2 – صاحب الفضيلة الشيخ
عبد الحميد بن محمد بن باديس الجزائري
(وُلِدَ 1307 هـ – تُوفي سنة 1359هـ):
صاحب الفضيلة الشيخ عبد الحميد بن محمد بن باديس الجزائري -رحمه الله-
* أولًا: ترجمة مختصرة للشيخ ([272]):
هو عبد الحميد بن محمد المصطفى بن المكي بن محمد كحول بن الحاج علي النوري بن محمد بن محمد بن عبد الرحمان بن بركات بن عبد الرحمان بن باديس الصنهاجي، ولد بمدينة قسنطينة عاصمة الشرق الجزائري يوم الأربعاء 11 ربيع الثاني 1307 هـ
حفظ القرآن وعمرُه 13 سنة، ومضى عمره يطلب العلم مرتحلًا متعلمًا: ما بين المدينة، والقاهرة، وجامعة الزيتونة، أوْ مُسْتَقِرًّا في قسنطينة مُعَلِّما ومُرَبِّيًا
وفي يوم 17 ذو الحجة 1349 (الموافق لـ5 مايو 1931م) أسَّسَ فيه مع بقية إخوانه «جمعية العلماء الجزائريين»، بنادي الترقِّي بالعاصمة، وانْتُخِبَ رئيسًا لها.
وتُوفي مساء يوم الثلاثاء 8 ربيع الأول سنة 1359هـ الموافق 16 أبريل 1940 م
ثانيًا: ثناء العلماء عليه:
أولًا: ثناء شيخنا العلامة محمد ناصر الدين الألباني :
⏪ قال شيخنا الألباني في سياق حديثه عن عبارة (ما أَبْكِي شَوْقًا إلى جنتك، ولا خوفا من النار): «فإنها فلسفة صوفية، اشْتَهَرَتْ بها رابعةُ العدويةُ، إن صحَّ ذلك عنها…
إلى أن قال: وكنت قرأت حولها بحثًا فياضًا ممتعًا في (تفسير العلامة ابن باديس) فليراجعه من شاء زيادةَ بيانٍ». اهـ([273])
ثانيًا: ثناء العلامة محمد تقي الدين الهلالي -رحمة الله عليه-:
⏪ قال الشيخ محمد تقي الدين الهلالي : «قام المصلحُ الشيخ عبد الحميد بن باديس، سَلِيلُ البطل المغربي المجاهد «المعز بن باديس» فرأى البلاد مُظْلِمَةَ الأرجاء، مُتَشَعِّبَةَ الأهواء، دَوِيَّة الأدواء، يَحَار فيها اللبيبُ، وتعضل بالحكيم؛ فشَمَّر عن ساعد الجدِّ، وقَيَّض الله له أنصارا أطهارا أبرارا، آزروه، ونصروه، فبدؤوا عَمَلَهم، وصَدَعُوا بما أمرهم الله ورسوله به، فَمَرَّ عليهم طَوْرٌ، وفُتِنُوا كما فُتِنَ المصلحون من قَبْلُ، وثَبَّتَهم الله بالقول الثابت، حتى اقتحموا العَقَبَة الأُولى، وهي أَصْعَبُ العقبات، وأخذت دعوتهم تُؤتي أُكُلَها، وأَيْنَعَتْ ثمارُها، ودَنَى جَناها، وفي أثناء ذلك ورد عليهم الأستاذ السلفي الداعية النبيل الشيخ الطيب العقبي». اهـ([274])
ثالثًا: ثناء العلامة محب الدين الخطيب :
⏪ وقال الشيخ محب الدين الخطيب عند تحقيقه لكتاب «العواصم من القواصم»: «وكتابه –أي ابن العربي – «العواصم من القواصم» من خيرة كتبه، أَلَّفَه سنة (536) وهو في دور النضج الكامل، بعد أن امتلأتِ الأمصار بمؤلفاته وبتلاميذه، الذين صاروا في عصرهم أئمةً يُهْتَدى بهم.
وهذا الكتاب في جزأين متوسِّطَيِ الحجم، ومبحث الصحابة الذي نقدمه لقرائنا: هو أَحَدُ مباحث جزئه الثاني (من ص 98 إلى ص 193 من طبعة المطبعة الجزائرية الإسلامية في مدينة قسنطينة بالجزائر سنة 1374) وكان قد وقف على تلك الطبعة شيخ علماء الجزائر: الأستاذ عبد الحميد بن باديس ». اهـ([275])
ثالثا: ثناء الشيخ ربيع بن هادي المدخلي نفسه -حفظه الله وأحْسن لنا وله الخاتمة- على ابن باديس:
⏪ قال الشيخ ربيع المدخلي: «من الجلي الواضح: أن صَيْحَاتهم كانت في وجه الاشتراكية الماركسية، التي لَبِسَتْ لباس الإسلام وغيرها من ألوان الضلال، وأن فيهم كَوكَبةً من أَعْلام الهُدَى في مصر، مثل: عبد الظاهر أبو السمح، وعبد الرزاق حمزة، ومحمد حامد الفقي، وعبد الرزاق عفيفي، ومحمد خليل هراس، وأحمد محمد شاكر، وعبد الرحمن الوكيل، ومحب الدين الخطيب، وأبو الوفاء درويش.
وفي الجزيرة العربية، مثل: مفتي المملكة العربية السعودية: الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم، والشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله باز، والشيخ عبد الله بن حُميد، والشيخ العلامة عبد الرحمن بن سعدي، والشيخ العلامة عبد الرحمن المعلمي، وتقي الدين الهلالي، وغيره في المغرب العربي، والشيخ العقبي وابن باديس وغيرهما من علماء جمعية العلماء في الجزائر، وعلماء أهل الحديث في الهند وباكستان وغيرهم، ممن طَار صِيتُهُم من علماء المنهج السلفي، وكانوا ضِدَّ كل ضلال وانحراف». اهـ([276])
⏪ قلتُ: فتأمل وصف الشيخ ربيع -سلَّمَهُ اللهُ- للشيخ عبد الحميد بن باديس بكونه ممن طار صيتهم من علماء المنهج السلفي، وممن كانوا ضد كل ضلال وانحراف، لكن الله أعلم ماذا سيقول عنه بعد بيان بعض مواقفه المناقضة لأصول وطريقة الشيخ ربيع المحدثة، والتي يقيم عليها الولاء والبراء بجرأة منقطعة النظير!!!
وإليك بعضَ مظاهر الإنصاف والعدل والعقل عند هذا الإمام في التعامل مع المخالف بخلاف ما عليه الغلاة هؤلاء في هذا الزمان:
1 – آثار ابن باديس فيما يَخُصُّ وَحْدَةَ الأمةِ الإسلامية، ونَبْذَ الخلاف، مع ضوابط التعامل مع المخالف:
⏪ قال الشيخ : «أيها الإخوان:
إذا كانت الأمم اللاتينية- على ما بينها من تزاحم وتخاصم وتقاتل وتناحر- ترتبط برابطة اللاتينية، وتتفاخر بثقافتها، وتَعْقِد المجتمعاتِ العظيمةَ لتقوية روحها، وتمتين حَبْل التمسك بها، فنحن- أبناء العربية- وليس بيننا شيء من تلك المُفَرِّقات، بل ما بيننا إلا ما يُقَرِّب بعضَنا من بعضٍ، من المُؤَلِّفات والمُحْزِنات، أَحَقُّ بأن نفعل مِثْلَهم وأَكْثَرَ منهم في لغتنا العربية.([277])
⏪ وقال الشيخ : «لما قال -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- «المؤمن للمؤمن.. الخ» عَلَّق الحكم على الوصف؛ فاقْتَضَى ذلك أن هذا هو واجب كل مؤمن، مِنْ حَيْثُ أنه مؤمنٌ، مع كل مؤمن من حيث أنه مؤمن، فيجب لهذا أن تُطْرَحَ في مقام الاتحاد والتعاون جميعُ المُفَرِّقات من المذاهب والمشارب، ويُنْظَرَ إلى وَصْف الايمان فقط، فهذه المذاهب وهذه المشارب أَهْلُها كلهم أَهْلُ ايمان، لا يَدْفَع بعضهم بعضا عن ذلك([278])، والنبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد أَمَرهم بالاتحاد والتعاون باعتبار الوصْف الأصْلي، الذين هم مُشْتركون فيه؛ ليكون الاتحاد والتعاون في مُكْنَتِهم، دون التفاتٍ إلى ما أَحْدَثُوه من مُفَرِّقاتهم، فمن تعامَى عن وَصْف الايمان الموجِبِ للاتحاد، ونَظَر إلى مَذْهَبٍ أو مَشْرَبٍ من موجِبات الافتراق؛ فقد عصى أبا القاسم- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وحادَّ اللهَ ورسولَه، وأعرض عن دعوة الحق، وأجاب داعي الشيطان.
علينا أن نعتقد بقلوبنا: أن الاتحاد واجبٌ أكيدٌ مُحَتَّمٌ علينا مع جميع المؤمنين، وأنَّ فيه قوتَنا وحياتَنا وفي تَرْكِهِ ضَعْفَنا وموتَنا، وأن نُعْلِن ذلك بألسنتنا في كل مناسبة من أحاديثنا، وأن نَعْمَل على تحقيق ذلك بالفعل باتحادنا وتعاوننا مع إخواننا، في كل ما يقتضيه وَصْفُ الايمانِ الجامعِ العامِّ، والله المستعان، وعليه التُّكْلان». اهـ([279])
⏪ قلتُ: واضح من كلام الشيخ أنه يدعو الأمة -على اختلاف مذاهبها ومشاربها- إلى نبْذ المفرِّقات، والاجتماع على الإيمان، قال ذلك وهو يعلم أن أمامه الصوفي والاشتراكي والعلماني، واللاهث وراء فرنسا والغرب….. إلخ، لكن مجتمعه ومكانه وزمانه وحال بلاده كل ذلك يستدعي هذا الخطاب؛ فالجزائر بلده المسلم تحتلها فرنسا، ولها فيها مشاريع جبارة في إبعاد الناس عن دينهم ولغتهم وعروبتهم، ونهب ثروات البلاد، ووطء سيادتها وكرامتها تحت الأقدام، فالمُصْلح في هذا المقام ليس أمامه إلا أن يدْعو الناسَ إلى الالتفاف على نقاط الاتفاق -وإن كثرت بينهم الاختلافات-، وأعظمها الإيمان، فكل الشعب الجزائري -ولله الحمد- أبناء الإسلام، ولا يترددون في ذلك، وإن كان هناك تحت هذا الغطاء العام مذاهب واتجاهات مضادة للعقيدة الصافية([280])، لكنَّ إثارة هذه الخلافات البيْنية في ذلك المقام؛ كل ذلك يؤدي إلى ما لا تُحمد عقباه، وهناك فرْق بين حالة الاختيار، التي لا يُقدّم المرؤ فيها على ضرورة البدء بالدعوة والتصفية والتربية، وبين حالة الاضطرار التي فيها يباغت العدوُّ بلدًا من بلاد المسلمين، فيحتلها؛ فليس هناك وقت للتفرغ للدعوة الصافية من بدايتها؛ فإن العدو سيُبيد الأخضرَ واليابسَ ما لم يتصدَّ له المسلمون في البداية؛ فعند ذاك يدعو المصلحُ الجميعَ إلى الاجتماعِ على داعي الإيمان والإسلام، دون التعرض للخلافات العقدية؛ كما فعل ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية عندما داهم التتارُ بلاد الإسلام، وفعلوا بالمسلمين الأفاعيل، فاستنهض شيخ الإسلام جميع المسلمين: صوفيَّهم، وجهميَّهم، وأشعريَّهم، وسلفيَّهم، وعالمهم وجاهلهم، وحاكمهم ومحكومهم… إلخ، ولم ينظر إلى ما حرره هو في كتبه عن ضرر وخطورة عقائد هؤلاء المنحرفة؛ لأن المقام مقام دعوة عامة للاجتماع، ومقام اضطرار لا اختيار، وبعد دحْر العدو الغاشم؛ يرجع كل إلى ما كانوا عليه، وينادي في الناس حينذاك بنداء التصفية والتربية، بل لا يمنع الاضطرار من الدعوة للتصفية والتربية في بعض المواضع إذا سمحت الظروف بذلك، لكن الاتجاه العام عند الاضطرار قائم على عدم نبْش الخلافات المفرِّقة للصفوف، وذلك في حالة الحاجة الماسَّة إلى الاجتماع والاتحاد، وهذا ما سلكه الشيخ ابن باديس هو ومن سبقه في هذا المضمار، وإلا فهذا الكلام المطلق من الشيخ ابن باديس ليس على إطلاقه بصواب ولا يُقبل منه ولا من غيره!!، لكن هناك فرق في كيفية التعامل ومراعاة الأولويات بين حالة الاختيار وحالة الاضطرار، فهل هؤلاء الغلاة يعُون هذا، أم أنهم مستمرون في باطلهم والحوثي في اليمن يعيث في البلاد فسادا، وكذا في جميع بلدان المسلمين، التي تئن بعقائد فاسدة مفسدة، وهم في باطلهم يترددون، وفي سعيهم في تصنيف كثير من مشاهير دعاة السنة الصافية، وإلحاقهم بأهل البدع، التي قضى هؤلاء الدعاة أعمارهم في مناهضتها وكشف حقيقتها، وكلام ابن باديس كان موجها لمن هم -حقا- من دعاة البدع بل والشركيات، وقد أجمع علماء السلفية -ومنهم الشيخ ربيع نفسه- على سلفية ابن باديس فما هو جوابهم على ذلك إن كانوا يعقلون؟!!
2 – الشيخ يمُدُّ يده للتعاون حتى مع الصوفية بالجزائر بشرطٍ: أنها لا تعمل لصالح العدو الأكبر: «فرنسا»، فقد قال : «حارَبْنا الطُّرقيةَ -أي الصوفية- لِمَا عَرَفْنَا فيها- عَلِم الله- من بلاءٍ على الأمة من الداخل ومن الخارج، فعَمِلْنا على كشفها وَهَدْمها؛ مَهْمَا تَحَّمْلنا في ذلك من صِعَابٍ، وقد بَلْغَنا غايتَنَا -والحمد لله- وقد عَزَمْنا على أن نتركَ أَمْرَها للأمة، هي التي تَتَولَّى القضاءَ عليها، ثم نَمُدّ يدَنا لمن كان على بقية من نِسْبَتِهِ إليها؛ لنعمل معًا في ميادين الحياة، على شريطة واحدة، وهي: أن لا يكونوا آلةً مُسَخَّرًة في يد نواحٍ اعتادتْ تسخيرَهُم، فكل طُرُقِيٍّ مُسْتَقِلٍّ في نَفْسه عن التسخير؛ فنحن نَمُدَّ يَدَنا له للعمل في الصالح العام، وله عقليته، لا يَسْمَعُ مِنَّا فيها كلمةً، وكل طُرقي- أو غير طرقي- يكون أُذُنا سَمَّاعةً، وآلةً مُسَخَّرةً؛ فلا هوادَةَ بيننا وبينه؛ حتى يتوب إلى الله».([281])
⏪ قلتُ: فتأمل -رحمك الله- كيف ينظر الرجل الذي تولّى مهمة إصلاح بلاده على اختلاف مشاربها؛ كيف يُقَدِّم الأولويات، وينظر إلى المصالح والمفاسد وتزاحمهما؛ فالشيخ بذل ومن معه من إخوانه وطلابه في الدعوة الجهود الميمونة في كشف حقيقة الطرقية، الصوفية القبورية الخرافية، الذين استغلتهم فرنسا لتخدير الشعب الجزائري السنين الطوال، ولما نجح في بيان حقيقتهم؛ مَدَّ يد التعاون في الصالح العام للبلاد والعباد لمن بقي على الانتساب إليهم -وعقليته مهما كانت منحرفة فهي له- بشرط أن يكون مستقلا، لا مُسْتَخْدَما لصالح فرنسا ضد دينه وشعبه وبلاده، فلله درُّك يا ابن باديس، وهكذا يكون المصلحون، الذين يُخلد التاريخ ذِكْرهم، بعد توفيق الله لهم.
أما الغلاة الذين ابتليتْ بهم الدعوة في هذا الزمان -ومنهم الشيخ ربيع ومقلدوه-؛ يُهْجُر أحدهم عشراتِ السنين شيخَهُ وأستاذَه وزملاءه، ومن هم أكثر منه علما وحلما ونفعا، كل ذلك من أجل توهُّمات لُقِّنها أحدهم من الغلاة: بأن فلانا مبتدع، ويجب هجره، وإلا بدعوك وهجروك، وقد سعَوْا بذلك في تفتيت صفوف الدعوة القائمة والشاقة طريقها في مناهضة البدع وأهلها لتوهمات لا أساس لها، إنما هي ثمرة فساد فهمهم، وربما فساد قصْد بعضهم أيضًا!!
مما جعل طلاب العلم والدعاة يرجع بعضهم على بعض، ويُسلِّط جهده ووقته في حرب مشايخه وإخوانه الذين وُفِّقوا للثبات على الاعتدال، وتصدَّوا لهذا الغلو والزيغ عن الصراط المستقيم، فيا فرحة وقرة عين المبتدعة في كل مكان، بسبب هذه العقول الفاسدة، ومع ذلك يدَّعون أنهم فقط الذين يفهمون الدعوة السلفية، وأنهم فقط الذين يسيرون على نهج علمائها!! ومع وضوح الأدلة ومنهج العلماء المخالف لما عليه الغلاة -فللأسف- أنهم لا زالوا يجدون من يصدّقهم!! والموفّق من وفقه الله، ومن يرد الله فتنته فلن تملك له شيئًا!!
فابن باديس -رمز السلفية في زمانه وبلاده، والذي مدحه العلماء، بل حتى شيخ الغلاة وكبيرهم الشيخ ربيع كما مضى- فها هو يمدُّ يده للتعاون مع الصوفية في الجزائر من أجل الصالح العام بشرطه السابق، والغلاة يحذرون من دعاة السنة الصافية المعتدلين، ويفتون بهجرهم عشرات السنين، بزعم أننا فرغنا من فلان منذ دهر طويل!!!
وليس عند هؤلاء المهجورين ذنب إلا أنهم أنكروا على الشيخ ربيع طريقته -مع لزومهم العقل والعدل- فعقد الغلاةُ الولاء والبراء على الموقف من شيخهم، وكأنه معصوم من الخطأ، فتبّا وسُحْقا وعُقْما لهذه العقول!!
3- أَمَا وقَدْ بَيَّنَّا طرفًا من تعاونه مع مخالفيه؛ فمن تدبَّرَ ترجمتَهُ وحياتَهُ علم أن الشيخ ابن باديس كان يرى أن الرد على المخالف من أصول الإسلام القطعية:
فقد رَدَّ الشيخُ على كثير من المُبْطِلين في زمانه، فكتبَ ردًّا على أحمد بن عليوة لما أساء الأدب مع الرسول – صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، وكتب رَدًّا على الحجوي المغربي لما تساهل في الحكم على الطريقة التيجانية، ورَدَّ على المولود الحافظي في زَعْمه أن الواصلين يَعْبدون الله تعالى بلا خَوْف ولا رجاءٍ، ورَدَّ على شيخه الطاهر بن عاشور التونسي في فتواه في القراءة على الأموات وبدع الجنائز، ورَدَّ على بُكَير المزابي لما طَعَنَ في السلف الصالح، كما رَدَّ على فرحات عباس لما زعم أن الجزائر فرنسية… إلخ؛ هذا ما يتعلق بالردود المباشرة على الأشخاص المعينين، وإلا فإن له مواضع كثيرة يرد فيها الباطل دون تسمية أصحابه؛ لعدم الحاجة إلى ذلك، وقضى في هذا المضمار حياته؛ ف رحمة واسعة وجميع العلماء الصالحين والمصلحين.
وهذا منه يدل على أن الداعية السلفي قد يتعاون مع المخالف -أحيانا؛ لأمر ما ينفع الجميع، بل قد لا تتم المصلحة الواجبة لعامة المسلمين إلا بذلك – ولا يلزم من ذلك السكوتُ على المنكرات والداعين إليها في وقت آخر، أما الغلاة الذين ابتُليتْ بهم الدعوة هذه الأيام فيرون أن أيَّ تعاون مع المبتدع لدفع شر أكبر من بدعته؛ يلزم منه تمييع الدعوة السلفية، والترويج للباطل الذي عليه المخالف؛ وهذا ليس بلازم؛ فسيأتي زمان يغزو المسلمون فيه والروم -وعقيدتهم المبدّلة معروفة- عدُوَّا من ورائهم([282])؛ فهل سيترك المسلمون دعوتهم آنذاك بسبب تعاونهم مع الروم في وقت ما لأمر عامٍّ يجمعهم؟ والنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- شهد حلفا في الجاهلية مع عمومته وكفار قريش، فيه نصرة للمظلوم، ومع ذلك قال: «لو دُعِيتُ إليه في الإسلام؛ لأجَبْتُ» ([283])، فما يزعمونه هؤلاء الغلاة ليس بلازم، لكن فساد الفهم والتعصب والتقليد لمن وَلَّوْه زمامهم وعقولهم ومواقفهم التي تسطِّر تاريخهم، هو الذي حملهم على هذا الادعاء!!
* ومع ذلك كله فقد كان الشيخ – – مراعِيًا للضوابط في أَمْرِهِ ونَهْيِهِ؛ وفي بيان هذه الضوابط يقول ابن باديس – تعالى- في تفسير قوله : [ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ] {الإسراء:54}:
«وخاطب الله تعالى نبيه أنه لم يُرْسِلْه وكيلا على الخلق، حفيظا عليهم، كفيلا بأعمالهم؛ فما عليه إلا تبليغُ الدعوة، ونصرةُ الحق بالحق، والهدايةُ والدلالةُ إلى دين الله وصراطه المستقيم، خاطبه بهذا ليؤكد لخلقه ما أَمَرَهُم به: مِنْ قَوْلِ التي هي أحسن للموافق والمخالف، فلا يَحْمِلَنَّهم بُغْضُ الكفر والمعصية على السوء في القول لأهلها؛ فإنما عليهم تبليغ الحق كما بَلَّغه نبيهم، ولن يكون أَحَدٌ أَحْرَصَ منه على تبليغه؛ فحَسْبُهم أن يكونوا على سُنته وهَديه».([284])
⏪ وقال في موضع آخر: «أَقْوى الأحوال مِظِنَّةً لكلمة السوء: هي حالةُ المناظرة والمجادلة، وأَقْرَبُ ما تكون إلى ذلك إذا كان الجدال في أَمْر الدين والعقيدة، فما أَكْثَر ما يُضَلِّل بعضُه بعضًا، أو يُفَسِّقه، أو يُكَفِّره، فيكون ذلك سببا لزيادة شُقَّة الخلاف اتِّسَاعا، وتَمَسُّكِ كُلٍّ برأْيه، ونُفُوره من قَوْل خَصمه، دَعْ ما يكون عن ذلك من البغض والشر … فلا يقال للكافر عند دعوته أو مجادلته: إنك من أهل النار، ولكن تُذْكَر الأدلةُ على بطلان الكُفر وسوء عاقبته، ولا يقال للمبتدع: يا ضالُّ، وإنما تُبَيَّن البدعةُ وقبحُها، ولا يقال لمرتكب الكبيرة: يا فاسق، ولكن يُبَيَّن قُبْحُ تلك الكبيرة وضَرَرُها وعِظَمُ إِثْمِها، وتُقَبَّحُ القبائحُ والرذائلُ في نفسها، وتُجْتَنب أشخاصُ مرتكبيها».([285])
⏪ قلتُ: فهل هذا حال الغلاة، الذين يدّعون أنهم أهل السنة الصافية من الشوائب، وأنهم يسيرون على منهج كبار العلماء؟!
⏪ وفي السياق نفسه يقول الشيخ – تعالى- في تفسير قوله : [ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ] {الإسراء:53}:
قال : «التي هي أحسن: هي الكلمة الطيبة، والمقالة التي هي أَحْسَن من غيرها، فَيَعُمُّ ذلك ما يكون من الكلام في التخاطب العادِيِّ بين الناس …وما يكون من الكلام في مقام التنازع والخصام، فيقتصر على ما يُوصِلُه إلى حَقِّه في حدود الموضوع المتنازع فيه، دون إِذايَةٍ لخصمه، ولا تَعَرُّضٍ لشأنٍ من شؤونه الخاصة به، وما يكون من باب إقامةِ الحجة وعَرْضِ الأدلة؛ فيسوقُها بأجْلَى عبارةٍ، وأَوْقَعها في النفس، خاليةً من السبِّ والقَدْح، ومن الغمز والتعريض، ومن أَدْنى تلميحٍ إلى شيء قبيحٍ، وهذا يطالَبُ به المؤمنون، سواء كان ذلك فيما بينهم، أو بينهم وبين غيرهم…وهذا الأدَبُ الإسلاميُّ، وهو التَّروِّي عند القول، واجتناب السيئ، والاختيارُ الأحسن ضروريٌّ لسعادة العباد وهنائهم، وما كَثُرَتْ الخلافاتُ والخصوماتُ، وتنافَرَتْ المشارِبُ، وتباعَدَتِ المذاهبُ؛ حتى صار المسلمُ عَدُوَّ المسلم…إلا لِتَرْكِهِم هذا الأدبَ، وتَرْكِهِم للتَّروِّي عند القول، والتعمدِ للسيئ، بل للأسوأ في بعض الأحيان».([286])
⏪ ويقول أيضًا : «فالنقائص الشخصية في الإنسان لا تُقال في غَيْبَتِهِ؛ لأنها غِيبَةٌ مُحَرَّمَةٌ، ولا يُجَابَهُ بها في حضوره؛ لأنها إِذايَةٌ، إلا إذا وُوجهَ بها على وَجْه النصيحة، بشروطها المعتبرة، التي من أولها: أن لا تكون في الملأ».([287])
⏪ قلتُ: هذه آداب الإسلام التي دعا اليها وأكَّد عليها الشيخ ابن باديس فأين الغلاة من هذه الأخلاق والآداب؟ ومن أسْعَدُ بها نحن أم هُمْ؟ والجواب عند كل من سمع بما دار بيننا وبينهم، بل وعند المنصفين العقلاء منهم -وما أَقلَّ هذا الصنف فيهم؛ وللأسف-!!!.
4 – وبَيَّن أن أسباب نهضة المسلمين: أن تكون لهم قوةٌ وجماعةٌ، ولا يرى أن أي تجمُّع فهو حزبية مذمومة؛ فالشيخ يرى القوة في الجماعة -وليست أي جماعة- والغلاة يطلقون القول: بأن أي جماعة تدعو إلى الإسلام تحت اسمٍ ما؛ فهي حزبية مقيتة كما هو حال الغلاة، الذين يرون أن أي جماعة تدعو إلى الإسلام إنما هي تتخذ من الإسلام شعارا كاذبا لا حقيقة له؛ وتريد هذه الجماعة أن تخدع به الناس، وتجمّعهم على مبادئها لا على الإسلام!! وهذا وإن كان صحيحا في بعض الجماعات وفي بعض الجوانب، لكنه ليس صحيحا بإطلاقه، وإلا فالإسلام ما قام عبر القرون السابقة إلا بجماعة وبيعة أمير أو خليفة، ولا زالت الدول الإسلامية لها رؤساء وملوك وشيوخ وسلاطين، ولا يذمُّ ذلك التجمع بإطلاق إلا السفهاء!!
نعم البيعة تكون لولاة الأمور الممكَّنين، والذين بايعهم الناس، وليس كل فرد يدعي أنه أمير، ويطلب البيعة يُبايَع، ولا قوة له، ولا سمع ولا طاعة له من جمهور الناس، لكن اجتماع الناس للتشاور في أمورهم، ومعرفة نقاط القوة والضعف، وعلاج الخطأ، ولزوم الأمور النافعة، والتي تأمر بها الشريعة، وبدون بيعة، ويُسمى كبيرهم: رئيسا، أو شيخا، أو نحو ذلك، ولا يُعقد الولاء والبراء على فكرتهم أو اسمهم… ونحو ذلك؛ فلا بأس بذلك، ولا تقوم للناس قائمة إلا بالاجتماع والتشاور، لكن توضع لذلك الضوابط الشرعية، ويُراعى العمل بقاعدة: «سّدِّ الذرائع» و«الوسائل تأخذ أحكام المقاصد» و«تزاحم المصالح والمفاسد» و«تقديم الأولى فالأولى»… إلخ، والله أعلم.
وقال : «إنما ينهض المسلمون بمقتضيات إيمانهم بالله ورسوله إذا كانت لهم قوة، وإنما تكون لهم قوة إذا كان لهم جماعة مُنَظَّمةٌ، تُفَكِّر، وتُدَبِّر، وتتشاور، وتتآزر، وتنهض لجلب المصلحة، ولدفع المضرة، متساندةٌ في العمل عن فِكْرٍ وعزيمة؛ ولهذا قَرَنَ الله في هذه الآية([288]) بين الإيمان بالله ورسوله، والحديث عن الجماعة، وما يتعلق بالاجتماع، فيرشدنا هذا إلى خَطَر أمر الاجتماع ونظامه، ولِزُوم الحرص والمحافظةِ عليه، كأصل لازِمٍ للقيام بمقتضيات الإيمان، وحِفْظِ عَمُود الإسلام.([289])
⏪ قلتُ: فهذا كلامه وهو حق مع ضرورة مراعاة ضوابطه، وقد أشرتُ إلى ما حضَرني منها قبل قليل، أما الغلاة فعندهم حساسية ونفور مُفْرِطَيْنِ من كلمة «جماعة» و«جمعية» و«تنظيم»… إلخ، فترى الواحد منهم إذا أراد أن يتكلم عن اجتماع عندهم للقاء علمي أو دورة علمية… ونحو ذلك: فيقوم خطيبهم فيقول: نحن نريد أن نرتِّب أمورنا، أو ننسقها، أو نضبطها، أو نهيئها… إلخ، المهم لا يقول: «ننظمها»!! أمور مضحكات مُبكيات مخجلات!!!
5 – بل قد بَيَّن أن إهمال التجمع أعظمُ ما أُصِيب به المسلمون، فقال:
«ما أُصيب المسلمون في أعظم ما أصيبوا به إلاّ بإهمالهم لأمر الاجتماع ونظامه: إما باستبداد أئمتهم وقادتهم، وإما بانتشار جماعتهم بضعف روح الدين فيهم، وجهلهم بما يفرضه عليهم، وما ذاك إلاّ من سكوت علمائهم، وقعودهم عن القيام بواجبهم: في مقاومة المستبدين، وتعليم الجاهلين، وبث روح الإسلام الإنساني السامي في المسلمين.
فعلى أهل العلم- وهم المسؤولون عن المسلمين بما لهم من إِرْثِ النبوة فيهم- أن يقوموا بما أرشدتْ إليه هذه الآية الكريمة؛ فينفخوا في المسلمين روح الاجتماع والشورى، في كل ما يهمهم من أمر دينهم ودنياهم، حتى لا يَسْتَبدَّ بهم مُسْتَبِدٌّ، ولا يتخلف منهم متوانٍ، وحتى يظهرَ الخاذلُ لهم ممن ينتسب إليهم، فَيُنْبَذ، ويُطْرَحُ، ويُسْتَغْنى عنه بالله وبالمؤمنين».([290])
⏪ قلتُ: إذا كان مراد الشيخ تعليم المسلمين الجزائريين عقيدتهم حتى يتصدَّوْا للمستبدِّ الفرنسي آنذاك؛ فنعم -وهذا هو الراجح-؛ لأن فرنسا كانت مستعمرة للجزائر -حفظها الله وبلاد المسلمين من كل سوء وأهله- فالكلام من الشيخ لبعث رُوح الإسلام في قلوب أبنائه؛ للقيام بواجبهم نحو تحرير بلادهم، وإذا كان المراد من كلام الشيخ أن يُعلِّم العلماء أبناء المسلمين؛ ليتصدَّوْا لحكامهم المسلمين الظالمين الجائرين -وهذا بعيد عن حياة الشيخ -؛ فلا يُقبل هذا من الشيخ أو غيره؛ فإن هذا بخلاف المنهج النبوي، ولهذا الأمر ضوابط شديدة؛ ولا يجوز الخروج على حاكم مسلم؛ للأدلة الصريحة في ذلك، وللمفاسد الكبرى التي يعود بها هذا الأمر على الدين والدنيا، والله أعلم.
⏪ قلتُ: كان ما سبق جزءًا من بيان المستوى الفكري والتنظيري للشيخ ابن باديس ورؤيته في قوة الأمة بِنَبْذِ فُرْقَتها، وتعاونها على ما يمكن أن يتفق الجميعُ عليه من الحق -وإن كان شيئًا قليلا، فما لا يُدْرك كلُّه لا يُتْرك جُلُّه، وهذا مخالف لطريقة الغلاة كما لا يخفى.
أما على المستوى العملي والتطبيقي:
⏪ فيقول الشيخ البشير الإبراهيمي :
في هذه الفترة ما بين سنتَي (1920 م، و1930م) كانت الصِّلَةُ بيني وبين ابن باديس قويةً، وكُنَّا نتلاقى في كل أسبوعين أو كل شهر على الأكثر: يزورني في بلدي (سطيف) أو أزوره في قسنطينة، فَنَزِنُ أعمالَنا بالقِسْط، وَنَزِنُ آثارَها في الشعب بالعَدْل، ونَبْنِي على ذلك أَمْرَنا، ونَضَعُ على الورق برامجنا للمستقبل بميزان لا يَخْتَلُّ أبدًا، وكُنَّا نقرأ للحوادث والمفاجآت حِسَابها؛ فكانت هذه السنواتُ العَشْرُ كلُّها إرهاصاتٍ لتأسيس «جمعية العلماء الجزائريين».
كَمُلَتْ لنا على هذه الحالة عَشْرُ سنوات، كانت كلُّها إعدادًا وتهيئة للحدث الأعظم، وهو إخراج «جمعية العلماء» من حيّز القول إلى حيّز الفعل، وأصبح لنا جيش من التلامذة يَحْمِل فكِرْتنَا وعقيدتنا، ومُسَلّحٌ بالخُطباء والكُتّاب والشُّعراء، يلتفّ به مئات الآلاف من أنصار الفكرة، وحَمَلَةِ العقيدة، يَجمعهم كلُّهم إيمانٌ واحدٌ، وفكرةٌ واحدةٌ، وحماسٌ متأجِّجٌ، وغَضَبٌ حادّ على الاستعمار.
كانت الطريقةُ التي اتفقنا عليها أنا وابن باديس في اجتماعنا بالمدينة في تربية النَّشْءِ هي: ألا نتوسع له في العلم، وإنما نربّيه على فكرة صحيحة، ولو مع عِلْمٍ قليل، فتمت لنا هذه التجربة في الجيش الذي أعددناه من تلامذتنا.
كانت سنة 1930 هي السنة التي تمّ بتمامها قَرْنٌ كاملٌ على احتلال فرنسا للجزائر، فاحْتَفَلَتْ بتلك المناسبة احتفالًا قَدَّرَتْ له سِتَّةَ أَشْهُر ببرنامج حافل مملوء بالمهرجانات، ودَعَتْ إليه الدنيا كلَّها، فاستطعنا بدعايتنا السرّية أن نُفْسِد عليها كثيرًا من برامجها، فلم تَدُمْ الاحتفالاتُ إلا شهرين، واستطعنا بدعايتنا العلنية أن نَجْمَعَ الشعبَ الجزائريَّ حولَنا، ونُلْفِتَ أنظارَهُ إلينا.
تكامَلَ العددُ، وتلاحقَ المَدَد. العددُ الذي نستطيع أن نُعْلِنَ به تأسيسَ الجمعية، والمددُ من إخوان لنا كانوا بالشرق العربي مهاجرين، أو طلاب علم، فأعْلَنَّا تأسيسَ الجمعية في شهر مايو سنة 1931 بعد أن أحْضَرنا لها قانونًا أساسيًا مختصرًا مِنْ وَضْعِي، أَدَرْتُهُ على قواعدَ من العلم والدين، لا تُثير شكًّا، ولا تُخيف، وكانت الحكومة الفرنسية في ذلك الوقت تستهين بأعمال العالمِ المسلم، وتعتقد أننا لا نضطلع بالأعمال العظيمة؛ فخيَّبْنا ظَنَّها -والحمد لله-.
دَعَوْنا فقهاءَ الوطن كُلَّهم، وكانت الدعوةُ التي وجّهناها إليهم صادرةً باسم الأمّة كُلِّها، ليس فيها اسمي ولا اسم ابن باديس؛ لأن أولئك الفقهاء كانوا يخافوننا لما سبق لنا من الحملات الصادقة على جمودهم، ووَصْفِنا إياهم بأنهم بلاءٌ على الأمّة وعلى الدين؛ لسكوتهم على المنكرات الدينية، وبأنهم مطايا للاستعمار، يُذِلُّ الأمّةَ، ويَسْتَعْبِدُها باسمهم، فاستجابوا جميعًا للدعوة، واجتمعوا في يومها المقرّر، ودام اجتماعنا في نادي الترقّي بالجزائر أربعة أيام، كانت من الأيام المشهودة في تاريخ الجزائر، ولما تراءتِ الوجوهُ، وتعالتْ أصواتُ الحق؛ أَيْقَنَ أولئك الفقهاء أنهم ما زالوا في دَوْر التَّلْمَذة، وخضعوا خضوعَ المسلمِ للحق، فأَسْلَمُوا القيادةَ لنا، فانْتُخِبَ المجلسُ الإداريُّ من رجالٍ أَكْفَاءٍ، جَمَعْتهم وحدةُ المشرب، ووحدةُ الفكرة، ووحدةُ المَنَازِع الاجتماعية والسياسية، ووحدةُ المناهضة للاستعمار، وقد وَكَّلَ المجتمعون ترشيحَهم إلينا؛ فانتخبوهم بالإجماع، وانتخبوا ابن باديس رئيسًا، وكاتبَ هذه الأَسْطُر وكيلًا نائبًا عنه، وأصبحتِ الجمعيةُ حقيقةً واقعةً قانونيةً… وجاء دور العمل.([291])
⏪ قلتُ: وهكذا وجَّه ابن باديس والبشير الإبراهيمي، وهما رمز الدعوة السلفية في الجزائر، وجَّها الدعْوة إلى جميع الفقهاء في الجزائر لحضور اجتماع تأسيس «جمعية العلماء الجزائريين» ومنهم طرقية صوفية، وكان الشيخان قد حملا عليهم حملة صادقة في كشف عوار منهجهم وأحوالهم، ومع ذلك لما كانت المصلحة تقتضي اجتماع الجميع لمواجهة الاستعمار الفرنسي؛ لم يتأخر الشيخان عن دعوتهم، وحضروا، وتم اختيار الشيخين لإدارة الجمعية: الرئيس ونائبه… إلخ وإن انسحبت الصوفية من الجمعية بعد ذلك، فهل يرضى الغلاة وشيخهم هذا المنهج العملي لمن عُرِف عنهما الصدق في الدعوة إلى التوحيد والسنة، وزكاهما كثير من علماء الأمة؟! وما حكم هذا العمل ومن دعا إليه بعد أن يوضع على ميزان وقواعد الغلاة وشيخهم؟ هل هم أهل سنة، أو حزبيوون يؤسسون جمعية، ومميعون للدعوة يدعون معهم الصوفية والطرقية.؟!
وبجواب الغلاة على هذا السؤال سيعلم الجميع فساد ما هم عليه، ومخالفتهم الصريحة لطريقة العلماء سلفا وخلفا: فشيخ الإسلام ابن تيمية استنهض الأمة على اختلاف عقائدها أمام التتار، وهذان الشيخان فَعَلا ما قد سبق بيانه، وسماحة الشيخ ابن باز أفتى جماعة أنصار السنة في السودان بالتعاون مع صوفية السودان ضد الشيوعيين والاشتراكيين هناك -وقد ذكرتُ هذا ووثقته في موضع آخر من بعض كتبي-، أما الغلاة فيفرقون صفوف أهل السنة الصافية، الذين ليس فيهم صوفي واحد، ويروْن الاجتماع معهم تمييعًا وتضييعًا للدعوة، وأنه من عمل أهل البدع والحزبيات المقيتة!!؛ فما ازدادوا بذلك إلا انغلاقا على أنفسهم، وبين الحين والآخر نسمع عن انشقاقات بينهم، ويملؤون وسائل التواصل بالسب والشتم فيما بينهم، فلو لم يكن من بركة الاعتدال الصادق الذي أكرمنا الله به إلا السلامة من هذه الفوضى، وقلة العقل الجالبة للسخرية والاستهزاء بأهلها، ولا يفرح بهم إلا كل من يعادي الإسلام؛ لو لم يكن إلا ذلك لكفى بذلك خيرًا وفلاحا في الحال والمآل، والله أعلم.
⏪ قلتُ: وقد اعترض جماعة على الشيخ ابن باديس دعوته الشيوعيين ونحوهم لحضور المؤتمر، وقد سبق بيان عذْره، واضطراره لجمع الجميع أمام العدو الفرنسي بشرط واحد: وهو الصدق في تقديم مصلحة الجزائر على مصالحهم الشخصية، وعدم العمالة لفرنسا، وهذا الشرط قد يرضى به كثير من غير أصحاب التوجِّه الإسلامي من باب الأنفة والوطَنية والكراهية للاستعمار، وعلى كل حال:
فحالة الاضطرار لها أحوال وأحكام تناسبها، بخلاف حالة الاختيار، والله أعلم.
⏪ ويقول مازن مطبقاني:
وفي عام (1356هـ /يناير 1936) دعا الشيخ في حديث له مع صحيفة (الدفاع) التي يصدرها الأمين العمودي، إلى اجتماع الأحزاب والاتجاهات الجزائرية في مؤتمر إسلامي، تَكُونُ به جبهةً واحدةً، ومرجِعًا للأمة الجزائرية، وتتفق من خلاله على قائمةٍ لمطالب الجزائريين من فرنسا.
وقد لَبَّى الدعوةَ جَمْعٌ من العلماء، والنواب، والشبان، والنخبة، والشيوعيين، وغيرهم، وفي (يونيو ۱۹۳6 م) انعقد (المؤتمر الإسلامي الجزائري)، ورُشِّح الشيخُ لرئاسة المؤتمر، إلا أنه لم يَقْبَلْ، ورُشِّح لها الدكتور المتفرنس محمد الصالح بن جلول، رئيس كتلة النواب في قسنطينة… إلخ.
فها هو دعا الشيوعيين وغيرهم للاجتماع والاتحاد في وجه فرنسا، فما حكمه عند الغلاة؟ إن هؤلاء الغلاة يعطلُون العقول، ويَقْلِبُون قائمةَ الأولويات رأْسًا على عقب، وهم قرة عين لكل من يعادي العلماء الصالحين والمصلحين، سواء كان احتلالا خارجيا حقيقيا أو فكريا منحرفا؛ بزعمهم أن هؤلاء العلماء – الذين عرفوا فساد منجهم وعداوته لمنهج كبار العلماء سلفا وخلفا- أشد ضررا من العدو الخارجي -وهو فرنسا آنذاك- وكما يفعلون اليوم في دعاة السنة، ويقولون: هم أشد ضررا من الرافضة، بل أشد ضررا من اليهود والنصارى، وبناءً على هذا الفهم؛ فَهُم لا يَنْطِقون بكلمة ضد هؤلاء، ويوجِّهون جهدهم ضد العلماء والدعاة، أليس هؤلاء قرة عين لأعداء التوحيد والسنة، فيا بؤس وشقاء من سلك طريقهم أولا وآخرا، وكفانا الله شَرَّ فسادهم، وكفى البلاد والعباد شرهم!!
⏪ قلتُ: وقد ذَكَر ابنُ باديس أثر رحلاته الدعوية الصيفية لمحافظات وقُرى الجزائر، وأنه الْتَقَى بكثير من الطرقية، وألان لهم الحديثَ دون تنازل عن الثوابت، وبَيَّن دواعي التعاون معهم، وأن ذلك لإعلاء شأن الامة، فقال -تحت عنوان «في بعض جهات الوطن»-:
«تكرر الطلب علينا من أصدقائنا ومريدينا أن ننشر لهم شيئًا عن رحلاتنا الصيفية؛ فلَخَّصْناها فيما يلي:…
«مستغانم»-اسم مكان في الجزائر-: قَصَدْنا من المحطة إلى مسجد الأخ الشيخ بلقاسم بن حلوش؛ لِمَا بيننا من سابق المعرفة بالمكاتبة، وروابط المودة المتأكدة، ولأن ابنه الشيخ مصطفى أحدُ مريدينا، ومِنْ أَعَزِّهم علينا، فتلقَّيَانا بالحفاوة والسرور الزائدين، وأُنْزِلْنا على الرَّحْبِ والسَّعة، ومِنْ غَدِهِ دعا للعشاء معنا أعيانَ البلد، منهم فضيلة الشيخ المفتي: سيدي عبد القادر بن قارة مصطفى، وسماحة الشيخ: سيدي أحمد بن عليوة، شيخ الطريقة المشهورة، وكان هذا أولَ تَعَرُّفِنا بحضرتهما، فكان اجتماعًا حافلًا بعدد كثير من الناس، ولما انتهينا من العشاء؛ أَلْقَيْتُ موعظةً في المحبة والأُخُوَّة، ولُزوم التعاون والتفاهم على أساسهما، وأن لا نَجْعَل القليلَ مما نختلف فيه سببًا في قَطْع الكثير مما نتفق عليه، وأن الاختلاف بين العقلاء لا بد أن يكون، ولكنَّ الضارَّ والممنوعَ المنعَ الباتَّ: هو أن يؤدينا ذلك الاختلافُ إلى الافتراق، وذَكَرْنا الدواء الذي يُقَلِّل من الاختلاف، ويَعْصِمُ من الافتراق، وهم: تحكيمُ الصريح من كتاب الله والصحيحِ من سُنة رسوله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ فاسْتَحْسَن الشيوخُ الحاضرون ذلك، وحَلَّ من الجميع مَحَلَّ القبول، والحقُّ يُقَال: أن أغلب الناس ممن رأينا صاروا يَشْعُرون بأَلَم الافتراق، ويَنْفُرون منه، ويُصْغُون إلى دعوة الوفاق والتحابِّ، وما افترقَ المجلسُ حتى دعانا الشيخ: سيدي أحمد بن عليوة إلى العَشَاء عنده، والشيخُ الحاجُّ الأعرج بن الأحول شيخ الطريقة القادرية إلى الغَداء؛ فلبينا دعوتَهما شاكِرِين، فكانت حَفْلَةُ الغَداء في دار الشيخ: سيدي الحاج الأعرج، ثم كانت حفلةُ العشاء عند الشيخ: سيدي أحمد بن عليوة، حضَرها من أعيان البلد ومن تلامذة الشيخ ما يُناهِزُ المائةَ، وبالغ الشيخُ في الحفاوة والإكرام، وقام على خِدْمة ضيوفه بنفسه، فملأ القلوبَ والعيونَ، وأَطْلَقَ الألسنةَ بالشكر، وبعد العَشاء قرأ القارئُ آياتٍ، ثم أخذ تلامذة الشيخ في إنشاد قصائِدَ من كلام الشيخ ابن الفارض بأصوات حسنة، ترنَّحَتٍ لها الأجساد([292])، ودارتْ في أثناء ذلك مذاكراتٌ أدبيةٌ في معاني بعض الأبيات؛ زادتِ المجلسَ رَوْنَقًا.
ومما شاهدتُه من أدب الشيخ مُضَيِّفِنَا وأُعْجِبْتُ به: أنه لم يتعرض أصلًا لمسألة من محل الخلاف، يوجِب التعرضُ لها على أن أُبْدِيَ رَأْيِي، وأُدافع عنه، فكانت محادثاتُنا كلُّها في الكثيرِ مما هو محل اتفاقٍ، دونَ القليلِ الذي هو محل خلافٍ.
لكن السيد: أحمد بن إسماعيل صاحب مخازن الاتاي- وكان جالسًا على شمالي في المجلس- شاء أن يَخْرِقَ هذا السياجَ، ويَدْخُلَ في موضوعٍ ليس حضْرَتُهُ- وله الاحترام- من أهل الكلام فيه؛ فقال: «هؤلاء المُفْسِدون، الذين يُسَمُّون أنفسَهم مُصْلِحين، يُنْكِرون الولاية» فرأيتُ في وجه الشيخ أحمد بن عليوة الإنكارَ لهذا الكلامِ الخارجِ عن الدائرة، ووجدْتُ نَفْسي مُضطَّرًا للبيان؛ فقلت له: «اسمع يا سيد أحمد: الولاية الشرعية قد جاءت فيها آية صريحة قرآنية» وتَلَوَتُ له قوله تعالى: [ﭒ ﭓ ﭔ ] {يونس:62} الآية، وتكلمتُ على شيء من معناها، فمن أنكر هذه الولاية؛ فلَفْظَةُ «مُفْسِدٍ» قليلٌ في حِقِّه، وحقُّه أن يقال فيه: «مُلْحِد». وأما لفظة «مُصْلِح» فهي أعلى من هذا وأَشْرَفُ من هذا كله، وأن المسألة ليست هنا، وإنما المهم هو أن جميع علماء الإسلام: من المفسرين، والمحدثين، والفقهاء، والمتكلمين، وشيوخ الزهد المتقدمين تتسع صدورهم لِأَنْ يُؤْخَذَ من كلامهم ويُرَدَّ، إلا العامة المنتمين إلى التصوف؛ فإنهم يَأْبَوْن كُلَّ الإباء أن يسمعوا كلمةَ نَقْدٍ أو رَدٍّ في أحد من الشيوخ، مع أن غير المعصوم مُعَرَّض للخطأ دائما في قوله وأفعاله، فكأنهم بهذا يعتقدون فيهم العصمة، وقد سئل إمام الطائفة الجنيد: أَوَيَزْني الوليُّ؟ فأَطْرَقَ، ثم قال: [ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ] {الأحزاب:38} فهذا يدلنا على ما كان عليه شيوخ الزهد من تعليم الناس بأنهم غير معصومين؛ دَفْعًا لغُلُوِّ الغالين، وعلى أن فكرة العِصْمة أو ما يَقْرُب منها موجودةٌ في الأذهان، وهي مَثَارُ مِثْلِ هذا السؤال، فلو أن إخواننا المنتمين للتصوف قَبِلُوا أن يُوزَنَ كلامُ الشيوخ بميزان الكتاب والسنة مِثْلَ غيرهم من علماء الإسلام، ورضُوا بالرجوع الحقيقي لقوله تعالى: [ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ] {النساء:59}؛ لبَطَلَ الخلافُ، أو قَلَّ«؛ فرضي أهل المجلس هذا الكلام، وسَكَتَ السيدُ أحمد بن إسماعيل، وقال الشيخ: سيدي أحمد: هذا مما لا يخالف فيه أحد، فقلت له: مِثْلُكُم من يقول هذا، وتكلم الشيخ المفتي بما فيه تأييد لما قلناه، ثم عاد المجلس إلى الإنشاد والمذاكرات الأدبية، حتى انتهتْ السَّهْرَةُ، وانصرف المدعوُّون ونحن من جملتهم شاكرين فَضْلَ حضرة الشيخ وأَدَبَهُ ولُطْفَهُ وعنايَتَهُ، كما شَكَرْنا أَدَبَ تلامذته، وعنايَتَهُم بضيوف أستاذِهِم، وخصوصا: الشيخ عبده بن تونس، تلميذ الشيخ الخاص».([293])
فإن قال قائل من الغلاة: هذا نوعٌ من المداهنة؛ قلنا له: ليس في هذا مداهنة، إنما هي دعوة تَجْمع الناسَ ضد عدو مفسدته أكبر من مفسدة هؤلاء، وإذا تمكن من البلاد؛ أهلك الجميع، وقوَّى الطرق الصوفية؛ ليحارب بهم بعد ذلك دعوة السنة الصافية، وتوجيه هؤلاء لما فيه المصلحة الكبرى أنفع للإسلام من حرْبهم، والعدوُّ المحتلُّ بمطرقته فوق رؤوس الجميع، ولذلك كانت العاقبة حميدة؛ كما خطّط لها الشيخ ومن معه من المشايخ والأنصار، وتحررت بهم وبأنصارهم -بعد توفيق الله- الجزائر بخلاف أوهام الغلاة!!
فابن باديس ليس مداهنا، بل هو القائل: «حاربَنْا الطرقيةَ لِمَا عَرَفْنا فيها- عَلِمَ اللهُ- من بلاء على الأمة من الداخل ومن الخارج، فعَمِلْنا على كَشْفها وهَدْمها مهما تحمَّلْنا في ذلك من صعاب، وقد بلغنا غايتنا -والحمد الله- وقد عَزَمْنا على أن نترك أَمْرَها للأمة، هي التي تتولى القضاء عليها، ثم نمد يدنا لمن كان على بقية من نسبته إليها؛ لنعمل معًا في ميادين الحياة، على شريطة واحدة، وهي: أن لا يكونوا آلةً مُسَخَّرة في يد نواحٍ اعْتادَتْ تسخيرهَمُ، فكُلُّ طُرُقِيٍّ مُسْتَقِلِّ في نفسه عن التسخير؛ فنحن نَمُدُّ يدَنا له للعمل في الصالح العام، وله عَقْلِيَّتُهُ، لا يَسْمَع منا فيها كلمةً وكلُّ طُرقي- أو غير طُرقي- يكون أُذُنا سماعةً، وآلةً مسخرةً؛ فلا هوادَةَ بيننا وبينه؛ حتى يتوبَ إلى الله».([294])
أما موقفه من جماعة «الإخوان المسلمين»:
فلم أجد من كلام الشيخ ابن باديس ما يُثْبِتُ تواصلًا مباشرًا مع «الإخوان المسلمين» بمصر، ولم أقف على ثناء له عليهم أو على إمامهم
وإنما اللافت للانتباه: هو حَلقة الوصْل بينهما، وهو الفضيل الورتيلاني (1900–1959)
الذي كان من أَقْرَب الشخصيات للإمامين: عبد الحميد بن باديس، والبشير الإبراهيمي ، وكما سيأتي من علاقة الشيخ البشير الإبراهيمي بينه وبين المركز العام للجماعة في القاهرة، وكل هذا تطبيق منهما لتوجيهات الشيخ ابن باديس.
وكذلك ما ذَكَره البعض من مراسلات الشيخ حسن البنا لابن باديس بالثناء عليه، والشَّدِّ من أَزْره، ومن ذلك ما ذكره محمود عبد الحليم في كتابه السابق ذكره؛ حيث قال: «وكان الشيخ حسن البنا كثيرا ما يَبْعَثُ بالرسائل والبرقيات لشَدِّ أَزْرِ السيد عبد الحميد، كما كان يكتب المقالات الضافية في مجلة «الإخوان» لهذا الغرض، ويُعْلِن الاحتجاجَ على السلطات الفرنسية؛ لمصادرتها لمدارس السيد عبد الحميد، واضطهاد رجاله العاملين معه».([295])
وعلى كل حال: فالعالم قد يرى أن الأصلح لدعوته التعاون مع الجماعة الفلانية، ولا يلزم من ذلك رضاه عن كل ما فيها -إذا كان على علم بذلك- لكنه يرى التعاون معها -على ما عندها- لأن ذلك الأصلح والأنفع، بَدَل إشعال الحرب معها، وقد سبق موقفه من الطرقية -فما ظنك بغيرهم، ومن هم أقرب إلى الكتاب والسنة على ما عندهم-؟!
- والفضيل الورتلاني هذا كانت علاقته بجماعة «الإخوان المسلمين» وثيقة، وهو الذي يقول عنه محمود عبد الحليم في كتابه: «الإخوانُ المسلمون أَحْداثٌ صَنَعَتِ التاريخَ»:
«كان الفضيل الورتلاني شابًا جزائريًا من زعماء المجاهدين، الذين طاردهم الاستعمار الفرنسي، فهرب إلى مصر، واتصل بالإخوان المسلمين، وكان كثير التردد على المركز العام للإخوان المسلمين، حتى ليكاد يتردد عليه كل يوم، باعتبار هذه الدار مَرْكَزَ الحركاتِ التحريرية ضد الاستعمار في كل بلد إسلامي؛ كان الفضيل الورتلاني لَمَّاحَ الذكاء، سريع الحركة؛ كثير المعارف، لا يقتصر تحركه على ما يخص موطنه الأصلي – الجزائر- بل كان يرى العالم الإسلامي وحدة لا تتجزأ، وأنه مطالَبٌ بتحرير كل جزء منه، وأَعْتَقِد أن الفضيل الورتلاني كان أولَ من سافر إلى اليمن، التي أطاحَتْ بالإمام يحيى».([296])
وهذا لا يعني أن الشيخ ابن باديس يتبنى فكرةَ: «نجتمع على أي حال وفقط»، لا!! بل لابد من تحديد الأمور الكلية والقطعية عنده والتي لا يجوز خَرْمُها بحال، وكذلك تحديد الأهداف التي يراد الوصول إليها من خلال هذا العمل الجماعي، وهذا ما فعلة الشيخ حيث كتب الشيخ البشير الإبراهيمي أصولَ دعوة جمعية العلماء، ووضع مع بقية إخوانه القانون الأساسي للجمعية، الذي رَضِيَهُ حتى من له عِلْمٌ من الطرقية أولَ الأمر، ثم انْسَحَبوا منها بعد ذلك، وها هو الشيخ يحدثنا عن انسحابهم منها:
فيقول : ها هو القانون الأساسي للجمعية، كما وُضِعَ أولَ مرة منذ خمس سنوات، وقد كان الذين وضعوه شِطْرُهُم من الطرقيين، ولكنهم ما أَكْمَلُوا السنةَ الأولى حتى فَرُّوا من الجمعية، وناصبوها العِداء، واستعانوا عليها بالظلمة، ورموها بالعظائم، وجَلَبُوا عليها من كل ناحية بكل ما كان عندهم مِنْ كَيْدٍ، ذلك لأنهم وجدوا كثيرا من الآفات الاجتماعية التي تحاربها -أي الجمعية- هي مَصْدر عَيْشِهم، ووجدوا قِسْما منها مما تُغْضِبُ محاربتُهُ سادتَهُم ومواليَهُم، وقد شاهدوا مظاهِرَ الغضب بالفعل منهم؛ فما رَفَضَتْهُم الجمعيةُ، ولا أَبْعَدَتْهم، ولكنهم هم أَبْعَدُوا أنفسَهم»([297])
⏪ قلتُ: فها هو الشيخ يبيِّن أن الجمعية سارتْ في طريقها الصحيح، في بيان التوحيد والسنة، حتى أقضَّ ذلك مضاجع الطرقية والاستعمار، ومع هذا كله؛ فقد كان راغبا في بقاء الطرقية في الجمعية، وعددهم نحو النصف؛ لكنهم هم الذين نفضوا أيديهم منها، فما حكم هذا الكلام منه عند الغلاة؟! فإما أن يطعنوا في المشايخ المشاهير كابن باديس والبشير الإبراهيمي وغيرهما، ويخرجوهما من دائرة أهل السنة -كما فعلوا ذلك فيمن لم يفعل شيئًا مما فعله هؤلاء المشايخ، على تفاصيل في ذلك سبق الإشارة إليها- وإما أن يصرحوا بكون المشايخ من أهل السنة والجماعة وإن خالفوهم في اجتهادهم هذا؟ فإن قالوا بالقول الأول؛ ظهرت حقيقتهم السيئة، لاسيما والمشايخ قد بارك الله في جهودهم، وتم تحرير الجزائر بتوفيق الله على أيديهم من الاستعمار الفرنسي!! وإن قالوا بالقول الآخر؛ فهذا قول علماء الأمة بل عقلائها ممن ليسوا بعلماء، وهو مناقض لحالهم وواقعهم المؤسف المُخْزي!! والله المستعان.
j j j













