كتب للقراءة

إتحاف الحصيف بتحذير مشاهير العلماء من فوضى التبديع والتصنيف

إتحاف الحصيف بتحذير مشاهير العلماء من فوضى التبديع والتصنيف

3 – صاحب الفضيلة
البشير الإبراهيمي (ت 1385 هـ)

صاحب الفضيلة البشير الإبراهيمي -رحمه الله-

* أولاً: ترجمة مختصرة للشيخ ([298]):

هو محمَّد البشير بنُ محمَّد السعدي بنِ عمر بنِ عبد الله بنِ عمر الإبراهيميُّ، أحَدُ أعضاءِ جمعيَّة العُلَماء المسلمين الجزائريِّين، ورئيسُها بعد وفاةِ مُؤسِّسها ابنِ باديس، وعضوُ المجمع اللغويِّ بالقاهرة، والمجمعِ العلميِّ بدمشق، وعضوُ مجمع البحوث الإسلاميَّة بالأزهر، يَرْتفِعُ نَسَبُه إلى إدريس بنِ عبد الله مُؤسِّسِ دولةِ الأدارسة بالمغرب الأقصى، كان ـ ـ عالِمًا فذًّا، وإمامًا مِنْ أئمَّةِ السلفيَّة، وأديبًا مُرَبِّيًا، ومُجاهِدًا مُصْلِحًا، شَمِلَتْ كتاباتُه قضايَا الوطنِ العربيِّ، وهمومَ العالَمِ الإسلاميِّ.

وُلِدَ بقرية «رَأْس الوادي» بناحية مدينة «سطيف» بالشرق الجزائري، عام (1306 هـ/ 1889م)، وتلقَّى تعليمه الأوَّل على يَدِ والدِهِ وعمِّه، ثم تلقَّى على غيرهما من أهل العلم، وكانت له رحلاتٌ كثيرةٌ في بقاع العالم الإسلامي: مُتَعَلِّما ومُعَلِّما، مثل: المدينة النبوية، ودمشق، والقاهرة، وبلده الجزائر.

يُعدُّ أَحَدَ أعلام الفِكْر والأدب في العالم العربي، وحلقةً من حلقات الجهاد الطويل في الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي، وأَحَدَ رُوَّاد الحركة الإصلاحية في «الجزائر».

تُوُفِّيَ بالجزائر سنةَ: (١٣٨٥ﻫ).

* ثناء العلماء عليه:

ثناء سماحة الشيخ ابن باز :

فقد كان سماحته يصل الشيخ إِعانةً له على أعماله في الدعوة إلى الله -جل شأنه- فقد أَوْصَى له الشيخ ابنُ بازٍ بمبلغٍ من المال؛ فقال في رسالة لعامله ما نَصُّه:

من عبد العزيز بن باز إلى حضرة الأخ المكرم على بن ريس -وفقه الله-.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بعده: يصلكم بيد حامله محمد بن إبراهيم الباز مبلغ ألفين 2000 ريال وَرَق، أرجو أن تقيدوها عندكم للشيخ محمد البشير الإبراهيمي الجزائري، وتفيدونا تحت هذا الكتاب بوصولها، وذلك لأن الأخ سليمان عبد الله الغنيم قد أخبرنا عن رغبة الشيخ المذكور في تسليم ما يحصل له على يدنا للأخ سليمان، وقد وافق سليمان المذكور على تسليم ذلك؛ لمحله في الرياض، بارك الله فيكم وفيه، والله يتولاكم والسلام.

5/10/1375هـ

ويصلكم خط لسليمان، أرجو تعجيل إرساله إليه

حضرة المحترم فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الموقر -حفظه لله تعالى-.

بعد التحية والاحترام: الموجِبُ: مرسَلُكُم بيد محمد بن إبراهيم الباز ألفين 2000 ريال وَرَق، اعتمدنا أمركم في قَيْدها للشيخ محمد البشير الإبراهيمي الجزائري، وحُرِّر هذ للعلم، وذلك بالحساب للشيخ المذكور مع سليمان العبد الله الغنيم في 5/10/1375هـ.

علي بن ريس([299])

ثناء الشيخ الألباني :

قد استمع الشيخ لجزء من مقالة الشيخ البشير الإبراهيمي، تلاه على مسامعه الشيخُ مشهور بن حسن -حفظه الله-

وقد وصفه الشيخُ بالخطيبِ الفصيحِ، وطَلَبَ من الشيخ مشهور أن يَذْكُر له بعض مقالاته، فاختار الشيخ مشهور جزءًا من مقالٍ للشيخ البشير، وقال بأن هذا ضعيف، وأن هناك من مقالاته أَقْوى منه، وبَيَّنَ أن الشيخ البشير كأنه يتكلم عن مشكلات العصر، وكأنه حَيٌّ بين أَظْهُرِنا…

والشيخ الألباني لا يزيد عند قراءة أي جملة عليه من الشيخ مشهور أكثر من: «ما شاء الله» وإذا تَحَمَّس؛ قال: «الله أكبر».([300])

ثناء العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد :

⏪ قال الشيخ : «تنبيه مُهِمٌّ:

أعيذك بالله من صنيع الأعاجم، والطرقية، والمبتدعة الخلفية، من الخضوع الخارج عن آداب الشرع، مِنْ لَحْسِ الأيدي، وتَقْبِيل الأكتاف، والقَبْضِ على اليمين باليمين والشمال عند السلام، كحال تودُّدِ الكبارِ للأطفال، والانحناء عند السلام، واستعمال الألفاظ الرَّخْوة المتخاذلة: سيدي، مولاي، ونحوها من ألفاظ الخَدَم والعبيد.

قال: وانظر ما يقوله العلامةُ السلفيُّ الشيخُ محمد البشير الإبراهيمي الجزائري (م سنة 1380 هـ) – تعالى- في «البصائر»؛ فإنه فائق السياق»([301])

وفي رسالة «التعالم» تحدث الشيخ بكر عن أربعة علماء تأثر بتراكيبهم التعبيرية، حيث يقول الشيخ في سياق الدعوة لما سماه «نَسْجُ الكلام على سَنَن لغة العرب»: «وقد رأينا هذا لدى جملة من علماء السلف المعاصرين منهم: العلامة الداعية اللغوي الشيخ محمد الخضر حسين، والعلامة الداعية اللغوي الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، والعلامة المحدث اللغوي الشيخ أحمد بن محمد شاكر، في آخرين. وقد استفدت من كتب هؤلاء الثلاثة الأعلام، وتأثرتُ بأسلوبهم البياني الفريد، مع ما مَنَّ الله به علي من ملازمة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي صاحب «أضواء البيان» نحو عشر سنين في مدينة النبي -صلى الله عليه وسلم-».([302])

فها هو الشيخ بكر أبو زيد يصف هؤلاء المشايخ الثلاثة بالعلامة، والداعية، وفي أحمد شاكر قال: المحدث، ووصفهم جميعا بأنهم من علماء السلف المعاصرين والأعلام، وممن تأثر بأسلوبهم البياني الفريد، الشيخ بكر أبو زيد -فرحمهم الله جميعا-.

1- كان الشيخ يرى أن مشايخ الطرق الصوفية عملاء لفرنسا؛ فلم يمد يدَه للتعاون معهم بعد ما ظهر له أن شرط التعاون معهم مفقود من جهتهم، وهو: أن يكون مشايخ الطرقية غير عملاء لفرنسا؛ ولعل من أهم أسباب محاربته لهم وعدمِ تعاونه معهم، ولو في مصالح الدولة وتحررها كما فعل مع كثير من الجبهات الوطنية الأخرى، التي لا تهتم بالدعوة: أنه كان يرى عمالتهم للاستعمار أَمْرا واضحا، وفي ذلك يقول:

«ابحثوا في تاريخ الاستعمار العام، واستقصوا أنواع الأسلحة التي فُتِكَ بها في الشعوب؛ تجدوا فَتْكَها في استعمال هذا النوع الذي يُسمّى «الطرق الصوفية»، وإذا خفي هذا في الشرق، أو لم تظهر آثاره جلية في الاستعمار الانكليزي؛ فإن الاستعمار الفرنسي ما رَسَتْ قواعدُه في الجزائر، وفي شمال أفريقيا على العموم، وفي أفريقيا الغربية، وفي أفريقيا الوسطى؛ إلا على الطرق الصوفية وبواسطتها، ولقد قال قائد عسكري فرنسي معروف، كلمة أحاطت بالمعنى من جميع أطرافه، قال: «إن كَسْبَ شيخِ طريقةٍ صوفيةٍ أَنْفَعُ لنا من تجهيز جيشٍ كامل، وقد يكونون ملايين، ولو اعتمدنا في إخضاعهم على الأموال والجيوش؛ لما أفادتنا ما تفيده تلك الكلمة الواحدة من الشيخ، على أن الخضوع لقوّتنا لا تُؤْمَن عواقِبُهُ، لأنه ليس من القلب، أما كلمة الشيخ فإنها تَجْلِب لنا القلوبَ والأبدانَ والأموالَ أيضًا».

هذا معنى كلمة القائد الفرنسي وشرحها، ولعَمْري إنها لكلمة تكشف الغطاء عن حقيقةٍ ما زال كثير من إخواننا الشرقيين منها في شكٍّ مريب، وهم لا يدرون أن أول من خرج عن جماعة الأمير عبد القادر الجزائري في أيام جهاده شيخُ طريقةٍ معروفٌ، وأن من أكبر أسباب هزيمته استعانةَ فرنسا عليه بمشائخ الطرق الصوفية، وإعلانَ كثير من أتباعهم الخضوعَ لفرنسا؛ فهل نحتاج بعد هذا إلى دليل؟ إن تاريخ تلك الوقائع لم يَزَلْ مِدادُه طريًّا، وما زال الاستعمارُ بالجزائر يُسَمِّي هؤلاء المشائخَ «أحبابَ فرنسا»».([303])

قلتُ: وللأسف المخزي: أن الغلاة في هذا العصر -وإن كانوا من أهل التوحيد والسنة والحرص على الدليل- إلا أن قواعدهم المحدثة التي فرقت الأمة، وأوهمت أبناءها أن من خالفهم من علماء السنة الصالحين المصلحين هم أضر من اليهود والنصارى، وأخطر على الإسلام من اليهود والنصارى والرافضة والصوفية والجهمية المعطلة… إلخ الفرق؛ لأن هذه الفرق -في زعم هؤلاء الغلاة- أمرها مكشوف، ولا يُخشى منها، لعدم ثقة الناس فيهم، وأما العلماء الذين خالفوهم -وإن كان ذلك في مسائل اجتهادية، يسع فيها الخلافُ المختلفين من عصر الصحابة رضى الله عنهم إلى الآن- فهؤلاء في زعم الغلاة أخبث وأضر وأخطر من الفرق السابقة؛ لأن الناس يثقون فيهم، ويقبلون منهم!!

فيقال لهؤلاء قرة عين أعداء السنة والتوحيد-: لو فرضنا أن الناس وثقوا في هؤلاء العلماء، وأخذوا بقولهم المخالف لكم في المسائل الاجتهادية؛ فهل هذا أضر من إعلام وجيوش وأموال ومنظمات اليهود والنصارى والماسونية… إلخ، الذين يكيدون للدين والأخلاق والشيم والرجولة لاقتلاع جذور القلوب اقتلاعا؟ فهل هؤلاء يفهمون ما ينطقون؟ أو هل هم يعرفون مكايد هذه الأعداء والفرق؟

2 – علاقته بالحركات الوطنية:

وبينما كان موقف الشيخ من الطرق الصوفية ما سبق بيانُه؛ إلا أنه كان متعاونًا مع الحركات الوطنية والقومية، التي تسْعى بصدق معه لتحرير الجزائر؛ وذلك لما كانوا صادقين في طرد فرنسا من البلاد، على أنهم أصحاب اتجاهات سياسية ودينية بعيدة عن الدعوة -في الغالب- لكن المصلحة العامة جَمَعَتْه بهم.

وعندما اندلَعَتْ ثورة التحرير الكبرى في أول نوفمبر ۱۹54م، اتَّصَلَتْ به قيادةُ جَبْهَة التحرير الوطني، وكَلَّفَتْهُ بالاتصال بالزعماء العرب المسلمين؛ للتعريف بالقضية الجزائرية، والحصول على التأييد المادي والمعنوي لها([304])، فنشط في هذا المضمار نشاطا كبيرا، وبَذَل جهودا جبارة؛ لإيصال صَوْتِ الثورة الجزائرية إلى تلك البلدان، وظَلَّ كذلك إلى أن نالَتْ الجزائر استقلالَها؛ فعاد إليها عام ۱۹6۲ م، وأَمَّ الناس بها أول صلاة جمعة([305]).

قلتُ: فما حكم هذا الرجل عند هؤلاء الغلاة، وهو يناصر ويتعاون مع أصحاب اتجاهات سياسية ودينية وقومية ووطنية بعيدة عن دعوته السلفية؟ فإن لم يكن سلفيا عندهم، بل هو ضال مبتدع، وحزبي خبيث -كما هي عادتهم فيمن يخالفهم فيما هو دون ذلك- فماذا يقولون في المشايخ الذين زَكَّوْه ومدحوه بعبارات المدح الرفيعة، ومنهم شيخهم ربيع المدخلي؟

3 – أما عن علاقته بالإخوان المسلمين:

فقد جاء في «آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي» في ذكر ترجمته:

سافر الإبراهيمي إلى المشرق العربي للمرة الثانية عام 1952 ممثلا لجمعية العلماء؛ ليسعى لدى الحكومات العربية لقبول بِعْثَات طلابية جزائرية في معاهدها وجامعاتها، وطَلَبِ الإعانةِ الماديةِ والمعنويةِ للجمعية؛ حتى تستطيع مواصلة أعمالها وجهادها، والتعريفِ بالقضية الجزائرية في الأوساط السياسية في الدول التي زارها، أو الْتَقَى بمسؤوليها، ولَدَى جامعة الدول العربية.

وقد اتخذ من مصر منطلقا لنشاطه، ورَعَى فيها أُولى البعثات الطلابية، وكان سفيرا للجزائر وصَوْتَها المدوِّي، يُلْقِي المحاضراتِ والدروسَ- خاصة في مركَزَيْ «الإخوان المسلمين»، و «الشُّبَّان المسلمين»- والأحاديثَ الإذاعية قبل الثورة التحريرية وفي أثنائها. وقد زار في هذا الشأن- بعد مصر- كُلَّا من المملكة العربية السعودية، والعراق، وسوريا، والأردن، والكويت، وباكستان.([306])

ونسأل الغلاة: ما هو موقفهم من الشيخ الإبراهيمي ، وقد كان يُلقي المحاضرات والدروس في مركزيْ «الإخوان المسلمين»، و«الشبان المسلمين»؟ ولا نريد منهم إلا أن يصرحوا بما في نفوسهم عن هؤلاء الأعلام، الذين فعلوا هذه الأفعال؛ حتى يعرف الناس حقيقتهم أو تناقضهم!!

⏪ وفي مقال له بعنوان «الأستاذ سيد قطب» قال الشيخ البشير :

«تمتزجُ فكرةُ الوطن الإسلامي الأكبر بنفس الأستاذ سيد قطب امتزاجَ الروحِ بالجسد، والعقيدةِ بالعَقْل، فهو -حفظه الله- لم يَفْتَأْ يَدْعُو المسلمين في الشرق والغرب بكتاباته الضافية إلى السير على ضوء هذه الفكرة في حركاتهم التحريرية وكفاحهم العام، والاعتصام بأخوتهم الإسلامية، التي هي المهَيْعَ الأمين لتحقيق أمانيهم وآمالهم في الحياة، كمسلمين: لهم من تعاليم دينهم، ومَجْدِ تاريخهم كلُّ ما يهديهم سواء السبيل، إذا غَشِيَتْهُم الظلماتُ، وأَلَمَّتْ بساحتهم خطوبٌ ومُلِمّاتٌ.

وقد وجد الأستاذ -يعني سيدا – في صحيفة «البصائر» التي هي اللسان المعبّر عن كفاح الجزائر في سبيل المحافظة على إسلامها وعروبتها، وربط نهضتها بالعالَم الإسلامي صَدَى دعوته الصارخة؛ فأحبّها، وبادر بإرسال هذه الكلمة البليغة الجامعة إليها…»([307])

⏪ وفي مقال بعنوان «فلسفة الإصلاح» كَتبَ الشيخُ البشيرُ :

«…وكتب الإمام الشهيد سيد قطب في «البصائر»- العدد 214، في 7 جمادى الأولى 1372هـ/ 23 يناير 1953م- مقالًا ينوّه فيه بجهاد جمعية العلماء ورئيسها الشيخ الإبراهيمي، جاء فيه:

«لقد وجّه الاستعمار همّه في الجزائر إلى سَحْقِ العقيدة وسَحْقِ اللُّغة، وعن هذا الطريق كاد يصل إلى غايته، فلما انتفضت الجزائر بالحياة؛ كانت العقيدة هي المِشْعَل الذي أضاء لها الطريق، وكانت اللغة هي الحبل الذي تتماسك به الجموع الشاردة في الظلام.

وإني لأَكْتَفي اليوم بهذه الكلمات القلائل؛ تحيةً لجمعية علماء الجزائر، وشيخها الجليل، الذي يجاورنا اليوم، فيبعث فينا من رُوحِهِ القويِّ شعاعًا حارًّا، ويُشْعرنا بأن في العالم الإسلامي رجالًا.. رجالًا من طراز فريد، ولن يموت هذا العالَم وهو يَبْعَثُ من أعماقه بمثل هؤلاء الرجال».([308])

قلتُ: فها هو يمدح سيد قطب ولعله ما وقف على الأخطاء التي بينها العلماء في كتب سيد قطب -غفر الله له- بعد ذلك، لكن هؤلاء الغلاة لا يعرفون هذه الاعتذارات عن العلماء، بل يرفعون أصواتهم هذه الأيام بتبديع من يترحم فقط على سيد قطب أو حسن البنا فما ظنك بمن يمدحهما؟ والإنصاف يقتضي: قبول الحق منهما ومن غيرهما ورد الباطل منهما ومن غيرهما، أما عقد الولاء والبراء على تبديعهما وهجرهما بإطلاق؛ فليس من عمل أهل الانصاف، إنما هذا منهج أهل الهوى والإسراف!!

⏪ وقال في مذكراته عن رحلته:

فمن مقاصدي في هذه الرحلة: أن أَدْرُسَ- عن عيانٍ- المهمَّ من القضايا الإسلامية، وأَدْرُسَ العاملين من رجال الإسلام؛ لآخذ عنهم القدوة الحسنة لنفسي أولًا، ولقومي يوم تُنْشَر مذكراتي عن هذه الرحلة ثانيًا، وأُشْهَد اللهَ أنني استفدتُ من هذه الدراسة كثيرًا، وأَكْمَلْت جوانب من نَقْصِي، ولا أَكْذِبُ على الحقيقة؛ فقد كنتُ ناقصًا، وما زلْتُ ناقصًا

ولكنني أَعُدُّ من دواعي الكمال: السعْيَ في التكميل، ومن أشنع النقص: ادّعاءَ الكمال، ومن أراد أن يَعْرِفَ نَفْسَه؛ فلْيَضَعْها أمام كاملٍ، فكأنما يقابل منه مرآة مجلوة، وقد كنتُ أحفظ اللزوميات، ثم أُنْسِيتُها، وبقي في نفسي شيء من الاعتزاز بذلك بعد النسيان، مثل اعتزاز الفقير بغناه الزائل، فلما لَقِيتُ مَنْ حَفِظَ اللزوميات في مثل سِنّي، ولم يَنْسَها؛ احتقرتُ نفسي، وبَرِئْتُ من الاعتزاز الزائف.

⏪ قال : دَرَسْت أبا الأعلى المودودي، وسليمان الندوي، وعبد الغفار خان من باكستان، وكتبتُ عنهم مذكّرات، ودَرَسْتُ جماعةً من العلماء العاملين في العراق والشام ومصر من الأحياء، وممن تأخر موتُهم، ودَرَسْتُ أمين الحسيني، وحَسَنَ البنا، والفضيل الورتلاني عيانًا في الحيين وشِبْهَ عيانٍ في الميْت لاستفاضة شهرته في جميع الأوطان التي زرتها، ولخلود الأهرامات التي بناها من النفوس لا من الحجر، ودَرَسْتُ بعض رجال الثورات المادية، وكل ما كتبته من مذكرات عن هذه الدراسات ستنتفع به الأجيال يوم يُنْشَر -إن شاء الله-، ومفتاحُ دراساتي: هو عَمَلُ الرجل وغايتُهُ وجهادُهُ، وتفسير العمل عندي: ما يُبْنَى على عقيدةٍ؛ لئلا يتناقض، وما تَدْفَعُه إرادةٌ؛ لئلا يتراجع، وما يحثّه جهاد؛ لئلا يقف، وما يصْحَبه تجرّد؛ لئلا يُتَّهَم، وما ينتشر؛ لئلا يضيق فيضيع؛ وما تكون غايته الخير؛ لئلا يكون فسادًا في الأرض.

وبهذا المقياس دَرَسْتُ الأعمال والعاملين ومنهم الورتلاني، ولم يزد الورتلاني عليهم بسابق معرفتي له، ولا بكونه خريج المدرسة الإصلاحية التي شاركتُ في بنائها، ولا بالعِشْرة الملازِمة بيننا؛ فقد تجردتُ في دراستى له عن كل ما أَعْرِفُه عنه من أول النشأة إلى الآن؛ حتى كأن الفضيل الذي أَدْرُسُه غيرَ الفضيل الذي أَعْرِفُه، وقد كانت هذه الدراسة وهو في المرحلة الوسطى من عُمره وعَمَله، وهي مرحلة يَغْلِب أن تَثْبُتَ ولا تُحَوَّل، وتتمادى ولا تتغيّر، ومن الخطإ أن يُبنى تاريخ الرجال على الحقبة الأولى من حياتهم، كالذين أرّخوا لحياة ابن خلدون العلمية بما قبل تأليفه للمقدمة، وللرجال مراحل يطُولُون فيها ويَقْصُرون، ويزيدون ويَنْقُصون؛ لذلك كان أصدق تواريخ الرجال ما يُكْتُبه الدارسون المُتَقَصَّوْن عنهم بعد موتهم؛ لأن الموت خَتْم على صحائف الأحياء.([309])

قلتُ: فها هو يمدح أشخاصا في العالم الإسلامي يرى غلاة عصرنا مجرد الترحُّم على واحد منهم جناية كبرى!! ومع أن منهم من تؤخذ عليه زلات، يجب الحذرُ منها، لكن الأشخاص يُقبل ما أصابوا فيه، ويمدحون لأجله، -إذا كان لمدحهم فائدة شرعية- ويُوَالَوْن على قدره، ويُرَدُّ ما أخطأوا فيه، ويُنكر عليهم -إذا كان لذلك فائدة شرعية-، وهذا منهج العلماء والعقلاء، أما الغلاة فهم في تهاويلهم وأوهامهم يتردَّدُون؛ لأن لهم عقولا وقواعد وطرائق تجعلهم في كل وادٍ يهيمون!!

⏪ وتحت عنوان «خلل ذاتي» جاء في آثار الشيخ :

ذكر الشيخ أسباب فشل المقاومة السابقة في الجزائر، ثم أشار إلى أنه لا بد من العمل بقول الله : [ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ] {الرعد:11}، ثم قال: وهو الشعار الذي رفعه دعاةُ الإصلاح الديني والاجتماعي في العالم الإسلامي على لسان جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، والكواكبي، وشكيب أرسلان، وعبد العزيز الثعالبي، وحسن البنا، ومولاي محمد العربي العلوي، ورجال جمعية العلماء في الجزائر.

لقد أدّى الفهم السيئ للإسلام ببعض العلماء الجامدين المتخاذلين- في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين- إلى إصدار فتاوي تُجَرِّم وتُحرِّم كل ثورة أو انتفاضة ضد الأعداء المحتلين، وهذا من الأسباب التي أدّت إلى ظهور الإصلاح؛ لتصحيح العقيدة وتقويم الانحراف، ونعني بالإصلاح هنا المفهوم القرآني الأصيل، الذي فهمه علماؤنا المصلحون فهمًا صحيحًا، وطبّقوه تطبيقًا سليمًا، لا المفهوم الغربي الحديث الذي تسرّب إلى أذهان بعض المُفَكِّرين السياسيين المقلِّدين للغرب في حقّه وباطله، حتى أصبح من المُسَلَّم به عند كثير من أبنائنا اليوم: أن الثورة أعمّ وأشمل وأعمق من الإصلاح، الذي يرادف في الغرب معنى التغيير الخفيف، الذي يحدث بتدرّج ومن دون عُنف، بينما الثورة هي عندهم انقلاب جذري دون تدرّج، عنيف ومفاجئ، وما دَرَوْا أن الإصلاح بالمفهوم القرآني الصحيح له معنىً أَشْمَلُ وأَعَمُّ وأكبر من الثورة، فهو دائمًا نحو الأحسن والأكمل، بينما الثورة قد تكون من الصالح إلى الفاسد أصلًا، ويتم ذلك بمجرد تغيير سلطة بسلطة وحاكم بحاكم.([310])

قلتُ: وبهذا يظهر تعاونه مع «الإخوان المسلمين» كونه كان كثير إلقاء المحاضرات في «جمعية الشبان المسلمين»، والتي كان الشيخ حسن البنا من مؤسسيها أيضًا، وكانت وثيقةَ الصِّلة بالإخوان المسلمين، وكذلك ما كان يلقيه من محاضرات ودروس في مقر الإخوان المسلمين([311])

  • وتأمل -يا رعاك الله- مَدْحَه لأعلام وشخصيات كثر القدح فيها هذه الأيام، والناس فيها مختلفون، فمحمد عبده يمدحه الشيخ محمد رشيد رضا -تلميذه- ويقدح فيه جدًّا الشيخ مقبل الوادعي وقِسْ على ذلك جمال الدين الأفغاني وغيره -رحمهم الله- إلا أن الخلاف في الجرح والتعديل لا ينبني عليه ولاء ولا براء عند العلماء والعقلاء، أما الغلاة فلم يشمُّوا رائحة هذا النوع من العلم والحلم والفهم لمنهج الكبار -سلفا وخلفا- في هذه الجوانب التي خالفناهم فيها، وإن كانوا على جوانب أخرى من الخير، نتفق معهم عليها، ونشدّ على أيديهم فيها، ونمدحهم ونثني عليهم بسببها، فإن كنا نذم طريقتهم -لا أعيانهم- التي سلكوها وهكذا الموقف العلمي الرشيد السديد منهم ومن غيرهم، فلا إفراط ولا تفريط، والموفّق من وفقه الله، ومن لم يوفقه؛ فلن تجد له وليًّا مرشدًا، والله أعلم وأحكم.

j j j