كتب للقراءة

المحجة البيضاء في تحقيق موقف أهل السنة والجماعة من أهل البدع والأهواء

المحجة البيضاء في تحقيق موقف أهل السنة والجماعة من أهل البدع والأهواء

ما وقَعَ بين أهل السنة والجماعة من الذم والعيب
مما لا يجوز العملُ به، ولا التعويل عليه([346])

كثيراً ما يَصْدُر كلامٌ فيه خُشُونَةٌ وجَرْحٌ من بعض العلماء الثقات في أقرانهم من العلماء الثقات الآخرين، ويكون ذلك مرجعه أحياناً إلى الحسد، أو سرعة الغضب، أو البغي، أو التعجل في الحكم، أو تأويلٍ أخطأ فيه، أو غَيْرَةٍ على الحق، لكن حصل معها تجاوز عن الحَدِّ، وذلك فيمن ثَبَتَ عِلْمُه وإمامته وعدالته.

فمثل هذا الكلام يُطْوَى ولا يُرْوَى، ولا يجوز التعويلُ عليه.

وقد يقع القَدْحُ من بعض العلماء في بعض، ويَرْمِي أحدُهم أخاه بالبدعة أو الفسق أو رِكَّة الدين، أو الجهل، ونحو ذلك ويكون لذلك -في الغالب- دوافع غير الانتصار للدين والغيرة على حرمات الله، والرغبة في حماية جناب الشريعة باعتدالٍ واتزانٍ-وإن أظهر المتكلم كلامه في أخيه في صورة الدفاع عن السنة- وإنما دوافعهم في ذلك البغيُ أو الحسدُ أو الظلمُ أو فساد التأويل، وقد كان هذا الداء في الأمم السابقة، وسيكون في هذه الأمة، كما قال تعالى فيمن سبقنا: [ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ] {البقرة:213}.

وعَنْ يَعِيشَ بْنِ الوَلِيدِ، أَنَّ مَوْلًى لِلزُّبَيْرِ، حَدَّثَهُ أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ العَوَّامِ، حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- قَالَ: «دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ: الحَسَدُ وَالبَغْضَاءُ، هِيَ الحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ: تَحْلِقُ الشَّعَرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِمَا يُثَبِّتُ ذَلِكَ لَكُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ»([347]).

ولذلك وضع أصحاب الحديث أصلاً عظيماً من أصول الجرح: وهو عدم قبول قَدْحِ الأقران بعضهم في بعض.

والأقران هم المتعاصرون من العلماء، والمتنافسون في العلم والشهرة والفضل([348]).

وقد وقع كثير من هذا بين أصحاب الحديث أنفسهم.

حتى قال الحافظُ الذهبيُّ -ؒ-: «كلامُ الأقرانِ بعضِهِم في بعض لا يُعْبَأ به، لا سيما إذا لاحَ لك أنه لعداوةٍ، أو مذهبٍ، أو لحسدٍ، ما ينجو منه إلا من عَصَمَ اللهُ، وما عَلِمْتُ أن عَصْراً من الأعْصَار سَلِمَ أهلُه من ذلك، سوى الأنبياء والصديقين، ولو شِئْتُ لسَرَدْتُ من ذلك كراريس، اللهم فلا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم»([349]). اهـ

وقد أورد الحافظُ الذهبيُّؒ نَحْوَ هذا في ترجمته للحافظ أبي نعيم الأصفهاني([350])-ؒ-، والذي تَكَلَّم فيه الإمام ابن منده -ؒ-([351]) كلاماً شديدا، قال عنه الذهبي: «كلام ابن منده في أبي نعيم فَظِيعٌ، لا أُحِبُّ حكايتَه، ولا أَقْبَلُ قولَ كلٍّ منهما في الآخر، بل هما عندي مقبولان». اهـ

قال الحافظ الذهبي -ؒ- في «ميزان الاعتدال»([352]): أحد الأعلام، صدوق، تُكُلِّمَ فيه بلا حجة، ولكن هذه عقوبة من الله لكلامه في ابن منده بهوى…

وكلام ابن مندة في أبي نعيم فظيع… إلخ.

وقال -ؒ- في «سير أعلام النبلاء»([353]): «قَالَ أَبُو طَاهِرٍ السِّلَفِيُّ: سَمِعْتُ أَبَا العَلاَء مُحَمَّدَ بن عَبْدِ الجَبَّارِ الفُرْسَانِيَّ يَقُوْلُ: حَضَرْتُ مَجْلِسَ أَبِي بَكْرٍ بنِ أَبِي عَلِيٍّ الذَّكْوَانِيّ المُعَدَّل فِي صِغَرِي مَعَ أَبِي، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ إِملاَئِه؛ قَالَ إِنسَانٌ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَحْضُرَ مَجْلِسَ أَبِي نُعَيْمٍ؛ فَلْيَقُم.

وَكَانَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ مَهْجُوراً بِسبب المَذْهَب، وَكَانَ بَيْنَ الأَشْعَرِيَّةِ وَالحنَابِلَة تَعَصُّبٌ زَائِدٌ يُؤَدِّي إِلَى فِتْنَة، وَقِيْلٍ وَقَالٍ، وَصُدَاعٍ طَوِيْلٍ، فَقَامَ إِلَيْهِ أَصْحَابُ الحَدِيْث بسكَاكين الأَقْلاَم، وَكَادَ الرَّجُلُ يُقْتَل.

قُلْتُ: مَا هَؤُلاَءِ بِأَصْحَابِ الحَدِيْث، بَلْ فَجرَةٌ جَهَلَة، أَبْعَدَ اللهُ شَرَّهُم». اهـ

وقال([354]): «قُلْتُ: كَانَ أَبُو عَبْدِ اللهِ بنُ مَنْدَة يُقذِعُ فِي المَقَال فِي أَبِي نُعَيْمٍ؛ لمَكَان الاعْتِقَادِ المُتَنَازع فِيْهِ بَيْنَ الحَنَابِلَةِ وَأَصْحَابِ أَبِي الحَسَنِ، وَنَال أَبُو نُعَيْمٍ أَيْضاً مِنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ فِي (تَارِيْخِهِ)، وَقَدْ عُرف وَهنُ كَلاَم الأَقرَانِ المُتَنَافِسين بَعْضهم فِي بَعْض، نَسْأَلُ اللهَ السَّمَاح». اهـ

وقال المعلمي -ؒ- في «التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل»([355]): «وأما كلام ابن منده في أبي نعيم؛ فقد مَرَّ بعضُهُ، وتَبَيَّنَ حالُهُ، ولم يَكُنْ باقِيهِ إلا طَعْنًا في العقيدة، أو من كلمات النُّفْرة، والتنفير، أو ما لا يُتَحَصَّلُ منه – إذا نُظِرَ فيه كما ينبغي على ما سلف في القواعد – ما يَثْبُتُ به الجرح؛ إذْ قد عَرَفَ الناسُ أنه كان بين آل منده وأبي نعيم اختلاف في العقيدة، جَرَّ إلى عداوة شخصية شديدة». اهـ

وهذه الوحشة التي بينه وبينه كانت بسبب الخلاف المتأجج بين العلماء وقتئذ حول مسألة اللفظ بالقرآن: أهو مخلوق أو غير مخلوق؟

وكانت هناك طائفتان؛ إحداهما تقول: إن اللفظ بالقرآن مخلوق، والأخرى تقول: اللفظ بالقرآن غير مخلوق.

وكلاهما نسب قوله إلى الإمام أحمد والسلف، وقد كان تَرْكُ ذلك أَوْلى، وإن كان بعض من قال بهذا أو بذاك من الأئمة قد ذَكَرَ وَجْه كلامِهِ؛ ليدفع الشناعة عن نفسِهِ، وكان الأَوْلَى بهم تَرْك الألفاظِ المُحْدثَةِ والتعمُّقِ فيما لم يتعمَّقْ فيه كبارُ الأئمة، وهذا أَوْلَى وأَعْلَمُ وأَسْلَمُ وأَحْكَمُ، والله أعلم.

قال شيخ الإسلام ابن تيميةؒ-: «ووقع بين أبي نعيم الأصبهاني وأبي عبد الله بن منده في ذلك ما هو معروف، وصَنَّفَ أبو نعيم في ذلك كتابَهُ في الرد على اللفظ والحلولية، ومال فيه إلى جانب النفاة القائلين بأن التلاوة مخلوقة، كما مال ابن منده إلى جانب من يقول: إنها غير مخلوقة، وحكى كل منهما عن الأئمة ما يدل على كثير من مقصوده لا على جميعه، فما قَصَدَهُ كُلٌّ منهما من الحق وُجِدَ فيه من المنقول الثابت عن الأئمة ما يوافقه». اهـ([356])

وقال -ؒ-: «وَالْبُخَارِيُّ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ فِي «خَلْقِ الْأَفْعَالِ» أَنَّ كِلْتَا الطَّائِفَتَيْنِ لَا تَفْهَمُ كَلَامَ أَحْمَد، وَمِن الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى الْمُنْتَسِبَةِ إلَى السُّنَّةِ وَأَتْبَاعِ أَحْمَد: أَبُو نُعَيْمٍ الأصبهاني وَأَبُو بَكْرٍ البيهقي وَغَيْرُهُمَا مِمَّنْ يَقُولُ: إنَّهُمْ مُتَّبِعُونَ لَأَحْمَدَ، وَإِنَّ قَوْلَهُمْ فِي «مَسْأَلَةِ اللَّفْظِ» مُوَافِقٌ لِقَوْلِ أَحْمَد. وَوَقَعَ بَيْنَ ابْنِ منده وَأَبِي نُعَيْمٍ بِسَبَبِ ذَلِكَ مُشَاجَرَةٌ، حَتَّى صَنَّفَ أَبُو نُعَيْمٍ كِتَابَهُ فِي «الرَّدِّ عَلَى الحروفية الْحُلُولِيَّةِ» وَصَنَّفَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ كِتَابَهُ فِي الرَّدِّ عَلَى «اللَّفْظِيَّةِ».». اهـ([357])

ومن أمثلة ذلك أيضاً ما كان بين الحافظ النسائي صاحب «السنن»
– وأحمد بن صالح أبي جعفر المصري، الذي قال عنه الذهبي: «هو الحافظ الثبت أحد الأعلام».

ولذلك قال الذهبي: «آذى النسائيُّ نَفْسَهُ بكلامه فيه»([358]).

وللأسف؛ فإن قدح الأقران بعضهم في بعض قد يُفْضِي كذلك إلى التبديع والتكفير والسعي في استحلال الدم!!

قال الحافظ الذهبي -ؒ- في ترجمة ابن منده: «ربما آل الأَمْرُ بالمعروف بصاحبه إلى الغضبِ والحِدَّة، فيقع في الهجران المحرَّم، وربما أَفْضَى إلى التكفير والسعي في الدم، وقد كان أبو عبد الله (أي ابن منده) وافِرَ الجاه والحُرْمَة إلى الغاية ببلده، وشَغَّبَ على أحمد بن عبدالله الحافظ (يعني أبا نعيم الحافظ) بحيث أن أحمد اخْتَفَى»([359]). اهـ

وقد عَقَدَ الإمام ابن عبد البرؒ في كتابه «جامع بيان العلم وفضله» باباً عظيماً بعنوان «باب قول العلماء بعضِهِم في بعض» وَضَعَ فيه
-ؒ- قاعدةً عظيمةً، بعد سياق الأدلة الكثيرة، والأخبار المستفيضة، حيث يقول: هذا بابٌ قد غَلِطَ فيه كثيرٌ من الناس، وضَلَّتْ به نابتةٌ جاهلةٌ لا تَدْرِي ما عليها في ذلك..

وهذه القاعدة التي وضعها هي: «إن مَنْ صَحَّتْ عدالتُه، وثَبَتَتْ في العلم أمانَتُه، وبانَتْ ثقتُهُ وعنايَتُهُ بالعلم؛ لم يُلْتَفَتْ فيه إلى قولِ أحدٍ؛ إلا أن يأتي في جِرْحَتِهِ بِبَيِّنَةٍ عادلةٍ، يَصِحُّ بها جَرْحُه على طريق الشهادات، والعملُ فيها من المشاهدة والمعاينة لذلك بما يوجِب قبولَ قوله من جهة الفقه والنظر، وأما من لم تَثْبُتْ إمامتُه، ولا عُرِفَتْ عدالتُهُ، ولا صَحَّتْ لعدم الحفظ والاتقان روايتُهُ؛ فإنه يُنْظَر فيه إلى ما اتَّفَقَ أهلُ العلمِ عليه، ويُجْتَهَدُ في قبول ما جاء به على حسب ما يؤدي النَّظَرُ إليه»([360]).

وقال أيضاً: «لا يُقْبَل فيمن صَحَّتْ عدالته، وعُلِمَتْ بالعلم عنايَتُهُ، وسَلِمَ من الكبائر، ولَزِمَ الْمُروءةَ والتعاونَ، وكان خَيْرُهُ غالباً، وشَرُّهُ أقلَّ؛ فهذا لا يُقْبَلُ فيه قولُ قائلٍ لا برهانَ له، وهذا هو الحديث الذي لا يَصِحُّ غيره إن شاء الله»([361]).

وأما الأدلة التي ساقها ابن عبد البر –ؒ– على هذه القاعدة النفيسة، فهي كالآتي:

1- حديث الزبير بن العوام -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «دَبَّ إليكم داءُ الأمم قبلكم: الحسدُ والبغضاءُ، والبغضاءُ هي الحالِقَةُ، لا أقول: تَحْلِقُ الشَّعْرَ، ولكن تَحْلِقُ الدينَ، والذي نَفْسُ محمد بيده، لا تَدْخُلُوا الجنةَ حتى تُؤمنوا، ولا تُؤمنوا حتى تَحابُّوا، ألا أنبئكم بما يُثْبِتُ ذلك لكم؟ أَفْشُوا السلامَ بينكم»([362]).

2- الآثار الواردة عن ابن عباس -رضي الله عنهما- ومالك بن دينار، وسعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، وجِلَّة من التابعين -رحم الله الجميع-: أن بين العلماء حَسَداً، وهو أَشَدُّ الحسَدِ، وليس معنى ذلك أن جميع العلماء كذلك أو جمهورهم، بل جمهورهم على السداد والرشاد -ولله الحمد- ولكن قد يَحْدُثُ بين آحادهم شيء من ذلك؛ فينبغي أن يُعْرفَ قدْرُه وأَثَرُهُ، ولا يُعْطَى فوق حَجْمِه، ويُعْرَف كيف يكون التعاملُ معه، بحسب القواعد التي ذكرها العلماء في ذلك.

فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «اسْتَمِعُوا عِلْمَ العلماء، ولا تُصَدِّقوا بعضَهم على بعض؛ فوالذي نفسي بيده لهم أَشَدُّ تغايراً من التُّيُوسِ في زُرُبِهَا»([363]).

والتغاير من الغَيْرة: أي أحدهم يَغَار من الآخر إذا مُدِحَ، أو رَأَى أنه أفضل منه، أو أكثر شهرة منه.

وعن مالك بن دينارؒ قال: «يُؤْخَذُ بقول العلماء والقراء في كل شيء إلا قولَ بعضهم في بعض؛ فإنهم أشدُّ تحاسُداً من التُّيُوس، تُنْصَبُ لهم الشاةُ الضارب، فينبُّ([364]) هذا من ههنا، وهذا من ههنا»([365]).

وعن عبد العزيز بن أبي حازم – قال: سمعت أبي يقول: «العلماء كانوا فيما مَضَى من الزمانِ إذا لَقِيَ العالمُ مَنْ هو فوقه في العلم؛ كان ذلك يومَ غنيمة، وإذا لَقِيَ من هو مثله؛ ذاكَرَه، وإذا لَقِيَ من هو دونه؛ لم يَزْهُ عليه، حتى كان هذا الزمان؛ فصار الرجلُ يعيب من هو فوقه ابتغاء أن يَنْقَطِع منه، حتى يَرَى الناسُ أنه ليس به حاجةٌ إليه، ولا يذاكِرُ من هو مثلُه، ويَزْهُو على من هو دونه، فهَلَكَ الناسُ»([366]).

ثم أورد الإمام ابن عبد البرؒ– نقولاً مستفيضة مما حَدَثَ بين الصحابة والتابعين والأئمة والفقهاء وأهل الحديث من كلام بعضهم في بعض، فقال:

«والدليل على أنه لا يُقْبَل فيمن اتَّخَذَهُ جمهورٌ من جماهير المسلمين إماما في الدين قولُ أحد من الطاعنين: أن السلف -رضوان الله عليهم- قد سبق من بعضهم في بعض كلامٌ كثير في حالِ الغضب، ومنه ما حَمَل عليه الحسَدُ، كما قال ابن عباس ومالك بن دينار وأبو حازم، ومنه على جهة التأويل، مما لا يَلْزَمُ القولُ فيه ما قاله القائلُ فيه، وقد حَمَلَ بعضُهم على بعضٍ بالسيف تأويلا واجتهادًا، لا يلزم تقليدُهم في شيء منه دون برهان ولا حُجَّةٍ تُوجِبُهُ، ونحن نورد في هذا الباب من قول الأئمة الجِلَّة الثقاتِ السادةِ بعضِهم في بعض مما لا يَجِبُ أن يُلْتَفَتَ فيهم إليه، ولا يُعَرَّجَ عليه، ما يوضح لك صحةَ ما ذكرنا، وبالله التوفيق»([367]).

ثم نَقَل -ؒ- عن بعض الصحابة -رضي الله عنهم- أن أحدهم كان يسمع بقول الآخر، فيقول: كذب فلان في قوله كذا، وأكثر ذلك محمول على أنهم قالوا: «كَذَبَ فلان» بمعنى «أخطأ فلان»، كما هو في لغة قريش، وفي الحديث: «كَذَبَ أبو السنابل»([368]) أي أخطأ، وعلى ذلك فليس هذا من الباب الذي نحن بصدده، والله أعلم.

وقال ابن عبد البرؒفي ختام هذا الفصل: «وقد كان بين أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجِلَّة العلماء عند الغضب كلامٌ هو أكثر من هذا، ولكن أهل الفهم والعلم والتمييز لا يلتفتون إلى ذلك؛ لأنهم بَشَرٌ، يَغْضَبُون ويَرْضَوْن، والقولُ في الرضا غيرُ القولِ في الغضب.»

ثم قالؒ: ما جاء عن التابعين والأئمة من قدح بعضهم في بعض مما لا يجوز تقليدُهم واتباعُهم فيه:

1- طَعْنُ سعيد بن المسيب وعكرمة في بعضهما.

قال ابن عبد البرؒ: «قال المروزي: وحدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا عبدالرزاق، قال: حدثنا معمر عن أيوب، قال: سأل رجل سعيد ابن المسيب عن رجل نذر نذراً لا ينبغي له من المعاصي؛ فأمره أن يُوَفِّي بنذره، فسأل الرجلُ عكرمةَ، فأَمَرَهُ أن يُكَفِّر عن يمينه، ولا يُوَفِّي بنذره، فرجع الرجل إلى سعيد بن المسيب، فأخبره بقول عكرمة، فقال ابن المسيب: لَيَنْتَهِيَنَّ عكرمةُ؛ أو ليُوجِعَنَّ الأمراءُ ظَهْرَهُ، فرجع إلى عكرمة فأخبره؛ فقال عكرمة: أَمَا إذْ بَلَّغْتَني؛ فَبَلّغْهُ، أمَّا هو فقد ضَرَبَهُ الأمراءُ، وأَوْقَفُوه في تُبَّانٍ من شَعْر، وسَلْهُ عن نذرك: أطاعةٌ هو لله أم معصية؟ فإن قال: هو طاعة لله؛ فقد كَذَبَ على الله؛ لأنه لا تكون معصية الله طاعة، وإن قال: هو معصية؛ فقد أمرك بمعصية الله([369]).

قال المروزي: فلهذا كان بين سعيد بن المسيب وبين عكرمة ما كان، حتى قال فيه ما حُكِىَ عنه أنه قال لغلامه (بُرد): لا تَكْذِبْ عَلَيَّ كما كَذَبَ عكرمةُ على ابن عباس».

2- طَعْنُ مالك بن أنس –ؒ– في ابنِ إسحاق، وابنِ إسحاق
ؒ– في مالك بن أنس.

قال أبو عمر بن عبد البرؒ: «وكذلك كان كلامُ مالكٍ في محمد ابن إسحاق لشيء بَلَغَه عنه، تَكَلَّم به في نَسَبِهِ وعِلْمه، قال أبو عمر:

«والكلام ما رُوِّينَاه من وجوه عن عبد الله بن إدريس أنه قال: قَدِمَ علينا محمد بن إسحاق، فذكرنا له شيئاً عن مالك، فقال: هاتُوا عِلْمَ مالك؛ فأنا بَيْطَارُهُ، قال ابن إدريس: فلما قَدِمْتُ المدينة؛ ذَكَرْتُ ذلك لمالك بن أنس؛ فقال: ذلك دجالُ الدجاجلة، ونحن أخرجناه من المدينة.

قال ابن إدريس: وما كنت سمعت بجمع (دجال) قبلها على ذلك الجمع!!

وكان ابن إسحاق يقول فيه: إنه مولى لبني تَيْمِ قريش، وقال فيه ابن شهاب أيضاً، فَكَذَّبَ مالكٌ ابن اسحاق؛ لأنه كان أَعْلَمَ بنسب نفسه، وإنما هم حلفاء لبني تيم في الجاهلية، وقد ذكرنا ذلك، وأوضحناه في صَدْر كتاب (التمييز) وربما كان تكذيب مالك لابن إسحاق في تَشَيُّعِه، وما نُسِبَ إليه من القول بالقَدَر، وأما الصِّدْقُ والحفظ؛ فكان صدوقاً حافظاً، أثنى عليه ابنُ شهاب، ووثقه شعبةُ والثوريُّ وابنُ عيينة وجماعةٌ جِلَّةٌ([370]).

وقد رُوِىَ عن مالك أنه قيل له: من أين قُلْتَ في محمد بن إسحاق: إنه كَذَبَ؟ فقال: سمعت هشام بن عروة يقوله.

وهذا تقليد لا برهان عليه، وقيل لهشام بن عروة: من أين قلت ذلك؟ قال: هو يروي عن امرأتي، والله ما رآها قط!!

وقال أحمد بن حنبل -ؒ- عند ذكره هذه الحكاية: قد يُمْكِنُ أن ابن إسحاق كان يراها أو يَسْمَع منها من وراء حجاب من حيث لم يَعْلَم هشام»)[371]).

فانظر كيف ذَهَبَ الإمام أحمد -ؒ- إلى إسقاط ما قاله مالك في ابن إسحاق، وشَهِدَ بما يوجِبهُ الإنصافُ لكل من الرجلين، وكيف حَمَلُوا مقالَة مالك في ابن اسحاق على الخصومة، ودَفْعِ السيئة بالسيئة، ولم يَحْمِلُوا ذلك على أنه حَقٌّ يجوز الأَخْذُ به.

قال البيهقي – ؒ –: «قَالَ الْبُخَارِي: لَوْ صَحَّ عَنْ مَالِكٍ تَنَاوُلُهُ مِنَ ابْنِ إِسْحَاقَ؛ فَقَدْ يَتَكَلَّمُ الْإِنْسَانُ فَيَرْمِي صَاحِبَهُ بِشَيْءٍ وَاحِدٍ، وَلَا يَتَّهِمُهُ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا، قَالَ الْبُخَارِي: وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُلَيْحٍ: نَهَانِي مَالِكٌ عَنْ شَيْخَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقَدْ أَكْثَرَ عَنْهُمَا فِي «الْمُوَطَّأِ» وَهُمَا مِمَنْ يَحْتَجُّ بِهِمَا، قَالَ الْبُخَارِي: وَلَمْ يَنْجُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ عَنْ كَلَامِ بَعْضِ النَّاسِ فِيهِمْ نَحْوَ مَا يُذْكَرُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ مِنْ كَلَامِهِ فِي الشَّعْبِيِّ، وَكَلَامِ الشَّعْبِيِّ فِي عِكْرِمَةَ , وَلَمْ يَلْتَفِتْ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا النَّحْوِ إِلَّا بِبَيَانٍ وَحُجَّة , وَلَمْ تَسْقُطْ عَدَالَتُهُمْ إِلَّا بِبُرْهَانٍ ثَابِتٍ وَصِحَّة». اهـ([372])

وقال الصنعانيؒ: «لكنه كان بينه وبين مالك وَحْشَةٌ» قال وهيب: سألتُ مالكا عن محمد بن إسحاق فاتهمه، وقال يحيى بن سعيد الأنصاري: أبانُ ومالكٌ يُجَرِّحَان ابنَ اسحق «ولعل ذلك بسبب الاختلاف في الاعتقاد؛ فقد كان محمد بن إسحاق يرى رَأْيَ المعتزلة في بعض المسائل»، وتقدم كلام ابن نمير إنه رُمِىَ بالقَدَر، وكان أَبْعَدَ الناس منه، وقال أبو داود: «قَدَرِيٌّ معتزلي» وكان مالك يُشَدِّد في ذلك، ثم إنه بلغ مالكا أن ابن اسحق قال: اعْرِضوا على عِلْمَ مالك؛ فأنا بيطاره «تقدم من رواها» فحين بلغه ذلك؛ أغضبه؛ فقال: «إنه دجال، أي: كذاب» فقد قالَهُ حالَ الغضب؛ فلا اعتباره به «ومن الجائزات «على بُعْدٍ» أن يريد مالك «كذاب» في اعتقاده، أو في حديثه الذي يَهِمُ فيه، على بُعْدِ هذه العبارة من إطلاقها على من يهم في عُرفهم «فالحَمْلُ على ذلك بعيدٌ جدًّا».

«ولكن حال الغضب مع العداوة في الدين يقع فيها مثلُ هذا، إما لمجرد غَلَبَةِ الطَّبْعِ، أو لمجرد أَدْنَى تأويل، وعلى كل تقدير: فلا يُقْبَلُ ولا يُعْمَلُ به؛ لأن الجرح إخبار عن حُكْمٍ شرعي، وقد نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يَحْكُم الحاكم وهو غضبان». اهـ([373])

3- ما كان بين الأعمش وأبي حنيفة -↓-:

قال ابن عبد البرؒ: «حدثنا أحمد بن عبد الله، حدثنا مسلمة بن القاسم، حدثنا أحمد بن عيسى، حدثنا محمد بن أحمد بن فيروز، حدثنا علي بن خشرم، قال: سمعت الفضل بن موسى يقول: دَخَلْتُ مع أبي حنيفة على الأعمش نعوده، فقال أبو حنيفة: يا أبا محمد، لولا التثقيلُ عليك؛ لزِدْتُ في عيادَتِكَ، أو قال: لَعُدْتُك أكثر مما أعُودُك، فقال له الأعمش: والله، إنك عليَّ لثقيل وأنت في بيتك، فكيف إذا دخلتَ عليَّ؟! قال الفضل: فلما خرجْنا من عنده؛ قال أبو حنيفة: إن الأعمش لم يَصُمْ رمضانَ قَطُّ، ولم يَغْتَسِلْ من جنابة!! فقلت للفضل: ما يعني بذلك؟ قال: كان يرى الماء من الماء، ويتسَحَّر على حديث حذيفة»([374])»([375]).

4- قَدْحُ الإمام مالك -ؒ- في أَتْبَاع أبي حنيفة -ؒ-:

قال أبو عمر بن عبد البرؒ: «حدثنا أحمد بن محمد، قال حدثنا أحمد بن الفضل، قال حدثنا محمد بن جرير، قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا ابن وهب، قال: كنا عند مالك، وذُكِر عنده أهلُ العراق، فقال: أَنْزِلُوهم منكم منزلةَ أهلِ الكتاب: لا تُصَدِّقوهم، ولا تُكَذِّبوهم: [ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ] {العنكبوت:46} الآية»([376]).

ورُوِّينا عن محمد بن الحسن أنه دخل على مالك بن أنس يوماً، فسمعه يقول هذه المقالة التي حكاها عنه ابن وهب في أهل العراق، ثم رفع رأسه، فنظر، فكأنه اسْتَحْيَا – يعني مالكاً -، وقال: يا أبا عبدالله، أَكْرَهُ أن تكون غِيبَةً، – قال مالك: – كذلك أدركتُ أصحابنا يقولون.

حدثنا أحمد بن محمد، قال: حدثنا أحمد بن الفضل، قال: حدثنا محمد ابن جرير، قال: حدثنا هلال بن العلاء، قال: حدثنا حسين بن سعيد التونهاري قال: سمعت سعيد بن منصور يقول: كنت عند مالك بن أنس، فأقبل قوم من أهل العراق، فقال: [ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ] {الحج:72}([377]).

5- طَعْنُ الإمام مالك -ؒ- في أتباع الإمام الأوزاعي وأتباع أبي حنيفة -ؒ-:

قال ابن عبد البرؒ: «حدثنا أحمد بن سعيد بن بشر، قال: حدثنا ابن أبي دليم، قال حدثنا ابن وضاح، قال: حدثنا محمد بن يحيى المصري، قال: سمعت عبد الله بن وهب يقول: سئل مالك عن مسألة فأجاب فيها، فقال له السائل: إن أهل الشام يخالفونك فيها، فيقولون كذا وكذا، فقال: ومتى كان هذا الشأنُ بالشام؟! إنما هذا الشأنُ وَقْفٌ على أهل المدينة والكوفة.

وهذا خلاف ما تقدم من قوله في أهل الكوفة وأهل العراق، وخلاف المعروف عنه من تفضيله للأوزاعي، وخلاف قوله في أبي حنيفة المذكور في الباب قبل هذا؛ لأن شأن المسائل بالكوفة مدارُهُ على أبي حنيفة وأصحابه، والثوري.

قال عبد الله بن غانم: قلت لمالك: إنا لم نكن نرى الصُّفْرة ولا الكُدْرة شيئاً، ولا نرى ذلك إلا في الدم العبيط، فقال مالك: وهل الصُّفْرة إلا دم؟! ثم قال: إن هذا البلد إنما كان العمل فيه بالنبوة، وإن غيرهم إنما العمل فيهم بأمر الملوك.

وهذا من قوله أيضاً خلاف ما تقدم، وقد كان أهل العراق يضيفون إلى أهل المدينة أن العمل عندهم بأمر الأمراء، مثل هشام بن إسماعيل المخزومي وغيره».

قال أبو عمر ابن عبد البر مُعَقِّباً: «وهذا كله تحامُلٌ مِنْ بَعْضِهم على بعض».

6- قَدْحُ ابن المبارك في أبي حنيفة -↓-:

قال ابن عبد البرؒ: «وذكر أبو يعقوب يوسف بن أحمد المكي قال حدثنا جعفر بن إدريس المقري قال: حدثنا محمد بن أبي يحيى قال حدثنا محمد بن سهل قال: سمعت ليث بن طلحة يقول: سمعت سلمة بن سليمان يقول: قلت لابن المبارك: وضَعْتَ من رَأْيِ أبي حنيفة، ولم تَضَعْ من رَأْيِ مالك؟ قال: لم أَرَهُ عِلْماً».

وعَقَّبَ ابن عبد البر على ذلك قائلاً: «وهذا مما لا يُسْمَعُ من قولهم، ولا يُلْتَفَتُ إليه، ولا يُعَرَّجُ عليه» اهـ.

7- قَدْح قتادةَ ويحيى بن أبي كثير -↓- كُلٍّ منهما في الآخر:

قال ابن عبد البرؒ: «وروى أبو سلمة موسى بن إسماعيل التُّبُوذَكِي، قال سمعت جبير بن دينار، قال: سمعت يحيى بن أبي كثير قال: لا يزال أهلُ البصرة بِشَرٍّ ما أَبْقَى الله فيهم قتادة!!

قال: وسمعتُ قتادة يقول: متى كان العِلْمُ في السمَّاكين؟ يُعَرِّضُ بيحيى بن أبي كثير، كان أهلُ بيته سَمَّاكين»([378]).

8- طعْنُ ابن القاسم وابن وهب -↓- كلٍّ منهما في صاحبه:

قال ابن عبد البرؒ: «حدثنا عبد الرحمن بن يحيى، قال: حدثنا أحمد بن سعيد بن حزم، قال: حدثنا عبيد الله بن يحيى، عن أبيه يحيى بن يحيى، قال: كنت آتي ابن القاسم فيقول لي: من أين؟ فأقول: من عند ابن وهب، فيقول: الله، الله، اتق الله؛ فإن أكثر هذه الأحاديث ليس عليها العمل.

قال: ثم آتي ابنَ وهب، فيقول لي من أين؟ فأقول: من عند ابن القاسم، فيقول: اتق الله؛ فإن أكثر هذه المسائل رَأْيٌ».)[379])

9- قَدْحُ ابن معين -ؒ- في الإمام الشافعيِّ ومجموعة من خيار الأئمة والرواة الثقات -رحمهم الله-:

قال ابن عبد البرؒ: «وقد كان ابن معين -عفا الله عنه- يُطْلِقُ في أعراض الثقات الأئمة لسانَهُ بأشياء أُنْكِرَتْ عليه:

منها قولُهُ: عبد الملك بن مروان أَبْخَرُ الفَم، وكان رجُلَ سُوء»([380]).

ومنها قولُهُ: كان أبو عثمان النهدي شُرْطِيًّا([381])، ومنها قوله في الزهري: إنه وَلِيَ الخراجَ لبعض بني أمية([382])، وأنه فَقَدَ مرة مالاً؛ فاتَّهَمَ غلاماً له، فَضَربه، فمات مِنْ ضَرْبِهِ([383])، وذَكَر كلاماً خشِناً في قَتْلِهِ على ذلك غُلامَهُ، تَرَكْتُ ذِكْره؛ لأنه لا يَلِيقُ بمثله.

ومنها قولُهُ في الأوزاعي: إنه من الجُنْدِ ولا كرامة، وقال: حديث الأوزاعي عن الزهري، ويحيى بن أبي كثير ليس بِثَبْتٍ.

ومنها قولُهُ في طاووس: إنه كان شيعياً، ذَكَرَ ذلك كلَّه الأزديُّ محمد بن الحسين الموصلي الحافظ في الأخبار التي في آخر كتابه في «الضعفاء» عن الغلابي عن أبي معين: وقد رواه متفرقاً جماعة عن ابن معين، منهم عباس الدوري وغيره.

ومما نُقِمَ على ابن معين، وعِيبَ به أيضاً: قولُهُ في الشافعي: إنه ليس بثقة، وقيل لأحمد بن حنبل: إن يحيى بن معين يَتَكَلَّم في الشافعي! فقال أحمد: ومِنْ أين يَعْرِف يحيى الشافعيَّ؟ هو لا يَعْرِفُ الشافعيَّ!! ولا يقول مثل ما يقول الشافعيُّ أو نحو هذا، ومن جَهِلَ شيئاً عاداه.

قال أبو عمر: صَدَقَ أحمدُ بن حنبل -ؒ- أن ابن معين كان لا يَعْرِفُ ما يقول الشافعيُّ، وقد حُكِيَ عن ابن معين أنه سُئل عن مسألة من التيمم فلم يَعْرِفْها».

وقد حاول بعضهم نَفْيَ طَعْنِ ابن معين في الإمام الشافعي، فَعَقَّبَ ابنُ عبد البر على ذلك قائلاً: «وقد صح عن ابن معين مِنْ طُرُقٍ أنه كان يتكلم في الشافعي على ما قَدَّمْتُ لك، حتى نهاه أحمد بن حنبل، وقال له: لم تر عيناك قَطُّ مثلَ الشافعيِّ»([384]).

قلت: غالب ما يؤخذ على ابن معين من تعنته في الجرح، فيجرح من يوثقهم غيره، أو من يُقَلِّل من مكانة جهود المحدثين وأثرهم الناصع على الفقه والسنة، أما أن يكون تجريحه من باب كلام الأقران في بعضهم، بسبب الحسد والتنافس ونحو ذلك؛ فأَسْتَبْعِدُهُ، ولذا فالاستشهاد بما سبق على ما نحن بصدده فيه نظر، والله أعلم.

10- قَدْح مجموعة من الأئمة والعلماء في الإمام مالك -ؒ-:

قال ابن عبد البرؒ: «وقد تَكَلَّم ابنُ أبي ذئب في مالك بن أنس بكلام فيه جفاءٌ وخُشونَةٌ، كَرِهْتُ ذِكْرَه، وهو مشهور عنه، قاله إنكاراً منه لقول مالك في حديث «البَيِّعان بالخيار»، وكان إبراهيم بن سعد يَتَكَلَّم فيه، ويَدْعُو عليه.

وتَكَلَّم في مالك أيضاً -فيما ذَكَرَهُ الساجِيُّ في كتاب «العلل»- عبدُالعزيز بن أبي سلمة، وعبدُالرحمن بن زيد بن أسلم، وابنُ إسحاق، وابنُ أبي يحيى، وابنُ أبي الزناد، وعابوا أشياء من مذهبه، وتكلم فيه غيرهم؛ لتركه الروايةَ عن سعد بن إبراهيم، وروايتِهِ عن داود بن الحصين، وثور بن زيد.

وتحامَلَ عليه الشافعيُّ وبعضُ أصحابِ أبي حنيفة في شيء مِنْ رَأْيه حَسَداً لموضع إمامته، وعابه قوم في إنكار المسح على الخفين في الحضر والسفر، وفي كلامه في عليٍّ وعثمان، وفي فتياه بإتيان النساء في الأعجاز، وفي قُعوده عن مُشَاهدةِ الجماعةِ في مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونسبوه بذلك إلى ما لا يَحْسُنُ ذِكْره».

ثم عَقَّب ابن عبد البر على ذلك قائلاً: «وقد بَرَّأَ الله — مالكاً عما قالوا، وكان -إن شاء الله- عند الله وجيهاً، وما مَثَلُ مَنْ تَكَلَّم في مالك والشافعي ونظرائهما من الأئمة إلا كما قال الأعشى:

كَنَاطِحٍ صَخْرَةً يَوْمًا لِيُوهِنَهَافَلَمْ يَضِرْهَا وَأْوَهَى قَرْنَهُ الْوَعِلُ([385])

أو كما قال الحسين بن حميد:

يا ناطحَ الجبلِ العالي لِيَكْلِمَهأَشْفِقْ على الرأسِ لا تُشْفِقْ على الجبَلِ
11- حماد بن أبي سليمان يَقْدَحُ في عطاء، وطاووس، ومجاهد -رحم الله الجميع-:

ساق ابن عبد البر-ؒ – بسنده عن جرير بن عبد الحميد عن مغيرة قال: قَدِمَ علينا حمادُ بن أبي سليمان من مكة، فأتيناه لِنُسَلِّم عليه، فقال لنا: احْمَدُوا اللهَ يا أهل الكوفة؛ فإنِّي لَقِيتُ عطاءً وطاوساً ومجاهداً؛ فَلَصِبْيانُكم وصِبْيَانُ صِبْيَانِكم أَعْلَمُ منهم»([386]).

وهذا القَدْح من حماد في عطاء وطاوس ومجاهد لا شك أنه تَعَدٍّ وظُلْمٌ، وجَعْلُه صبيانَ الكوفةِ أفضلَ من هؤلاء الأَجِلَّة من التابعين؛ لا شَكَّ أنه مخالف للعَدْل والإنْصَاف، ولذلك قال المغيرة: هذا القولُ من حماد بَغْيٌ منه، بل إن الإمام أبا حنيفة -وهو من أعلم الناس بحماد- يُفَضِّلُ عطاءً على حماد؛ ويُفَضِّل كذلك عطاءَ بن أبي رباح، ويقول: ما رأيتُ أفضلَ من عطاء بن أبي رباح، ولا أَكْذَبَ من جابرٍ الجُعْفيِّ.

12- قَدْحُ الإمام الزهري -ؒ- في عطاء وطاووس ومجاهد
-ؒ-:

قال ابن عبد البرؒ: «وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا أحمد بن زهير، قال: حدثنا أحمد بن يونس، قال حدثنا ابن أبي ذئب عن الزهري، قال: ما رأيتُ قوماً أنقضَ لِعُرَى الإسلامِ من أهل مكة، ولا رأيتُ قوماً أشْبَهَ بالنصارى من السبئية» (قال أحمد بن يونس: يعنى بالسبئية: الرافضة)([387]).

وقال ابن عبد البرؒ– بعد ذلك: «وهذا ابن شهاب قد أَطْلَقَ على أهل مكة في زمانه أنهم يَنْقُضُون عُرَى الإسلام، ما استثنى منهم أحداً، وفيهم من جِلة العلماء مَنْ لا خَفَاء بجلالته في الدين.

وأظن ذلك -والله أعلم- لِمَا رُوِيَ عنهم في الصَّرْف ومُتْعَة النساء، وأما ما رُوِيَ عنهم في الصرف: فهو قولهم بجواز الدرهم بالدرهمين، وقد نُقِل عنهم كذلك إباحةُ زواج المتعة، ومن أجل ذلك قال عنهم الزهري: «إنهم يَنْقُضُون عُرَى الإسلام!!» ولا شَكَّ أن هذا حُكْمٌ جائر؛ لأن ما ذهبوا إليه من القول بالمتعة والصرف، إنما كان اجتهاداً، ومِثْلُه يُغْفَر لمن كان مِثْلَهم في العلم والاجتهاد».

13- طَعْنُ الشعبي وإبراهيم النخعي -↓- كُلٍّ منهما في الآخر:

قال ابن عبد البرؒ: «وذَكَر الحسنُ بن علي الخولاني، قال حدثنا نعيم بن حماد، قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، قال كنتُ عند الشعبي، فذكروا إبراهيم، فقال: ذاك رَجلٌ يختلفُ إلينا ليلاً، ويحدث الناسَ نهاراً، فأتيتُ إبراهيم، فأخبرتُه؛ فقال: ذلك يُحَدِّثُ عن مسروق، والله ما سمع منه شيئاً قط!!([388])

وحدثنا أحمد بن محمد، قال: حدثنا أحمد بن الفضل، قال: حدثنا محمد بن جرير، قال: حدثني زكريا بن يحيى قال: حدثنا قاسم بن محمد بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، قال: ذُكِرَ إبراهيمُ النخعيُّ عند الشعبي، فقال: ذاك الأعور الذي يَسْتَفْتِيني بالليل، ويجلس يُفْتِي الناسَ بالنهار، قال: فذكرتُ ذلك لإبراهيم؛ فقال: ذاك الكذاب لم يَسْمَع من مسروق شيئاً».!!([389])

وعَقَّبَ ابنُ عبد البر على ذلك قائلاً: «معاذ الله أن يكون الشعبيُّ كذَّاباً، بل هو إمام جليل والنخعيُّ مِثْلُه جلالةً وعِلْماً وديناً».

قلت: غفر الله للرواة الذين نَقَلُوا للعالم كلامَ العالم الآخر فيه؛ فإن ذلك يَحْمِلُ المقولَ فيه على أن ينتصر لنفسه، فيردَّ الباطلَ بباطلٍ آخَرَ، وقد يَرُدُّ بأشَدَّ مما قيل فيه، لكنْ ظنُّنا بالثقات من الرواة الذين نقلوا هذه الكلمات للعلماء؛ أنهم أرادوا معرفة الحق فيما قيل، ولم يكن قصْدُهم الإفساد بين العلماء، وإن كان النقلةُ والعلماءُ أنفسُهم غَيْرَ معصومين، لكن يَهُمُّنا أن نستفيد من القواعد التي قعَّدها العلماء في هذا الشأن، وأن نعتبر بغيرنا -وهم أجَلُّ وأَعْلَمُ منا- ولما تكلّموا في بعضهم بغير العدل؛ رُدَّ قولُهم، ولم يُكْتَب له القبول، فكيف بنا وبمن هو مثلنا؟! والسعيد من وُعِظ بغيره، والله أعلم.

وفي ختام هذا الباب نُورِدُ القاعدةَ الجامعةَ التي صاغها الإمام ابن عبد البر -ؒ- حيث يقول:

«فمن أراد أن يَقْبَلَ قولَ العلماءِ الثقاتِ الأئمةِ الأثباتِ بعضِهم في بعض؛ فَلْيَقْبَلْ قولَ مَنْ ذَكَرْنا قولَهُ من الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- بعضِهم في بعض([390])؛ فإنْ فَعَلَ ذلك؛ ضَلَّ ضلالاً بَعِيداً، وخَسِرَ خُسْراناً مُبيناً.

وكذلك -أي يَضِلُّ ضلالًا بعيدًا…- إن قَبِلَ في سعيد بن المسيب قولَ عكرمة، وفي الشعبي والنخعي وأهلِ الحجاز وأهلِ مكة وأهلِ الكوفة وأهلِ الشام على الجملة، وفي مالكٍ والشافعيِّ وسائرِ مَنْ ذَكَرْنا في هذا الباب ما ذَكَرْنا عن بعضِهم في بعض؛ فإن لم يفعل، ولن يفعل -إن هداه الله وأَلْهَمَهُ رُشْدَه- عندما شَرَطْنا في أن لا يُقْبَل فيمن صَحَّتْ عدالتُهُ، وعُلِمَتْ بالعلم عنايَتُه، وسَلِمَ من الكبائر، ولَزِمَ الْمُروءةَ والتعاونَ، وكان خَيْرُه غالباً، وشَرُّهُ أَقَلَّ؛ فهذا لا يُقْبَل فيه قولُ قائلٍ لا برهانَ له به؛ فهذا هو الحقُّ الذي لا يَصِحُّ غيره إن شاء الله».

وقال الإمام الثوري -ؒ-: «عند ذِكْرِ الصالحين تَنْزِلُ الرحمةُ، ومن لم يَحْفَظْ من أخبارهم إلا ما بَدَرَ من بعضِهم في بعض على الحَسَد والهَفَوات والغضب والشَّهوات، دون أن يُعْنَى بفضائلهم؛ حُرِمَ التوفيقَ، ودَخَل في الغِيبةِ، وحادَ عن الطريق، جَعَلَنا اللهُ وإياكَ ممن يَسْمَعُ القولَ فَيَتَّبِعُ أَحْسَنَهُ».

وقال ابن عبد البرؒ: «وحدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف، قال: حدثنا ابن دحمون، قال: سمعت محمد بن بكر بن داسة يقول: سمعت أبا داود سليمان بن الأشعث السجستاني يقول: رَحِمَ الله مالكاً، كان إماماً، ورَحِمَ الله الشافعي؛ كان إماماً، ورَحِمَ الله أبا حنيفة؛ كان إماماً»([391]).

الموقِفُ من العلماء المشهودِ لهم ببعض جوانب الفضل والخير إذا وقع أحدهم في بِدْعَةٍ