كتب للقراءة

المحجة البيضاء في تحقيق موقف أهل السنة والجماعة من أهل البدع والأهواء

المحجة البيضاء في تحقيق موقف أهل السنة والجماعة من أهل البدع والأهواء

صُوَرٌ من غُلُوِّ الغلاة في الحُكْم على الناس

الغلو في الحكم على الناس: هو مجاوزة الحد في إلحاق الحكم عليهم بالكفر أو البدعة أو الفسوق والعصيان.

فإن الحكم بهذه الأمور وما في معناها على أحد من الناس إنما هو راجع إلى الله -جل شأنه- ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فمن دَلَّ الدليلُ على إلحاق هذه الأحكام به؛ أُلْحِقَتْ به، ومن لم يَدُلَّ الدليلُ على لحوقها به؛ فإن تنزيلها عليه مِنْ تَعَدِّي حدود الله تعالى، والقولِ عليه بغير علم، وهو الغلو الفاحش الذي أَرْدَى الأمةَ، ونَخَرَ في جسمها، وفَرَّق جماعتها؛ بل إن أول غُلُوٍّ في الأمة كان كذلك، وذلك يوم غلا الخوارج في الحكم على المسلمين، وحكموا على المسلمين وحكامهم من الصحابة الكرام البررة -ومنهم المشهود له بالجنة- بالكفر والخروج من الإسلام، فترتب على فعلهم هذا: إراقةُ دماءٍ معصومة طاهرة مُسْلِمة، وتَمَزُّقُ الجماعة، وانتشارُ التباغضِ والشحناء بين أهل الإسلام، ومن ذلك اليوم ذَرَّ قَرْنُ البدع والأهواء، فتقول طائفةٌ قولا، ثم تقولُ الأخرى بضد مقالتها، وهكذا، والجميع في تَخَبُّطهم هذا- وإن ظنُّوا أنهم يُحْسِنون صُنْعا- على خلاف منهج أهل السنة والجماعة بين كثرة وقلة، وقُرْبٍ وبُعْدٍ، والله المستعان!!!

ومثل هذا يقال في التبديع والتفسيق بغير حق؛ فإنه يقود إلى التقاطع والتباغض والتدابُر، وهو سبيلٌ ومِرْقاةٌ إلى التكفير بغير حق.

وإذا كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما جاء في «صحيح البخاري» مَنَعَ من تنزيل الحكم العام على شارب الخمر بأن تَحِلَّ عليه لعنةُ الله -أي على الشخص المعين الشارب للخمر- لِمَا قام به من حُب الله ورسوله -مع لعن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الخمر لعشرة أوجه؛ فكيف يتسارع الغلاةُ إلى تنزيل أحكام الكفر أو البدعة أو الفسق العامة على الأشخاص المعينين -وإن كانوا أقْوَمَ منهم بالحق في جوانب كثيرة- دونما رَوِيَّة أو تُؤَدَة أو وَرَعٍ؟!

ففي «صحيح البخاري» عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رضي الله عنه-: أَنَّ رَجُلًا كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ-، وَكَانَ يُلَقَّبُ «حِمَارًا»، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- وَكَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ، فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا، فَأَمَرَ بِه، فَجُلِدَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: اللَّهُمَّ الْعَنْهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ! فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-: «لَا تَلْعَنُوهُ؛ فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ»([332]).

فتنزيل هذه الأحكام على الشخص المُعّيَّنِ لا بد لها من شروط تتوافر، وموانع تُنْتَفَي، كما أجمع على ذلك علماء أهل السنة والجماعة.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -ؒ-: «لَكِنَّ تَكْفِيرَ الْوَاحِدِ الْمُعَيَّنِ مِنْهُمْ – يعني بذلك غلاة الروافض والخوارج المارقين – وَالْحُكْمَ بِتَخْلِيدِهِ فِي النَّارِ مَوْقُوفٌ عَلَى ثُبُوتِ شُرُوطِ التَّكْفِيرِ وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهِ؛ فَإِنَّا نُطْلِقُ الْقَوْلَ بِنُصُوصِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَالتَّكْفِيرِ وَالتَّفْسِيقِ، وَلَا نَحْكُمُ لِلْمُعَيَّنِ بِدُخُولِهِ فِي ذَلِكَ الْعَامِّ حَتَّى يَقُومَ فِيهِ الْمُقْتَضِي الَّذِي لَا مُعَارِضَ لَهُ.

وَقَدْ بَسَطْتُ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ فِي «قَاعِدَةِ التَّكْفِيرِ»…، ثم استدل -ؒ- على ذلك بقصة الرجل الذي أوصى بنيه أن يُحرِّقوه؛ لعله لا يُعَذَّب، وهذا شكٌّ في قدرة الله –». اهـ([333])

وقال أيضًا -ؒ-: «وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَقَالَةَ الَّتِي هِيَ كُفْرٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ قد يُقَالُ: هِيَ كُفْرٌ قَوْلًا يُطْلَقُ، كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الدَّلَائِلُ الشَّرْعِيَّةُ؛ فَإِنَّ «الْإِيمَانَ» مِن الْأَحْكَامِ الْمُتَلَقَّاةِ عَن اللَّهِ وَرَسُولِهِ -عليه الصلاة والسلام-؛ لَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يَحْكُمُ فِيهِ النَّاسُ بِظُنُونِهِمْ وَأَهْوَائِهِمْ.

وَلَا يَجِبُ أَنْ يُحْكَمَ فِي كُلِّ شَخْصٍ قَالَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَافِرٌ؛ حَتَّى يَثْبُتَ فِي حَقِّهِ شُرُوطُ التَّكْفِيرِ وَتَنْتَفِي مَوَانِعُهُ». اهـ([334])

وفي «مجموع فتاوى» الشيخ العلامة ابن عثيمين([335]) -رحمة الله عليه- نقل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية السابق مستدلًا به على ذلك.

فقال -ؒ-: وقد بَيَّن الإمامُ ابنُ تيمية كما في «مجموع الفتاوى»([336]) سَبَبَ الخطأ والانحراف في هذه المسألة، بتقريره أن القائلين بالكفر بمجرد فِعْل ذلك أو قوله: قد أصابَهم في ألفاظ العموم في كلام الأئمة ما أصاب الأولين في ألفاظ العموم في نصوص الشارع، وأنهم كلما رأوهم قالوا: من قال كذا؛ فهو كافر؛ اعتقد المستمع أن هذا اللفظ شامل لكل من قاله، ولم يتدبروا أن التكفير له شروط وموانع، قد تنتفي في حق المعين، وأن تكفير المُطْلَقِ لا يَسْتَلْزِم تكفيرَ المعينِ؛ إلا إذا وُجِدت هذه الشروط، وانتفتْ تلك الموانع…

وأوضح -ؒ- أن الإمام أحمد والأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يُكَفِّرُوا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه، وأَيَّدَ هذا بأن الإمامَ أحمدَ باشَرَ الجهميةَ الذين دَعَوْه إلى خَلْق القرآن، وذكر دعوتهم للكفر وإكراهَهُم للناس عليه، ثم قال: «.. ومعلوم أن هذا مِنْ أَغْلَظَ التَّجَهُّم؛ فإن الدعاء إلى المقالة أعظَمُ من قولها، وإثابةَ قائِلِهَا، وعقوبةَ تاركِهَا أعظَمُ من مجرد الدعاء إليها، والعقوبةَ بالقتل لقائلها أعظمُ من العقوبة بالضرب، ثم إن الإمام أحمد دعا للخليفة وغيره ممن ضَرَبَهُ وحَبَسَهُ، واسْتَغْفَرَ لهم، وحَلَّلَهُم مما فَعَلُوه به من الظلم والدعاء إلى القول الذي هو كُفْرٌ، ولو كانوا مرتدين عن الإسلام؛ لم يَجُز الاستغفارُ لهم» اهـ.

وقد أورث الخطأُ في تطبيق هذه المسألة أحكاماً جائرةً بالكفر، وظلماً للمخالفين لهم فقط وإن لم يرتكبوا أيّ بدعة بوصف المعين منهم بالمبتدع، حتى صِرْنا نسمع من البعض وصف من تَلَبَّسَ ببدعة عملية بأنه مبتدع، فتراهم يقولون: جاء المبتدع، وذهب المبتدع، ويقولون للمعينين: أولئك المبتدعة.

ومثل ذلك الحكم منهم على المعين بأنه هالك، أو أن الطائفة المعينة هالكة، أو غير ناجية بأعيانها لا بمجرد أفكارها من الهلكة بمجرد قَوْلٍ أو فِعْلٍ.

والحكم بالهلاك على المعين، هو كالحكم بالكُفر ونحوه؛ لا بد له من اجتماع شروط وانتفاء موانع.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -ؒ- كما في «مجموع الفتاوى([337])»: «ليس كل من خالف في شيء من هذا الاعتقاد؛ يجب أن يكون هالكا؛ فإن المنازِعَ قد يكون مجتهدا مخطئا يَغْفِر الله خَطَأَهُ، وقد لا يكون بَلَغَهُ في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة، وقد يكون له من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته؛ وإذا كانت ألفاظُ الوعيد المتناولةُ له لا يجب أن يَدْخُل فيها المتأوِّلُ والقانتُ وذو الحسنات الماحية، والمغفورُ له، وغير ذلك؛ فهذا أَوْلَى؛ بل موجَبُ هذا الكلام: أن من اعتقد ذلك؛ نجا في هذا الاعتقاد، ومن اعتقد ضده؛ فقد يكون ناجيا، وقد لا يكون ناجيا، كما يقال: «من صَمَتَ نجا». اهـ

واعْلَمْ أن الاختلافَ والفُرْقَةَ سِمَةُ أهل البدع، والاتفاقَ والاختلافَ سِمَةُ أهل السنة.

قال تعالى: [ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ] {الأنعام:159}.

قال البغوي -ؒ-: «هم أهل البدع والأهواء»([338]).

وقال ابن المبارك -ؒ-: «أهل الحق ليس فيهم اختلاف»([339]).

وقال الشاطبي -ؒ-: «الفُرقة مِنْ أَخَسِّ أوصاف المبتدعة»([340]).

وقال شيخ الإسلام ابن تيميةؒ: «والبدعة مقرونة بالفُرقة، كما أن السنة مقرونة بالجماعة؛ فيقال: أهل السنة والجماعة، كما يقال: أهل البدعة والفُرْقة»([341]).

إن هذا المنهجَ الواضحَ المُحدَّدَ المعالم، كما أورث السلفَ الاتفاقَ والائتلافَ أورثهم أيضاً: الثباتَ والاستقرارَ وعدمَ التناقضِ والتنقلِ من قولٍ إلى قولٍ، أو من رَأْيٍ إلى رَأْيٍ؛ فهو كذلك العصمة للخَلَفِ من التفرُّق والتباغض وكَثْرَةِ التنقُّل، بل قد وَرَدَ عنهم التحذيرُ من كثْرَة التنقل، والتنفيرُ عن التناقض في الرأي([342]).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -ؒ-: «أهل الكلام أَكْثَرُ الناسِ تَنَقُّلاً مِنْ قولٍ إلى قولٍ، وجزماً بالقول في موضعٍ، وجزماً بنقيضه وتكفير قائله في موضعٍ آخر، وهذا دليلُ عَدَمِ اليقين، وأما أهل السُنَّة والحديث: فما يُعْلَمَ أحدٌ من علمائهم، ولا صالحِ عامَّتِهِم رَجَعَ قَطُّ عن قوله واعتقاده، بل هم أَعْظَمُ الناس صَبْراً على ذلك، وإن امتُحِنوا بأنواع المحن، وفُتِنوا بأنواع الفتن، وهذه حالُ الأنبياء وأَتْبَاعِهِم من المتقدمين: كأهل الأخدود ونحوهم، وكسلف هذه الأُمَّة والصحابة والتابعين وغيرهم من الأئمة، حتى كان مالك –ؒ– يقول: لا تَغْبِطُوا أحداً لم يُصِبْهُ في هذا الأمر بلاءٌ، يقول: إن الله لابد أن يَبْتَلِيَ المؤمنَ، فإن صبر؛ رَفَعَ درجتَهُ، كما قال تعالى: [ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ] {السجدة:24}».

ثم قال -ؒ-: «ومَنْ صَبَرَ من أهل الأهواء على قوله؛ فذاك لما فيه من الحق، وبالجملة: فالثباتُ والاستقرارُ في أهل الحديث والسنة أضعافُ أضعافِ أضعافِ ما هو عند أهل الكلام والفلسفة، بل المتفلسفُ أعظمُ اضطراباً وحَيْرَةً في أَمْرِهِ من المُتَكَلِّمِ؛ لأنَّ عند المتكلم من الحق الذي تَلَقَّاهُ عن الأنبياء ما ليس عند المتفلسف.

وأيضاً تجد أهل الفلسفة والكلام أَعْظَمَ الناس افتراقاً واختلافاً مع دعوى كل منهم أن الذي يقوله حَقٌّ مقطوعٌ به، قام عليه البرهان.

وتجد أهل السُنَّة أعظمَ الناس اتفاقاً وائتلافاً، وكُلُّ من كان من الطوائف إليهم أَقْرَبَ؛ كان إلى الاتفاق والائتلاف أَقْرَبَ.

ولَسْتَ تجد اتفاقاً وائتلافاً إلا بسبب اتِّبَاعِ آثار الأنبياء من القرآن والحديث وما يَتْبَعُ ذلك، ولا تجد افتراقاً واختلافاً إلا عند من ترك ذلك، وقَدَّمَ غيره عليه». اهـ ملخصاً([343])

* نماذِجٌ من غُلُوِّ الخوارج في تكفير بعضِهم بعضاً:

ذكر أبو المظفر الاسفراييني([344]) الخوارجَ في كتابه «التبصير في الدين» وتَحَدَّث عن تَفَرُّقِهِم وغُلُوِّهم في إطلاق الأحكام، فقال: «اعْلَم أَن الْخَوَارِج عشرُون فرقة كَمَا ترى بيانهم فِي هَذَا الْكتاب، وَكُلُّهمْ متفقون على أَمريْن لَا مزِيد عَلَيْهِمَا فِي الْكفْر والبدعة:

أَحدهمَا: إِنَّهُم يَزْعمُونَ أَن عَلِيًّا، وَعُثْمَانَ، وَأَصْحَابَ الْجَمَل، والحَكَمَيْن، وكلَّ من رَضِي بالحَكَمَيْن كَفَرُوا كلُّهم.

وَالثَّانِي: أَنهم يَزْعمُونَ أَن كل من أذْنب ذَنبا من أمة مُحَمَّد -صلى الله عَلَيْهِ وَسلم- فَهُوَ كَافِر، وَيكون فِي النَّار خَالِدا مخلدا، إِلَّا النجْدات مِنْهُم؛ فَإِنَّهُم قَالُوا: إِن الْفَاسِق كَافِر على معنى أَنه كَافِرُ نعْمَةِ ربِّهِ، فَيكون إطلاقُ هَذِه التَّسْمِيَة عِنْد هَؤُلَاءِ مِنْهُم على معنى الكُفْران، لَا على معنى الْكُفْر.

وَمِمَّا يَجْمَع جَمِيعَهم أَيْضا تجويزُهُم الْخُرُوجَ على الإِمَام الجائر، وَالْكفْرُ لَا محَالة لَازمٌ لَهُم؛ لتكفيرهم أَصْحَابَ رَسُول الله -صلى الله عَلَيْهِ وَسلم-… ثم ذَكَرَهُم فِرقةً فِرقةً.

فمِنْهُم الأُولى: «المُحَكِّمة».

والْفرْقَة الثَّانِيَة: «الْأزَارِقَة»، وهم أَتبَاع رجل مِنْهُم يُقَال لَهُ: أَبُو رَاشد نَافِع بن الْأَزْرَق الْحَنَفِيّ، إلى أن قال:

ومِنْهُم «النجْدات»: وهم أَتبَاع نَجْدة بن عَامر الْحَنَفِيّ، وَكَانَ من حَاله: أَنه لما سَمَّى نَافِعُ بن الْأَزْرَق من كَانَ قد امْتنع من نُصْرَتِهِ مُشْرِكًا، وأباح قَتْلَ نسَاءِ مخالفيهم وأطفالِهِم؛ خرج عَلَيْهِ قوم من أَتْبَاعه، وصاروا إِلَى الْيَمَامَة، وَبَايَعُوا نَجْدَة، وَقَالُوا: إنَّ مَنْ يَقُول مَا قَالَه نَافِع؛ فَهُوَ كَافِر، ثمَّ افترق هَؤُلَاءِ ثَلَاثَ فِرَقٍ، وَخَرجُوا على نَجْدَة، فَصَارَ فريق مِنْهُم مَعَ عَطِيَّة بن الْأسود الْحَنَفِيّ إِلَى سِجِسْتان، وخوارجُ سِجِسْتان أَتبَاعُ هَؤُلَاءِ، وَلذَلِك كَانُوا يُدْعَوْنَ «العَطَوية»، وَصَارَ فريق مِنْهُم تَبَعًا لرجل كَانَ يُقَال لَهُ: أَبُو فديك، وَكَانُوا يُقَاتلُون نجدة حَتَّى قَتَلُوهُ؛ وَإِنَّمَا خرج هَؤُلَاءِ عَلَيْهِم؛ لأَنهم أخذُوا عَلَيْهِ أَشْيَاء، مِنْهَا: أَنه بَعَثَ جُنْدًا للغزو فِي الْبر، وجندًا فِي الْبَحْر، ثمَّ فَضَّل فِي الْعَطاء من بَعثه فِي الْبَحْر، فأنكروا عَلَيْهِ، وَقَالُوا: لم يكن من حَقه أَن يُفَضِّل هَؤُلَاءِ.

وَالثَّانِي أنهم قَالُوا: إنَّك بَعَثْتَ جُنْدًا إِلَى الْمَدِينَة، حَتَّى أَغَارُوا عَلَيْهَا، وَسَبَوْا جَارِيَةً من أَوْلَاد عُثْمَان بن عَفَّان، وكاتَبَهُ فِي ذَلِك الْمَعْنى عبدُ الْملك بن مَرْوَان؛ فاشتراها عَمَّن كَانَت فِي يَده، وبعثها إِلَى عبد الْملك بن مَرْوَان، فَأخذُوا عَلَيْهِ هَذَا، وَقَالُوا: إنه رَدَّ جَارِيَةً غَنِمْنَاها إِلَى عَدُوِّنا، وَقَالُوا لَهُ: تُبْ؛ فَتَابَ.

وَقَالَ قوم: إنه كَانَ مَعْذُورًا فِيمَا فَعَل، وَقَالُوا لَهُ: كَانَ لَك أَن تجتهد، وَلم يَكُنْ لنا أَن نستتيبك، فَتُبْ عَن توبتك؛ فَتَابَ، وَاخْتلفُوا عَلَيْهِ كَمَا ذكرنَا، إِلَى أَن قَتله أَبُو فديك، وَبعث عبد الْملك بن مَرْوَان جندا إِلَى أبي فديك، فَقُتِلَ، وَكَفَى اللهُ الْمُسلمين شَرَّهُم، وبِدَعُ النجْداتِ كَثِيرَة، وَمن اطَّلَع على مَا ذَكرْنَاهُ من حَالهم؛ لم يَخْفَ عَلَيْهِ أَمْرُهُم.

ــ ثم قال في موضع آخر: وَمِنْهُم «الثعالبة»: وهم أَتبَاع ثَعْلَبَة بن مشكان، وَهَؤُلَاء كَانُوا يَقُولُونَ بإمامة عبد الْكَرِيم بن عجرد، وَيَقُولُونَ: إنه كَانَ الإِمَام، إِلَى أَن خَالفه ثَعْلَبَةُ فِي حُكْم الْأَطْفَال؛ فَصَارَ على زعمهم كَافِرًا، وَكَانَ ثَعْلَبَةُ إِمَامًا، وَكَانَ سَبَبُ اخْتلَافهمْ: أَن رجلا من العجاردة خَطَبَ بنت ثَعْلَبَة، فَقَالَ لَهُ: أَظْهِرْ لنا مَهْرًا وَقَدْرُه، فَبعث الْخَاطِبُ إِلَى أُمِّ الْبِنْت، وَقَالَ: تُعَرِّفيني عَن أمرهَا: هَل بَلَغَتْ هَذِه الْبِنْتُ؟ وَهل قَبِلَت الْإِسْلَام؟ فَإِن كَانَت بَالِغَة، وللإسلام قَابِلَة على الشَّرْط؛ لم يُبَالِ كَمْ كَانَ مَهْرُهَا، فَقَالَت الْأُم: هِيَ مسلمة، فَلَمَّا بلغ هَذَا الْخَبَرُ إِلَى ثَعْلَبَة؛ اخْتَار أَن يتبرأ من أَطْفَال الْمُسلمين، وَخَالف فِي هَذَا عبد الْكَرِيم بن عجرد، وبسبب هَذَا الْخلاف؛ تَبرأ أَحَدُهُمَا مَن صَاحبه، وَكَانَ يُكَفِّر كلٌّ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ.

وَمِنْهُم «المَعْبَدِية»: وَهَؤُلَاء يَقُولُونَ بإمامة مَعْبَد بعد ثَعْلَبَة، وَخَالف مَعْبَدُ الثعالبةَ؛ بَأَنْ قَالَ: يجوز أَخْذُ الزَّكَاة من العبيد، وَيجوز دَفْعُهَا إِلَيْهِم، وَزعم بِأَن من لم يُوَافقهُ فِي هَذِه الْمقَالة؛ فَهُوَ كَافِر، وَأَتْبَاعُهُ يُكَفِّرون جُمْلَةَ الثعالبة، والثعالبةُ يُكَفِّرونهم»([345]). اهـ

قلت: كل هذا الاضطرابِ والتخبُّطِ والخلطِ بسبب جهلهم بمنهج الصحابة، وسلوكهم منهجَ أهل البدع والأهواء، فالحمد لله على نعمة الإسلام والسنة والاعتدال.

نماذجُ مِنْ غُلُوِّ المعتزلة في تكفير بعضهم بعضاً:

وتَحَدَّث أبو المظفر الإسفراييني عن المعتزلة وشيخهم أبي هاشم الجُبَّائي، فقال: «كَانَ مَعَ ارتكابه هَذِه الْبدعَ يُكَفِّر الْمُعْتَزلَةَ، ويتبرأ مِنْهُم، حَتَّى كَانَ يُكَفِّر أَبَاهُ، وتبرأ مِنْهُ، وَلم يَأْخُذ مِيرَاثَهُ بعد مَوته؛ لتكفيره إِيَّاه، وتَبَرِّيه مِنْهُ، وَكَانَ سَائِر الْمُعْتَزلَة يُكَفِّرونه أَيْضا، وحالهم فِي هَذَا الْمَعْنى كَمَا وَصفه الله تَعَالَى من حَال الْكفَّار، حَيْثُ قَالَ: [ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ] {البقرة:166}…».

ما وقَعَ بين أهل السنة والجماعة من الذم والعيب مما لا يجوز العملُ به