يُطْلِقُها المسلمُ، ويُطْلِقُها الزنديقُ الفيلسوفُ، فإطلاقُ المسلم لها؛ لا ينبغي، لكن يُعْتَذَرُ عنه، فنقول: لم يُرِدْ حَصْرَ المبتدأ في الخبر، ونظيرُ ذلك قوله
-عليه الصلاة والسلام-: «الحجُّ عرفةُ»، ومعلوم أنَّ الحاجَّ لا يصير بمجرَّد الوقوف بعرفة حاجًّا، بل بقي عليه فروض وواجبات، وإنما ذَكَرَ مُهِمَّ الحجِّ، وكذا هذا ذَكَرَ مُهِمَّ النبوة؛ إذْ مِنْ أَكْمَلِ صفات النبي؛ كمالُ العلم والعمل، فلا يكون أحد نبيًّا إلا بوجودهما، وليس كل من برّز فيهما نبيًّا؛ لأن النبوة مَوْهِبَةٌ من الحق تعالى، لا حِيلةَ للعبد في اكتسابها، بل بها يتولَّد العِلْمُ اللَّدُنِّي والعملُ الصالحُ، وأما الفيلسوف فيقول: النبوة مُكْتَسَبَةٌ، يُنْتِجُها العِلْمُ والعملُ، فهذا كُفْر، ولا يريده أبو حاتم أصلًا، وحاشاه،…»([287]). اهـ.
قلت: وكذلك إذا أجمل الكلامَ رجلٌ معروفٌ بالبدعة والضلالة والتلبيس والتلاعب؛ حُمِلَ مجمله الذي يريد من ورائه الإيهام والتلبيس على مفصَّلِهِ القبيح، ففي هذا الضابط من ضوابط الجرح والتعديل دفاع عن أهل الحق إذا جاء في كلامهم ما يحتَمل الحق وغيره، وإدانة لأهل الباطل، وتضييق الخناق عليهم، حتى لا يستغلُّوا الإجمال في تضليل من لا علم عندهم، ولا خبرة بمكايدهم.
الحادي عشر: عدم تأثيم المجتهد إذا أخطأ في مسائل أصولية أو فرعية -أي سواء في مسائل العقيدة أو الأحكام-.. ومن باب أَوْلَى عَدَمُ تَكْفِيرِهِ أو تَفْسِيقِهِ.
قلت: نَسَبَ شيخُ الإسلام ابن تيمية –ؒ– هذا الحُكْمَ إلى السلف وأئمة الفتوى: كأبي حنيفة، والشافعي، والثوري، وداود بن علي، وغيرهم، وذكر أنهم كانوا لا يُؤَثِّمون مجتهدًا أخطأ في المسائل الأصولية والفروعية، وذكر ذلك عنهم ابن حزم وغيره، واستدل على هذا بأن أبا حنيفة والشافعي وغيرهما كانوا يَقْبَلُون شهادةَ أهل الأهواء، إلا الخطابية، ويُصَحِّحُون الصلاةَ خَلْفَهُم، والكافرُ لا تُقْبَلُ شهادتُه على المسلمين، ولا يُصَلَّى خلفه، وأنهم قالوا: هذا هو القول المعروف عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الدين، وأنهم لا يُكَفِّرون ولا يُفَسّقون ولا يُؤَثِّمون أحدًا من المجتهدين المخطئين، لا في مسألة عَمَلية ولا عِلْمية.
قال أبو محمد ابن حزم – ؒ –: «وأما من قدِمَ على ما يعتقده حلالاً مما لم يَقُمْ عليه في تحريمه حجةٌ؛ فهو معذورٌ مأجورٌ وإن كان مخطئاً، وأهلُ الأهواء معتزلِيهُّم ومرجِئيهُّم وزيديُّهم وأباضيُّهم بهذه الصفة، إلا من أخرجه هواه عن الإسلام إلى كُفْرٍ متفقٍ على أنه كفرٌ، – وقد بينا ذلك في كتاب «الفصل» – أو من قامت عليه حجةٌ مِن نَصٍّ أو إجماعٍ، فتمادى ولم يرجع؛ فهو فاسقٌ، وكذلك القول فيمن خالف حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- – لتقليدٍ أو قياسٍ ولا فَرْقَ – أو مَنْ سَبَّ أحدَ الصحابة -رضي الله عنهم- فإن ذلك عصبيةٌ، والعصبيةُ فسقٌ، وصَدَقَ أبو يوسف القاضي إذْ سُئِلَ عن شهادةِ مَن يَسُبُّ السَّلَفَ الصالحَ، فقال: لو ثَبَتَ عندي على رجلٍ أنه يَسُبُّ جيرانَه ما قَبِلْتُ شهادتَه، فكيف مَن يَسُبُّ أفاضلَ الأمةِ، إلا أن يكون مِن الجهل بحيثُ لم تَقُمْ عليه حُجَّةُ النصِّ بفضلهم، والنهيِ عن سَبِّهِم، فهذا لا يَقْدَحُ سَبُّهُم في دينه أصلاً، ولا ما هو أعظمُ مِن سَبِّهِم، لكن حُكْمُه أن يُعَلَّمَ ويُعَرَّفَ، فإن تمادى؛ فهو فاسقٌ، وإن عاند في ذلك اللهَ تعالى أو رسولَه
-صلى الله عليه وسلم-؛ فهو كافرٌ مشركٌ، ولو أن امرأً بَدَّلَ القرآنَ مخطئاً جاهلاً، أو صَلَّى لغير القبلة؛ كذلك ما قَدَحَ ذلك في دينه عند أحدٍ من أهل الإسلام حتى تقوم عليه الحجة بذلك، فإن تمادى؛ فهو فاسقٌ، وإن عاند اللهَ تعالى ورسولَه -صلى الله عليه وسلم-؛ فهو كافرٌ مشركٌ». اهـ)[288])
وقال ابن حزم – ؒ – أيضاً: «مَنْ يَشْهَدُ بقلبه ولسانه: أنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن كُلَّ ما جاء به حقٌّ، وأنه بريءٌ مِن كلِّ دينٍ غيرِ دينِ محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-؛ فهو المؤمنُ المسلمُ، ونَقْلُه واجبٌ قبولُه، إذا حَفِظَ ما يُنْقَلُ، ما لم يَمِلْ عن إيمانِه إلى كفرٍ أو فسقٍ.
وأهلُ الأهواءِ وأهلُ كلِّ مقالةٍ خالفت الحقَّ، وأهلُ كلِّ عملٍ خالفَ الحقَّ: مسلمون أخطؤوا ما لم تَقُمْ عليهم الحُجَّةُ؛ فلا يَكْدَحُ شيءٌ مِن هذا في إيمانهم ولا في عدالتِهم، بل هم مأجورون على ما دانوا به مِن ذلك وعمِلُوا أجراً واحداً إذا قصدوا به الخير، ولا إثمَ عليهم في الخطأ.
لأن الله تعالى يقول: [ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ] {الأحزاب:5}، ونَقْلُهُم واجبٌ قبولُه كما كانوا، وكذلك شهادتُهم، حتى إذا قامت على أحدٍ منهم الحُجةُ في ذلك مِن نَصِّ قرآنٍ أو سُنَّةٍ ما لم تُخَصّ ولا نُسِخَتْ؛ فأيّما تمادى على التدين بخلاف الله — أو خلاف رسوله
-صلى الله عليه وسلم- أو نَطَقَ بذلك؛ فهو كافرٌ مُرْتَدٌّ؛ لقول الله تعالى: [ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ] {النساء:65}، وإنْ لم يَدِنْ لذلك بقلبه، ولا نَطَقَ به لسانُه، لكن تمادى على العملِ بخلاف القرآن والسنة؛ فهو فاسقٌ بعمله، مؤمنٌ بعقدِهِ وقولِهِ، ولا يجوز قبولُ نَقْلِ كافرٍ ولا فاسقٍ ولا شهادتِهما، قال الله تعالى: [ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ] {الحجرات:6}، وقد فَرَّقَ بعضُ السلف بين الداعية وغير الداعية.
قال أبو محمد: وهذا خطأٌ فاحشٌ، وقولٌ بلا برهانٍ، ولا يَخْلُو المخالفُ للحق مِن أن يكون معذوراً بأنه لم تَقُمْ عليه الحجةُ، أو غيرَ معذورٍ لأنه قامت عليه الحُجَّةُ، فإن كان معذوراً؛ فالداعيةُ وغيرُ الداعيةِ سواء، كلاهما معذورٌ مأجورٌ، وإن كان غير معذورٍ لأنه قد قامت عليه الحجةُ؛ فالداعيةُ وغيرُ الداعيةِ سواء، وكلاهما إما كافرٌ كما قدمنا، وإما فاسقٌ كما وصفنا، وبالله تعالى التوفيق.
ولا فرق فيما ذكرنا بين من يخالف الحقَّ بنِحْلَةٍ أو بفتيا؛ إذْ لم يُفَرِّق اللهُ تعالى ولا رسولُه -صلى الله عليه وسلم- بين ذلك، إنما قال: [ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ] {الأعراف:3} عَمَّ — ولم يَخُصَّ.
قال بعضهم: إن الصحابة اختلفوا في الفتيا، فلم يُنْكِرُ بعضُهم على بعضٍ، بل أنكروا على من خالف في ذلك.
قلنا: ليس كما قلتم، إنما لم ينكروا على من لم تقم الحجة عليه في المسألة فقط، وأنكروا أشدَّ الإنكارِ على من خالف بعد قيام الحجة عليه، وكيف لم ينكروا وقد ضربوا على ذلك بالسيوف مَن خالفهم، فأيُّ إنكارٍ أشدُّ مِن هذا؟!
أو ليس عمرُ قد قال: والله ما مات رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- ولا يموت حتى يكون آخِرَنَا موتاً، ولَيَرْجِعَنَّ، فَلَيُقَطِّعَنَّ أيديَ رجالٍ وأرجلَهم؛ فما قَدَحَ هذا في عدالته؛ إذْ قال مخطئاً، ثم رَجَعَ إلى الحق إذْ سمع القرآن: [ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ] {الزمر:30}». اهـ([289])
قال شيخ الإسلام –ؒ– في سياق كلامه عن مسألة التأبير: «إن عُلَمَاءَ الْمُسْلِمِينَ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي الدُّنْيَا بِاجْتِهَادِهِمْ؛ لَا يَجُوزُ تَكْفِيرُ أَحَدِهِمْ بِمُجَرَّدِ خَطَأٍ أَخْطَأَهُ فِي كَلَامِهِ، وَهَذَا كَلَامٌ حَسَنٌ تَجِبُ مُوَافَقَتُهُ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ تَسْلِيطَ الْجُهَّالِ عَلَى تَكْفِيرِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَعْظَمِ الْمُنْكَرَاتِ؛ وَإِنَّمَا أَصْلُ هَذَا مِن الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ أَئِمَّةَ الْمُسْلِمِينَ؛ لِمَا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ أَخْطَئُوا فِيهِ مِن الدِّينِ، وَقَد اتَّفَقَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّ عُلَمَاءَ الْمُسْلِمِينَ لَا يَجُوزُ تَكْفِيرُهُمْ بِمُجَرَّدِ الْخَطَأِ الْمَحْضِ؛ بَلْ كُلُّ أَحَدٍ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إلَّا رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ يُتْرَكُ بَعْضُ كَلَامِهِ لِخَطَأِ أَخَطَأَهُ يَكْفُّرُ ولا يَفْسُّقُ؛ بل ولا يَأْثَمُ؛ فإن الله تعالى قال في دُعَاءِ المؤمنين: [ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ] {البقرة:286} وفي «الصَّحِيحِ» عن النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- «أن اللَّهَ تَعَالَى قَالَ قَدْ فَعَلْت»([290]). اهـ
الثاني عشر: التفريق بين المبتدع الداعي إلى بدعته، ومن ليس بداعٍ إليها.
هذا، ولقد فَرَّقَ السلفُ -رضوان الله عليهم- بين المبتدع الداعي إلى بدعته، ومن ليس بداعٍ إليها، وفَرَّقُوا في الرواية عنه، وكذا السلام عليه حَيًّا، والصلاة عليه ميتاً أحيانا، وزيارته، ومودته، والاستفادة من عِلْمِهِ في غير هذه البدعة، كأن يكون قارئاً للقرآن مُعَلِّماً له، أو عالماً بالأخبار، أو التواريخ، أو اللغة، ونحو ذلك.
قال أبو داود: «قلت لأحمد: لنا أقارب بخراسان يَرَوْنَ الإرجاء، فنكتب إلى خراسان نُقْرِئُهم السلام؟ قال: سبحان الله، لماذا لا تُقْرِئُهم؟»
أخبرنا أبو بكر قال: حدثنا أبو داود قال: قلت لأحمد: «نُكَلِّمهم؟ قال: نعم، إلا أن يكون داعياً، ويُخاصِمَ فيه»([291]).
وقال عبد الله: قلت لأبي: ما تقول في أصحاب الحديث يأتون الشيخ لعله يكون مرجئا، أو شيعيا، أو فيه شيء من خلاف السنة، أينبغي أن أَسْكُتَ فلا أُحَذِّرَ عنه، أو أُحَذِّرَ عنه؟ قال: إن كان يَدْعو إلى بدعة، وهو إمامٌ فيها، ويَدْعُو إليها؛ تُحَذِّرُ منه([292]).
وعن حرب بن إسماعيل قال: سمعت أحمد يقول: لا يُصَلَّى خلف من زعم أن الإيمان قولٌ إذا كان داعية([293]).
وقال الخلال: أخبرني علي بن عيسى أن حنبلاً حدثهم، قال: قلت لأبي عبد الله: رجل زَوَّجَ ابنته رجلاً، وهو لا يعلم، فإذا هو يقول بمقالة رديئة من الإرجاء. فقال: إذا كان يَغْلي في ذلك، ويدعو إليه؛ رأيتُ أن يَخْلَعَ ابنته، ولا تُقيم عنده. قلت: فَيُحْرَجُ الأبُ إذا فَعَلَ ذلك؟ قال: أرجو أن لا يُحْرَج إذا عَلِمَ ذلك منه، وتَبَيَّنَ له([294]).
وعن إسحاق بن منصور، أنه قال لأبي عبد الله: المرجئ إذا كان داعياً، قال: إي والله، يُجْفَى ويُقْصَى([295]).
وعن الأثرم عن أحمد قيل له: رجل قَدَرِيٌّ أَعُودُهُ؟ قال: إذا كان داعية إلى الهوى؛ فلا. قيل له: أُصَلِّي عليه؟ فلم يُجِبْ.
فقال له إبراهيم بن الحارث العبادي -وأبو عبد الله يسمع-: إذا كان صاحبَ بدعة؛ فلا تُسَلِّم عليه، ولا تُصَلِّ خلفَهُ، ولا تُصَلِّ عليه.
قال أبو عبد الله: كافأك الله يا أبا إسحاق، وجزاك خيرا([296]).
قلت: المشهور أن المسلم -وإن كان فاسقًا بشهوة أو هوى- أن يُصلَّى خلفه، إذا كان سيترتب على ترْك الصلاة خلفه تركُ الجماعة، وتركُ الصلاة عليه إذا مات، إنما يكون من بعض الأئمة المشاهير لا من كل المسلمين، وسيأتي كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -ؒ- بعد قليل موضِّحًا هذا الأثر.
وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي مرة أخرى عن الصلاة خلف القدري، فقال: إن كان يخاصم فيه، ويَدْعُو إليه؛ فلا يُصَلَّى خلفه([297]).
وجاء في «الكفاية»: قيل لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله، سمعتَ من أبي قطن القدري؟ قال لم أره داعيةً، ولو كان داعيةً؛ لم أَسْمَعْ منه([298]).
وعن محمد بن أبي هارون ومحمد بن جعفر أن أبا الحارث حدثهم أن أبا عبد اللّه قال: إذا كان المرجئُ داعيةً؛ فلا تُكَلِّمْه([299]).
ويقول شيخ الإسلام في مَعْرِض بيان منهج أهل السنة في عدم تأثيم المجتهد -وإن أخطأ في اجتهاده-: «ولهذا يَقْبَلُون شهادةَ أهلِ الأهواء، ويُصَلُّون خَلْفَهم، ومن رَدَّها كمالكٍ وأَحْمَدَ؛ فليس مُسْتَلْزِماً لإثمهما، لكن المقصود إنكارُ المنكر، وهَجْرُ من أَظْهَرَ البدعةَ، ولهذا فَرَّقَ أحمد وغيره بين الداعية للبدعة المُظْهِر لها وغيرِهِ، وكذلك قال الخِرَقي: ومن صَلَّى خَلْفَ من يَجْهَرُ ببدعة أو مُنْكَرٍ؛ أَعَادَ»([300]). اهـ
قلت: معلوم أن المعتصم كان يمتحن العلماء -ومنهم أحمد ؒ- بالقول بخلْق القرآن، وما كان يفعله المعتصم والواثق من تعذيب من خالفهما من العلماء… إلخ أَشَدُّ وأَقْبَحُ من الدعوة إلى هذه البدعة الكبرى، ومعلوم أن أحمد لم يترك الصلاة خلفهم، ولا خلف الأئمة الذين نصبوهم للصلاة بالناس في المساجد، فيُحْمَل كلام أحمد على المبالغة في إنكار المنكر، وعقوبة الداعي إلى البدعة بذلك، إذا كانت المصلحةُ راجحةً في ذلك حالًا ومآلًا، ولابد من فهم كلام العالم مع بقية كلامه وأحواله، ومع كلام العلماء وقواعدهم، وفي أسوأ الحالات يقال: كلٌّ يُؤْخَذُ من قوله ويُرَدُّ، لاسيما القول الذي لم يَشْتَهِرُ كغيره عند العلماء دون نكير، والله أعلم.
والشاهد هنا: هو قولُ شيخ الإسلام -ؒ- بأن الإمام أحمد فَرَّقَ بين الداعية للبدعة المظهِرِ لها وغيره ممن يعتقد هذه البدعةَ ولا يَدْعُو لها، حتى الداعية للبدعة في التعامل معه تفاصيل: وفيها فرق بين الحاكم والمحكوم، والعالم الثقة في دينه وضبطه، الذي عنده علم يُضْطَّرُّ إليه، أو يُحتاج إليه، وليس عند غيره، وكذلك المجتمع الذي يكون أهل البدعة فيه أكثر وأقوى من أهل السنة، وفيهم الدعاة إلى البدعة، مع تَدَيُّنهم واستقامتهم، ولكنهم وقعوا في البدعة عن جهل بالحق، وتأويلٍ فاسدٍ خالفوا به قول أهل السنة,… ونحو ذلك.
وقال شيخ الإسلام -ؒ-: «وَأَمَّا الصَّلَاةُ خَلْفَ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ، وَخَلْفَ أَهْلِ الْفُجُورِ؛ فَفِيهِ نِزَاعٌ مَشْهُورٌ، وَتَفْصِيلٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِهِ، لَكِنْ أَوْسَطُ الْأَقْوَالِ فِي هَؤُلَاءِ: أَنَّ تَقْدِيمَ الْوَاحِدِ مِنْ هَؤُلَاءِ فِي الْإِمَامَةِ لَا يَجُوزُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى غَيْرِهِ، فَإِنَّ مَنْ كَانَ مُظْهِرًا لِلْفُجُورِ أَو الْبِدَعِ يَجِبُ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ، وَنَهْيُهُ عَنْ ذَلِكَ، وَأَقَلُّ مَرَاتِبِ الْإِنْكَارِ: هَجْرُهُ؛ لِيَنْتَهِيَ عَنْ فُجُورِهِ وَبِدْعَتِهِ؛ وَلِهَذَا فَرَّقَ جُمْهُورُ الْأَئِمَّةِ بَيْنَ الدَّاعِيَةِ، وَغَيْرِ الدَّاعِيَةِ؛ فَإِنَّ الدَّاعِيَةَ أَظْهَرَ الْمُنْكَرَ؛ فَاسْتَحَقَّ الْإِنْكَارَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ السَّاكِتِ؛ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَسَرَّ بِالذَّنْبِ، فَهَذَا لَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ فِي الظَّاهِرِ؛ فَإِنَّ الْخَطِيئَةَ إذَا خَفِيَتْ لَمْ تَضُرَّ إلَّا صَاحِبَهَا، وَلَكِنْ إذَا أُعْلِنَتْ، فَلَمْ تُنْكَرْ؛ ضَرَّت الْعَامَّةَ؛ وَلِهَذَا كَانَ الْمُنَافِقُونَ تُقْبَلُ مِنْهُمْ عَلَانِيَتَهُمْ، وَتُوكَلُ سَرَائِرُهُمْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، بِخِلَافِ مَنْ أَظْهَرَ الْكُفْرَ، فَإِذَا كَانَ دَاعِيَةً؛ مُنِعَ مِنْ وِلَايَتِهِ وَإِمَامَتِهِ وَشَهَادَتِهِ وَرِوَايَتِهِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِن النَّهْيِ عَن الْمُنْكَرِ، لَا لِأَجْلِ فَسَادِ الصَّلَاةِ، أَو اتِّهَامِهِ فِي شَهَادَتِهِ وَرِوَايَتِهِ، فَإِذَا أَمْكَنَ لِإِنْسَانِ أَلَّا يُقَدِّمَ مُظْهِرًا لِلْمُنْكَرِ فِي الْإِمَامَةِ؛ وَجَبَ ذَلِكَ، لَكِنْ إذَا وَلَّاهُ غَيْرُهُ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ صَرْفُهُ عَن الْإِمَامَةِ، أَوْ كَانَ هُوَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ صَرْفِهِ إلَّا بِشَرِّ أَعْظَمَ ضَرَرًا مِنْ ضَرَرِ مَا أَظْهَرَهُ مِن الْمُنْكَرِ؛ فَلَا يَجُوزُ دَفْعُ الْفَسَادِ الْقَلِيلِ بِالْفَسَادِ الْكَثِيرِ، وَلَا دَفْعُ أَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ بِتَحْصِيلِ أَعْظَمِ الضَّرَرَيْنِ؛ فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ جَاءَتْ بِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَتَكْمِيلِهَا، وَتَعْطِيلِ الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَمَطْلُوبُهَا: تَرْجِيحُ خَيْرِ الْخَيْرَيْنِ إذَا لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَجْتَمِعَا جَمِيعًا، وَدَفْعُ شَرِّ الشَّرَّيْنِ إذَا لَمْ يَنْدَفِعَا جَمِيعًا، فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ مَنْعُ الْمُظْهِرِ لِلْبِدْعَةِ وَالْفُجُورِ إلَّا بِضَرَرِ زَائِدٍ عَلَى ضَرَرِ إمَامَتِهِ؛ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، بَلْ يُصَلِّي خَلْفَهُ، مَا لَا يُمْكِنُهُ فِعْلُهَا إلَّا خَلْفَهُ: كَالْجُمَعِ، وَالْأَعْيَادِ، وَالْجَمَاعَةِ، إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إمَامٌ غَيْرُهُ، وَلِهَذَا كَانَ الصَّحَابَةُ يُصَلُّونَ خَلْفَ الْحَجَّاجِ وَالْمُخْتَارِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ الثَّقَفِيِّ وَغَيْرِهِمَا الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ؛ فَإِنَّ تَفْوِيتَ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ أَعْظَمُ فَسَادًا مِن الِاقْتِدَاءِ فِيهِمَا بِإِمَامِ فَاجِرٍ، لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ التَّخَلُّفُ عَنْهُمَا لَا يَدْفَعُ فُجُورَهُ، فَيَبْقَى تَرْكُ الْمَصْلَحَةِ الشَّرْعِيَّةِ بِدُونِ دَفْعِ تِلْكَ الْمَفْسَدَةِ». اهـ([301])
وقال أيضاً -ؒ-: «وَالتَّعْزِيرُ يَكُونُ لِمَنْ ظَهَرَ مِنْهُ تَرْكُ الْوَاجِبَاتِ وَفِعْلُ الْمُحَرَّمَاتِ، كَتَارِكِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَالتَّظَاهُرِ بِالْمَظَالِمِ وَالْفَوَاحِشِ، وَالدَّاعِي إلَى الْبِدَعِ الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ، الَّتِي ظَهَرَ أَنَّهَا بِدَعٌ، وَهَذَا حَقِيقَةُ قَوْلِ مَنْ قَالَ مِن السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ: إنَّ الدُّعَاةَ إلَى الْبِدَعِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ، وَلَا يُصَلَّى خَلْفَهُمْ، وَلَا يُؤْخَذُ عَنْهُم الْعِلْمُ، وَلَا يُنَاكَحُونَ، فَهَذِهِ عُقُوبَةٌ لَهُمْ حَتَّى يَنْتَهُوا؛ وَلِهَذَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الدَّاعِيَةِ وَغَيْرِ الدَّاعِيَةِ؛ لِأَنَّ الدَّاعِيَةَ أَظْهَرَ الْمُنْكَرَاتِ؛ فَاسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ بِخِلَافِ الْكَاتِمِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ شَرًّا مِن الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقْبَلُ عَلَانِيَتَهُمْ، وَيَكِلُ سَرَائِرَهُمْ إلَى اللَّهِ، مَعَ عِلْمِهِ بِحَالِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ،… وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «إنَّ النَّاسَ إذَا رَأَوْا الْمُنْكَرَ، فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ؛ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُم اللَّهُ بِعِقَابِ مِنْهُ»([302]). فَالْمُنْكَرَاتُ الظَّاهِرَةُ يَجِبُ إنْكَارُهَا، بِخِلَافِ الْبَاطِنَةِ؛ فَإِنَّ عُقُوبَتَهَا عَلَى صَاحِبِهَا خَاصَّةً، وَهَذَا الْهَجْرُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْهَاجِرِينَ فِي قُوَّتِهِمْ وَضَعْفِهِمْ وَقِلَّتِهِمْ وَكَثْرَتِهِمْ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ زَجْرُ الْمَهْجُورِ وَتَأْدِيبُهُ، وَرُجُوعُ الْعَامَّةِ عَنْ مِثْلِ حَالِهِ، فَإِنْ كَانَت الْمَصْلَحَةُ فِي ذَلِكَ رَاجِحَةً، بِحَيْثُ يُفْضِي هَجْرُهُ إلَى ضَعْفِ الشَّرِّ وَخِفْيَتِهِ؛ كَانَ مَشْرُوعًا، وَإِنْ كَانَ لَا الْمَهْجُورُ وَلَا غَيْرُهُ يَرْتَدِعُ بِذَلِكَ، بَلْ يَزِيدُ الشَّرُّ، وَالْهَاجِرُ ضَعِيفٌ، بِحَيْثُ يَكُونُ مَفْسَدَةُ ذَلِكَ رَاجِحَةً عَلَى مَصْلَحَتِهِ؛ لَمْ يَشْرَع الْهَجْرُ؛ بَلْ يَكُونُ التَّأْلِيفُ لِبَعْضِ النَّاسِ أَنْفَعَ مِن الْهَجْرِ، وَالْهَجْرُ لِبَعْضِ النَّاسِ أَنْفَعَ مِن التَّأْلِيفِ؛ وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ
-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَتَأَلَّفُ قَوْمًا، وَيَهْجُرُ آخَرِينَ، كَمَا أَنَّ الثَّلَاثَةَ الَّذِينَ خُلِّفُوا، كَانُوا خَيْرًا مِنْ أَكْثَرِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ؛ لَمَّا كَانَ أُولَئِكَ كَانُوا سَادَةً مُطَاعِينَ فِي عَشَائِرِهِمْ؛ فَكَانَت الْمَصْلَحَةُ الدِّينِيَّةُ فِي تَأْلِيفِ قُلُوبِهِمْ، وَهَؤُلَاءِ كَانُوا مُؤْمِنِينَ، -وَالْمُؤْمِنُونَ سِوَاهُمْ كَثِيرٌ- فَكَانَ فِي هَجْرِهِمْ عِزُّ الدِّينِ، وَتَطْهِيرُهُمْ مِنْ ذُنُوبِهِمْ، وَهَذَا كَمَا أَنَّ الْمَشْرُوعَ فِي الْعَدُوِّ الْقِتَالُ تَارَةً، وَالْمُهَادَنَةُ تَارَةً، وَأَخْذُ الْجِزْيَةِ تَارَةً، كُلُّ ذَلِكَ بِحَسَبِ الْأَحْوَالِ وَالْمَصَالِحِ، وَجَوَابُ الْأَئِمَّةِ كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ فِي هَذَا الْبَابِ مَبْنِيٌّ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ، وَلِهَذَا كَانَ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْأَمَاكِنِ الَّتِي كَثُرَتْ فِيهَا الْبِدَعُ، كَمَا كَثُرَ الْقَدَرُ فِي الْبَصْرَةِ وَالتَّنْجِيمُ بِخُرَاسَانَ، وَالتَّشَيُّعُ بِالْكُوفَةِ، وَبَيْنَ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ الْمُطَاعِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَإِذَا عُرِفَ مَقْصُودُ الشَّرِيعَةِ؛ سُلِكَ فِي حُصُولِهِ أَوْصَلُ الطُّرُقِ إلَيْهِ». اهـ([303])
الثالث عشر: ومن قواعد أهل السنة في كيفية التعامل مع المخالف: تَفْرِقَتُهُم بين زمن القوة وزمن الضعف، أو زمن الاستخلاف وزمن الاستضعاف:
فأهل السنة إذا كانوا أقوياء؛ استطاعوا أن يَهْجُروا أهلَ البدع؛ لأن هجرهم إياهم -والحال كذلك- سيزيل المنكر، أو يُقَلِّله، بخلاف ما إذا كانت الغلبة والقوة في يد أهل البدع، فيشرع للسنِّي مداراتُهم، وتركُ التعرُّض لهم؛ لأن مواجهتهم وهجرهم لا يغيِّر من منكرهم شيئا، بل ربما زاد واستقوى.
وقد انتشر عند فئامٍ كثيرةٍ من الناس المنتسبين إلى الخير والصَّلاح هَجْرُ أهل البدع والمعاصي بإطلاق، وظنُّوا أنَّ ذلك هو هَدْيُ الشَّرع، واستأنسوا
-بل استدلُّوا- عليه بفعل بعض السَّلف -رحمهم الله-.
والذي ينبغي التنبيه عليه في هذا المقام: أنَّ الهجر ليس مشروعًا في كل حال؛ بل هو بحسب حال الشَّخص، والزَّمان، والمكان، وظهور السنة وأهلها وخفائهما، وكلُّ هذه الأمور تجمعها (المصلحة الشرعيَّة) فالدين جاء بتكميل المصالح أو تحصيلها، وبتعطيل المفاسد أو تقليلها، وهذا مقصد هام في الشريعة المطهرة، فلا يمكن أن تأمر بما مفسدته أكبر من مصلحته، أو تنهي عما مصلحته أكبر من مفسدته، والخطأ يقع في تقدير الناظر في الأدلة، فربما رجح ما مفسدته أكثر لجهله، أو لعدم اطلاعه على الأمر من جميع جوانبه حالًا ومآلًا.
فلا بد من التفريق بين أصحاب البدع المغلَّظة وغير المغلَّظة، وبين الداعين للبدعة، والمستورين الساكتين، وبين رؤوس البدعة وبين عامتهم. ولك أن تتأمَّل في كلام أئمَّة الهدى، الذين فهموا منهج السَّلف، وكانوا أكثر الناس تطبيقًا لهذا الأمر المشروع (أعْني الهجر) ولكنَّهم لم يَغْلُوا فيه كغلو بعض الناس في هذا الزمان، بل راعُوا هذه التفاصيل والضوابط، وقد سبق قبل قليل كلام شيخ الإسلام، ولأهميته فلا بأس من إعادته وتأكيده بكلام غيره:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -ؒ-([304]): «وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قُوتهم وضَعْفِهم، وقِلَّتِهِم وكَثْرتهم؛ فإن المقصود به زَجْرُ المهجور وتأديبُهُ، ورجوعُ العامة عن مِثْلِ حاله.
فإن كان المصلحةُ في ذلك راجحةً، بحيث يُفْضِى هَجْرُهُ إلى ضَعْفِ الشر وخِفْيته؛ كان مشروعاً، وان كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك، بل يزيد الشَّرُّ، والهاجر ضعيف، بحيث يكون مفسدةُ ذلك راجحةً على مصلحته؛ لم يَشْرُع الهَجْرُ، بل يكون التأليفُ لبعض الناس أَنْفَعُ من الهجر، والهَجْرُ لبعض الناس أَنْفَعُ من التأليف، ولهذا كان النبي يَتَأَلَّفُ قوماً، ويَهْجُر آخرين؛ كما أن الثلاثة الذين خُلِّفوا كانوا خيرا من أكثر المؤلَّفة قلوبهم؛ لما كان أولئك كانوا سادةً مُطَاعِين في عشائرهم؛ فكانت المصلحةُ الدينيةُ في تأليف قلوبهم، وهؤلاء كانوا مؤمنين، والمؤمنون سواهم كَثير؛ فكان في هجرهم عِزُّ الدين وتطهيرُهُم من ذنوبهم.
وهذا كما أن المشروع في العدو القتالُ تارةً، والمهادنَةُ تارةً، وأَخْذُ الجزية تارةً، كُلُّ ذلك بحسب الأحوال والمصالح، وجوابُ الأئمة كأحمد وغيره في هذا الباب مَبْنِىٌّ على هذا الأصل.
ولهذا كان يُفَرَّقُ بين الأماكن التي كَثُرَتْ فيها البدع؛ كما كَثُرَ القَدَر في البصرة، والتنجيم بخراسان، والتشيع بالكوفة، وبين ما ليس كذلك، ويُفَرَّق بين الأئمة المطاعين وغيرهم.
وإذا عُرِفَ مقصود الشريعة؛ سُلِكَ في حصوله أَوْصَلُ الطرق إليه». اهـ
وقال – ؒ -: «فصل: في مسائل إسحاق بن منصور – وذكره الخلال في «كتاب السنة» في باب مجانبة من قال: القرآن مخلوق – عن إسحاق أنه قال لأبي عبد الله: من قال: القرآن مخلوق؟ قال: أَلْحِقْ به كُلَّ بَلِيَّةٍ، قلت: فَيُظْهِرُ العداوةَ لهم أَمْ يُداريهم؟ قال: أَهْلُ خراسان لا يَقْوَوْنَ بهم.
وهذا الجواب منه مع قوله في القدرية: لو تَرَكْنا الروايةَ عن القدرية؛ لَتَرَكْناها عن أَكْثر أهل البصرة، ومع ما كان يعاملهم به في المحنة: من الدفع بالتي هي أحسن، ومخاطبتهم بالحجج، يُفَسِّر ما في كلامه وأفعاله من هجرهم، والنهي عن مجالستهم ومكالمتهم، حتى هَجَرَ في زَمَنٍ أعيانًا من الأكابر، وأمر بهجرهم لنوع ما من التجهم؛ فإن الهجرة نوع من أنواع التعزير، والعقوبة نوع من أنواع الهجرة التي هي تَرْكُ السيئات…
فالهجرة تارة تكون من نوع التقوى إذا كانت هجرا للسيئات، كما قال تعالى: [ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ] {الأنعام:68}، [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ] {الأنعام:69}، فبَيَّنَ -سبحانه- أن المتقين خلاف الظالمين، وأن المأمورين بهجران مجالس الخوض في آيات الله هم المتقون.
وتارة تكون من نوع الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود، وهو عقوبة من اعتدى وكان ظالماً، وعقوبة الظالم وتعزيره مشروط بالقدرة؛ فلهذا اختلف حُكْم الشرع في نَوْعَي الهجرتين: بين القادر والعاجز، وبين قِلَّةِ نوع الظالم المبتدع وكَثْرته، وقوته وضَعْفِه، كما يختلف الحكم بذلك في سائر أنواع الظلم من الكفر والفسوق والعصيان، فإن كُلَّ ما حَرَّمَهُ الله فهو ظُلْم: إما في حَقِّ الله فقط، وإما في حَقِّ عباده، وإما فيهما، وما أَمَرَ به من هَجْر الترك والانتهاء، وهجر العقوبة والتعزير: إنما هو إذا لم يكن فيه مصلحةٌ دينيةٌ راجحةٌ على فِعْلِهِ، وإلا فإذا كان في السيئة حسنةٌ راجحةٌ؛ لم تَكُنْ سيئةً، وإذا كان في العقوبة مفسدةٌ راجحةٌ على الجريمة؛ لم تَكُنْ حسنةً؛ بل تكون سيئةً؛ وإن كانت مكافِئَةً؛ لم تكُنْ حسنةً ولا سيئةً، فالهُجْران قد يكون مقصوده تَرْكَ سيئة البدعة، التي هي ظلم وذنب وإثم وفساد، وقد يكون مقصوده فِعْلَ حسنة الجهاد، والنهي عن المنكر، وعقوبة الظالمين؛ لِيَنْزَجِروا ويرتدعوا، ولِيَقْوَى الإيمانُ والعملُ الصالحُ عند أهله؛ فإن عقوبة الظالم تمنع النفوس عن ظلمه، وتحضُّها على فِعْلِ ضِدِّ ظلمه: من الإيمان والسنة، ونحو ذلك.
فإذا لم يكن في هجرانه انزجارُ أَحَدٍ، ولا انتهاءُ أَحَدٍ، بل بطلانُ كثيرٍ من الحسنات المأمور بها؛ لم تَكُنْ هِجْرَةً مأمورا بها، كما ذَكَرَهُ أحمد عن أهل خراسان إذْ ذاك: أنهم لم يكونوا يَقْوَوْن بالجهمية، فإذا عجزوا عن إظهار العداوة لهم؛ سَقَطَ الأمر بفعل هذه الحسنة، وكان مداراتُهم فيه دَفْعُ الضرر عن المؤمن الضعيف، ولعله أن يكون فيه تأليفُ الفاجر القوي، وكذلك لما كَثُرَ القَدَرُ في أهل البصرة، فلو تُرِكَ روايةُ الحديث عنهم؛ لا نْدَرَسَ العِلْمُ والسننُ والآثار المحفوظة فيهم؛ فإذا تَعَذَّرَ إقامةُ الواجبات من العلم والجهاد وغير ذلك إلا بمن فيه بدعةٌ مَضَرَّتُها دون مَضَرَّة تَرْكِ ذلك الواجب؛ كان تحصيلُ مصلحة الواجب مع مفسدةٍ مرجوحةٍ معه خيرا من العَكْس.
ولهذا كان الكلام في هذه المسائل فيه تفصيل، وكثير من أجوبة الإمام أحمد وغيره من الأئمة خَرَجَ على سؤال سائلٍ قد عَلِمَ المسئولُ حالَهُ، أو خَرَجَ خطابًا لِمُعيَّنٍ، قد عَلِمَ حالَهُ؛ فيكونُ بمنزلة قضايا الأعيان الصادرة عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- إنما يَثْبُتُ حُكْمُها في نظيرها، فإن أقواما جعلوا ذلك عامًّا؛ فاستعملوا من الهجر والإنكار ما لم يُؤمروا به، فلا يجب ولا يُسْتَحَبُّ، وربما تركوا به واجباتٍ أو مستحباتٍ، وفَعَلُوا به محرماتٍ، وآخرون أَعْرضوا عن ذلك بالكلية، فلم يَهْجُروا ما أُمِرُوا بهَجْره من السيئات البدعية؛ بل تركوها تَرْكَ المُعْرِض، لا تَرْكَ المُنْتَهِي الكارِهِ، أو وَقَعُوا فيها، وقد يتركونها تَرْكَ المنتهي الكارِهِ، ولا يَنْهَوْن عنها غيرهَمُ، ولا يعاقِبِون بالهجرة ونحوها من يستحق العقوبة عليها، فيكونون قد ضَيَّعُوا من النهي عن المنكر ما أُمروا به إيجابا أو استحبابا، فهم بين فِعْلِ المنكر، أو تَرْكِ النهي عنه، وذلك فِعْلُ ما نُهوا عنه، وتَرْكُ ما أُمروا به، فهذا هذا. ودينُ الله وَسَطٌ بين الغالي فيه والجافي عنه، والله سبحانه أعلم». اهـ
وقال الإمام ابن القيم –ؒ–([305]) في ذِكْرِ فوائد غزوة تَبُوك، وما أعقبها من قصة الثلاثة المخلَّفين عنها -رضي الله عنهم-: «وفيه دليل أيضًا على هجران الإمامِ والعالمِ والمُطَاعِ لمن فَعَلَ ما يَسْتَوْجِبُ العَتْبَ.
ويكون هجرانُهُ دواءً له؛ بحيث لا يَضْعُفُ عن حصول الشفاء به، ولا يزيد في الكمية والكيفية عليه؛ فَيُهْلِكُه، إِذِ المرادُ تأديبُهُ لا إِتْلافُهُ». اهـ
وقال ابن القيم أيضاً في «الكافية الشافية»:
| واهْجُرْ ولو كُلَّ الوَرَى في ذاتِهِ | لا في هواك ونخْوَةِ الشيطانِ | |
| واهْجُرْهُمُ الهَجْرَ الجميلَ بلا أَذَى | إنْ لم يَكُنْ بُدٌّ من الهُجْرَانِ |
الرابع عشر: ومن إنصافِ أهلِ السنة أنهم لم يَقْبَلُوا غُلوَّ بعضِ موافقيهم في ذَمِّ مخالفيهم، ولا يقولون في مخالفيهم ما ليس فيهم؛ لِيَنْفُرَ الناسُ عنهم، إنما يقتصرون على ما فيهم، دون زيادة ولا نقص.
فلم يكن أهل السنة يكيلون المدْحَ أو القدْحَ جزافاً، بل يَقْرِنُون ذلك بكثير من التحفُّظ والورع، والسبب في ذلك: أنهم بَنَوْا منهجَهم على ميزان الاتباع لمنهج أهل السنة، وليس على التعصب للأشخاص؛ إذ كل إنسان
-مهماً كان- يُؤْخَذُ من قوله ويُتْرَكُ سوى رسولِ الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
قال القرافي -ؒ-: «أربابُ البدعِ والتصانيفِ المُضِلَّةِ ينبغي أن يُشْهِرَ الناسُ فَسَادَهَا وعَيْبَهَا، وأنهم على غير الصواب؛ ليَحْذَرَها الناسُ الضعفاءُ، فلا يقعوا فيها، ويُنَفَّر عن تلك المفاسد ما أمكن، بشرط أن لا يُتَعَدَّى فيها الصِّدْقُ، ولا يُفْتَرَى على أهلها من الفسوق والفواحش ما لم يفعلوه، بل يُقْتَصَرُ على ما فيهم من المُنَفِّرات خاصة، فلا يقال على المبتدع: إنه يَشْرَبُ الخمر، ولا أنه يَزْني، ولا غير ذلك مما ليس فيه، وهذا القِسْمُ داخلٌ في النصيحة، غير أنه لا يتوقف على المشاورة، ولا مقارنة الوقوع في المفسدة، ومن مات من أهل الضلال، ولم يترك شيعةً تُعَظِّمُه، ولا كُتُبًا تُقْرَأ، ولا سَبَبًا يُخْشَى منه إفسادٌ لغيره؛ فينبغي أن يُسْتَر بسِتْرِ الله تعالى، ولا يُذْكَر له عَيْبٌ أَلْبَتَّةَ، وحسابُهُ على الله تعالى،… فالأصلُ اتِّبَاعُ هذا إلا ما اسْتَثْناه صاحبُ الشرع». اهـ([306])
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -ؒ- وهو يتكلَّم عن الجهم: «كَأَبِي إسْمَاعِيلَ الْأَنْصَارِيِّ الهروي صَاحِبِ كِتَابِ «ذَمِّ الْكَلَامِ» فَإِنَّهُ مِن الْمُبَالِغِينَ فِي ذَمِّ الْجَهْمِيَّة لِنَفْيِهِم الصِّفَاتِ، وَلَهُ كِتَابُ «تَكْفِيرُ الْجَهْمِيَّة» وَيُبَالِغُ فِي ذَمِّ الْأَشْعَرِيَّةِ، مَعَ أَنَّهُمْ مِنْ أَقْرَبِ هَذِهِ الطَّوَائِفِ إلَى السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ، وَرُبَّمَا كَانَ يَلْعَنُهُمْ. وَقَدْ قَالَ لَهُ بَعْضُ النَّاسِ – بِحَضْرَةِ نِظَامِ الْمُلْكِ – أَتَلْعَنُ الْأَشْعَرِيَّةَ؟ فَقَالَ: أَلْعَنُ مَنْ يَقُولُ: لَيْسَ فِي السَّمَوَاتِ إلَهٌ، وَلَا فِي الْمُصْحَفِ قُرْآنٌ، وَلَا فِي الْقَبْرِ نَبِيٌّ، وَقَامَ مِنْ عِنْدِهِ مُغْضَبًا، وَمَعَ هَذَا فَهُوَ فِي مَسْأَلَةِ إرَادَةِ الْكَائِنَاتِ وَخَلْقِ الْأَفْعَالِ: أَبْلَغُ مِن الْأَشْعَرِيَّةِ؛ لَا يُثْبِتُ سَبَبًا وَلَا حِكْمَةً»([307]). اهـ
وشيخ الإسلام ابن تيمية -ؒ- بنى هذا على أصلٍ ثابتٍ عنده، وهو تفاوتُ الطوائفِ في القُرْب والبُعْد من الحق، فَيَسْلُك مع الأشاعرة هذا المَسْلَكَ.
قال شيخ الإسلام مُعَلِّقاً على مسألة تأثُّر الأشاعرة بالمعتزلة والمعتزلة بالفلاسفة: «مع أنه يمكن بيانُ أنَّ قولَ الأشعري أَقْرَبُ إلى صريح المعقول من قول المعتزلة، كما يمكن أن يُبَيَّنَ أن قول المعتزلة أَقْرَبُ إلى صريح المعقول من قول الفلاسفة، لكن هذا يفيد أن هذا القول أقرب إلى المعقول وإلى الحق، ولا يفيد أنه هو الحق في نفس الأمر، فهذا ينتفع به من ناظر الطاعن على الأشعرية من المعتزلة، والطاعن على المعتزلة من الفلاسفة، فَتُبَيِّنُ له أن قول هؤلاء خير من قول أصحابك، فإنه كما أن كل من كان أقرب إلى السنة؛ فقوله أقرب إلى الأدلة الشرعية؛ فكذلك قوله أقرب إلى الأدلة العقلية، ولا ريب أن هذا مما ينبغي سلوكه، فكل قول – أو قائل – كان إلى الحق أقرب؛ فإنه يُبَيَّنُ رجحانه على ما كان عن الحق أَبْعَدَ، ألا ترى أن الله تعالى لما نَصَرَ الرومَ على الفرس – وكان هؤلاء أهلَ الكتاب، وهؤلاء أهلَ أوثان – فَرِحَ المؤمنون بنصْر الله لمن كان إلى الحق أَقْرَبَ على من كان عنه أَبْعَدَ، وأيضاً فيمكن القريب إلى الحق أن ينازع البعيد عنه في الأصل الذي احتج به عليه البعيد، وأن يوافق القريب إلى الحق للسلف الأول الذين كانوا على الحق مطلقاً». اهـ([308])
ويقول -ؒ- بعد كلام طويل عن الأشاعرة، وتحذير العلماء منهم: «ثم إنه ما من هؤلاء إلا من له في الإسلام مساعٍ مشكورةٌ، وحسناتٌ مبرورةٌ، وله في الرد على كثير من أهل الإلحاد والبدع، والانتصار لكثير من أهل السنة والدين ما لا يخفى على مَنْ عَرَفَ أحوالهم، وتَكَلَّمَ فيهم بِعِلْمٍ وصِدْقٍ وعَدْلٍ وإنصافٍ، لكن لما الْتَبَسَ عليهم هذا الأصلُ المأخوذُ ابتداء من المعتزلة، وهم -أي الأشاعرة- فضلاءُ عقلاءُ؛ احتاجوا إلى طَرْدِهِ والتزام لوازمه؛ فلَزِمَهُم بسبب ذلك من الأقوال ما أَنْكَره المسلمون من أهل العلم والدين، وصار الناس بسبب ذلك: منهم من يُعَظِّمُهم لما لهم من المحاسن والفضائل، ومنهم من يذمهم لما وقع في كلامهم من البدع والباطل، وخيرُ الأمور أوسطُها، وهذا ليس مخصوصاً بهؤلاء، بل مثل هذا وقع لطوائف من أهل العلم والدين، والله تعالى يتقبل من جميع عباده المؤمنين الحسنات، ويتجاوز لهم عن السيئات. [ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ] {الحشر:10}». اهـ([309])
أما أبو الحسن الأشعري نفسه –ؒ– فكلامه حوله كثير:
ففي مَعْرِضِ دفاعه عنه ذكر أنه: «ابْتُلِيَ بطائفتين: طائفة تُبْغِضُه وطائفة تُحِبُّه، كل منهما يَكْذِب عليه، ويقول: إنما صَنَّفَ هذه الكُتُبَ تَقِيَّةً، وإظهاراً لموافقة أهل الحديث والسنة من الحنبلية وغيرهم، وهذا كَذِبٌ على الرجل؛ فإنه لم يوجَدْ له قولٌ باطنٌ يخالف الأقوالَ التي أظهرها، ولا نَقَل أحد من خواص أصحابه ولا غيرهم عنه ما يناقض هذه الأقوالَ الموجودةَ في مصنفاته، فدعوى المُدَّعِي أنه كان يُبْطِن خلافَ ما يُظْهِرُ: دعوى مردودةٌ شرعاً وعقلاً، بل مَنْ تَدَبَّرَ كلامَهُ في هذا الباب – في مواضع – تَبَيَّنَ له قَطْعاً أنه كان يَنْصُرُ ما أظهره، ولكن الذين يحبونه ويخالفونه في إثبات الصفات الخبرية يَقْصُدون نَفْيَ ذلك عنه؛ لئلا يقال: إنهم خالفوه، مع كون ما ذهبوا إليه من السنة قد اقتدوا فيه بحجته التي على ذِكْرِها يُعَوِّلون، وعليها يعتمدون».
وقال -ؒ-: «والفريق الآخر: دافعوا عنه؛ لكونهم رأوا المنتسبين إليه لا يُظْهرون إلا خلاف هذا القولِ، ولكونهم اتهموه بالتقية، وليس كذلك، بل هو انتصر للمسائل المشهورة عند أهل السنة التي خالفهم فيها المعتزلة: كمسألة الرؤية، والكلام، وإثبات الصفات، ونحو ذلك، لكن كانت خِبْرَتُهُ بالكلام مُفَصَّلةً، وخِبْرَتُهُ بالسنة مُجْمَلَةً، فلذلك وافق المعتزلَةَ في بعض أصولهم التي الْتَزَموا لأجلها خلافَ السنة…». اهـ([310])
كما دافَعَ عن الأشعري –↓– فيما نُسِبَ إليه من أنه يقول: إن الله لم يكن قادراً على الفعل في الأزل».
وبَيَّنَ شيخ الإسلام -ؒ- أن «مَنْ يُبْغِضُ الأشعريَّ ينسِبُ إليه هذا؛ لتنفر عنه قلوب الناس». اهـ([311])
وكثيراً ما يشير شيخ الإسلام إلى أنه أَقْرَبُ إلى منهج السلف الصالح من كثير ممن أتى بعده([312]).
وكثيراً ما يَنْقُل من كُتب الأشعري، ويَسْتَشْهِد بأقواله([313]).
وأما كلامه عن الجويني –ؒ-؛ فإنه يدافع عنه على الرغم من كونه ممن مال إلى المعتزلة أكثر ممن سبقه من الأشاعرة، وبعد أن نقل عنه الأقوال في الكلام، ونِسْبَتَهُ -أي الجويني- إلى أهل السنة ما ليس من مذهبهم؛ رَدَّ عليه شيخ الإسلام ابن تيمية -ؒ- وقال: «وأبو المعالي وأمثالُهُ أَجَلُّ من أن يَتَعَمَّد الكذب، لكنَّ القولَ المَحْكِيَّ قد يُسْمَع من قائل لم يَضْبِطْهُ، وقد يكونُ القائلُ نفسُه لم يُحَرِّرْ قولَهُم»([314]).
ويَذْكُر شيخُ الإسلام ابن تيمية -ؒ- نحو هذا في مناسبة أخرى، ويرى أن الجويني لم يتعمد الكَذِبَ؛ لكنه كان قليلَ المعرفة بحال أهل السنة([315]).
ويحتج بأقواله ويصححها في معرض ردوده على الجهمية([316])، وابنِ رُشْدٍ([317]).
وأما كلامه عن الغزالي –ؒ-؛ فقد بَيَّن أن الغزالي لا يتعمد الكذب، ولذلك لما نَسَبَ الغزالي إلى الإمام أحمد -↓- أنه يقول بالتأويل؛ رَدَّ عليه شيخُ الإسلام ابن تيمية -ؒ- بأنه: «نَقَلَهُ عن مجهولٍ لا يُعْرَف، وذلك المجهولُ أَرْسَلَهُ إرسالاً عن أحمد، ولا يتنازع من يَعْرِفُ أَحْمَدَ وكلامَهُ أن هذا كَذِبٌ مُفْتَرَىً عليه، ونصوصُهُ المنقولةُ عنه بنقل الثقات الأثبات المتواتر عنه تَرُدُّ هذا الهذيانَ الذي نَقَلَهُ عنه، بل إذا كان أبو حامد يَنْقُل عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وعن الصحابة والتابعين من الأكاذيب ما لا يُحْصِيه إلا الله؛ فكيف ما يَنْقُله عن مثل أحمد»؟!
ثم يُعَقِّب شيخُ الإسلام -ؒ- مدافعاً عن الغزالي: «ولم يَكُنْ ممن يَتَعَمَّد الكَذِبَ، كان أَجَلَّ قَدْراً من ذلك، وكان من أعظم الناس ذكاء، وطلباً للعلم، وبحثاً عن الأمور، ولِمَا قاله كان من أعظم الناس قَصْداً للحق، وله من الكلام الحَسَنِ المقبول أشياءُ عظيمةٌ، بليغةٌ، ومن حُسْنِ التقسيم والترتيب ما هو به من أَحْسَنِ المصنِّفين، لكنَّ كَوْنَهُ لم يَصِلْ إلى ما جاء به الرسولُ من الطرق الصحيحة؛ كان يَنْقُلُ ذلك بحسب ما بَلَغَهُ، لاسيما مع هذا الأصل، إذْ جَعَلَ النُّبُوَّاتِ فَرْعاً على غيرها»([318]).
وقال الحافظ الذهبي -ؒ-: «قَالَ الحَاكِمُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ صَالِحِ ابنِ هَانِئٍ، سَمِعْتُ ابْنَ خُزَيْمَةَ يَقُوْلُ: مَنْ لَمْ يُقِرَّ بِأَنَّ اللهَ عَلَى عَرشِه قَدِ اسْتوَى فَوْقَ سَبعِ سَمَاوَاتِه؛ فَهُوَ كَافِرٌ حَلاَلُ الدَّمِ، وَكَانَ مَالُهُ فَيْئاً».
«قُلْتُ: مَنْ أَقَرَّ بِذَلِكَ تَصْدِيْقاً لِكِتَابِ اللهِ، وَلأَحَادِيْثِ رَسُوْلِ اللهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَآمَنَ بِهِ مُفَوِّضاً مَعْنَاهُ إِلَى اللهِ وَرَسُوْلِهِ، وَلَمْ يَخُضْ فِي التَّأْوِيْلِ، وَلاَ عَمَّقَ؛ فَهُوَ المُسْلِمُ المُتَّبِعُ، وَمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ، فَلَمْ يَدْرِ بِثُبُوْتِ ذَلِكَ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ فَهُوَ مُقَصِّرٌ، وَاللهِ يَعْفُو عَنْهُ، إِذْ لَمْ يُوجِبِ اللهُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حِفظَ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ، وَمَنْ أَنكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ العِلْمِ، وَقَفَا غَيْرَ سَبِيْلِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَتَمَعقَلَ عَلَى النَّصِّ؛ فَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ، نَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الضَّلاَلِ وَالهَوَى.
وَكَلاَمُ ابْنِ خُزَيْمَةَ هَذَا -وَإِنْ كَانَ حَقّاً- فَهُوَ فَجٌّ، لاَ تَحْتَمِلُهُ نُفُوْسُ كَثِيْرٍ مِنْ مُتَأَخِّرِي العُلَمَاءِ»([319]). اهـ
قلت: كلام ابن خزيمة -ؒ- محمول على من بان له الحق؛ لكن تركه عنادًا وجدالًا بالباطل، أو استهزاءً بأهله، وكراهية لما عليه أهل السنة، وانشراح صدرٍ بما عليه أهل البدعة، وهذا من الحكم المطلق، وفَرْقٌ بينه وبين الحكم على المعيَّن كما هو معلوم، والله أعلم.
وأهل السنة على تفويض الكيفية لا المعنى، وإلا فمعنى الأسماء والصفات في اللغة التي نزل بها القرآن الكريم معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، كما قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن ومالك بن أنس
-↓- وهذا هو المراد من قول الحافظ الذهبي -ؒ- وإذا كان قوله: «مفوِّضا معناه» سيُحْمل على المعنى اللغوي الذي تشهد له لغة القرآن، فليس إطلاقه هذا مقبولا؛ لإيهامه، وإنما المراد عدم الخوض في الكيفية، أما المعنى اللغوي الذي تشهد به لغة العرب، التي نزل بها القرآن، أي المعنى اللغوي للأسماء والصفات؛ فمعلوم من لغة العرب وكلام علماء السنة، ولله الحمد، والله أعلم.
وها هو الحافظ الذهبي –ؒ– يبين أن بُغْضَ المبتدعة بلا ميزانٍ شرعيٍّ أَدَّى بالبعض إلى تجاوز طريقة السلف، والعدول عن النهج السَّوِيِّ، فقال في ترجمة يحيى بن عمار -ؒ-: «وكان مُتَحَرِّقًا على المبتدعة والجهمية، بحيث يؤول به ذلك إلى تجاوز طريقة السلف، وقد جعل الله لكل شيء قَدْرا». اهـ([320])
وفي ترجمة ابن منده -ؒ- ذكر الحافظ الذهبي -ؒ-: أنه نهى عن الدخول على بعض من وقع في مخالفة مذهب السلف في أمور تخصُّ الاعتقاد، وقال (أي: ابن منده): «على الداخل عليهم أُحَرِّجَ أن يَدْخُلَ مجلسنا، أو يَسْمَعَ منا، أو يَرْوِيَ عنا، فإن فعل؛ فليس هو منا في حِلّ».
فَعَلَّقَ الحافظ الذهبي -ؒ- على ذلك، فقال: «قلت: ربما آل الأمر بالمعروف بصاحبه إلى الغضب والحِدَّة؛ فيقع في الهجران المُحَرَّم، وربما أَفْضَى ذلك إلى التكفير والسعي في الدم». اهـ([321])
وقال ابن ناصر الدين الدمشقي -ؒ-: «فَهَل بعد هَذَا الْوَعيد من مزِيد فِي التهديد؟ وَلَعَلَّ الشَّيْطَان يُزَيِّن لمن اتَّبَعَ هَوَاهُ، وَرمى بالْكفْر وَالْخُرُوج من الْإِسْلَام أَخَاهُ، أَنه تكلَّم فِيهِ بِحَق ورماه، وَأَنه من بَاب الْجرْح وَالتَّعْدِيل، لَا يَسَعُهُ السُّكُوتُ عَن الْقَلِيل من ذَلِك، فَكيف بالجليل؟! هَيْهَات هَيْهَات؛ إِنَّ فِي مجَال الْكَلَام فِي الرِّجَال عَقَباتٍ، مُرْتَقِيها على خَطَرٍ، ومُرْتَقِبُها هَوَىً لَا مَنْجَى لَهُ من الإثم والوِزْر، فَلَو حاسَبَ نَفسَهُ الرَّامِي أَخَاهُ: مَا السَّبَب الَّذِي هاج ذَلِك؟ لتحَقّق أَنه الْهوى الَّذِي صَاحِبُهُ هَالك». اهـ([322])
الخامس عشر: أن الولاء والبراء، والحب والبغض، والمدح والذم، كل ذلك يتبعَّض في تنزيله على المسلم بحسب ما فيه من خيرٍ وشرٍّ، وطاعةٍ ومعصيةٍ، وإيمانٍ وفجورٍ، وسنةٍ وبدعةٍ، فليس عند أهل السنة بُغْضٌ مُطْلَقٌ أو بَرَاءٌ مُطْلَقٌ إلا للكفار، ومع ذلك يكون بالعدْل فيهم لا بالجور والظلم، فكيف بالمسلمين؟.
ويظن كثير من الناس أن الولاء والبراء، والمدح والذم كُتْلَةٌ واحدةٌ صلْبةٌ لا تتجزَّأ، فالشخص عندهم إما هذا أو هذا فقط، وأن من أَحَبَّهُ؛ والاه موالاةً تامَّةً، ومن أَبْغَضَه؛ أَبْغَضَه بُغضًا تامًّا، أو عاداه معاداة تامة، وكذا في المدح والذم، وأن أي تَبَعُّض في ذلك؛ فهو نَقْصٌ في إيمانِ وسُنِّيةِ فاعِلِه في نظر الغلاة المسرفين المتهوِّرين، وهذا الظن من تزيين الشيطان، ولا يُغني عن الحق شيئًا.
والمقرَّر عند أهل السنة والاعتدال: أن من حقَّق الإيمان التام؛ فله الولاء الْمُطْلَقُ، ومن كان كافرًا، فيُتَبرَّأُ منه براءة مطلقة، لكن المؤمن الذي معه أصْل الإيمان، إلا أنه وقع في مخالفة معلومة، إما عن شهوة، أو شبهة، فالأُولى هي المعصية، والثانية هي البدعة، ومراتبُ كل منهما متفاوتة كِبَرًا وصِغَرًا، وغِلْظًة وخِفّةً، وهل هذا المؤمن الذي وقع في ذلك وقع عن علم وبصيرة أو جهل وتأويل أو تقليد سائغ؟ فهذا المؤمن معه أصل الإيمان، أو أصْله وجُزْءٌ آخر معه من الإيمان، ومعه من المخالفة بقَدْرِها، فَيُحَبُّ أو يُوالَى، ويُوصَل، ويُنْصَر، ويُمْدَح -إن احتيج لذلك- بحسب ما معه من الإيمان، والطاعة، والسُّنَّة، وكذا يُبْغَض، ويُهجَر، ويُذَم -إن احتيج إلى ذلك- بِقَدْرِ ما عنده من الشرِّ، والمعصية، والبدعة.
وهذا هو ميزان العدْل، أما الولاءُ المطلَقُ؛ فهو مذهب أهل الإرجاء، الذين يَرَوْن أن المعصية لا تَضُرُّ الإيمانَ، والبراءةُ المطلقةُ مذهبُ الخوارج الوعيدية الذين يَرَوْنَ أن المعصية تزيل الإيمان، وكِلا طَرَفيْ قَصْدِ الأمورِ ذَمِيمُ!!!
وهذا ميزان العدل في الدنيا والآخرة، يقول الله – قَدْرُه-: [ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ] {الزلزلة:7، 8}.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -ؒ-: «وإذا اجْتَمَعَ في الرجل الواحد خيرٌ وشَرٌّ، وفجورٌ وطاعة ومعصية، وسُنّةٌ وبدعةٌ؛ استحقَّ من الموالاة والثواب بِقَدْر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسَب ما فيه من الشر، فَيَجْتَمِعُ في الشخص الواحد موجباتُ الإكرامِ والإهانةِ، فَيَجْتَمِعُ له من هذا وهذا، كاللِّصِّ الفقير: تُقْطَعُ يَدُهُ لِسَرِقَتِهِ، ويُعْطىَ من بيت المال ما يكْفِيه لحاجته، هذا هو الأَصْلُ الذي اتَّفَق عليه أهلُ السنة والجماعة، وخالفهم الخوارجُ والمعتزلةُ ومن وافقهم عليه، فلم يجعلوا الناسَ إلا مُسْتَحِقًّا للثوابِ فقط، وإلا مُسْتَحِقًّا للعقابِ فقط، وأهلُ السنة يقولون: إن الله يُعَذّب بالنار مِنْ أهل الكبائر مَنْ يُعَذِّبه، ثم يُخْرِجُهم بشفاعةِ مَنْ يأْذَنُ له في الشفاعة بِفَضْلِ رحمته…». اهـ)[323])
وقال أيضًا -ؒ-: «وكثير من الناس إذا عَلِم من الرجل ما يُحِبُّهُ؛ أحبَّ الرجلَ مطلقًا، وأَعْرَضَ عن سيئاته، وإذا عَلِم منه ما يُبْغِضُه؛ أَبْغَضَه مطلقًا، وأَعْرَضَ عن حسناته، وهذا من أقوال أهل البدع، والخوارج، والمعتزلة، والمرجئة».
قال -ؒ-: «وأهل السنة يقولون ما دلَّ عليه الكتابُ والسنةُ والإجماعُ، وهو: أن المؤمن يَسْتَحِقُّ وعْدَ الله وفضْلَهُ، والثوابَ على حسناته، ويَسْتَحِقُّ العقابَ على سيئاته؛ فإن الشخص الواحد يجتمع فيه ما يُثاب عليه، وما يُعاقَب عليه، وما يُحْمَد عليه، وما يُذَمُّ عليه، وما يُحَبُّ منه، وما يُبْغَض منه، فهذا وهذا». اهـ([324])
وقال -ؒ-: «وهذا مذهبُ أهل السنة والجماعة، بخلاف الخوارج، والمعتزلة، وبخلاف المرجئة والجهمية؛ فإن أولئك يميلون إلى جانب، وهؤلاء يميلون إلى جانب، وأهل السنة والجماعة وَسَطٌ…». اهـ([325])
قلت: فتأمل هذا الفهم الرائق الجامع للإسلام من جميع جوانبه، ولا تبالي بأهل الإفراط والتفريط، كغلاة التجريح في زماننا، ولما كان اتجاههم يخالف إجماعَ أهل السنة، والفطرةَ؛ اختلفوا في الأشخاص؛ فتفرّقوا فِرَقا وأحزابا، وكلما مَرّ حدثٌ عامٌّ، واختلفوا في تقييمه والحكم على أهله؛ ازدادوا تفرُّقا وشتاتا، وتجريحا لبعضهم، وكلما طال بهم الوقتُ على المخالف لهم مؤخرا، أشدَّ ضلالا وانحرافا من المخالف الأول، الذي فارقوه سويًّا، وهكذا الباطل يفعل بأهله، وكم مَرَّ عل علماء أهل السنة من خلافاتٍ وأحداثٍ عبْر هذه القرون التي بيننا وبينهم، ومع ذلك لا زالوا -في الجملة- على كلمة سواء؛ وإن اختلفوا في فهم بعض المسائل، وهذا مما ميَّز جماعة أهل السنة عبر تلك القرون عن غيرهم من أهل البدع والأهواء، فأهل الأهواء يتفرقون كل جيل، حتى يكفِّر أو يبدِّع الرجُل أباه، فالمخالفون لنا في زماننا ينكرون بحال أهل البدع من قبل، ونسأل الله أن يزيدنا بصيرة ولزومًا لمنهج أهل السنة والجماعة حتى نلقاه غير آثمين ولا مُبدِّلين. آمين!!
وقال ابن أبي العز -ؒ-: «وَالْحُبُّ وَالْبُغْضُ بِحَسَبِ مَا فِيهِمْ مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، فَإِنَّ الْعَبْدَ يَجْتَمِعُ فِيهِ سَبَبُ الْوِلَايَة وَسَبَبُ الْعَدَاوَة، وَالْحُبُّ وَالْبُغْضُ، فَيَكُونُ مَحْبُوبًا مِنْ وَجْه مَبْغُوضًا مِنْ وَجْه، وَالْحُكْمُ لِلْغَالِبِ. وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْعَبْدِ عِنْدَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ يُحِبُّ الشَّيْءَ مِنْ وَجْه وَيَكْرَهُه مِنْ وَجْه آخَرَ، كَمَا قَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّه –: «وَمَا تَرَدَّدْتُ فِي شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُه تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ نَفْسِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ؛ يَكْرَه الْمَوْتَ، وَأَنَا أَكْرَه مَسَاءَتَه، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ». فَبَيَّنَ أَنَّهُ يَتَرَدَّدُ؛ لِأَنَّ التَّرَدُّدَ تَعَارُضُ إِرَادَتَيْنِ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُحِبُّ مَا يُحِبُّ عَبْدُه الْمُؤْمِنُ، وَيَكْرَه مَا يَكْرَهُه، وَهُوَ يَكْرَه الْمَوْتَ، فَهُوَ يَكْرَهُه، كَمَا قَالَ: «وَأَنَا أَكْرَه مَسَاءَتَه»، وَهُوَ
-سُبْحَانَهُ- قَضَى بِالْمَوْتِ، فَهُوَ يُرِيدُ كَوْنَه، فَسَمَّى ذَلِكَ تَرَدُّدًا، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِ ذَلِكَ؛ إِذْ هُوَ مُفْضِ إِلَى مَا هُوَ أَحَبُّ مِنْهُ». اهـ([326])
وقال الشيخ سليمان بن سحمان -ؒ-: «الشخص الذي يُحَبُّ جُمْلَةً هو من آمن بالله ورسوله، وقام بوظائف الإسلام ومبانيه العظام: عِلْماً وعَمَلاً واعتقاداً، وأَخْلَصَ أعمالَهُ وأقوالَهُ، وانْقَاد لأوامر الله، وانْتَهَى عما نهى الله عنه ورسولُه، وأَحَبَّ في الله ووالى في الله، وأبغض في الله، وعادى في الله، وقَدَّمَ قَوْلَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على قول كل أحد كائناً من كان، إلى غير ذلك من القيام بحقوق الإسلام وشرائعه، وأما الذي يُحَبُّ مِنْ وَجْهٍ ويُبْغَضُ من وَجْهٍ آخر: فهو المسلمُ الذي خَلَطَ عملاً صالحاً وآخر سيئاً، فَيُحَبُّ ويوالَى على قَدْرِ ما معه من الخير، ويُبْغَضُ ويُعَادَى على قَدْرِ ما معه من الشر، ومن لم يَتَّسِعْ قلبُهُ لهذا؛ كان ما يُفْسِدُ أَكْثَرَ مما يُصْلِح، وهلاكُهُ أقربَ إليه من أن يُفْلِح، وإذا أردْتَ الدليلَ على ذلك؛ فهذا عبد الله «حمار» وهو رجل من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يَشْرَبُ الخَمْرَ، فأُتِيَ به إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلَعَنَهُ رجلٌ، وقال: ما أَكْثَرَ ما يُؤْتَى به، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا تَلْعَنْهُ؛ فإنه يحب الله ورسوله» مع أنه لَعَنَ الخمرَ وشاربَها وبائعَها وعاصِرَها ومُعْتَصِرَها وحامِلَها والمحمولَةَ إليه، وتأمْل قصةَ حاطب بن أبي بلتعة، وما فيها من الفوائد؛ فإنه هاجر إلى الله ورسوله، وجاهد في سبيله، لكن حَدَثَ منه أنه كَتَبَ بِسِرِّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى المشركين من أهل مكة، يخبرهم بشأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومسيره لجهادهم؛ ليتَّخِذَ بذلك يداً عندهم، يَحْمي بها أهله ومالَهُ بمكة، فنزل الوحي بخبره، وكان قد أعطي الكتاب ظَعِينَةً، جَعَلَتْهُ في شَعْرها، فأرسل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- علياً والزبير في طلب الظعينة، وأخبرهما أنهما يجدانها في «روضة خاج»، فكان ذلك، فتهدداها حتى أخرجَت الكتابَ من ضَفَائرها، فأَتَيَا به رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- فدعا حاطبَ بنَ أبي بلتعة، فقال له: «ما هذا؟» فقال: يا رسول الله، لم أَكْفُرْ بعد إيمان، ولم أَفْعَلَ هذا رغبةً عن الإسلام، وإنما أردتُ أن تكون لي عند القوم يَدٌ أَحْمِي بها أهلي ومالي، فقال -صلى الله عليه وسلم-: «صَدَقَكُم؛ خَلُّوا سبيلَهُ» واستأذن عمرُ في قَتْلِه، فقال: دَعْني أَضْرِبْ عُنُقَ هذا المنافق، فقال: «وما يُدْرِيك، أن الله اطَّلَع على أهل بدر، فقال: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ؛ فقد غَفَرْتُ لكم» وأنزل الله في ذلك صَدْرَ سورة الممتحنة، فقال: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ] {الممتحنة:1} الآيات، فدخل حاطب في المخاطبة باسم الإيمان، وَوَصَفَهُ به، وتناولَهُ النهيُ بعمومه، وله خصوصُ السبب الدالُّ على إرادته، مع أن في الآية الكريمة ما يُشْعِر أن فِعْلَ حاطبٍ نَوْعُ موالاةٍ، وأنه أَبْلَغُ بالمودة، فإنَّ كل مَنْ فَعَلَ ذلك؛ قد ضَلَّ سواءَ السبيل، لكن قوله: «صَدَقَكُم، خَلّوا سبيلَهُ» ظاهر في أنه لا يَكْفُر بذلك؛ إذْ كان مؤمناً بالله ورسوله، غَيْرَ شَاكٍّ ولا مرتابٍ، وإنما فعل ذلك لغرض دنيوي، ولو كَفَرَ لما قيل: «خَلُّوا سبيلَهُ» لا يقال قوله -صلى الله عليه وسلم- لعمر: «وما يدريك، لعلَّ الله اطَّلَعَ على أهل بَدْرٍ، فقال: اعْمَلُوا ما شِئْتُم؛ فقد غَفَرْتُ لكم» هو المانع من تكفيره؛ لأنا نقول لو كَفَرَ لما بَقِيَ من حسناته ما يمنعه من إلحاق الكفر وأحكامه، فإن الكفر يهدم ما قبله؛ لقوله تعالى: [ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ] {المائدة:5}، وقوله تعالى: [ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ] {الأنعام:88} والكفر مُحْبِطٌ للحسنات والإيمان بالإجماع، فلا يُظَنُّ هذا.
ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: [ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ] {الحجرات:9} -إلى قوله-: [ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ] {الحجرات:10} فجَعَلهم إخوةً مع وجود الاقتتال والبغي، وأَمَرَ بالإصلاح بينهم، وكان مِسْطَحُ بن أثاثة من المهاجرين والمجاهدين مع رسول -صلى الله عليه وسلم-، وكان ممن سَعَى بالإفك، فأقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الحَدَّ عليه وجَلَدَهُ، وكان أبو بكر -رضي الله عليه وسلم- ينفق عليه لقرابته وفقره، فآلى أبو بكر أن لا ينفق عليه بعدما قال لعائشة ما قال، فأنزل الله [ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ] {النور:22} فقال أبو بكر: بلى والله، إني أُحِبُّ أن يَغْفِرَ الله لي؛ فأعاد عليه نفقته، وأمثالُ هذا كثير لو تَتَبَّعْناه؛ لطال الكلام».
ثم أورد كلاما لشيخ الإسلام -↓-، ثم قال: «وأما الذي يُبْغَضُ جملة؛ فهو من كَفَرَ بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ولم يؤمن بالقدر خيره وشره، وأنه كُلَّه بقضاء الله وقَدَرِهِ، وأنكر البعث بعد الموت، وتَرَكَ أحد أركان الإسلام الخمسة([327])، والشرك بالله سبحانه في عبادته أحداً من الأنبياء والأولياء والصالحين، وصَرَفَ لهم نوعاً من أنواع العبادة: كالحب والدعاء والخوف والرجاء والتعظيم والتوكل والاستعانة والاستعاذة والاستغاثة والذبح والنذر والإنابة والذل والخضوع والخشوع والخشية والرغبة والرهبة والتعلق على غير الله في جميع الطلبات، وكَشْف الكربات، وإغاثة اللَّهَفَات، وجميع ما كان يفعله عُبَّادُ القبور اليوم عند ضرائح الأولياء والصالحين، وجميع المعبودات، وكذلك من أَلْحَدَ في أسمائه وصفاته، واتَّبَعَ غير سبيل المؤمنين، وانْتَحَلَ ما كان عليه أهلُ البدع والأهواء المُضِلَّةِ، وكذلك من قامت به نواقض الإسلام، والله أعلم». اهـ([328])
وقال الإمام العلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين -ؒ- في صدد كلامه عن صاحب المعصية: «فإذا قًلْنا: إنه لا يخرج من الإيمان؛ فهل نُحِبُّهُ على سبيل الإطلاق، أو نَكْرَهُهُ على سبيل الإطلاق؟ نقول: لا هذا، ولا هذا، نُحِبُّهُ بما معه من الإيمان، ونَكْرَهُهُ بما معه من المعاصي». اهـ)[329])
قلت: وكثير من الغلاة في التبديع هذه الأيام قد يُسَلِّم لك -نظريًّا- بأن العاصي يُحَبُّ من جهة ويُبْغَضُ من جهة بحسب ما فيه من طاعة ومعصية، لكن لا يُسَلَّم بذلك التفصيل فيمن مُسَّ ببدعة -وإن لم تكن من البدع الكبرى التي ضلَّت بها الفِرقُ المشهورة في كتب العقائد عبر التاريخ-، فيُحَبُّ بقدر ما عنده من السنة، ويُبْغَضُ بقدر ما عنده من البدعة، بل يرى تبديعه وهجره وبغْضه بإطلاق، وقد سبق من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -ؒ- أنه يُحَبُّ ويُبْغَضُ بحسب ما فيه من خير وشر، وسنة وبدعة،… إلخ،.
لكن غلاة التبديع يسيرون معه في إطلاق البغض والهجر والبراء على مذهب الخوارج والمعتزلة، وأشد من ذلك تنزيلهم هذا الحُكْمَ الجائرَ على من لم يَبْتَدِعْ أصلا، وإنما هم -لغلوهم وجهلهم- يحكمون عليه بأنه مبتدع، وإن كان أَقْوَمَ منهم قِيلًا وأهْدَى سبيلا، فنعوذ بالله من الضلال بعد الهدى!!!
فالقائمون بهذه الشروطِ والآدابِ هم أهلُ الحقِّ في هذا البابِ، وهم الذين أثنى عليهم اللهُ — بقولهِ -جلَّ و علا-: [ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ …] {البقرة:143}.
ويقولُ الإمامُ ابن قيم الجوزية-ؒ-: «وهَدَى اللهُ الأمةَ الوسطَ لما اخْتَلَفوا فيهِ منَ الحقِّ بإذنهِ…وهَذا بَيِّنٌ -بحمدِ اللهِ- عندَ أهلِ العلم والإيمانِ، مُستقِرٌّ في فِطَرِهم، ثابتٌ في قلوبِهم، يَشْهدونَ انحرافَ المنحرفينَ في الطَّرفينِ، وهُم لا إلى هؤلاءِ، ولا إلى هؤلاءِ، بلْ هُم إلى اللهِ تعالى ورسولِه مُتحَيِّزونَ، وإلى مَحْضِ سُنِتَّهِ مُنْتَسِبونَ، يَدينونَ دِينَ الحقِّ أَنَّى تَوجَّهتْ رَكائبهُ، ويَستقِرُّون مَعه حيثُ استقرَّتْ مَضارِبُه.
لا تَستفزُّهم بَدَواتِ([330]) آراءِ المختلفينَ، ولا تُزلزِلُهم شُبهاتُ المبطلينَ؛ فَهُم الحكَّامُ على أربابِ المقالاتِ، والمميِّزونَ لما فيها منَ الحقِّ والشبهاتِ.
يَردُّون على كُلٍّ بَاطلَهُ، ويُوافقونَه فيما معهُ في الحقِّ؛ فهم في الحقِّ سِلْمُه، وفي الباطلِ حَرْبُه.
لا يميلونَ مَع طائفةٍ على طائفةٍ، ولا يَجْحَدونَ حَقَّها لما قَالَتْهُ مِنْ باطلٍ سِواهُ.
بلْ هُم مُمتثلونَ قولَ اللهِ تعالى: [ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ] {المائدة:8}.
فإذا كَانَ قد نَهى عبادَه أَنْ يَحملَهم بُغضُهم لأعدائِه أَن لا يَعْدِلُوا عليهم
-مَعْ ظُهورِ عَداوتِهم، ومخالفتِهم، وتكذيبِهم للهِ ورسولهِ-؛ فكيفَ يَسوغُ لمنْ يَدَّعِي الإيمانَ أَنْ يَحمِلَهُ بُغْضُهُ لطائفةٍ مُنتسبةٍ إلى الرَّسولِ تُصيبُ وتُخطئُ على أنْ لا يَعْدِلَ فيهم، بلْ يُجرِّدُ لهم العداوةَ وأنواعَ الأذَى؟! ولَعلَّه لا يَدري أَنَّهم أَوْلَى باللهِ ورسولهِ وما جاءَ بهِ منه: عِلماً، وعملاً، ودعوةً إلى اللهِ على بصيرةٍ، وصَبْراً منْ قَوْمِهِم على الأذى في اللهِ، وإقامةً لحجةِ اللهِ، ومعذرةً لمنْ خَالفَهم بالجهلِ!
لا كَمنْ نَصبَ مقالةً صادرةً عَنْ آراءِ الرِّجالِ، فَدَعا إليها، وعاقبَ عليها، وعادَى مَنْ خَالفَها بالعصبيةِ وحَمِيَّةِ الجاهِليَّةِ»([331]). اهـ
صُوَرٌ من غُلُوِّ الغلاة في الحُكْم على الناس













