كتب للقراءة

تبصير الأنام بتصحيح الأفهام المجلدالأول

تبصير الأنام بتصحيح الأفهام المجلد الأول

(الاستشهادُ أحيانًا بكلام المخالف -مهما كانت مخالفته-
إذا كان كلامُهُ حقًّا)

  • السؤال السادس عشر: هل يجوز الاستشهاد بكلام أهل البدع إذا كان موافقًا للحق؟

الجواب:

أولًا:

لِلْحَقِّ حلاوةٌ تَعْشقُها النفوسُ الزكيةُ، وللباطل غُبْرة، تَنْفِرُ بسببها منه القلوبُ الأبيّة، دون النظر إلى دينِ أو عقيدةِ قائِلِه، وقد يَستشهد العالم السُّنِّي أحيانًا بقول أحد المخالفين، مع توافر أدلة أخرى لديه، تؤيد الحقَّ الذي يَنْصُره، وتدْحضُ الباطلَ الذي يَهْدِمُه ويَدْحَره، والذي دفعني إلى الكلام عن ذلك -مع وضوحه- ما رأيتُه من إفراط وتفريط في هذه المسألة: فهناك من يغترف من أقوال أهل البدع والضلالات، ويسوقها في سياق المدح والثناء الْمُفْرِطَيْنِ على أَهْلِهَا، وهناك من إذا رأى اسم من يخالفه في كتاب أحدٍ من أهل السنة؛ أَعْرَضَ عنه، ووجّه سهامَهُ الطائشة إلى مؤلِّف الكتاب، فيرميه بالقبائح!!

والمقام فيه تفصيل:

فالأصل: الاكتفاءُ بالأدلة النقلية والعقلية، والآثار السلفية، وفتاوى المتبعين للسلف بإحسانٍ ظاهرًا وباطنًا، وعدمُ الاشتغالِ بالبحث عن أقوال المخالفين للسنة وأئمتها؛ خشيةَ اغترارِ الجهلةِ بذكر أسماء أهل البدع، وأخْذِ كلامهم عنهم بعُجَرِهِ وبُجَرِهِ دون تمييز.

ومع ذلك فقد رأيت علماء السنة قد يستشهدون بكلام المخالفين للسنة أو للإسلام من أساسه في حالات معينة، وذلك لأسباب عِدَّةٍ.

ثانيًا: أسباب ودواعي الاستشهاد – أحيانًا – بقول المخالف:

منها:

1- كونُ القولِ في ذاته حقًّا، فَيَقْبَلُه العالم، ويَسْتَشْهِد به لذلك، وهذا شرطٌ لابُدَّ منه في جميع الحالات.

2- إقامةُ الحجةِ على أَتْبَاع ذلك المخالِفِ من قول مَتْبُوعِهم وإمامهم، فيقال للأتباع: هذا قول إمامكم، أو من ترضَوْنه من علمائكم -وهو حق لا غبار عليه- فلماذا لا تَأْخُذُون به؟!

3- بيان أن الطوائفَ على اختلافِ مشارِبِها أقرّتْ بهذا الحقِّ؛ ففي ذلك تقويةٌ لنفوسِ أهلِ الحق، ودَحْرٌ لأهل الباطل.

4- قد يكون فيما قرّره المبتدع -مثلا- في هذا الموضع تقرير لنقض بدعته في مواضع أخرى، فيُذكر قوله هنا؛ لبيان تناقضه في قوله الآخر، الذي خالف به أهلَ الحق.

5- قد يكون المخالفُ قويَّ الحجة، حَسَن الأسلوب والطريقة في تقرير هذا الجزء من الحق، بما لم يقف الناقلُ على مثله من كلام أهل الحق الصافي، فكم من الأشاعرة مَنْ أَحْسَن جدًّا في نقض شبهات وأصول المعتزلة والباطنية، وكم من المعتزلة من أحسن في نقض كلام الفلاسفة، وهكذا.

6- قد يَقْصد العالم من الاستشهاد بقول المخالف تقريرَ قاعدةِ قبولِ الحقِّ مِنْ كُلِّ مَنْ تكلّم به، وإن كان لا يقرّه فيما أخطأ فيه في مواضع أخرى، وذلك إذا رَأَى مبالغةً في الحطِّ على المخالف ممن يَنْتَسِبُ إلى الحق، وتَعَدِّي ذلك بردِّ الحق منه، وعدم الإقرار بذلك.

7- النقلُ عن الباحث الكافر ما وصل إليه في بحثه العلمي الدنيوي أو الاجتماعي بما يؤيد ما جاء به الإسلام، وينقض ما عند غيره من الأديان المحرّفة، كمن يؤيد بَحْثُه الاجتماعيُّ مسألةَ تَعَدُّدِ الزوجات، كما هو في شريعتنا، بخلاف ما يقول به رهبان الأديان المحرّفة([737]).

ثالثًا: الأدلة على جواز الاستشهاد بكلام المخالف أحيانًا إن كان حقًا:

(1) فعَنْ قُتَيْلَةَ -امْرَأَةٍ مِنْ جُهَيْنَةَ- أَنَّ يَهُودِيًّا أَتَى النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- فَقَالَ: إِنَّكُمْ تُنَدِّدُونَ وَإِنَّكُمْ تُشْرِكُونَ، تَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتُ، وَتَقُولُونَ: وَالْكَعْبَةِ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَحْلِفُوا أَنْ يَقُولُوا: «وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، وَيَقُولُ أَحَدُهُمْ: مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ شِئْتُ».([738])

– قال الشيخ محمد بن علي بن آدم بن موسى الإثيوبي الوَلَّوِي في سياق ذِكر فوائد الحديث: «(ومنها): أن على طالب الحقّ، ومتّبع الصواب أن يأخذ الحقّ أينما وجده، ولو كان عند غير أهله، كما يقال: الحكمة ضالّة المؤمن، أينما وجدها أخذها، فلا يمنع الإنسانَ العداوةُ الشخصيّةُ، أو الدينيّةُ، أو غيرُها من قبول الحقّ، والإذعان له كيفما كان، وهذا هو المصيبة الطامة عند العوامّ([739])؛ فإنهم لا يتلقّون الحقّ إلا عن من يعتقدونه، ولو أتاهم غيره بالحق الواضح لا يَقْبلونه، بل يردّونه، فقول من يعتقدونه: «قال الشيخ الفلانيّ»، أحبّ إليهم من قول من لا يعتقدونه: «قال اللَّه تعالى»، و«قال رسول اللَّه – صلى اللَّه عليه وسلم –»، وهذه هي الداهية العُظمى، حَلَّتْ بضعفاء الإيمان؛ فإن النبيّ – صلى اللَّه عليه وسلم – لَمّا أتاه هذا اليهوديّ، وقال له ما تقدّم؛ قَبِلَ منه ذلك؛ لأنه حقّ، ونبّه أمته، وأرشدهم إلى ما هو الصواب، ولم يَقُلْ: إنه يهوديّ، لا يؤمِنُ به، فيُردّ قولُه، كلا، وحاشا، اللَّهمّ أَرِنَا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتباعه، وأَرِنَا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه. آمين». اهـ([740])

– وقال معالي الشيخ صالح آل الشيخ -حفظه الله-: «فيه من الفوائد ما ذكره الشيخ في مسائل الباب،… إلى أن قال -حفظه الله-:

فهؤلاء اليهود هم أهل الشرك يقولون: عزير ابن الله، ويُشْرِكون بالله لكنهم مع كونهم مشركين؛ نقموا على أهل الإسلام أنهم يُشْركون، وهذا لأجل الطعن فيهم، فالهوى وطَلَبُ تَنَقُّص أهل الإسلام والنقدُ عليهم ومخاطبتُهُم بما يسوؤهم؛ كل هذا كان قَصْدًا لهم؛ ولهذا فَهِمُوا من أين يَدْخلون، فأهل الإسلام -أهل التوحيد- قالوا لهم: إنكم تشركون، وهم أهل الشرك، فردُّوا عليهم بما قالوا، مما يُستفاد منه أن صاحب الهوى قد يفهم الصواب، فإذا فَهِمَ الصواب؛ فإن الواجب أن يُقْبَل منه؛ لأن المسلم يجب عليه أن يقبل الحق ممن جاء به، ولو كان يهوديا أو نصرانيا، فهذا اليهودي والنصراني تَوَجَّهَا إلى المؤمنين بالقدح فيهم بالشرك، ولم يمنع النبيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من قبول الحق الذي قالوه مع أنهم يهودُ، بل قَبِلَ ما جاء به ذلك اليهودي، فأوصاهم أن يتركوا ذلك التنديد؛ لأن الحق هو ضالة المؤمن، أين وجده أخذه، فلا يمنعه من قبول الحق أن قاله مشرك، أو قاله كافر، أو قاله فاسق، أو قاله مبتدع، أو قاله ضال، إذا كان الكلام في نفسه حقًّا؛ لأنه كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «الحكمة ضالة المؤمن، أينما وجدها أخذها»». اهـ([741])([742])

(2) وَعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- أَنَّ يَهُودِيَّةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا، فَذَكَرَتْ عَذَابَ الْقَبْرِ، فَقَالَتْ لَهَا: أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ – عَنْ عَذَابِ الْقَبْرِ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ، عَذَابُ الْقَبْرِ حَقٌّ»، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ – بَعْدُ صَلَّى صَلَاةً إِلَّا تَعَوَّذَ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ».([743])

وفي لفظ عند مسلم: أَنَّ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- وَعِنْدِي امْرَأَةٌ مِنَ الْيَهُودِ، وَهِيَ تَقُولُ: هَلْ شَعَرْتِ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ؟ قَالَتْ: فَارْتَاعَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- وَقَالَ: «إِنَّمَا تُفْتَنُ يَهُودُ» قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَبِثْنَا لَيَالِيَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-: «هَلْ شَعَرْتِ أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيَّ: أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ؟» قَالَتْ عَائِشَةُ: «فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- بَعْدُ يَسْتَعِيذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ».

ولم يَقُلْ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: اليهود أعداءٌ لنا، ما يريدون لنا الخير، فلا نبالي بكلامهم؛ لأنهم -فقط- يبحثون عن الزلات، ويكْتُمون الحسنات!! بل أَمَرَ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أصحابه -رضي الله عنهم- بإصلاح كلماتهم، وأما نيّة اليهودي السيئة؛ فَعَلى نفسه، وأما الحق من كلامه؛ فيُقْبَل لكونه حقًّا.

وفي «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح»: «قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: رَوَى الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- سَمِعَ الْيَهُودِيَّةَ قَالَتْ ذَلِكَ، فَارْتَاعَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ثُمَّ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِفِتْنَةِ الْقَبْرِ، وَوَجَدْتُ فِي حَدِيثٍ آخَرَ، أَنَّ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: «لَا أَدْرِي أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَتَعَوَّذُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَلَمْ أَشْعُرْ بِهِ، أَوْ تَعَوَّذَ بِقَوْلِ الْيَهُودِيَّةِ»؟

قَالَ الطِّيبِيُّ : فَعَلَى هَذَا فِيهِ تَوَاضُعٌ مِنْهُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-، وَإِرْشَادٌ لِلْخَلْقِ إِلَى قَبُولِ الْحَقِّ مِنْ أَيِّ شَخْصٍ كَانَ؛ فَإِنَّ الْحِكْمَةَ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ، وَفِيهِ: أَنَّهُ يَبْعُدُ أَنَّهُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- يَعْتَمِدُ فِي الْمَسْأَلَةِ الِاعْتِقَادِيَّةِ عَلَى قَوْلِ الْيَهُودِيَّةِ، بَلْ إِنَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى الْوَحْيِ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ». اهـ([744])

(3) «وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِيهِ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: رَدِفْتُ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ – يَوْمًا، فَقَالَ: «هَلْ مَعَكَ مِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ شَيْءٌ؟» قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «هِيهِ» فَأَنْشَدْتُهُ بَيْتًا، فَقَالَ: «هِيهِ» ثُمَّ أَنْشَدْتُهُ بَيْتًا، فَقَالَ: «هِيهِ» حَتَّى أَنْشَدْتُهُ مِائَةَ بَيْتٍ».([745])

وفي «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح»: «وَالْغَرَضُ أَنَّهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ – اسْتَحْسَنَ شِعْرَ أُمَيَّةَ، وَاسْتَزَادَ مِنْ إِنْشَادِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِقْرَارِ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْبَعْثِ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَنْ قَالَ مِنْ أَرْبَابِ الْحَالِ: انْظُرْ إِلَى مَا قَالَ، وَلَا تَنْظُرْ إِلَى مَنْ قَالَ، وَيُوَافِقُ حَدِيثَ: «الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ»». اهـ([746])

(4) وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ، فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ، وَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- قَالَ: إِنِّي مُحْتَاجٌ، وَعَلَيَّ عِيَالٌ، وَلِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ، قَالَ: فَخَلَّيْتُ عَنْهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ البَارِحَةَ»؟ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً، وَعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ؛ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ، وَسَيَعُودُ»، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-: «إِنَّهُ سَيَعُودُ»، فَرَصَدْتُهُ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ
-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-، قَالَ: دَعْنِي؛ فَإِنِّي مُحْتَاجٌ، وَعَلَيَّ عِيَالٌ، لاَ أَعُودُ، فَرَحِمْتُهُ؛ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ»؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً، وَعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ؛ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ، وَسَيَعُودُ»، فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ؛ فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَهَذَا آخِرُ ثَلاَثِ مَرَّاتٍ، أَنَّكَ تَزْعُمُ لاَ تَعُودُ، ثُمَّ تَعُودُ، قَالَ: دَعْنِي أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهَا، قُلْتُ: مَا هُوَ؟ قَالَ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ؛ فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ: [ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ] {البقرة:255}، حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ؛ فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلاَ يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ؛ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-: «مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ البَارِحَةَ»؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ، يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهَا، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: «مَا هِيَ»؟ قُلْتُ: قَالَ لِي: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ؛ فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ: [ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ] {البقرة:255}، وَقَالَ لِي: لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلاَ يَقْرَبَكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ – وَكَانُوا أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الخَيْرِ – فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-: «أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ، وَهُوَ كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلاَثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ»، قَالَ: لاَ، قَالَ: «ذَاكَ شَيْطَانٌ».([747])

فالحق أولى بالقبول والتعظيم دون النظر إلى قائله، طالما أنه حق في الحال والمآل، والنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لما أخبره أبو هريرة -رضي الله عنه- بما قاله الشيطان له في فضل قراءة آية الكرسي، قال له: «صَدَقَكَ، وهو كذوب»، ومهما اختلفت مع مسلم؛ فليس حالَهُ أفْسَدَ وأشرَّ من حال الشيطان -أعاذنا الله وإياكم من شياطين الإنس والجن- ومع ذلك لم يَرُدَّ الرسولُ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كلمةَ الحقِّ منه؛ لكونها صَدَرَتْ من عَدُوٍّ لله ومن هو حَرْبٌ على أوليائه.

قال الحافظ ابن حجر : «وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم: أن الشيطان قد يَعْلَم ما ينتفع به المؤمن، وأن الحكمة قد يتلقاها الفاجر فلا ينتفع بها، وتُؤْخَذُ عنه فَيُنْتَفَعُ بها، وأن الشخص قد يَعْلَمُ الشيء، ولا يَعْمَلُ به، وأن الكافر قد يُصَدِّق ببعض ما يُصَدِّق به المؤمن، ولا يكون بذلك مؤمنا، وبأن الكذاب قد يَصْدُق، وبأن الشيطان من شأنه أن يَكْذِب، وأنه قد يَتَصَوَّر ببعض الصور، فَتُمْكِن رؤيته». اهـ([748])

قال ابن هبيرة في شرحه لهذا الحديث:

«وفيه أيضًا دليلٌ على أنه إذا قال الرجلُ المُبْطِلُ كلمةَ الحقِّ؛ فإنها تُقْبَلُ منه، ولا تُرَدُّ من أَجْل أنه قالها». اهـ([749])

– وفي «شرح المشكاة» للطيبي : «في الحديث دليل على جواز تَعَلُّم العلم ممن لم يَعْمَلْ بما يقول، بشَرْط أن يَعْلَمَ المتعلم كونَ ما يتعلمه حَسَنًا في الشرع، وأما إذا لم يَعْلَم حُسْنَه وقُبْحَه؛ فلا يجوز أن يَتَعَلَّم إلا ممن هو صاحب ديانة». اهـ([750])

(5) عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ أَبَا إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيَّ -عَائِذَ اللَّهِ- أَخْبَرَهُ أَنَّ يَزِيدَ ابْنَ عُمَيْرَةَ – وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ – أَخْبَرَهُ، قَالَ: كَانَ لَا يَجْلِسُ مَجْلِسًا لِلذِّكْرِ حِينَ يَجْلِسُ إِلَّا قَالَ: «اللَّهُ حَكَمٌ قِسْطٌ، هَلَكَ الْمُرْتَابُونَ»، فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يَوْمًا: «إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ فِتَنًا يَكْثُرُ فِيهَا الْمَالُ، وَيُفْتَحُ فِيهَا الْقُرْآنُ، حَتَّى يَأْخُذَهُ الْمُؤْمِنُ وَالْمُنَافِقُ، وَالرَّجُلُ، وَالْمَرْأَةُ، وَالصَّغِيرُ، وَالْكَبِيرُ، وَالْعَبْدُ، وَالْحُرُّ، فَيُوشِكُ قَائِلٌ أَنْ يَقُولَ: مَا لِلنَّاسِ لَا يَتَّبِعُونِي وَقَدْ قَرَأْتُ الْقُرْآنَ؟ مَا هُمْ بِمُتَّبِعِيَّ حَتَّى أَبْتَدِعَ لَهُمْ غَيْرَهُ؛ فَإِيَّاكُمْ وَمَا ابْتُدِعَ؛ فَإِنَّ مَا ابْتُدِعَ ضَلَالَةٌ، وَأُحَذِّرُكُمْ زَيْغَةَ الْحَكِيمِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الضَّلَالَةِ عَلَى لِسَانِ الْحَكِيمِ، وَقَدْ يَقُولُ الْمُنَافِقُ كَلِمَةَ الْحَقِّ»، قَالَ: قُلْتُ لِمُعَاذٍ: مَا يُدْرِينِي -رَحِمَكَ اللَّهُ- أَنَّ الْحَكِيمَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الضَّلَالَةِ، وَأَنَّ الْمُنَافِقَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الْحَقِّ؟ قَالَ: «بَلَى، اجْتَنِبْ مِنْ كَلَامِ الْحَكِيمِ الْمُشْتَهِرَاتِ الَّتِي يُقَالُ لَهَا: مَا هَذِهِ، وَلَا يَثْنِيَنَّكَ ذَلِكَ عَنْهُ؛ فَإِنَّهُ لَعَلَّهُ أَنْ يُرَاجِعَ، وَتَلَقَّ الْحَقَّ إِذَا سَمِعْتَهُ؛ فَإِنَّ عَلَى الْحَقِّ نُورًا»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: «وَلَا يُنْئِيَنَّكَ ذَلِكَ عَنْهُ»، مَكَانَ «يُثْنِيَنَّكَ»، وَقَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، فِي هَذَا: «الْمُشَبِّهَاتِ»، مَكَانَ «الْمُشْتَهِرَاتِ»، وَقَالَ: «لَا يُثْنِيَنَّكَ» كَمَا قَالَ عُقَيْلٌ، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: بَلَى، مَا تَشَابَهَ عَلَيْكَ مِنْ قَوْلِ الْحَكِيمِ حَتَّى تَقُولَ: مَا أَرَادَ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ.([751])

– وقال ابن رسلان : «(وقد يقول المنافق) أو الكافر (كلمة الحق) والصواب: بأن يجريها اللَّه على لسانه، وإن لم يكن من أهلها، ولعل هذا هو السر في قوله تعالى: [ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ] {البقرة:269}، ولم يَقُلْ: من يتقي اللَّه تعالى، بل يدخل في السنة المؤمن والمنافق، كما رُوِيَ عن علي -رضي اللَّه عنه- أنه قال لرجل خرج من الحمام: «طَهُرْتَ؛ فلا نَجِسْتَ» فلم يجبه، وهناك مجوسي، فقال: هلا أَجَبْتَ أميرَ المؤمنين؟! قال: بأي شيء أُجيبه؟ قال: قُلْ له: «سَعِدْتَ فلا شَقِيتَ» فقال علي: الحكمة ضالة المؤمن؛ خُذُوها ولو من أفواه المشركين»([752])». اهـ([753])

(6) وأخبار أهل الكتاب من بني إسرائيل يجوز حكايتها عند عدد من نُقّاد أئمة الحديث، إذا لم تكن باطلة، فإن وافقت ما جاء في السنة؛ فَنُصَدِّقها، وإن خالفتْ ما في ديننا؛ رَدَدْناها، وإن لم يكن هذا ولا ذاك؛ فتُرْوَى، ولا نُصَدِّقها ولا نُكَذِّبها؛ فكيف بكلام المبتدع وهو حق في نفسه؟!

وقد ذكر الغزالي في «إحياء علوم الدين»([754]) ما خلاصته: لو أن بوَّابًا على باب مَلِكٍ، وعند البواب زعارة في خُلُقِهِ، ويتكلم بكلام فظٍّ غليظٍ على الواقفين بباب الملك للدخول عليه، فإذا كان ثوبُ أحدهم قد علِقَتْ به نجاسةٌ، ورفع البوّاب صوته مُنْكِرًا على هذا الرجل أمام الجميع، مُسْتَخْدِمًا لعبارات قاسية عليه أمام الناس، فإذا قال الرجل: دَعْك من قول هذا البوّاب الفظّ الغليظ، ودخل على الملِكِ بحالته القذرة، ورائحته النتنة؛ فلربّما تعرَّض لِسَخَطِ الملك وأَذِيّتِهِ، وإذا أَخَذَ بالحق في كلام البوّاب -ولم ينظر إلى زعارة خُلقه- وغَسَل ثَوْبَهُ مما عَلَقَ به، وتَرَكَ نيَّةَ البواب وأسلوبه؛ فلعلّه يظفر برضى الملك، وقضاء حاجته منه، فالعاقل من يقبل الحق -وإن كان مع سوء التعبير به- دون النظر إلى قائله، ولا لأسلوبه، والله أعلم.

(7) لا خلاف بين الفقهاء -رحمهم الله تعالى فيما أعلم-: أنه لا يجوز إتلافُ ما وُجِدَ من كُتبهم -أي كتب الكفار من أهل الكتاب- مما يحل للمسلمين الاستفادة منه، ككتب الطب، والحساب، والشعر، والأدب، ونحو ذلك مما لا مكروه فيه، وهي غنيمة.([755])

وينبغي للإمام أن يدعو إلى من يترجمها.([756])

لأن الحكمة ضالة المؤمن، أين ما وجدها؛ فهي له، بل هو أَحَقُّ بها.([757])

(8) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : «فَإِنَّ كَثْرَةَ الشَّهَادَاتِ وَالْأَخْبَارِ قَدْ تُوجِبُ الْعِلْمَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كُلٌّ مِنَ الْمُخْبِرِينَ ثِقَةً حَافِظًا؛ حَتَّى يَحْصُلَ الْعِلْمُ بِمُخْبِرِ الْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَإِنْ كَانَ الْمُخْبِرُونَ مِنْ أَهْلِ الْفُسُوقِ إِذَا لَمْ يَحْصُلُ بَيْنَهُمْ تَشَاعُرٌ، وَتَوَاطُؤٌ، وَالْقَوْلُ الْحَقُّ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ يُقْبَلُ مِنْ كُلِّ مَنْ قَالَهُ، وَإِنْ لَمْ يُقْبَلْ بِمُجَرَّدِ إِخْبَارِ الْمُخْبِرِ بِهِ». اهـ([758])

رابعًا: اشتهرت عبارة: (الحكمة ضالة المؤمن).

وقد رُوِيَ في ذلك حديثٌ مرفوعًا وموقوفًا: «الحكمة ضالة المؤمن، فحيث وجدها؛ فهو أَحَقُّ بها».

وهذا حديثٌ ضعيف جدًّا، رُوِى من حديث أبي هريرة، وأنس، وعلى، وبريدة-رضى الله عنهم-، ومن مرسل زيد بن أسلم.([759])

وهناك عدد من الآثار عن الصحابة والتابعين في معنى هذا الأثر:

1 – أثر زيد بن أسلم: من طريق عبد الله بن وهب عن هشام بن سعد عنه قال: «نِعْمَ الهديةُ: الكلمةُ من كلام الحكمة يُهديها لأخيه، والحكمة ضالة المؤمن، إذا وجدها أخذها».([760])

2 – أثر سعيد بن أبي بردة – وهو ابن أبي موسى الأشعري رضى الله عنه- من طريق وكيع عن المسعودي عنه قال: «كان يقال: الحكمة ضالة المؤمن، يأخذها حيث وجدها».([761])

3 – أثر عبد الله بن عبيد بن عمير: من طرق عن عبد العزيز ابن أبي رواد عنه قال: «العِلْمُ ضالةُ المؤمن، كلما أصاب شيئًا حواه، وابتغى ضالة أخرى».([762])

4 – وروى البيهقي قال: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ، أبنا أَبُو عَمْرِو بْنُ السَّمَّاكِ، ثنا حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ، ثنا أَبُو نُعَيْمٍ، ثنا الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «خُذِ الْحِكْمَةَ مِمَّنْ سَمِعْتَ؛ فَإِنَّ الرَّجُلَ يَتَكَلَّمُ بِالْحِكْمَةِ وَلَيْسَ بِحَكِيمٍ، فَتَكُونُ كَالرَّمِيةِ، خَرَجَتْ مِنْ غَيْرِ رَامٍ».([763])

5 – وقال ابن عبد البر :

وَرُوِّينَا عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ فِي كَلَامٍ لَهُ: «الْعِلْمُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ؛ فَخُذُوهُ وَلَوْ مِنْ أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ، وَلَا يَأْنَفْ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْخُذَ الْحِكْمَةَ مِمَّنْ سَمِعَهَا مِنْهُ».

وَعَنْهُ أيضًا أَنَّهُ قَالَ: «الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ، يَطْلُبُهَا وَلَوْ فِي أَيْدِيَ الشُّرَطِ».([764])

6 – وفي «جامع بيان العلم وفضله» قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ، نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ، نا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، نا الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ سُلَيْمٍ أَبُو سَلَمَةَ، أَنَّ كَعْبًا، كَانَ يَقُولُ: «وَاعْلَمُوا أَنَّ الْكَلِمَةَ مِنَ الْحِكْمَةِ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ؛ فَعَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ، وَرَفْعُهُ أَنْ تَذْهَبَ رُوَاتُهُ».([765])

7 – وفي «أمالي القالي» قال: وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن دريد، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حاتم، عَنْ أبى عبيدة، قَالَ: قَالَ معاوية: «الفرصةُ خِلْسَة، والحياء يمنع الرزق، والهيبة مقرونٌ بها الخيبة، والكلمة من الحكمة ضالّة المؤمن».([766])

8 – وروى العسكري عن مبارك بن فضالة قال خطب الحجاج فَقَالَ: «إن اللَّه أمرنا بطلب الآخرة، وكفانا مؤونة الدنيا، فليتنا كُفينا مؤونة الآخرة، فَقَالَ الْحَسَن: مُنْية مؤمن خَرَجَتْ من قلبِ منافقٍ».([767])

9 – وعن يوسف بن أسباط، قال: كنت مع سفيان الثوري، وخازمُ بن خزيمة يخطب، فقال: إن يوما أَسْكَر الكبار، وأشاب الصغار؛ ليوم عسيرٌ، شَرُّهُ مُسْتَطِير، فقال سفيان: حكمة من جَوْفٍ خَرْبٍ، ثم أخرج شريحة -يعني ألواحًا- فكتبها، ونحوه «فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى من سامع.»([768])

قال المناوي : «(ضالة المؤمن) أي مَطْلُوبُهُ، فلا يزال يطلبها كما يتطلب الرجل ضالته (فحيث وجدها؛ فهو أحق بها) أي بالعمل بها واتباعها، يعني أن كلمة الحكمة ربما نطق بها من ليس لها بأهل، ثم رجعت إلى أهلها، فهو أَحَقُّ بها، كما أن صاحب الضالة لا ينظر إلى خساسة من وجدها عنده.

خطب الحجاج فقال: «إن الله أَمَرَنَا بطلب الآخرة، وكفانا مؤونة الدنيا؛ فَلَيْتَهُ كفانا مؤونَة الآخرة، وأَمَرَنَا بطلب الدنيا»، فقال الحسن: «خُذُوها من فاسق، الحكمة ضالة المؤمن».

ووُجِدَ رَجُلٌ يَكْتُب عن مُخَنَّثٍ شيئا، فعُوتب؛ فقال: «الجوهرةُ النفيسةُ لا يشينها سخافةُ غائصها، ودناءةُ بائعها». اهـ([769])([770])

وجاء في «فتاوى اللجنة الدائمة»:

س: ما مقتضى قول الرسول – صلى الله عليه وسلم – في الحديث: «الحكمة ضالة المؤمن، أنَّى وَجَدَها؛ يأخُذُها»، وفي رواية: «أَنَّى وَجَدَها؛ أَخَذَ بها»، وأوجه العمل بها واستخداماتها؟

ج: أولًا: هذا الحديث رُوِي بألفاظ متقاربة؛… منها: ما خرجه الترمذي في «جامعه» من طريق إبراهيم، والحديث ضعيف جدا، لا تصح نسبته للرسول – صلى الله عليه وسلم-.

ثانيًا: وأما معنى الحديث: فَتَشْهَدُ له عموماتُ النصوص، وهو أن الكلمة المفيدة التي لا تنافي نصوص الشريعة، ربما تَفَوَّه بها من ليس لها بأهل، ثم وَقَعَتْ إلى أهلها؛ فلا ينبغي للمؤمن أن ينصرف عنها، بل الأَوْلَى الاستفادةُ منها، والعملُ بها من غير التفات إلى قائلها.

وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

عضو عضو عضو

بكر أبو زيد صالح الفوزان عبد الله بن غديان

الرئيس

عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ([771])

خامسًا: لشيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الباب كلامٌ كثيرٌ جدًا:

فمن ذلك:

ما ذكره في «الحموية»([772])، فقد قال : «ولِيَعْلَمَ السائلُ أن الغرضَ من هذا الجواب: ذِكْرُ ألفاظِ بعضِ أئمة العلماء، الذين نقلوا مذهب السلف في هذا الباب، وليس كل من ذكرنا شيئا من قوله من المتكلمين، وغيرهم، نقول بجميع ما يقوله في هذا وغيره، ولكن الحق يُقْبل مِنْ كُلِّ مَنْ تَكَلَّم به….» ثم استشهد بكلام لمعاذ -رضي الله عنه- يدل على ذلك.

فتأمل هذا القولَ الفَصْلَ الجَزْلَ في هذا الباب، لكن كثيرا من الصدور في هذا الزمان تضيق بهذا ذَرْعًا، وتَعُدُّه جهلًا بمنهج السلف، وتمييعًا، وتضييعًا، وربما نسبوا مَن فعله -بقيوده الدقيقة- إلى البدعة والمروق من السنة، وتمييع الدعوة، وتلميع أهل البدع، فإلى الله المشتكى من أمة يغمز آخرُها أولَهُا، ويطعن جهلاؤها في علمائها، والله المستعان.

وذَكَرَ أن بعض الطوائف المبتدعة، لم يَنْبُلْ ذِكْره عند مَنْ نَبُلَ عنده من الأمة، إلا بما معه من الإثبات والسنة والحديث، فقال : «فالمعتزلة أولًا -وهم فرسان الكلام- إنما يُحْمَدون ويُعظَّمون عند أتباعهم، وعند من يُغْضِى عن مساويهم؛ لأجل محاسنهم عند المسلمين، بما وافقوا فيه مذهب أهل الإثبات والسنة والحديث، وردِّهِمْ على الرافضة بعض ما خرجوا فيه عن السنة والحديث…»، وذَكَرَ شيئًا من ذلك، ثم قال: «وكذلك الشيعة المتقدِّمون، كانوا يُرجَّحون على المعتزلة، بما خالفوهم فيه من إثبات الصفات، والقدر، والشفاعة، ونحو ذلك، وكذلك كانوا يُستحمدون بما خالفوا فيه الخوارج، من تكفير علي وعثمان وغيرهما، وما كفَّروا به المسلمين من الذنوب، ويُسْتَحْمَدُون بما خالفوا فيه المرجئة من إدخال الواجبات في الإيمان…وإن لم يهتدوا إلى السنة المحضة» وقال : «وكذلك متكلمة أهل الإثبات: مثل الكُلَّابية والكَرَّامية والأشعرية، إنما قُبِلُوا واتُّبِعوا، واستُحْمِدوا إلى عموم الأمة؛ بما أثبتوه من أصول الإيمان، من إثبات الصانع وصفاته، وإثبات النبوة، والرد على الكفار من المشركين وأهل الكتاب، وبيان تناقض حججهم، وكذلك استُحْمِدوا بما ردوه على الجهمية والمعتزلة والرافضة والقدرية من أنواع المقالات، التي يخالفون فيها أهل السنة والجماعة، فحسناتهم نوعان: إما موافقة أهل السنة والحديث، وإما الردُّ على من خالف السنة والحديث، ببيان تناقض حججهم…».

ثم ذَكَرَ ما استُحْمِد من أجله المذهبُ الأشعري، وتكلَّم عن الأشعري فقال: «لكنْ كان له من موافقة مذهب السنة والحديث في الصفات والقدر والإمامة والفضائل والشفاعة والحوض والصراط والميزان، وله من الردود على المعتزلة والقدرية والرافضة والجهمية، وبيان تناقضهم؛ ما أوجب أن يمتاز بذلك عن أولئك، ويُعْرَفَ له حقُّه وقَدْرُه [ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ] {الطلاق:3}، وبما وافق فيه السنة والحديث؛ صار له من القبول والأتباع ما صار، لكن الموافقة التي فيها قَهْرُ المخالف، وإظهار فساد قوله؛ هي من جنس المجاهد المنتصر…» الخ. ما قاله فارجع إليه لنفاسته، ومسيس الحاجة إليه.

فتأمل كيف ذكر شيخ الإسلام أن بعضَ أهل البدع لما ذَبُّوا عن الدين في بعض الجوانب؛ مُدِحوا واستُحْمِدوا عند عموم الأمة لذلك، ونَبُلَ قَدْرُهم من هذه الناحية، وإن كانوا قد عِيبَ عليهم ما خالفوا فيه السنة، لكن الدعوة هذه الأيام ابتُلِيَتْ بأقوام ضاقت صدورهم، وضلَّتْ فهومُهم، وأصبح الأمر عندهم متلازمًا: فإن قَبِلْت حقًّا من مخالف؛ فقد رضيتَ -ولا بدَّ- عنه مُطلقًا، ولبَّسْت على الناس، وأوهمتهم أنه ممدوح مطلقًا!! مع أنه لا تلازم بين الأمرين، والله المستعان!!

فقد قال : «واللهُ قد أمرنا ألا نقول عليه إلا الحق، وألا نقول عليه إلا بعلم، وأمرنا بالعدل والقسط، فلا يجوز لنا إذا قال يهودي أو نصراني – فضلًا عن رافضي – قولًا فيه حق؛ أن نتركه، أو نرده كله، بل لا نرد إلا ما فيه من الباطل، دون ما فيه من الحق…»، إلى أن قال : «ويرون – أي: أهل الكلام – أنه يجوز مقابلة الفاسد بالفاسد، لكنَّ أئمة السنة والسلف على خلاف هذا، وهم يذمون أهل الكلام المبتدع، الذين يردون باطلًا بباطل، وبدعة ببدعة، ويأمرون ألا يقول الإنسان إلا الحق، لا يَخْرُجُ عن السنة في حال من الأحوال، وهذا هو الصواب الذي أمر الله تعالى به ورسوله؛ ولهذا لم نَرُدَّ ما تقوله المعتزلة والرافضة من حق، بل قَبِلْنَاه، لكنْ بيّنّا أن ما عابوا به مخالفيهم من الأقوال؛ ففي أقوالهم من العيب ما هو أشد من ذلك…»، إلى آخر ما قاله ([773]).

فتأمل أخي القارئ، نقْل هذا الإمام الهُمامِ عن أئمة السنة والسلف قبولَهُم الحقَّ من أي رجلٍ كان، فهل تجد بعد ذلك ارتيابًا في أن منهج أئمة السلف في هذا الأمر على خلاف ما عليه كثير ممن ينتمون إلى السلفية اليوم زورا وبهتانا -في هذا الجانب-، وهم بين إفراط وتفريط، فإن أحبُّوا رجلًا؛ أخَذُوا قولَه كلَّهُ-بل تعصَّبوا له، وعادَوْا مخالفيه- وضيّعوا في سبيل ذلك حقوقَ الآخرين المخالفين لهم من أهل الهدى والسداد، وإذا كرَهِوُا رجلًا – يكونون ظالمين له – في أغلب أحوالهم- في كراهيتهم إياه- ردُّوا كلَّ ما يقولُ، وغَاصُوا في نِيَّتِهِ وضَميرِهِ وقَصْدِهِ، وقالوا: لا تُصَدِّقوه- وإن قال هذا القول- فما يريد من وراء ذلك إلا إفسادَ الدين، والتمويهَ، والتضليلَ… إلى غير ذلك من التقوّل على عباد الله بغير علْم ولا هُدًى ولا كتاب منير!!

وإذا كانوا كذلك؛ فلا تَغْتَرَّ بقولهم: نحن نَتَّبِعُ الدليلَ، ولا نَتَعَصَّبُ للرجال، وكُلٌّ يُؤْخَذُ من قوله ويُرَدُّ إلا رسولُ الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فو الله لقد رأينا من حال كثير منهم كبارا وصغارا حزْبيّة وعصبيّةً أشَدَّ مما ينكرونه على المخالفين من حزبيات، وأما نحن فَنَرُدُّ التعصبَ والتحزبَ المخالِفَيْن للحق من هؤلاء وأولئك، ونقبل ما عندهم جميعا من الحق، ونسأل الله البصيرة والثبات على الحق حتى الممات.

وقال شيخ الإسلام أيضًا([774]): «ونحن إنما نرد من أقوال هذا وغيره ما كان باطلًا، وأما الحق؛ فعلينا أن نَقْبَلَه من كل قائلٍ…..». اهـ.

وذكر ([775]) بعضَ شطحاتِ الصوفيةِ، والمرادُ بالصوفية في هذا المقام: الذين اشتغلوا برياضةِ نفوسِهِم وتهذيبِهَا، ولم يَسْلُكوا في ذلك الْمَسْلَكَ الصافي، الذي كان عليه الصحابةُ وأئمةُ السلف، بل بعضُهم وَصَلَ به الأمر إلى أنْ قال بمقالة الاتحادية، وإن جهل كثير منهم لازم قوله!!! فَضَلّوا في ذلك، وهم يَحْسَبُون أنهم يُحْسِنُون صُنْعًا، وليس الكلام هنا على الصوفية القبورية الوثنية، وإن كان كثير من ذلك يصدر منهم عن جَهْل أو تأويل فاسد، فذكر أن الناس فيهم ثلاثة أصناف: صِنْفٌ ردُّوا كل ما عندهم مِنْ حَقٍّ وباطلٍ، وصِنْفٌ قَبِلُوا كُلَّ ما عندهم، والصِّنْفُ الثالثُ فَصَّلوا في أَمْرِهِم، ثم قال : «والصواب: إنما هو الإقرارُ بما فيها -أي في طريقتهم وأقوالهم- وفي غيرها من موافقة الكتاب والسنة، والإنكارُ لما فيها وفي غيرها من مخالفة الكتاب والسنة…..» اهـ([776])..

وأيضًا فإن شيخ الإسلام -رحمة الله عليه- يُشيد بجهود العلماء – ومنهم علماء الأشاعرة والمعتزلة – في فضحهم للباطنية وكشف أسرارهم، فيقول : «وقد صنف العلماء كتبًا في كَشْف أَسْراِرهم، وهَتْكِ أسْتارِهم -يعني الباطنية- مثل كتاب القاضي أبي بكر الباقلاني، والقاضي عبد الجبار الهمداني، وكتاب الغزالي، ونحوهم». ا.هـ([777])

ويقول عن ابن سينا وكونه من الإسماعيلية الباطنية: «وَقَدْ صَنَّفَ الْمُسْلِمُونَ فِي كَشْفِ أَسْرَارِهِمْ، وَهَتْكِ أَسْتَارِهِمْ كُتُبًا كِبَارًا وَصِغَارًا، وَجَاهَدُوهُمْ بِاللِّسَانِ وَالْيَدِ؛ إذْ كَانُوا بِذَلِكَ أَحَقَّ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا كِتَابُ «كَشْفِ الْأَسْرَارِ وَهَتْكِ الْأَسْتَارِ» لِلْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الطَّيِّبِ، وَكِتَابُ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ أَحْمَدَ، وَكِتَابُ أَبِي حَامِدٍ الْغَزَالِيِّ، وَكَلَامُ أَبِي إسْحَاقَ، وَكَلَامُ ابْنِ فورك، وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى والشَّهْرَستَانِي. وَغَيْرُ هَذَا مِمَّا يَطُولُ وَصْفُهُ». اهـ([778])

ومعلوم أن هؤلاء الذين سمّاهم شيخ الإسلام، ووصفهم -هنا- بقوله: «العلماء» حولهم كلام كثير من جهة العقيدة في عدة جوانب، وها هو يستشهد بهم، مادحًا لهم، دون بيان شيء من حالهم المخالِف في هذا الموضع؛ فليس في كل موضع يذكرهم يليق ذكر ما يؤخذ عليهم، ولو بالإشارة، وإن كان قد كشف الكثير عن أحوالهم وأمثالهم في غير هذا الموضع.

قلت: ومن ذلك ذِكْرُ شيخ الإسلام ابن تيمية لإيجابيات الأشاعرة وردودهم على الباطنية والملاحدة وغيرهم، ولاشك أن علماء الأشاعرة لهم دَوْرٌ عظيم في ذلك.

فالباطنية لما استفحل أمرهم؛ كان لهم علماء أهل السنة بالمرصاد، ومن أبرز العلماء المنتسبين للسنة -في الجملة- الذين فضحوهم: علماء الأشاعرة، ولذلك يقول شيخ الإسلام :

«وَكَانَتْ الرَّافِضَةُ وَالْقَرَامِطَةُ – عُلَمَاؤُهَا وَأُمَرَاؤُهَا – قَدْ اسْتَظْهَرَتْ فِي أَوَائِلِ الدَّوْلَةِ السَّلْجُوقِيَّةِ، حَتَّى غَلَبَتْ عَلَى الشَّامِ وَالْعِرَاقِ، وَأَخْرَجَتْ الْخَلِيفَةَ الْقَائِمَ بِبَغْدَادَ إلَى تكريت، وَحَبَسُوهُ بِهَا فِي فِتْنَةِ البساسيري الْمَشْهُورَةِ، فَجَاءَتْ بَعْدَ ذَلِكَ السَّلْجُوقِيَّةُ حَتَّى هَزَمُوهُمْ، وَفَتَحُوا الشَّامَ وَالْعِرَاقَ، وَقَهَرُوهُمْ بِخُرَاسَانَ، وَحَجَرُوهُمْ بِمِصْرِ، وَكَانَ فِي وَقْتِهِمْ مِنْ الْوُزَرَاءِ مِثْلُ: «نِظَامِ الْمَلِكِ» وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مِثْلُ: «أَبِي الْمَعَالِي الجُوَيْنِي» فَصَارُوا بِمَا يُقِيمُونَهُ مِنْ السُّنَّةِ، وَيَرُدُّونَهُ مِنْ بِدْعَةِ هَؤُلَاءِ وَنَحْوِهِمْ؛ لَهُمْ مِنْ الْمَكَانَةِ عِنْدَ الْأُمَّةِ بِحَسَبِ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ الَّذِينَ وَافَقُوهُ: «كَأَبِي الْوَلِيدِ الباجي» وَالْقَاضِي «أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ» وَنَحْوِهِمَا لَا يُعَظَّمُونَ إلَّا بِمُوَافَقَةِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ، وَأَمَّا الْأَكَابِرُ: مِثْلُ «ابْنِ حَبِيبٍ» و «ابْنِ سحنون» وَنَحْوِهِمَا؛ فَلَوْنٌ آخَرُ. وَكَذَلِكَ أَبُو مُحَمَّدٍ بْنُ حَزْمٍ فِيمَا صَنَّفَهُ مِنْ الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ، إنَّمَا يُسْتَحْمَدُ بِمُوَافَقَةِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ مِثْلَ مَا ذَكَرَهُ فِي مَسَائِلِ «الْقَدَرِ» و «الْإِرْجَاءِ» وَنَحْوِ ذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا انْفَرَدَ بِهِ مِنْ قَوْلِهِ فِي التَّفْضِيلِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ. وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ فِي «بَابِ الصِّفَاتِ» فَإِنَّهُ يُسْتَحْمَدُ فِيهِ بِمُوَافَقَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ؛ لِكَوْنِهِ يَثْبُتُ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَيُعَظِّمُ السَّلَفَ وَأَئِمَّةَ الْحَدِيثِ، وَيَقُولُ إنَّهُ مُوَافِقٌ لِلْإِمَامِ أَحْمَد فِي مَسْأَلَةِ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهَا، وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ مُوَافِقٌ لَهُ وَلَهُمْ فِي بَعْضِ ذَلِكَ». اهـ([779])

والوزير نظام الملك الذي ذكره شيخ الإسلام يُعَدُّ مِنْ أبرز من نَصَرَ المذهب الأشعري من خلال المدارس النظامية التي أنشأها في أنحاء متفرقة من العراق وخراسان، وشيخ الإسلام يَذْكُر فَضْلَه فيما قام به من دعم دولة السلاجقة للسنة في مقابل البويهيين الشيعة، ولذلك مدح صلاح الدين الأيوبي – وقد كان يتبنى عقيدة الأشاعرة – فقال عن مصر: «ثم.. فتحها ملوك السنة مثل صلاح الدين، وظهرتْ فيها كلمة السنة، المخالفة للرافضة». اهـ([780])

وقد أشاد بدورهم وفَضْحهم لشتى أصناف الباطنية من القرامطة، والإسماعيلية والنصيرية.([781])

ويمتدح جهود العلماء – من الأشاعرة وغيرهم – في ردودهم على الفلاسفة.([782])

ويرى أن أقوال الأشاعرة وأدلتهم في حدوث العالم مبطلة لحجة الفلاسفة على قِدَمِ العالم.([783])

وكان شيخ الإسلام يستشهد بأقوال بعض أفاضل الأشاعرة وغيرهم؛ ليثبت لأتباعهم أن متقدميهم وأئمتهم كانوا يثبتون الصفات إجمالًا، خلافًا لما صار إليه متأخروهم.

وقد سبق صنيعه في «الحموية»، حيث قال شيخ الإسلام في «الحموية»([784]): «ولْيَعْلَم السائل: أن الغرض من هذا الجواب: ذِكْرُ ألفاظِ بعضِ أئمةِ العلماءِ، الذين نَقَلُوا مذهبَ السلفِ في هذا الباب، وليس كُلُّ مَنْ ذَكَرْنا شيئًا من قولِهِ من المتكلمين وغيرهم؛ نقول بجميع ما يقوله في هذا وغيره، ولكن الحَقَّ يُقْبَلُ مِنْ كل مَنْ تَكَلَّم به….» اهـ.

وفي «موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام» – «الدرر السنية»:

«في الرد على متأخري الأشاعرة بأقوال شيوخهم، وردود بعضهم على بعض، وأساسُ الرَّدِّ: التطورُ الذي حَدَثَ للمذهب الأشعري، وشيخُ الإسلام كثيرًا ما يشير إليه، ويبين أنهم طبقات – حسب القُرْب والبُعْد عن أهل السنة ومذهبهم الصحيح – فابن كُلَّاب أَقْرَب إلى السلف من الأشعري، والأشعري أَقْرَبُ من الباقلاني وطبقته، والباقلاني أَقْرَبُ من الجويني وطبقته، والجويني أقرب من الرازي وطبقته –.([785])

وقال الإمام ابن القيم : «ولله دَرُّ الشِّبْلي، حيث سئل عن المشاهدة؛ فقال: من أين لنا مشاهدة الحق؟ لنا شاهد الحق».

قال ابن القيم : «هذا، وهو صاحب الشطحات المعروفة، وهذا من أحسن كلامه وأَبْيَنِهِ». ا.هـ([786])

وقد وصف الإمام ابنُ القيم أهلَ الحق، بأنهم الذين يقبلون الحق من كل من جاء به من جميع الطوائف، ويردون باطلهم، بخلاف أهل الإفراط والتفريط.([787]).

فقد قال الإمام ابن القيم في «طريق الهجرتين»: «ولولا أن المقصود ذِكْرُ الطبقات؛ لذكَرْنا ما لهذه المذاهب وما عليها، وبيَّنَّا تناقُضَ أَهْلِهَا، وما وافقوا فيه الحق، وما خالفوه، بالعلم والعدل، لا بالجهل والظلم؛ فإن كُلَّ طائفة منها معها حَقٌّ وباطِلٌ؛ فالواجبُ موافَقَتُهُم فيما قالوه من الحق، ورَدُّ ما قالوه من الباطل، ومَنْ فَتَحَ اللهُ له بهذه الطريق؛ فقد فُتح له من العلم والدين كُلُّ بابٍ، ويُسِّرَ عليه فيهما الأسبابُ، والله المستعان» اهـ.([788])

وصَدَقَ الإمام ابن القيم فيما قال، فلقد رأينا البُؤْسَ والشقاءَ والتناقض في أحوال من لم يفتح الله له بهذه الطريق من الغلاة الطائشين
-وهي قبولُ الحق من كل أحد، وردُّ الباطل على كل أحد- فأَلْقَتْ بهم السُبُلُ إلى كل مَضِيٍق، وحُرِموا بسبب ذلك السعادة والتوفيقَ، الموجودَيْن في لزوم منهج أهل العلم والتحقيق -وهذا حال المتعصبين والمتحزبين لغير الحق حيثما كانوا-: فتراهم يحاربون اليوم فردًا أو طائفة، ويُشنِّعون عليهم، ويردّون كل أقوالهم، ثم ما يلْبثون أن يختلفوا فيما بينهم، ويَرْمِي بعضُهم بعضًا بأَقْذَع الكلمات، ويستدلون على بطلان ما عليه مخالفوهم من أصحابهم بما كانوا ينكرونه ويرفضونه من قبل من قول من خالفهم جميعًا، ولزِم طريق العدل -وإن شنَّعوا عليه- كل هذا بدون حياء أو خجل منهم، فضلًا عن اعتراف منهم بالخطأ!!

وهذا بسبب حرمانِهِم الفهمَ السديدَ، وعدمِ توطينِهِم أنْفُسَهم على قبول الحق من قائله، وترْك باطله؛ لأنهم -في نظرهم الفاسد- إما أن يَقْبَلُوا كُلَّ قوله، أو يردُّوه كلَّه، وهذا من الجهل والهوى، وما من شخصٍ أو جماعةٍ إلا وعندهم حَقٌّ وباطل، وليس بعد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في هذه الأمة رجل معصوم في كل ما يقول، وإذا كان الشيطان قد يَصْدُق في بعض ما يقول، كما مر بنا في سبب حديث: «صَدَقَك وهو كذوب»، فكيف بمن هو دونه؟!

قال الحافظ الذهبي في ترجمة أبان بن تغلب الكوفي: «شيعيٌّ جَلْدٌ، لكنه صدوق؛ فلنا صِدْقُه، وعليه بِدْعَتُه». اهـ.([789])

– وقال ابن الجوزي : «وإنما أَنْقُلُ عن القوم محاسن ما نُقِلَ مما يليق بهذا الكتاب، ولا أَنْقُل كل ما نُقِلَ؛ إذْ لكل شيء صناعةٌ، وصناعةُ العقل حُسْنُ الاختيار، وكما أني لا أذكر ما لا يصلح أن يُقْتدى به ممن هو في صورة العلماء والزهاد، وقد تجوزت بذكر جماعة من المتصوفة، وَرَدَتْ عنهم كلماتٌ منكرةٌ وكلماتٌ حسانٌ، فانتخبت من محاسن أقوالهم؛ لأن الحكمة ضالة المؤمن». اهـ([790])

– وقال ابن مفلح : «فَصْلٌ: قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي «الْفُنُونِ»: مِنْ أَكْبَرِ مَا يُفَوِّتُ الْفَوَائِدَ: تَرْكُ التَّلَمُّحِ لِلْمَعَانِي الصَّادِرَةِ عَمَّنْ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلْحِكْمَةِ، أَتَرَى يَمْنَعُنِي مِنْ أَخْذِ اللُّؤْلُؤَةِ وِجْدَانِي لَهَا فِي مَزْبَلَةٍ؟».([791])

– وقال ابن جماعة : «وليحذر من التقييد بالمشهورين، وتَرْك الأخذ عن الخاملين؛ فقد عَدَّ الغزاليُّ وغيرُهُ ذلك من الكِبْر على العلم، وجَعَلَه عَيْنَ الحماقة؛ لأن الحكمة ضالة المؤمن، يلتقطها حيث وجدها، ويغتنمها حيث ظَفَر بها، ويتقلد المنّة لمن ساقها إليه؛ فإنه يُهْرَبُ من مخافة الجهل، كما يُهْرَبُ من الأسد، والهاربُ من الأسد لا يأنف مِنْ دلالة مَنْ يَدُلُّهُ على الخلاص كائنًا من كان». اهـ([792])

– وهذا المنهج قد قرره أيضًا العلامةُ السِّعْدي في تفسير سورة المائدة الآية (8) فقد قال في قوله تعالى: [ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ] {المائدة:8} «أي: لا يَحْمِلَنَّكم بُغْضُ قومٍ على أن لا تَعْدِلُوا، كما يَفْعَلُه مَنْ لا عَدْلَ عنده ولا قِسْط، بل كما تَشْهَدون لِوَلِيِّكُم؛ فاشْهدوا عليه، وكما تَشْهدون على عَدُوِّكم؛ فاشْهَدوا له، ولو كان كافرًا أو مبتدعًا؛ فإنه يَجِبُ العدلُ فيه، وقبولُ ما يأتي به من الحق؛ لأنه حَقٌّ، لا لأنه قاله، ولا يُرَدُّ الحقُّ لأجلِ قولِهِ؛ فإن هذا ظُلْمٌ للحقِّ». ا ﻫ. من «تيسير الكريم الرحمن».([793])

– وقال الشيخ المعلمي : «أقول: ومعناه صحيح يَشْهَد له الكتاب والسنة، ومما يَشْهَد له من السنة: حديثُ أحمد وغيره في اليهوديّ الذي جاء إلى النبي -صلَّى الله عليه وآله وسلَّم- فقال: إنكم تُشْركون وتندِّدون، تقولون: ما شاء الله وشئتُ، وتقولون: والكعبة، فنهى النبي -صلَّى الله عليه وآله وسلَّم- أصحابه عن ذلك، وسيأتي هذا الحديث وما في معناه -إن شاء الله تعالى-.

وحديث الحكمة يُشير إلى أمور:

منها: أن الحق كثيرًا ما يوجد عند مَنْ ليس من أهله -فضلًا عمن أُسِيئَتْ سُمْعته- ولهذا قال: «فهو أحق بها» يريد: فهو أَحَقُّ بها ممن وجدها عنده، وذلك صريح في أنه وجدها عند من ليس من أهلها، بل قوله: «ضالة المؤمن»… إلخ، صريح في أنه قد توجد الحكمة عند كافر، ولهذا يكون المؤمن أحق بها ممن وجدها عنده؛ إذ لو وجدها عند مؤمن؛ لكان كلٌّ منهما حقيقًا بها، وإذا أمكن وجودها عند كافر؛ فإمكان وجودها عند مبتدعٍ أو فاسقٍ أَوْلَى.

ومنها: أنه قد لا يوجد الحق في بعض المسائل عند من اشْتَهَر بالحق؛ لأن من شأن الضالة أنها تقع في محلٍّ غير مناسب لها، فلا توجد إلا فيه، ولا توجد في المحلِّ المناسب لها، فمن اقتصر على طلبها في المواضع المناسبة لها؛ لم يظفر بها.

ومنها: أنه لا ينبغي للمؤمن أن يستنكف عن طلب الحق عند من اشْتَهَرَ بخلاف الحق، ولا عن قبوله منه، فإن من ضلّ خاتَمُهُ مثلًا، فوجده في كُنَاسَة، أو بيد مشرك، أو مبتدع، أو من يلابس القاذورات مثلًا؛ لم يمنعه ذلك من أَخْذِهِ، ولو امتنع؛ لعُدَّ أحمق.

ومنها: أنه ينبغي للمؤمن أن يتعرَّف الحق من حيث هو حق، ولا يلتفت إلى حال من قاله، حتى لو اختلف عليه وليٌّ وفاجر، أو إمام وجاهل؛ لم يحمله ذلك على تلقّي كلام الوليِّ أو العالم بالقبول بدون تحقُّق أنه الحق، كما أن من ضلّ خاتَمُهُ مثلًا، فَلَقِيَهُ وليٌّ وفاجر، أو إمام وجاهل، بيد كلٍّ منهما خاتم، يقول له: أرى أن هذا خاتمك لم يلتفت إلى جلالة الوليّ، أو الإِمام، ودناءة الفاجر أو الجاهل، بل يتأمَّل الخاتَمَيْن، فأيُّهما عَرَفَ أنه خاتَمُهُ؛ أَخَذَه، وإن كان هو الذي بيد الفاجر أو الجاهل.

ومنها: أن ترك الأخذ بقول وليٍّ أو إمام؛ لا يكون تحقيرًا له، ولا استخفافًا بحقه؛ فإن من عَرَفَ أن خاتمه هو الذي بيد الفاجر أو الجاهل؛ فأخذه، وترك الذي بيد الوليِّ أو الإِمام؛ لم يُعَدَّ مُهينًا لهذين، ولا مُسيئًا إليهما، كما أنه لا يُعَدُّ معظِّمًا مُبَجِّلًا لذلك الفاجر أو الجاهل، وإن كان عليه شُكْرُه.

ومن أمعن في تدبُّر الحديث؛ ظهر له أكثر مما ذكرنا. ومما يحسن ذِكْرُه هنا قوله تعالى: [ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ] {المائدة:2}.

وقال تعالى: [ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ] {المائدة:8}.

تقول العرب: جَرَمَه بُغْضِي أن يَظْلِمَني، أو على أن يَظْلِمَني، أي: جَعَلَه بُغْضي يَكْسِب ظُلْمي الذي هو جُرْمٌ، أي: ذنب.

ومن العدوان وتركُ العدل: أن تردَّ قول العالم بدون حجة، ولكن لأنك تسيء الظنّ به، أو لأن كثيرًا من الناس أو أكثرهم يخالفونه، ويدَّعون عليه أنه يخالف الحقَّ في بعض المسائل، وكما أن هذا عدوان على ذلك العالم؛ فهو عدوان على الحق أيضًا؛ لأن عليك أن تطلبه بالحجة والبرهان، فَتَرَكْتَ ذلك، وعدوانٌ على نفسك أيضًا؛ لأنك ظالم لها.

والحاصل: أن طالب الحق إذا اختلف عليه العلماء، كان عليه أن يُنَصِّبَ نفسَهُ مَنْصِبَ القاضي، فيسمع قولَ كلِّ واحد منهم وحجته، ثم يقضي بالقسط، فكما أن القاضي إذا اختصم إليه وليٌّ وفاجر، أو مؤمن وكافر؛ ليس له أن يقضي للوليِّ أو المؤمن بدون حجة، ولا أن يسمع منه ويُعْرِضَ عن خَصْمه، ولا أن يمتنع عن الحكم للفاجر أو الكافر إذا توجَّه له الحق؛ فكذلك طالب الحق في المسائل المختلف فيها.

ولَعَلَّكَ قد بَلَغَك ما روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في أيام خلافته، أنه رافع يهوديًا إلى القاضي شريح، وبيد اليهودي درعٌ، فادَّعى أمير المؤمنين عليٌّ : «إنها درعي»، فأنكر اليهودي، ولم يكن لأمير المؤمنين بينة؛ فقضى القاضي لليهودي، فلما رأى اليهوديّ ذلك؛ أَسْلَمَ، واعترف بأن الدرع درع أمير المؤمنين، فلما رأى أمير المؤمنين إسلامه واعترافه؛ وَهَبَ له الدِّرْعَ.

والقصة ثابتة في كتب الحديث والتاريخ.

وبعض الناس يتوهَّم أنَّ مثل هذا الحكم إنما هو من باب طَرْدِ القواعد، وإلَّا فلا ريب في صحة قول أمير المؤمنين، وبطلان قول اليهوديّ، وفيه: أنه يجوز خلاف ذلك: لجواز أن يكون أمير المؤمنين وَهَبَها، أو باعها، ثم نَسِيَ، أو اشْتَبَهَتْ عليه دِرْعٌ بدِرْعٍ، أو نحو ذلك، فتدبَّرْ. والله أعلم». اهـ([794])

– وهذه فتوى لمحدث العصر، شيخنا محمد ناصر الدين الألباني :

السائل: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله والصحابة أجمعين، أما بعد:

يقول السائل: أنا أَعْمَلُ في مجالِ التسجيلات الإسلامية والأشرطة، وقد عَنَّ لي أن أسأل بعضَ أهلِ العلم فيما يتعلق بالمسؤولية عن نَشْرِ العلم عن بعض من لا يَنْهَجُون منهجَ السلف، فينتمون مثلًا لبعض الجماعات التي نعرفهم في الساحة، كجماعة «الإخوان المسلمين»، أو «التبليغ»، أو ما إلى ذلك، فبعضُهم أفتى بأن لا أُسَجِّلَ أو أَنْشُر هذه الفتاوى بالمرة، والبعضُ الآخر قال: تَخَيَّرْ منها ما تَرَى فيها الصلاح، ولا يكون فيه تصريح بمخالفة منهج السلف.

فالحَيْرةُ ما زالتْ تلازِمُني حتى الآن، وأسأل الله أن يُزِيل هذه الحيرة بما تراه وتشير به علينا في هذا المجال، وجزاك الله خيرًا،

الجواب: «لا شك عندي أن الرأي الثاني الذي حَكَيْتَهُ عن بعضِ أهل العلم هو الصواب؛ لأن «الحِكْمَة ضالةُ المؤمن، من أين سمعها التقطها»؛ هذا الحديثُ وإن كان حديثًا لا يَصِحُّ، وَولِعَ به بعضُ الناس في بعض البلاد، فكتبوه في اللوحات، وتناقلوه في صدور المجالس على أنه حديثٌ ثابت عن النبي –عليه الصلاة والسلام-، وليس بالثابت، ولَكِنْ حَسْبُنا منه أن يكون حِكْمَةً فِعْلًا، فحينئذ نَعْمَلُ بها، ولا نتعصب لمنهجنا، اعتبارًا بِتَعَصُّبِ أصحابِ المذاهبِ الأخرى، فنحن أتباعُ الحقِّ حيث ما كان هذا الحقُّ، وحيثما جاء.

فالحِكْمَةُ ضالَّةُ المؤمنِ؛ أينما وجدها التقطها، فإذا جاء أو وَقَفَ على ما قال، أو على بَحْثٍ عِلْمِيٍّ لجماعة من تلك الجماعات التي -مع الأسف- لا تَنْهَجُ منهج السلف، لكن كان فيها تذكير بآيات الله ، أو ببعضِ أحاديثِ رسول الله –عليه الصلاة والسلام- الصحيحةِ؛ فليس هناك ما يَمْنَعُ من نَشْرِ هذه البحوثِ بطريقة التسجيل، ما دام أنه ليس فيها ما يخالف الكتابَ والسنة، ومنهجَ السلف الصالح.

وهذه مُشْكِلَةٌ في الواقع، لا تنحصر في التسجيل، بل تتعداها حتى إلى المؤلفات، وهي أكثر انتشارًا من التسجيلات هذه.

فهل يَصِحُّ نَشْرُ الكتابِ أو الكُتبِ؟ أو هل يَصِحُّ لناشرِ الكُتبِ أو بائعِ الكُتبِ أن يَطْبَعَ ما ليس على منهج السلف الصالح؟ وهل يجوز له أن يبيع كذلك مثل هذه الكتب؟ الجواب: قد لا يَخْلُو كتابٌ ما مِنْ مُخَالَفَةٍ مَا، وإنما العبرة بملاحظة شيئين اثنين:

الشيء الأول: ألا يكون الكتابُ أو التسجيل داعيةً لمنهج يخالف منهج السلف الصالح.

ثانيًا: أن يكون صوابُهُ يَغْلِبُ خَطَأَه، وإلا مَنْ مِنَّا، كما قال الإمام مالك ، ما منا من أحد إلا رَدَّ ورُدَّ عليه، إلا صاحبَ هذا القبر –عليه الصلاة والسلام-، ولذلك فالتسجيلُ وبَيْعُ الكُتُبِ وطَبْعُها يجب أن يُراعَى فيها هاتان القاعدتان.

وإذا سَأَلْتَ عن تسجيلٍ ليس فيه مخالفة لمنهج السلف؛ فلا أرى مانعًا أبدًا من نَشْرِ مثلِ هذا التسجيلِ؛ لمجرَّدِ أن الذي يَتَحَدَّثُ فيه ليس سَلَفِيَّ المنهجِ، وإنما هو خَلَفِيٌّ، أو حِزْبِيٌّ، أو ما شَابَهَ ذلك.

هذا هو الذي يقتضيه العِلْمُ، ويقتضيه الإنْصَافُ، ويقتضيه محاولة التقريب من الاختلافات القائمة اليوم بين الجماعات الإسلامية -مع الأسف- هذا خلاصة جوابي على ما سَأَلْتَ.

قال السائل: إكمالًا لهذا الأمر: بعضُ القائلين بالمنع من هذا الأمر يقولون: إن في نَشْرِ حديثٍ أو شريطٍ لمثل هؤلاء فيه تَزْكِيةٌ لمنهجهم، وكأنه رضًا لكُلِّ ما يقولون غثًّا وسمينا.

قال الشيخ : أعتقد أن هذا فيه مبالغةٌ: لو فَرَضْنا أن رجلًا أَلَّف رسالةً جَمَعَ فيها أحاديثَ الأذكار من «صحيح البخاري»، وهو ليس سلفيَّ المنهجِ، كيف يَصِحُّ هذا الكلام عليه، وما صِلَةُ نَشْرِ مثل هذه الرسالة بتأييد منهجه؟

قال الشيخ : من صحيح البخاري، وهو ليس سلفي المنهج، كيف يصح هذا الكلام عليه، لا، نحن نؤيد منهجَنَا بِنَشْرِ رسالتِهِ؛ لأنه سَلَكَ طريقنا، باختيارِ ما صَحَّ عن نبينا –عليه الصلاة والسلام-، فأنا أعتقد أن فيه مبالغةً، والله أعلم». اهـ([795])

– وقد سُئِلَتْ اللجنة الدائمة عن الجماعات الموجودة اليوم، فكان من جملة الجواب: «… وكُنْ مع أَتْبَعِهِم للحق، وأَلْزَمِهِم له، ولا تَبْخَس الآخرين أُخُوَّتَهم في الإسلام؛ فتَرُدَّ عليهم ما أصابوا فيه من الحق، بل اتَّبِع الحقَّ حيثما كان، ولو ظَهَرَ على لسان من خالفك في بعض المسائل؛ فالحق رائد المؤمن، وقوة الدليل من الكتاب والسنة هي الفيصل بين الحق والباطل». اهـ.

الأعضاء: عبد الله بن قعود، وعبد الله بن غديان، وعبد الرزاق عفيفـي، والرئيس: عبد العزيز بن عبد الله بن باز.([796])

-وهذا سماحة الشيخ ابن باز -رحمة الله عليه- نقل ما نقله الشيخ محمد رشيد رضا ،([797]) فقال: «ولله دَرُّ العالمِ (توس) فإنه رأى الداء، ووصف له الدواء الكامل للشفاء، وهو الإباحةُ للرجل التزوجَ بأكثرِ من واحدة، وبهذه الوساطة يزول البلاء لا محالة، وتصبح بناتنا أرباب بيوت، فالبلاء كل البلاء في إجبار الرجل الأوروبي على الاكتفاء بامرأة واحدة؛ فهذا التحذير هو الذي جعل بناتنا شوارد، وقذف بهن إلى التماس أعمال الرجال، ولا بُدَّ مِنْ تفاقم الشر، إذا لم يُبَحْ للرجل التزوجُ بأكثر من واحدة…..» ا.هـ.

نَقَلَ هذا سماحة الشيخ ابن باز -رحمة الله عليه- عن الشيخ محمد رشيد رضا وإن كانت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في الإشارة إلى التعدد كافية، لكن بعض الناس قد لا ينتفع بها، وإنما ينتفع من كلام هؤلاء الكفار مثل (توس) أكثر مما ينتفع به من كلام علماء الإسلام، بل أكثر مما ينتفع به من الآيات والأحاديث، وما ذاك إلا لما قد وقع في قلبه من تعظيم الغرب، وما جاء عنه، ولَعلّه لذلك قال سماحته : «فرأيتُ أن أَذْكُرَ هنا بعضَ ما اطلعتُ عليه من كلام كُتَّاب وكاتبات الغرب» اهـ، ثم نقل كلام الشيخ رشيد رضا ، الذي نقله عن بعض الكُتَّاب الغربيين([798]). ا. هـ.

هذا مع أنني لا أستجيز لنفسي أن أقول في كافر: «لله دَرُّهُ» وقد قالها الشيخ محمد رشيد رضا، أو غيره، ولم ينكرها سماحة الشيخ ابن باز بل نقلها دون تعليق عليها.

-ودَرَجَ على ذلك شيخنا مقبل الوادعي – :

فقد استشهد بكلام الأستاذ محمد قطب، في كون الانتخابات عبثًا لا فائدة منها.([799])

واستشهد بما نقله الشيخ محمد رشيد رضا ، والشيخ مقبل سيِّئ الرأي فيه- عن محمد عبده في إباحة الربا، ولم يتكلم في محمد رشيد بشيء في هذا الموضع.([800])

واستشهد -مُعْجَبًا- بكلام لزينب الغزالي، قال: وإن كان لي انتقاد كثير عليها.([801])

ومَدَحَ كتابات محمد سرور ومن معه، كما مَدَحَ مَجَلَّتَهُم.([802])

هذا مع تحذير الشيخ من حزبيتهم، ولم يفعل الشيخ هذا، إلا عندما وجد الخير في كتاباتهم -آنذاك- فلما وجد خلاف ذلك أخيرًا؛ حذّر من ذلك، وهذا بيان لموقف الشيخ الذي بخلاف ما عليه الغلاة الهدامون، وأما كل مسألة مسألة؛ فالنظر في ذلك له محل آخر، فالحق مقبول، والباطل مردود، والحكم على المعيَّن له تفاصيل أخرى.

وقد قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي أيضًا: «ابن سينا والفارابي مُلْحِدان، ويوسف النبهاني مُخَرِّف، ولا مانع من قبول الحق ممن كان». اهـ.([803])

سادسًا:

لا يُطلق القولُ لكل أحد: خذ الحق من أهل البدع وغيرهم، واترك الباطل، بل يقال ذلك لمن له قدرة وأهلية على تمييز هذا من ذاك، فتمييز الحق من الباطل لا يتم إلا لمن له أهليةُ ذلك، ولذا فأنصح -بل يجب على- كل من لا يُحْسن ذلك: أن يَلْزَم أهلَ الحقِّ الصافي، حتى تَقْوَى شوكَتُهُ، وتَتِّسِعَ مدارِكُه، ويَسْتَبْصِرَ الطريقَ، كيْ لا يَنْطَلِي عليه باطلُ المنْحَرِفين في بداية أمره، فإذا وفّقه الله ومَنَّ عليه بهذه المنزلة، وأصبح آمنًا على نفسه من الشبهات الخطّافة؛ فَليُجَالِسْ من شاء، أو يقرأ له -إذا كان لذلك حاجةٌ شرعيةٌ، وكان ذلك أنفعَ للإسلام والمسلمين- فقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية يقرأ لكل الطوائف، بل كان أعلم بكلام الفِرَق وأهلها من المنتمين إليها، بل حكى أنه يَعْرِفُ خَطَّ الجنِّ وكتابَتَهُم، وإياك أن تَغْتَرَّ بنفسك، وتُحسِنَ بها الظَّنَّ، وترى أنك قد بَلَغْتَ هذه الرُّتبَ السَّنيةَ، وأنت لسْتَ كذلك، فَتَتَزبَّب قبل أن تَتَحَصْرَم؛ فَتَهْلِكَ مع الهالكين، وهذا حَالُ الكثير منا، والله المستعان.

عِلْمًا بأن الكتَّاب ونحوهم يتفاوتون؛ فهناك شبهاتُه عويصة، لا تُنقش وتُلْتقط إلا بمناقيش دقيقة جدا، وهناك من يدسُّ السُّمَّ في العَسَل، ولا يتم تمييز ذلك إلا لمن له أهلية تليق بذلك، فالأصل: عدم الإقبال على كتب ومجالس من اشتهروا بذلك إلا لحاجة شرعية، مع الأمن من الانزلاق في شبهاتهم وفتنهم.

وكثيرًا ما يكون الحقُّ الموجودُ في كلامِ أهلِ البدعِ الشنيعةِ مَشُوبًا بباطلٍ، ممتزجًا بشبهاتٍ تُزَعْزِعُ الإيمانَ في القلوب، ولا يكاد يَهْتَدِي إلى معرفتها والتمييز بينها إلا الجهابذةُ -والله أعلم بضعفنا وقِلّة تحقيقنا- ففي هذه الحالة على الضعيف أن يَحْذَر من النظر في كلامهم، والاغتراف من كتبهم أصلا، وأما القَوِيُّ؛ فإن احْتاج إلى أَخْذ ما عندهم -بعد تمييزه- وإلا فيمكن أن يستفيد هذا الحقَّ من غيرهم، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مَعْرِض كلامه على شطحاتِ الحسين بن منصور الحلاج الذي قُتل في الزندقة: «وهذا الكلامُ المحكيُّ عن الحلاج فيه ما هو باطلٌ، وفيه ما هو مُجْمَلٌ محتمل، وفيه ما لا يَتَحَصَّلُ له معنىً صحيحٌ، بل هو مضْطَرِبٌ، وفيه ما ليس في معناه فائدةٌ، وفيه ما هو حقٌّ، لكنَّ اتباعَ ذلك الحقِّ من غير طريقِ الحلاجِ أحسنُ، (وأسَدُّ) وأَنْفَعُ…»([804])اهـ

ومع كلّ ما سبق، فإني أقول -مستعينًا بالله تعالى وتقدَّس-: الذي يظهر لي: أنه إذا لم يكن في الاستشهاد بقول المخالف ببدعة أو ضلالة أو مجون وشهوات فائدة أصلًا، وخشينا من التشويش على المستمع أو القارئ من المسلمين؛ فَتَرْكُ ذلك هو الذي تَشْهَدُ له قواعدُ الشريعة، مِثْلُ: درْء المفسدة مقدّم على جَلْب المصلحة، وقاعدة سدّ الذرائع، ونحو ذلك من قواعد الشريعة، والله أعلم.

رزقنا الله جميعًا حُبَّ الحقِّ، وإيثارَه، واتّباعَهُ، وجَعَلَنا من أَهْلِه والمنافحين عنه في السِّرِّ والعَلَنِ، وكرّه إلينا الكُفْرَ والفسوقَ والعصيانَ، إنه جَوَادٌ كريم، بَرٌّ رحيم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

كتبه/

أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني

20/ شعبان/1439هـ

A

A

[17]

التعاون على البر والتقوى مع الموافق والمخالف