كتب للقراءة

المحجة البيضاء في تحقيق موقف أهل السنة والجماعة من أهل البدع والأهواء

المحجة البيضاء في تحقيق موقف أهل السنة والجماعة من أهل البدع والأهواء

الموقِفُ من العلماء المشهودِ لهم ببعض جوانب الفضل والخير،
إذا وقع أحدهم في بِدْعَةٍ أو انحراف

ونظرًا لأهمية هذا المبحث، وكثرة الغلاة المنحرفين عن كلام أهل العلم فيه، والمسرفين المتهوِّرين في الأحكام على من لا يوافقهم على ما هم عليه من الظلم والافتراء؛ فقد أَفْرَدْته هنا بالذِّكر، مع ذِكْرِ بعض ضوابط العلماء والأئمة لمن نَصَبَ نَفْسَه للكلام في الغير جرحًا وتعديلًا.

قال الحافظ الذهبي: «إن الكبير من أئمة العلم إذا كَثُر صوابُهُ، وعُلِمَ تَحَرِّيهِ للحقِّ، واتَّسَعَ عِلْمُهُ، وظَهَر ذكاؤه، وعُرف صَلاحُهُ وورعُه واتباعُه؛ يُغْفَرُ له زَلَلُهُ، ولا نُضَلِّلُه ونَطِّرِحُه، ونَنْسَى محاسِنَهُ، نعم، ولا نَقْتَدِي به في بِدْعَتِه وخَطَئِهِ، ونَرْجُو له التوبةَ من ذلك»([392]). اهـ

قال هذا في ترجمة قتادة بن دعامة، وقد رُمِيَ بالقَدَر، حيث يقول عنه الذهبي: «وهو حجة بالإجماع إذا بَيَّنَ السماع؛ فإنه مُدلِّس معروف بذلك، وكان يَرَى القَدَر، نسأل الله العفو، ومع هذا فما توقف أحد في صِدْقِهِ وعدالته وحِفْظِهِ، ولعل الله يَعْذُر أمثالَهُ ممن تَلَبَّس ببدعة يريد بها تعظيمَ الباري وتنزيهَهُ، وقد بَذَلَ وُسْعَهُ، والله حَكَمٌ عَدلٌ لطيفٌ بعباده، ولا يُسْأَل عما يَفْعَل»([393]). اهـ

وهذا الأصل الذي قرره الحافظ الذهبي -ؒ- هو منهج أهل السنة والجماعة في الحكم على علماء مشاهير في الإسلام، ممن ينتمون في الجملة إلى فهم السلف، وينتصرون لهم ولطريقتهم، لكن التأويل أوقعهم في غير ذلك في كثير أو قليل من المسائل، مع حُسن القصد، وكثرة الحسنات، وكذلك فمنهم مَنْ رُمِيَ منهم ببدعة، أو من كان له تأويل مخالف للكتاب والسنة، فيُرَدُّ خطؤهم، وتُكْشَفُ شبهاتهم، ويُذْكَر فَضْلُهم إذا كان لذلك حاجة شرعية، وتقام الأدلة على عدم الاغترار بهم فيما أخطأوا فيه، وكتبُ شيخ الإسلام ابن تيمية -ؒ- وأقوالُه في ذلك كثيرة مشهورة، ننقل شيئاً منها.

فمن ذلك: شَهَادَةُ شيخِ الإسلام ابن تيمية -ؒ- في الغزالي
-ؒ-([394]).

حيث قال -ؒ-: «وتجد أبا حامد الغزالي مع أن له من العلم بالفقه، والتصوف، والكلام، والأصول، وغير ذلك، مع الزهد والعبادة وحُسْنِ القَصْد، وتَبَحُّرِه في العلوم الإسلامية أكثر من أولئك، يَذْكر في كتاب «الأربعين» ونحوِهِ كتابُهُ: «المضْنُون به على غير أهله» فإذا طلبتَ ذلك الكتابَ، واعتقدتَ فيه أسرار الحقائق، وغايةَ المطالب؛ وجدتَهُ قولَ الصابئة المتفلسفة بعينه، قد غُيِّرَتْ عباراتُهم وترتيباتُهم، ومن لم يَعْلَمْ حقائقَ مقالاتِ العِبَاد، ومقالاتِ أهلِ الملل؛ يعتقد أن ذاك هو السِّرُّ الذي كان بين النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر، وأنه هو الذي يطَّلِعُ عليه المكاشِفون، الذين أَدْرَكُوا الحقائق بنور إلهي؛ فإن أبا حامد كثيراً ما يحيل في كتبه على ذلك النور الإلهي، وعلى ما يعتقد، ولهذا صار طائفة ممن يرى فضيلته وديانته يَدْفَعُون وجودَ هذه الكُتب عنه، حتى كان الفقيه أبو محمد بن عبدالسلام([395]) فيما عَلَّقَه عنه يُنْكِر أن يكون «بداية الهداية» من تصنيفه، ويقول: إنما هو تَقَوُّلٌ عليه، ومع أن هذه الكُتُبَ مَقْبُولُها أضعافُ مردودِها، والمردُود منها أمور مُجْمَلة، وليس فيها عقائدُ ولا أصولُ الدين.

وأما «المضنون به على غير أهله» فقد كان طائفةٌ أخرى من العلماء يُكَذِّبون ثبوتَه عنه، وأما أهل الخبرة به وبحاله؛ فيَعْلَمُون أن هذا كلَّه كلامُهُ؛ لِعِلْمِهِم بموادِّ كلامِه، ومُشَابَهَةِ بعضِهِ بعضاً، ولكن كان هو وأمثاله -كما قَدَّمْتُ- مضطربين، لا يَثْبُتُون على قولٍ ثابتٍ؛ لأن عندهم من الذكاء والطلب ما يَتَشَوَّفُون به إلى طريقة خاصةِ الخلْق، ولم يُقَدَّرْ لهم سلوكُ طريقِ خاصَّةِ هذه الأمة، الذين وَرِثُوا عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- العلمَ والإيمان، وهم أهلُ حقائق الإيمان والقرآن، كما قدمناه، وأهلُ الفهم لكتاب الله والعلمِ والفهمِ لحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإتْباعِ هذا العلمِ بالأحوال والأعمال المناسبة لذلك، كما جاءتْ به الرسالة.

ولهذا كان الشيخ أبو عمرو بن الصلاح يقول فيما رأيته بخطه: «أبو حامد كَثُر القولُ فيه ومنه، فأما هذه الكتب -يعني المخالِفَةَ للحق- أي نحو «الأربعين» و«المضنون به على غير أهله» فلا يُلْتَفَتُ إليها، وأما الرجل فَيُسْكَتُ عنه، ويُفَوَّضُ أَمْرُهْ إلى الله».

ومقصودُه: أنه لا يُذْكَر بسوء؛ لأن عَفْوَ الله عن الناسي، والمخطئ، وتوبةَ الْمُذْنِبِ تأتي على كل ذَنْبٍ، وذلك من أقرب الأشياء إلى هذا وأمثاله؛ ولأن مغفرة الله بالحسنات منه ومن غيره، وتكفيره الذنوبَ بالمصائب تأتي على مُحَقَّقِ الذنوب، فلا يَقْدُم الإنسان على انتفاء ذلك في حَقِّ مُعَيَّنٍ إلا ببصيرة، لا سيما مع كثرة الإحسانِ، والعلمِ الصحيحِ، والعملِ الصالحِ، والقصدِ الحسنِ، وهو يميل إلى الفلسفة، لكنه أظهرها في قالب التصوف والعبارات الإسلامية.

ولهذا: فقد رد عليه علماء المسلمين، حتى أَخَصُّ أصحابه: أبو بكر بن العربي، فإنه قال: «شيخنا أبو حامد دَخَلَ في بَطْنِ الفلاسفة، ثم أراد أن يَخْرُجَ منهم؛ فما قَدَرَ»([396]). اهـ

ومن ذلك: كلامُ شيخ الإسلام ابن تيمية في ابن حزم -↓-.

فإن شيخ الإسلام ابن تيمية -ؒ- قال فيه: «وكذلك أبو محمد بن حزم فيما صنفه من «الملل والنحل» إنما يُسْتَحْمَدُ بموافقة أهلِ السنة والحديث، مِثْلِ ما ذَكَرَهُ في مسائل (القدر) و(الإرجاء) ونحو ذلك، بخلاف ما انفرد به من قوله في التفضيل بين الصحابة؛ لكونه يُثْبِتُ الأحاديثَ الصحيحةَ، ويُعَظِّمُ السلفَ وأئمةَ الحديث، ويقول: إنه موافق للإمام أحمد في مسألة القرآن وغيرها، ولا ريب أنه موافق له ولهم في بعض ذلك.

لكنَّ الأشعريَّ ونَحْوَهُ أَعْظَمُ موافقةً للإمام أحمد بن حنبل ومَنْ قَبْلَهُ من الأئمة في القرآن والصفات، وإن كان (أبو محمد بن حزم) في مسائل الإيمان والقدر أَقْوَمَ من غيره، وأَعْلَمَ بالحديث، وأَكْثَرَ تعظيماً له ولأهله من غيره، لكن قد خالط من أقوال الفلاسفة والمعتزلة في مسائل الصفات ما صَرَفَه عن موافقة أهل الحديث في معاني مذهبهم في ذلك، فوافق هؤلاء في اللفظِ وهؤلاء في المعنى!!

وبمثل هذا صار يَذُمُّهُ من الفقهاء والمتكلمين وعلماءِ الحديث باتباعه لِظَاهرٍ لا باطِنَ له، كما نَفَىَ المعانيَ في الأمر والنهي والاشتقاق، وكما نَفَىَ خَرْقَ العادات، ونَحْوَهُ من عبادات القلوب، مَضْمُوماً إلى ما في كلامه من الوقيعة في الأكابر، والإسرافِ في نَفْيِ المعاني، ودعوى متابعة الظواهر.

وإن كان له من الإيمان والدين والعلوم الواسعة الكثيرة ما لا يَدْفَعُه إلا مُكَابِرٌ، ويُوجَد في كتبه من كَثْرَةِ الاطلاع على الأقوال، والمعرفة بالأحوال، والتعظيم لدعائم الإسلام ولجانب الرسالة ما لا يَجْتَمِعُ مثلُه لغيره، فالمسألة التي يكون فيها حديثٌ؛ يكون جانِبُهُ فيها ظاهِرَ الترجيح، وله من التمييز بين الصحيح والضعيف والمعرفة بأقوال السلف ما لا يكاد يقع مثله لغيره من الفقهاء»([397]). اهـ

قلت: وهذه بلا شك شهادةُ إنصافٍ وعدلٍ من شيخ الإسلام -ؒ- في شأن عَلَمٍ عظيم من أعلام الإسلام، وهو الإمام «ابن حزم -ؒ-» ونقول: ؒ، وعفا عنا وعنه خلافاً للناشئة الجدد الذين يُنْكِرون على من يقول: ابن حزم -ؒ- ويعتقدون أنه مُبْتَدِعٌ يجب هَجْرُهُ، ومن الهجر عندهم تَرْكُ الترحُّم عليه، وكذلك تَرْكُ الاستفادة من علمه وكتبه -ؒ- فلا حول ولا قوة إلا بالله، ونعوذ بالله من الجهل والهوى والفظاظة، وأمثالُ هؤلاء يبذرون بغلوهم هذا بذور الضلالة في أرض الجهالة، وحالُهم هذا وخيمُ الغِبِّ والمآل، وهم أنفسهم لا يَسْلَمُون من أن يعاملهم طلابُهم وزملاؤهم بمثل هذا الجهل والجفاء، وقد رأينا هذا بأُمِّ أعيننا؛ فاحْذَروا يا أُولِي الألباب من سلوك منهج أهل الغَيِّ والتباب!! وفي النهاية: فابن حزم على ما فيه أفضل عندي بكثير من الغزالي، ورحم الله الجميع.

ومن ذلك: شهادة شيخ الإسلام -ؒ- في أبي عبدالرحمن السُّلَمي
-ؒ-.

يقول شيخ الإسلام -ؒ-: «وكان الشيخُ أبو عبد الرحمن السُّلَمي –ؒ– فيه من الخير والزهد والدين والتصوف ما يَحْمِلُه على أن يَجْمَع من كلام الشيوخ والآثار التي توافق مقصوده كُلَّ ما يجده، فلهذا يوجَد في كتبه من الآثار السقيمة والكلام المردود ما يَضُرُّ من لا خِبْرَةَ له»([398]). اهـ

ومن ذلك: كلام شيخ الإسلام -ؒ- في عبد الله بن سعيد بن كُلَّاب
-غفر الله لنا وله- وإليه تُنْسَب الطائفة «الكُلابية».

حيث قال -ؒ-: «وَكَانَ مِمَّن اُنْتُدِبَ لِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ سَعِيدِ بْنِ كُلَّابٍ، وَكَانَ لَهُ فَضْلٌ وَعِلْمٌ وَدِينٌ. وَمَنْ قَالَ: إنَّهُ ابْتَدَعَ مَا ابْتَدَعَهُ لِيُظْهِرَ دِينَ النَّصَارَى فِي الْمُسْلِمِينَ – كَمَا يَذْكُرُهُ طَائِفَةٌ فِي مَثَالِبِهِ، وَيَذْكُرُونَ أَنَّهُ أَوْصَى أُخْتَهُ بِذَلِكَ – فَهَذَا كَذِبٌ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا افْتَرَى هَذَا عَلَيْهِ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْجَهْمِيَّةُ الَّذِينَ رَدَّ عَلَيْهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ مَنْ أَثْبَتَ الصِّفَاتِ؛ فَقَدْ قَالَ بِقَوْلِ النَّصَارَى، وَقَدْ ذَكَرَ مِثْلَ ذَلِكَ عَنْهُم الْإِمَامُ أَحْمَد فِي «الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّة»؛ وَصَارَ يَنْقُلُ هَذَا مَنْ لَيْسَ مِن الْمُعْتَزِلَةِ مِن السالمية، وَيَذْكُرُهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ وَالْفُقَهَاءُ الَّذِينَ يَنْفِرُونَ عَنْهُ لِبِدْعَتِهِ فِي الْقُرْآنِ؛ وَيَسْتَعِينُونَ بِمِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ الَّذِي هُوَ مِن افْتِرَاءِ الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةِ عَلَيْهِ.

– وانظر -أيضاً- ذَمَّ شيخ الإسلام ابن تيمية -ؒ- لقاصِرِي النظر من أهل الحديث والفقهاء الذين اسْتَمَعُوا إلى وِشَايَةِ المُغْرِضين من نُفاة الصفات في ابن كُلَّاب، وكانوا عوناً لأعداء السنة على رَجُلٍ هو أقرب إلى السنة من كثير من خصومه هؤلاء -وإن لم يكن صافيًا-، وقائم بحرب بدعةٍ هي -أي الاعتزال- أعظمُ وزرًا من بدعته التي وقع فيها…

قال -ؒ-: وَلَا يَعْلَمُ هَؤُلَاءِ أَنَّ الَّذِينَ ذَمُّوهُ بِمِثْلِ هَذَا هُمْ شَرٌّ مِنْهُ، وَهُوَ خَيْرٌ وَأَقْرَبُ إلَى السُّنَّةِ مِنْهُمْ.

وَكَانَ «أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ» لَمَّا رَجَعَ عَن الِاعْتِزَالِ سَلَكَ طَرِيقَةَ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ كُلَّابٍ؛ فَصَارَ طَائِفَةٌ يُنْتَسِبُونَ إلَى السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ مِن السالمية وَغَيْرِهِمْ، كَأَبِي عَلِيٍّ الْأَهْوَازِيِّ، يَذْكُرُونَ فِي مَثَالِبِ أَبِي الْحَسَنِ أَشْيَاءَ هِيَ مِن افْتِرَاءِ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَشْعَرِيَّ بَيَّنَ مِنْ تَنَاقُضِ أَقْوَالِ الْمُعْتَزِلَةِ وَفَسَادِهَا مَا لَمْ يُبَيِّنْهُ غَيْرُهُ، حَتَّى جَعَلَهُمْ فِي قَمْعِ السِّمْسِمَةِ»([399]).

«وَابْنُ كُلَّابٍ» لَمَّا رَدَّ عَلَى الْجَهْمِيَّة؛ لَمْ يَهْتَدِ لِفَسَادِ أَصْلِ الْكَلَامِ الْمُحْدَثِ الَّذِي ابْتَدَعُوهُ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ، بَلْ وَافَقَهُمْ عَلَيْهِ، وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَذُمُّونَ ابْنَ كُلَّابٍ وَالْأَشْعَرِيَّ بِالْبَاطِلِ هُمْ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ»([400]). اهـ

وقال الحافظ الذهبيؒ– في ترجمة العثماني محمد بن أحمد بن يحيى المقدسي الشافعي الأشعري([401]):

«قُلْتُ: غُلاَةُ المُعْتَزِلَةِ، وَغُلاَة الشِّيْعَة، وَغُلاَة الحَنَابِلَة، وَغُلاَة الأَشَاعِرَةِ، وَغلاَة المُرْجِئَة، وَغُلاَة الجَهْمِيَّة، وَغُلاَة الكَرَّامِيَّة، قَدْ مَاجت بِهِم الدُّنْيَا، وَكثرُوا، وَفِيهِم أَذكيَاءُ وَعُبَّاد وَعُلَمَاء، نَسْأَلُ اللهَ العفوَ وَالمَغْفِرَة لأَهْل التَّوحيد، وَنبرَأُ إِلَى اللهِ مِنَ الهَوَى وَالبِدَع، وَنُحبُّ السُّنَّةَ وَأَهْلَهَا، وَنُحِبُّ العَالِمَ عَلَى مَا فِيْهِ مِنَ الاتِّبَاعِ وَالصِّفَاتِ الحمِيدَة، وَلاَ نُحبُّ مَا ابْتدعَ فِيْهِ بتَأْوِيْلٍ سَائِغٍ، وَإِنَّمَا العبرة بكثرة المحاسن». اهـ

قلتُ: والأمثلةُ كثيرةٌ في ذلك، ومنها الكلامُ في أبي إسماعيل الهروي وغيرِه من المشاهير، وقد ذكرتُ ذلك في عدة مواضع.

والخلاصةُ التي تخْلُصُ في هذا المبحث الأخير من هذا الكتاب: أن العالم مهما بلغ في العلم والفضل والمكانة بين أهل العلم في زمانه: فإنه بَشَرٌ، يُخطئ ويصيب، وليس بمعصومٍ، فموقفُ العقلاءِ المُتَّبِعُون لمنهج أئمة السلف: أنهم لا يقتدون به فيما أخطأ فيه، وتبيَّن فعلاً خطؤه، لأن الخطأ عند مَن خطَّأَهُ، وقد يحتاج الحال إلى أن يُحذِّروا غيرَهم مِن الاقتداء به فيما أخطأ فيه الصواب، وأما ما أَحْسَنَ فيه وأصاب فيه الحقَّ؛ فلا يبْخسُونه حقَّه وفضْلَه ومنزلتَه، وقد يتكلم فيه بعض علماء السلف بكلامٍ مُجْمَلٍ في التحذير منه، أو في ذمِّه؛ فيُحمَلُ هذا على ما أخطأ فيه الصواب، لا في كلِّ ما جاء عنه حقَّاً كان أو باطلاً، والمنصف إذا جَمع كلامَ العلماء فيه جرحاً وتعديلاً؛ سيصل إلى هذه النتيجة، وهذا ما يقوم به علماءُ الخلف في الجمع بين كلام علماء الجرح والتعديل من السلف في الراوي من رواة الحديث: إذْ يحملون كلامَ من أطلق التوثيق على حال الراوي في زمانٍ دون زمانٍ، أو في شيخٍ دون شيخٍ، أو حديثٍ دون حديثٍ، أو في كتابٍ دون كتابٍ… إلخ، وكذا يَحْمِلُون كلام من جَرَّحَ تجريحاً مطلقاً على كلام من جرَّحَ تجريحاً مُفَصَّلاً… ولو سلكوا الطريقة التي عليها غلاةُ زماننا في التجريح؛ ما سَلِم مِن رواة الحديث أَكْثَرُهُم، وإذا لم يَسْلموا مِن الطعن المطلق؛ لرُدَّتْ رواياتُهم، وإذا كان كذلك؛ لضاع الدين، وخَطَبَت الدَجَاجِلَةُ مِن فوق المنابر؛ فنعوذ بالله من الجهل والهوى وحظوظ النفس، وما يؤول إليه أمرُها، والله المستعان!!

هذا، وأسأل الله أن يجعل عملي كله صالحًا، ولوجهه خالصًا، وأن يجعله لي ولوالديّ وأهلي وذريتي وأرحامي وكلِّ من ساعدني فيه حجابًا لي ولهم مِن عذاب الله وسخطه في الدارين، وأن يرفع به منازلنا، ويقضي به حوائجنا، ويكشف به غُمَّتَنَا، ويفرِّج به كُربتنا، ويستر به عورتنا، ويَدْحَرَ به وبغيره من عملي وعمل غيري من أهل السنة أعداء السنة كيفما كانوا، وأينما كانوا؛ إنه وليُّ ذلك، والقادر عليه، وصَلَّى الله وسلَّمَ وبارَكَ على نبينا محمد، وعلى آله وصَحْبِه أجمعين، مِلْءَ السماوات، ومِلْءَ الأرض، ومِلْءَ ما بينهما، ومِلْءَ ما شاء مِن شيءٍ بَعْدُ: عددَ خلْقِهِ، ورضا نفْسِهِ، وزنَةَ عرشِهِ، ومدادَ كلماتِهِ، وعددَ ما ذَكَره الذاكرون، وغَفَل عن ذِكْرِهِ الغافلون إلى يوم الدين.

والحمد لله رب العالمين

كَتَبَهُ

أبو الحَسَنِ مُصْطَفَى بنُ إسْمَاعِيْلَ السُّلَيْمانيُّ

غفر الله له ولوالديه وأهله وذويه وذريته.

القائم على دار الحديث بمأرب، ورئيس رابطة أهل الحديث باليمن.

وتمت مراجعته بتاريخ 8/ جمادى الأولى/ 1443هـ

والمراجعة الأخيرة بتاريخ 4/ جمادى الأولى/ 1445هـ