1 -صاحب الفضيلة الشيخ
أحمد بن محمد شاكر (ت 1377 هـ)([268])
صاحب الفضيلة الشيخ أحمد بن محمد شاكر -رحمه الله-
كان الشيخ أحمد شاكر حريصًا على النصح والتقويم، وكان يكتب المقالات ليبين فيها انحرافَ بعض الكُتَّاب، أو ضَعْفَهُم العِلْمِيَّ، كما أنه كان يذكر ما أَحْسَن فيه هؤلاء الكُتَّاب، وإن كانوا لا يسيرون في مضمار الدعوة الإسلامية الصافية، بل هم قادة أحزاب سياسية، ولهم توجُّهَات إعلامية عصرية!!
لكنه لم يمنعه ذلك من تحري الإنصاف والعدل مع مخالفيه، ولا من تحري العبارات التي تصحح ولا تهدم، ولا يبالغ فيخرج عن الجادة، وهذا كله بخلاف حال الغلاة الذين انحرفوا عن منهج السلف والخلف في هذه الجوانب -هدانا الله وإياهم-.
وقد ذكرتُ كلام الشيخ أحمد شاكر وإن كان قد تُوُفِّيَ قبل ظهور فتنة الغلاة في التبديع والهَجْر؛ لأُبَيِّن -بعد بياني حال السلف بعكس ما عليه الغلاة في كتبي السابقة- أن العلماء القائمين بالمنهج السلفي في جميع الأزمان على خلاف ما عليه هؤلاء الغلاة!!
ومن أمثلة ذلك:
1 – ردُّه على الدكتور محمَّد حسين باشا هيكل([269]) في قضية مَقْتَل مالكِ بن نُوَيْرَة، وموقف خالد بن الوليد -رضي الله عنه- وكذا موقف أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما-:
في مقال له بعنوان: «مقتل مالك بن نويرة وموقف خالد بن الوليد»([270]).
⏪ يقول : أصدر سعادة الدكتور محمَّد باشا هيكل بضعة كتب في التاريخ الإِسلامي في الصدر الأول، وكان عملًا ناجحًا؛ ناجحًا من ناحية النَّفاق تمامًا، فما يكاد الكتاب منها يَصْدُر حتى تتخطفَه الأيدي، وحتى تكادَ نُسخُه تَنْفَد من السوق، وناجحًا من الناحية العلمية بَعْضَ النجاح، ولو لم يَكُنْ من أَثَرِهِ إلَّا أن يُحبَّبَ إلى شبابنا -الذين كِدْنا نفقدهم- قراءةُ سيرة رسولهم، وأخبار قومهم وسلفهم، وكانوا من قبلُ يُعرضون عن دينهم، وعن عروبتهم، ويتمسحون في «أوربة»، ويُقَدِّسُونها، ويَجْهَلُون كلَّ مِيزَةٍ لقومهم، بل يكادون يُنْكِرُون أنهم أُمَّة من الأمم! لو لم يكن من أَثَرِهِ إلَّا هذا؛ لَكَفَى.
وقد تناول الباحثون المحققون كتابه الأوّل «حياة محمَّد» بالنقد، وطال الجدال حوله، حتى لقد ذهب ذاهبون إلى أنه منقول أو مقتبس أو مترجم عن كتاب بهذا الاسم لمستشرق يدعى «درمنغهام»، ولم يكن لنا سبيل إلى تحقيق ما قالوا؛ إذْ لم نَطَّلِعْ على كتاب «درمنغهام»، عن جهلٍ منا باللغة التي كُتِبَ بها، وقد تُرْجِمَ هذا الكتاب إلى العربية أخيرًا، وظهر من عهد قريب، وسيكون لنا في ظهوره فرصةٌ نحقق بها ما رُمي به كتابُ الباشا، فننقل فصولَه وأبحاثه إلى مثيلاتها من الكتاب المترجم؛ فنَعْرِفَ ما أَخَذ أحَدُهما عن سلفه، بعد أن عرفنا أنه أخذ منه اسم الكتاب «حياة محمَّد»، وإن كان الكتابان – فيما يبدو لنا – متباينين، وسنرى في ذلك رأينا -إن شاء الله-.
وكان فيما قرأنا من هذه الكتب، كتاب «الصِّدِّيق أبو بكر» فأعجبنا منه حُسْنُ سَرْدِهِ للحوادث، والعنايةُ بعرضها عرضًا جيدًا مشوّقًا، وأَبْيَنُ مزاياه: قوةُ المؤلف، ومقدرتُهُ في تلخيص الروايات، وجَمْعِها، وفي الاقتباس والتضمين، حتى ليبدو الكلام نسقًا متقاربًا، فإذا ما تأمله العارف؛ وَضَحَ له الفرقُ بين الكلام المقتبس والكلام المؤلَّف، وقد استيقنّا من ذلك في مواضع كثيرة، قارنّا فيها قصَّهُ للوقائع إلى نصوص الأقدمين من المؤرخين، وخصوصًا ابن جرير الطبري.
ولهذه الطريقة الطريفة فائدةٌ نَحْرِصُ عليها: أن يُمَرَّن القارئون المُحْدَثُون على قراءة النصوص العالية القوية البليغة، التي تَحَدَّثَ بها الفصحاء والبلغاء من الرواة والمؤرخين السابقين، مما كاد يَهْجُرُه أهلُ هذا العصر.
وكان لنا على كتابه هذا مآخذ، بَعْضُها هيّن، لا يَغُضُّ من قيمته، وبعضُها خطير، وأخطرها – فيما أرى – وأَبْعَدُها مدًى في الإبطال: صنيعُهُ فيما كان بين خالد بن الوليد ومالك بن نويرة، وحُبُّهُ الإتْيَانَ بما لم يَأْتِ به الأوائل في الدفاع عن خالد، فجاء حقيقةً بما لم يأْتِ به الأوائل…
إلى أن قال بعد تفنيد القضية والرد عليه:
وبعد؛ فإن كتاب المؤلف لا يزال مع هذا كتابًا قيمًا، جديرًا بما نال من تقدير، أَفَدْنا منهُ فوائدَ جمة، وأُعْجِبْنَا بكثير من أبحاثه، ووقَفْتُ عند كثير من روائعه، مُغْتَبِطًا، مُتَذَوِّقًا ما فيها من بلاغة، مُهْتزًّا بما صَدَقَتْ في الوصف، وبما احتوتْ من قوة التصوير.
ومِنْ أَحْسَن كلماته التي أَوْفَى فيها على الغاية، وأَطَلْتُ الوقوف عندها: كلمةٌ أَقْتَبِسُها هنا؛ لتكون دستورًا لكثير من الباحثين والكاتبين، عَلَّهم ينتفعون بها، ويتعظون بما وَعَظَهُم المؤلفُ فيها. قال (ص 33): فما أكثر الذين لا يؤمنون بالكثير من آراء الناس، ويَرَوْنها مَيْنًا باطلًا، وحديثَ خُرَافَةٍ، ثم يَكْتمون ذلك أو يتظاهرون بنقيضه؛ التماسًا للعافية، وجرًّا للمنفعة، وحرصًا على ما بينهم وبين الناس من تجارة، وأنت لا تجد هذا النِّفاق في سواد الناس وعامتهم ما تجده في المثقفين منهم، بل إنك لَتَجِدُهُ فيمن نَصَبوا أَنْفُسَهم لزعامة الناس، والإبانة لهم عن وجه الحق في الحياة». اهـ
* وفي مقال له بعنوان: «الفاروق عمر»([271])، تأليف الدكتور محمَّد حسين هيكل باشا.
وهذا أَحْدَثُ كتابٍ أخرجه سعادة الدكتور محمَّد باشا هيكل في التاريخ الإسلامي، على النهج الذي سار عليه منذ عشر سنين، فكان عملًا جيدًا، أفادتْ منه الطبقةُ المُحْدَثَةُ من المثقفين، وقد أَلِفَ كثير منهم سَهْل الكلام ولَيِّنَهُ، واسْتَعْصَتْ عليهم كُتُبُ المتقدمين، ونفروا منها، حتى جهلوا كثيرًا من تاريخ قومهم؛ فجاءت كُتُبُ سعادة المؤلف عملًا جديدًا، نهجًا وسطًا بين كتب المتقدمين القوية الرائعة، وبين ما ابْتُلِيَتْ به العربية من القصص والروايات، الغالي منها والرخيص، والقوي منها والسخيف، عَرَضَ فيه التاريخ الإسلامي عرضًا شائقًا منظمًا، في لغة جيدة رائعة، رصعها بكثير مما اقتبس من عبارات المؤرخين السابقين؛ فَقَرَّبَ إلى المتوسطين ما بَعُدَ عنهم، وراضَ لهم ما اسْتَعْصَى عليهم؛ حتى إن الكتاب ليأخذ بلُبِّ القارئ؛ فلا يكاد يستطيع أن يَضَعَه من يده إلَّا أن يأتي على آخره.
وهذا الكتاب كتاب جيد حقًّا، فيه تيسير للقارئ؛ حتى يستوعب سيرة عمر وفتوحاته وأعماله استيعابًا مفيدًا، ويُوَفِّرَ عليه جهدًا عظيمًا في تَتَبُّعِ الأخبار في مظانها من كتب التاريخ والتراجم، إذا لم يكن من أرباب العزائم المجتهدين.
ولو شئنا أن نأتي بشواهِدَ من صعابِ التاريخ، وسياقِ الحوادث في تلك الحِقْبة، مما يَسَّره المؤلفُ على القارئ، وحَقَّقَه بقلمه السَّلْسَال السَّيَّال؛ لطال الأمر جدًّا، ولكن الكتاب بين يدي القارئ، فَلْيُفِدْ منه ما شاء.
ولَسْنا بسبيل التقريظ والمدح؛ فما كان المؤلف ولا كتابه بحاجة إليهما، ولكنا بصدد نَقْدِ الكتاب نقدًا علميًّا صحيحًا، ببيان مزاياه، وقد أشرنا إلى بعضها، وبالاستدراك على ما وقع فيه من أخطاء، بعضُها ظاهر، وفي بعضها موضعٌ للنظر والتحقيق وتداول الآراء؛ أداءً لواجب الأمانة، وإخلاصًا في النصيحة للعلم والقراء، وسأسوق مآخذي مساق الكتاب، كما وردت في مواضعها أولًا فأولًا، وذلك خيرٌ من تصنيفها على الأنواع المتجانسة، وأَيْسَرُ على القارئ المتتبع…
ثم شرع في سَرْد مؤاخذاته على الكتاب.
⏪ قلتُ: وهذه الطريقة التي سلكها الشيخ أبو الأشبال أحمد بن محمد شاكر في ميزان الغُلاة في زماننا: مَحْضُ التمييع للسلفية، وعيْن العَمَل بالموازنات المبتدَعَة هي والمتَكَلِّمُ بها -وهذا في نظرهم الخاسئ فقط- لأن الشيخ أحمد بن محمد شاكر مَدَحَ ما كتبه هيكل -وما أدراك ما هيكل، فأين هو في توجّهه الديني من الذين يطعن فيهم الغلاة اليوم من مشاهير الدعاة والمصلحين!!!- ولم يتعرَّض الشيخ أبو الأشبال في هذا الموضع لشيء من عقيدته ومنهجه السياسي، والحِزبي -فهو رئيس حزب سياسي، وما أدراك ما ذاك- مع أن الغُلاة يطعنون فيمن يمدح كتابًا -وإن كان في جانب بعيد عن العقيدة والمنهج- لعالم من علماء السنة الصافية، لكنه -في فهم الغلاة الضالِّ المنحرفِ- مُبتدعٌ ضالٌّ، وليس من أهل السنة والجماعة!!
فيا تُرَى، ما هو موقفهم من الشيخ أحمد شاكر بعد أن قال ما قال في مدح بعض ما كتبه محمد حسين هيكل، وليَرْجع من شاء إلى معرفة ترجمة هيكل، وتاريخه السياسي والحزبي والديني، وليقارِنْه بأساطين السنة، الذين بَدَّعهم هؤلاء الغلاة الحَمْقَى!!!
فيا ترى: ماذا سيَحْكُم الغلاة على مُحَدِّث زمانه، ومُصْلح أيامه، إذا وقفوا على كلامه هذا؟ كل هذا ليَعْلَم المغتَرُّون بهؤلاء الغلاة، والراكضون وراءهم بلا وعْي ولا إدراك لمصيرهم: أنهم إن استمروا على ما هم عليه؛ فإنه لا يكاد يَسْلَم منهم أحدٌ من علماء السنة سلفًا وخلفًا، وكفى بمنهجٍ هذا حاله ومآله ضلالًا وانحرافًا، وزيْغًا وإسرافًا، والله المستعان!!
j j j













