كتب للقراءة

إتحاف الحصيف بتحذير مشاهير العلماء من فوضى التبديع والتصنيف

إتحاف الحصيف بتحذير مشاهير العلماء من فوضى التبديع والتصنيف

ثانيًا: صاحب الفضيلة الشيخ
محمد ناصر الدين الألباني

صاحب الفضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني -رحمه الله-

سترون -إن شاء الله تعالى- في هذه المقاطع مخالفة ظاهرة من الشيخ الألباني لمنهج الشيخ ربيع في الجرح والتعديل، وأسلوبه الفظّ الغليظ، وسأنقل ذلك عنه وإن كان الشيخ في الأشرطة قد لا يهتم -في الجملة- بمراعاة قواعد النحو، كما هو مشهور عن المجالس المسجلة -غالبًا-.

1- لا تَكُنْ مع الشيخ ربيع على خصومه، ولا مع خصومه ضده:

يقول السائل: هل قرأت كتاب (الغربة والغرباء) لسلمان العودة؟

الشيخ: قرأتُه.

السائل: ما رأيُك في هذا الكتاب يا شيخ؟

الشيخ: فيه وفيه…

ولكن أنا أنصحك أنت وغيرك سواءً كنتَ له أو عليه: ألا يتعصب أحدكم على أخيه المسلم؛ لأنه ما منا من أحد إلا كما قال الإمام مالك: (إلا وَرَدَّ أو رُدَّ عليه إلا صاحب هذا القبر)- صلى الله عليه وعلى آله وسلم-

ولذلك ارفعوا من قلوبكم العداوة والبغضاء، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا كما أَمَرَكم الله.

فلا تكن مع سفر ولا مع سلمان ولا مع العمر، ولا تكن عليهم مع الدكتور ربيع ولا مع غيره ممن هم في خصام مُبين، الآن في بعض المسائل التي تعتبر مسائل فرعية، وقعت مثلها في الخلاف قديما بين الصحابة والذين من بعدهم، ومع ذلك لم يكن ذلك سببا في الفُرقة والعداوة والبغضاء بينهم.

والتاريخ يعيد نفسه، وننصحكم أن تظلوا كما كنتم مِن قَبْلُ إخوانًا على سُرُرٍ متقابلين». اهـ

قلتُ: فتأمل موقف الشيخ ، وإن كان عند بعض المذكورين هنا ما يُرَدُّ عليه كغيره من أهل العلم، ولكن بالتي هي أحسن، وكم هي العداوات التي أثارها الشيخ ربيع في جميع أقطار العالم بسبب فلان وفلان -ومن جملتهم المذكورون حفظهم الله جميعا-، وبهذا أو غيره في هذا الكتاب تُدْرك الفَرْق الجليَّ بين طريقة كبار العلماء وطريقة الشيخ ربيع وحزبه حزب الغلاة المسرفين في التجريح والتبديع والهجر والسب والشتم بأخبث الشتائم!!

2- الشيخ الألباني ينصح أحد أتباع الشيخ ربيع -وفقه الله- بقوله له: أنتم تقِفُون في خَطٍّ منحرف:

السؤال:

يا شيخ! ماذا تقولون فيمن خالف أئمة الإسلام في أمر من الأمور التي قد أجمعوا عليها، وقامت عليه الحجة، ولم يرجع، بل زاد على ذلك أنه يمدح بعض الصوفية والمفوضة، ويمدح من يقول بقول جهم في القرآن، ويطعن في الصحابة، بل وفي الأنبياء، ويسميهم أئمة ومجددين، بل ويثني على بعض الزنادقة الذين أباحوا الردة، وطعنوا في العقيدة، وفي الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وفي أهل الحديث، ويقول عنهم: فيهم خير كثير، وسَمَّى زيغهم وضلالهم اجتهادًا، فقال: وإن كنا نتحفظ عن بعض اجتهاداتهم.

فهل يكون هذا مبتدعًا؟ وهل نُعَيِّنُهُ ونقول: فلان مبتدع؛ تحذيرًا للأمة، ونصحًا لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم؟…

الشيخ: أَمَدَحَ هذا الكلام، أم مَدَحَ صاحب هذا الكلام؟

السائل: لا، بل صاحب هذا الكلام، ما مدح الكلام.

الشيخ: إذًا مَدَحَ صاحبَ الكلام! قد أَمْدَحُه أنا؛ فهل معنى ذلك أنني أُصَوِّبُ كلَّ ما قال؟…

الشيخ: انظر! -يا أخي- أنا أنصحك أنت والشباب الآخرين الذين يقفون في خَطٍّ منحرف -فيما يبدو لنا- والله أعلم: أَلَّا تُضَيِّعوا أوقاتكم في نَقْدِ بعضكم بعضًا، وتقولوا: فلان قال كذا، وفلان قال كذا؛ لأنه أولًا: هذا ليس من العلم في شيء، وثانيًا: هذا الأسلوب يوغر الصدور، ويحقق الأحقاد والبغضاء في القلوب، إنما عليكم بالعلم، فالعلم هو الذي سيكشف: هل هذا الكلام في مدح زيد من الناس الذي له أخطاء كثيرة؟ وهل -مثلًا- يحق لنا أن نسميه صاحب بدعة؟ وبالتالي هل هو مبتدع؟ ما لنا ولهذه التعمقات؟ أنا أنصح بألا تتعمقوا هذا التعمق؛ لأننا في الحقيقة نَشْكوا الآن هذه الفُرْقة التي طَرَأَتْ على المنتسبين لدعوة الكتاب والسنة، أو كما نقول نحن: للدعوة السلفية، هذه الفُرْقة -والله أعلم- السبب الأكبر فيها هو حَظُّ النفس الأمارة بالسوء، وليس هو الخلاف في بعض الآراء الفكرية، هذه نصيحتي([42])

الشيخ: أنا كثيرًا ما أُسْأَل: ما رأيك بفلان؟ فأفهم أنه متحيز له أو عليه، وقد يكون الذي يُسْأَل عنه من إخواننا، وقد يكون من إخواننا القدامى، يقال عنه: إنه انحرف، فأنا أنصح السائل: يا أخي! ماذا تريد بزيد وبكر وعمرو؟ استقم كما أُمِرْتَ، وتَعَلَّم العلم، وهذا العلم سيميز لك الصالح من الطالح، والمخطئ من المصيب… إلخ، ثم لا تحقد على أخيك المسلم لمجرد أنه -لا أقول: أخطأ-؛ بل لمجرد أنه انحرف، لكن انحرف في مسألة أو اثنتين أو ثلاث، والمسائل الأخرى ما انحرف فيها، ونحن نجد في أئمة الحديث مَنْ يتقبلون حديثه، ويقولون عنه في ترجمته: أنه مرجئ، وأنه خارجي، وأنه ناصبي… إلخ، فهذه كلها عيوب، وكلها ضلالات، لكن عندهم ميزان يتمسكون به، ولا يرجحون كِفَّةَ سيئة على الحسنات، أو سيئتين أو ثلاث على جملة حسنات، ومن أعظمها: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.

أنا أقول -مثلًا- في سلمان وأمثاله: بعض إخواننا السلفيين يتهمونهم بأنهم من «الإخوان المسلمين»، أنا أقول: لا أعلم أنه من الإخوان المسلمين، لكن ليت «الإخوان المسلمين» مثله، «الإخوان المسلمون» يحاربون دعوة التوحيد، ويقولون: إنها تُفَرِّق الأمة، وتُمَزِّق الكلمة، أما هؤلاء -فيما أعتقد، وأهلُ مكة أدرى بشعابها- يَدْعُون إلى التوحيد، ويُدَرِّسُون التوحيد، أليس كذلك؟

السائل: نعم.

الشيخ: إذًا: ليت «الإخوان المسلمين» يكونون كذلك، وقد يوجد عندهم عمل سياسي، وعندهم ما يشبه الخروج على الحكام …إلخ، نعم، الخوارج كانوا كذلك، الخوارج الرسميون الذين لا يَشُكُّ العلماء أن قول الرسول : «الخوارج كلاب النار» إنما قُصِدُوا هم؛ الذين خرجوا على علي، وأنهم «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية»، كما في الحديث المعروف في «الصحيحين»، هم المقصودون، مع ذلك يروون الحديث عنهم، ويعتبرونهم مسلمين، فهم يَدَعُون ضلالاتهم، ويبينون حسناتهم، وهذا من باب قوله تعالى: [ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ] {المائدة:8}.

فهؤلاء إذا كان عندهم انحراف، ولا أعتقد أنه انحراف في العقيدة، إنما هو انحراف في الأسلوب، وعلى كل حال: نسأل الله أن يجعلنا من الأمة الوسط، التي لا تقع لا في الإفراط ولا في التفريط». اهـ([43])

قلتُ: فما هو حكم هؤلاء الغلاة -شيبا وشُبَّانا- على فضيلة الشيخ الألباني بعد وصفهم بأنهم منحرفون، وكلامه في الشيخ سلمان -حفظه الله- وقد بدّعوا الآلاف من الناس لكونهم خالفوهم في حكمهم عليه، مع كون هؤلاء المخالفين لهم ينكرون على الشيخ سلمان -حفظه الله- أخطاءه، ولم يُقرُّوه عليها، كل ما في الأمر أنهم لم يحكموا عليه بعينه بأنه من أهل البدع الكبرى، وأنه أخبث من اليهود والنصارى، وأنه مبتدع ضال قد فرغنا منه منذ دهر… إلخ قائمتهم السوداء المظلمة الظالمة!!

3- قلت: الشيخ الألباني : لا يعتبر جماعة «الإخوان المُسلمين» من الفِرق الضالة:

وفي الأسئلة التي ألقيتُها على فضيلة الشيخ في رجب (1416) هـ في مدينة «عَمَّان» -حرسها الله وجميع بلاد المسلمين- حيث قلت بعد كلامٍ للشيخ فهمنا منه أن الشيخ يحْكُم على بعض السلفيين الذين تحَزَّبُوا وغيرهم بأنهم خارجون من دائرة أهل السنة، فلما سألتُهُ في المجالس اللاحقة؛ قَيَّد هذا الإطلاق بأن مراده: أن فِعْلهم هذا ليس من فِعْل أهل السنة، لا أنهم ليسوا من أهل السنة، وإليك الكلام مُفَرَّغًا من الشريط: قلت: «.إذًا: هذا وَضَّح شيخَنا، أو قَيَّد الكلام الذي فَهِمَهُ كثير من الجالسين في المجلس الأول، وكنت أنا أحَدَهم، حتى تساءل كثير من الإخوة الذين هم طلبة العلم الكبار، قالوا: ما عَهِدْنا عن الشيخ الفتوى بأن هذه الفرق المخالفة لنا أنها خارجة إلى الثنتين والسبعين فرقة الهالكة، وإنما عَهِدْنا أنه يُخَطِّئ ويُحَذِّر من هذه الأخطاء دون أن يصل الحكم إلى هذا الأمر، فالآن يظهر لنا أنكم تقيدون بأن هذا الفعل الذي هو محل السؤال؛ هم شابهوا فيه، أو خرجوا فيه من دائرة الفرقة الناجية، ولا يعني ذلك خروجهم بالكلية من دائرة الفرقة الناجية.

الشيخ: هذا الذي ندين الله به، وأنا ما أعتقد أنني قلت: إنهم من الفرق الضالة؛ لأنني كثيرًا ما أُسأل سؤالًا صريحًا، أنا ما أعتقد في تلك الجلسة قلت هذا الكلام، وكنت أريد أن يُسْمِعني الشريط ([44]) حتى إذا كان هناك خطأ ما، ولو خطأً لفظيًا؛ نتراجع عنه، لكني أظن في نفسي في بعض الأحيان خيرًا، يعني: أنني لا يصل بي الوهم إلى هذا الحضيض: أن أحكم على شخص ما بأنه من الفرقة الضالة، أو الفِرَقِ الإثنين والسبعين لمجرد مخالفة واحدة.

ثم قال : فكثيرًا ما سُئِلْتُ عن الأحزاب القائمة اليوم، وبخاصة حينما يَنُصُّون على حزب «الإخوان المسلمين»: هل تعتبرهم من الفرق الضالة؟ فأقول: لا؛ لأن هؤلاء أَقَلُّ ما يقال فيهم: إنهم يُعْلِنون تَبَعًا لرئيسهم الأول حسن البنا أنه على الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح، وإن كانت هذه دعوى تحتاج إلى تفصيلها قولًا وتطبيقها عملًا، وذلك ما لا نراه في الجماعة، لكن نحن نكتفي منهم أنهم يُعْلِنُون الانتماء إلى الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح، لكنهم يخالفون ذلك في قليل أو كثير، وفيهم أفراد هم معنا في العقيدة، لكنهم ليسوا معنا في المنهج، ولذلك؛ فأنا شخصيًا -على الأقل- لا أَجِدُ رُخْصَةً لأحد أن يَحْشُرهم في زمرة الفِرَقِ الضالة، وإنما هم يخالفوننا في مواضع، يعني: طالما نناقشهم ونجادلهم فيها، أما أنهم يستحقون بها أن نُلْحِقَهم بفرقة من الفرق الضالة؟ لا؛ لأن هؤلاء لم يتخذوا لهم منهجًا يُعْلِنونه ويَتَبَنَّوْنَه على خلاف الكتاب والسنة، أو ما كان عليه السلف الصالح، كما هو شأن الفرق الأخرى المعروفة منذ القديم، فما أدري إذا تلاحظ الجلسة التي يشير إليها([45])، فإذا كان موجود مثل هذا اللفظ؛ فتُلْفِت نظري إليه، وهذا ما أَسْتَبْعِدُه جدًا، وجزاك الله خيرًا يا أبا الحسن، على ما نَبَّهْتَني، ولو أن غيرك قال: «وأنا منهم»؛ ما هَمَّنِي ذلك…»!!

فقلت للشيخ بعد هذا الجواب: من بركة جوابكم هذا! أني أردت أن أسأل عن مسألة: قد اخْتَلَفَ في تفسير كلمة منكم إخوانُنا طلبةُ العلم هناك في اليمن، وذلك أنكم سئلتم عن «الإخوان المسلمين»: هل هم من أهل السنة؟ فقلتَ: كيف يكونون كذلك؛ ولهم قدر أربعين سنة وهم يحاربون السنة؟ فقال كثير من طلبة العلم: الشيخ يخرجهم إلى الفرق الضالة، قلت: هذه الكلمة من الشيخ لا يلزم منها أن الشيخ يتبنى ما قلتم، فممكن أن يخالف السنةَ، وأن يحارب أهلَ السنة، ويفعل كذا رجلٌ -وإن كان يعني مخطئًا فيما يفعل، ويُحَذَّر منه، ويُبَيَّن خطؤه، ويُشَهَّر به مع مراعاة المصالح والمفاسد والقواعد الشرعية في هذا الباب- إلا أنه لا يلزم من ذلك أن يكون من الفرق الثنتين والسبعين الفرقة الهالكة في كل أمره، ويُصَنَّف معهم، فالحمد لله في جوابكم هذا ما يكون جوابًا أيضًا على السؤال الذي أردت أن أسأل فيه، بارك الله فيكم.

مُدَاخَلَةٌ من رجل آخر في المجلس: شيخنا! في النص كلامكم في المسألة السابقة أنه قال لكم: هل السلفيون الذين تحزبوا، هل خرجوا عن الفرقة الناجية؟ قلتم: نعم، خرجوا عن الفرقة الناجية.

قال الشيخ: في هذه الجزئية.

أبو الحسن: هذا طيب! جيد جدًا هذا القيد: «بهذه الجزئية»، ويُبَيَّن أمرهم، ويُنْصَحُون، ويُحَذَّر الطلبة من هذه الأشياء، كل هذا جانب، وكون أنهم يُصَنَّفون ويُحْشرون في الفرق الهالكة شيء آخر!!

الشيخ: أي نعم». اهـ([46])

قلتُ: فهل بَقِي مع الغلاة بعد هذا التصريح من الشيخ أي خيط -وإن كان واهيًا- يتعلقون به، ويقولون: الشيخ الألباني والشيخ ربيع -في هذه القضايا المُخْتَلَف فيها- على منهج واحد؟! وها هو يقول في «الإخوان المسلمين» ما وقفتم عليه؟! مع أن الشيخ ربيعًا -وفقه الله- أقام الدنيا ولم يُقعدها ليوافقه الناس في حُكْمه على مَنْ طَعَن فيهم من الجماعات والأفراد، ومن لم يوافقه؛ بدَّعه، وأمر بتبديعه وهَجْره، والرعاع يهرولون وراءه، ولا يدرون إلى أين هم صائرون، ومَثَلُ المُقَلِّد بلا بصيرة كمَثَلِ رجل يسير وراء جماعة، فقيل له: إلى أين أنت ذاهب؟ فقال: مع هؤلاء، فقيل له: وإلى أين يصير هؤلاء؟ قال: لا أدري!!!([47])

4- الشيخ الألباني يتكلم في فتنة وقعت في الحجاز 1991م، وهي فتنة الجرح والتجريح:

فقد قال : «بصورة عامة لا أنصح اليوم استعمال علاج المقاطعة أبدا؛ لأنه يضر أكثر مما ينفع، وأكْبَرُ دليلٍ: الفتنةُ القائمةُ الآن في الحجاز، كُلُّهم تجمعهم دعوةُ التوحيد، ودعوةُ الكتاب والسنة، لكن لأن لبعضهم نشاطا خاصًّا؛ إما في السياسة، وإما في بعض الأفكار التي لا تُعْرَفُ من قبل عن أحد من أهل العلم، وقد يكون خطأ، وقد يكون صوابا، فلا نَتَحَّمَلُ أي شيء نسمعه من جديد، وبخاصة إذا كان أمرا منكرا فيما يبدو لنا بادي الرأي؛ رأسًا نحاربه، هذا خطأ يا أخي:

تريد صديقًا لا عَيْبَ فيهوهل عودٌ يفوحُ بلا دُخَان

نحن نتمنى «الإخوان المسلمين» يكونوا معنا فقط على التوحيد، حتى نكون معهم، ومش راضيين معنا حتى في العقيدة، ويقولوا: إن إثارة هذه الخلافات يُفَرِّق الصف، يُفَرِّق الجَمْع… إلى آخره، هؤلاء الإخوان الذي انْقَسَم عنهم جماعة، أو هم انقسموا عن جماعة -والله أعلم-، هؤلاء معنا على طول الخط في الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح، لكن جاؤوا بشيء جديد فعلًا، بعضه خطأ، وبعضه صواب، فلماذا ننشر بين بعضنا البعض الفُرْقَةَ والتحزبَ والتعصبَ، فبينما كنا كتلة؛ صِرْنا كتلتين، صاروا ثلاثة، صاروا … صاروا سروريين.. إلى آخره، الله أكبر، وما فَرَّقَ بينهم شيء يستحق التفريق، ليس هناك خلاف في الأمور العظائم، التي لا يمكن أن يُتَصَوَّر أن السلفيين يختلفون فيها، نحن نعلم جميعًا أن الصحابة اختلفوا في بعض المسائل، لكن المنهج كان واحدًا، ولذلك فإذا أنت تصورتَ أن جماعة من أهل السنة والجماعة، ومن الطائفة المنصورة شَذَّ منهم أفراد، نأخذهم بالرفق واللين يا أخي، ونحاول أن نحتفظ بهم مع الجماعة، ولا نقاطعهم، ولا نهجرهم، إلا إذا خشينا منهم خشية، وهذه لا تظهر فورًا، يعني مجرد ما واحدٍ رَأْيٌ نَشَزَ فيه، وشَرَدَ عن الجماعة؛ لا ينبغي فورًا أن نقاطعه، وأن نهجره، وإنما نتريث؛ حتى لعل الله يهدي قلبه، أو يتبين لنا أن تركه هو الأَوْلَى». اهـ([48])

قلتُ: فهذا موقف فضيلته مما أسماه : «الفتنة القائمة الآن في أرض الحجاز» وكان ذلك في الخلاف الذائع الشائع بين الشيخ ربيع المدخلي ومن معه، والشيخ سفر وسلمان والعُمر ومن معهم -حفظ الله الجميع- ومع ذلك صرح الشيخ بأنهم كلهم تجمعهم دعوةُ التوحيد ودعوة الكتاب والسنة، مع تعريجه على بعض أنشطة هؤلاء المشايخ السياسية، وبعض الأفكار التي لا تُعْرف من قبل عن أحد من أهل العلم، ومع ذلك يقول عنهم: «هؤلاء معنا على طول الخط في الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح، لكن جاءوا بشيء جديد فِعْلًا بعضه خطأ، وبعضه صواب… إلخ» فمع هذا كله؛ فهذا حكمه عليهم فهل هذا هو حكم الشيخ ربيع وأذنابه عليهم؟! للأسف أن من فَقَدَ الحياءَ من هؤلاء الغلاة، لا زال يلبِّس على الناس، ويقول: المشايخ الكبار موافقون للشيخ ربيع في أحكامه على الدعاة والجماعات والجمعيات وطلاب العلم بالتبديع والتضليل؛ فاحْذروا يا أولي الألباب من تلبيسهم؛ لأنهم لا يقرأون، وإذا قرأوا لا يفهمون، وإذا فهموا غطَّوْا على الحقيقة، أو بتروا الكلام، أو نقلوا ما يوافق أهواءهم في ظاهره؛ فإن كان مطلقا؛ أنزلوه على الشخص المُعَيَّن، ثم نسبوا هذا الحكم على العين إلى كبار العلماء، وإلا قالوا: العلماء لبَّس عليهم فلان، ونحو ذلك، المهم لا بد أن ينسبوا باطلهم إلى العلماء، والغاية تبرر الوسيلة عندهم، وكأن شيخهم معصوم لا يُخطئ، ولا بد من تأويل أي كلام يخالف كلامه، وحسبنا الله ونعم الوكيل!!

5 – قول الشيخ الألباني عن الشيخ ربيع المدخلي -وفقه الله-: «في كل كتبه الشدةُ موجودة» فقد قال:

«وقلتُ للدكتور -يعني الشيخ ربيعًا، ولا أزال أنا على هذا، وأظن أن أكثر إخواننا من طلاب العلم ومشايخنا على هذا؛ وهو: أن الحق -في طبيعة أمرِه- ثقيل على عامة الناس إلا من شاء الله : [ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ] {المزمل:5}، فإذا ضُم إلى الدعوة وثِقلها على الناس -كما ذكرنا- القسوةُ والشدَّةُ؛ اجتمع قسوتان وشدَّتان، ويكون ذلك مدعاةً لتنفير الناس عن دعوة الحق، بينما المقصود من الدعوة استجلابهم إليها.

وما منا من أحدٍ من طلاب العلم إلا وهو يَذكُر آياتٍ في القرآن الكريم وأحاديث كثيرة من أحاديث الرسول -عليه الصلاة والسلام- التي تحضُّ على الرفق واللين، والآيات معروفة، ولسنا بحاجة إلى تذكيرها؛ من مثل الآية التي أمر الله فيها موسى وأخاه هارون حينما قال: [ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ] {طه:43، 44}.

وما أعتقد أن أحدًا ممن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله -وحسابه عند الله- يُعلن هذه الكلمة، ما منا من أحدٍ يتصوَّر أنه مهما كان منحرفًا في دعوته، وبخاصة إذا لم يكن قد استعمل القسوة والشدة بين من يدعوهم إلى دعوته، مهما كانت منحرفة عن الحق؛ لا يبلغ شأنُه ذرة مما كان عليه فرعون، هذا الذي أُرسل إليه موسى وهارون([49]).

ومع ذلك؛ فإذا كان الله أمر هذين الرسولَين الكريمَين، أو النبيَّيْنِ المُصْطَفَيَيْنِ بأن يُلينا القول مع أطغى رجل على وجه الأرض حيث قال: [ﭹ ﭺ ﭻ] {النازعات:24}، ومع ذلك: قال: [ﮨ ﮩ ..] {طه:44} إلخ.([50])

فأنا أعتقد أن سيد قطب ما يبلغ شأنُهُ شأنَ فرعون إطلاقًا؛ فالرد عليه يُراد به أتباعه الآن؛ لأنه هو ذهب بعُجره وبُجره -كما يقال-.

إذا كان المقصود إذن الأحياء؛ فأنا سأقول في الأحياء ما قلتُ في هذا الذي مات: بأن هؤلاء لا يبلغ شرهم شر فرعون الذي ادعى الألوهية.

لذلك ما ينبغي أن نجمعَ قسوتَين، إحداهما لا بد منهما، وهي دعوة الحق التي تفرِّق بين الحق والباطل، وتفرِّق بين المرء وأخيه، ولذلك كان من أسماء القرآن الكريم (الفرقان)، وكان من أسماء الرسول -عليه الصلاة والسلام- (الفارِق) لأنه -أولًا- فرَّق بين الحق والباطل، بين التوحيد والشرك؛ بل وفرَّق بين الرجل وابنه، وبين الابن وأبيه.. وهكذا.

هكذا طبيعة دعوة الحق، فحسبُنا نحن -إذن- أن ندعو الناس إلى هذه الدعوة، كما قال تعالى: [ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ] {النحل:125}.

ومما يَحسُن ذِكره هنا -وهو من باب التذكير، وليس من باب التعليم؛ لأن هذا وذاك مما ذكرناه لا يخفى على الإنسان، ولذلك فنحن إنما نتمثل بقول ربنا في القرآن: [ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ] {الذاريات:55}.

حينما جاء ذلك اليهودي إلى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وسلَّم سلام اليهوديِّ الكافر الحاقد: (السام عليك يا رسول الله)! فما كان منه -عليه الصلاة والسلام- إلا أن قال: «وعليك»، لكن السيدة عائشة التي كانت وراء الحجاب؛ انتفضت، وانْشَقَّت شقتَين، أخذتها حميَّة الإسلام على نبي الإسلام، حيث قالت: «وعليك السام واللعنة والغضب -إخوة القرَدة والخنازير-»، فلما خرج اليهودي؛ أنكر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- على عائشة، وقال لها: «يا عائشة! –وهنا الشاهد- ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما كان العنف في شيء إلا شانه».

فبينتْ عذرَها، وهذا عذر كل من يتحمس في الدعوة، ويستعمل شيء من الشدة، قالت: يا رسول الله! ألم تسمع ما قال؟ قال -عليه الصلاة والسلام-: «ألم تسمعي ما قلتُ؟ «قال: السام؛ قلت: وعليك» انتهى الأمر، فبلاش هذه الشدة؛ لأن الشدة لا تأتي بخير.

ولذلك الواقع؛ نحن مسرورون جدًّا بنشاط أخينا الدكتور -يعني الشيخ ربيعا- العلمي؛ لكننا ننصحُه أن يستعمل الرفقَ مع هؤلاء الناس الذين انحرفوا عن دعوة الحق بدعوة رجل لا علمَ عنده.

ونحن قلنا للدكتور: السيد قطب ليس بعالِم، بل ربما لا يُحشر في طلبة العلم، ككثير من الكُتاب -وبخاصة المصريين- يعني يكتبون ويظنُّون أنهم ممن يُحسنون صنعًا.

هذا رأيي…

السائل: في الزيارة السابقة تكلمنا عن كتاب «أضواء إسلامية على عقيدة سيد قطب»، وقلتَ لي: أن فيه شدة، فأنا طالبتُك بالدليل، ووعدتَني في مرة أخرى عند (أخونا أبو) كامل، أيضًا طالبتُك بالدليل، قلت لي: لا يحضرني الآن.

فأريد أن أرى الشدة في كتبه -يعني كتب الشيخ ربيع سلَّمَهُ اللهُ- حتى أنصحه.

الشيخ: طيب، وأنت ما قرأت كتبَه؟

السائل: قرأتُ كتبه، لكن لم أجد الشدة.

الشيخ: سبحان الله!

السائل: نعم، أعطنا البرهان على شدته في كتابه «أضواء إسلامية على عقيدة».

الشيخ: أنا ما كنت أظن أنك بحاجة إلى مثل هذا الدليل!

السائل: أَتَثَبَّتُ!

الشيخ: التثبُّت لمن لم يَدْرُس، أما وأنتَ درستَ الكتاب من أوله إلى آخره، ودرستَ كتبَه الأخرى ما وجدتَ شيئًا من الشدة؟

قال السائل مطالبًا الشيخ بإثبات الدليل على شدة أسلوب الشيخ ربيع: الناس يقولوا: خلاص الشيخ ناصر يقول: هذا أسلوبه غير صحيح، وعنده شدة!!

فنحن نريد نرى الشدة أين هي؟

الشيخ: في كل كتبه الشدة موجودة… إلى آخر المحاورة.

قلتُ: ومن العجيب أن السائل هذا ينكر شدة الشيخ ربيع، أليس من شدَّته وظلمه أحكامه الجائرة على كثير من مشاهير دعاة وعلماء السنة بأنهم مبتدعة، وخارجون من أهل السنة والجماعة، وأنهم أضل وأخبث من اليهود والنصارى، وأنهم أضر من فرعون، ولو خرج الدجال؛ لاتبعوه -هكذا بحُكم أعمى على الغيب- ومن لم يبدِّعهم؛ فهو مبتدع، ويُهجر حتى يكون أذَلَّ من إبليس يوم عرفة، اليوم الذي يرحم الله فيه عباده الحجاج،… إلى آخر هذه الأكاذيب والتهاويل، ويؤكد هو وأتباعه على الدعوة إلى مقاطعتهم وعدم الأخذ عنهم، مع أنهم لم يَصْدُر من أكثرهم سبب موجِب لذلك، فقط لأنهم خالفوا الشيخ ربيعًا في حُكْمِه الجائر على دعاة السنة!!

وهل قوله: مَنْ لم يُبَدِّع فلانًا ويهجره -وإن كان فلان هذا أكثر نفعًا وعلمًا من الشيخ ربيع نفسه-؛ فهو مُبْتَدِع يُهْجَر، وكذا من لم يُبَدِّعه… وهكذا؟… إلخ ما وضَّحْتُ في ردودي عليه، أليس هذا من الشدة والغلظة والقسوة والفحش في القول؟ أين يعيش هذا السائل؟! لكن من تشبع من الزيغ لا يشعر بزيفه!! وموضع الشاهد هنا: تصريح الشيخ الألباني بأن في كل كتب الشيخ ربيع الشدَّة موجودة، أما إقامة الأدلة على ذلك للسائل وغيره؛ فقد فصَّلْتُها في ردودي الصوتية والمطبوعة على الشيخ ربيع؛ فلْيَرْجِع إليها من شاء!!

6- الشيخ الألباني يخالف الشيخ ربيعًا المدخلي -وفقه الله- في بعض انتقاداته على سيد قطب:

كما في هذا المقطع:

يقول السائل([51]):

«أنا أذكر يا شيخنا! بالمناسبة نفس هذا الكلام، كيف حمله بعض إخواننا الأفاضل على محمل سيئ، ولعلكم تسددونني فيما أقول.

يقول سيد قطب في بعض كتبه: (إن عبادة الأصنام التي دعا إبراهيم ربه أن يجنبه هو وبنيه إياها، لا تتمثل فقط في تلك الصورة الساذجة التي كان يزاولها العرب في جاهليتهم، أو التي كانت تزاولها شتى الوثنيات في صور شتى مجسمة في أحجار، أو أشجار، أو حيوان، أو طير، أو نجم، أو نار، أو أرواح، أو أشباح.

إن هذه الصورة الساذجة كلها لا تستغرق صور الشرك بالله، ولا تستغرق كل صور العبادة للأصنام من دون الله، والوقوف بمدلول الشرك عند هذه الصورة الساذجة؛ يمنعنا من رؤية صور الشرك الأخرى التي لا نهاية لها، ويمنعنا من الرؤية الصحيحة لحقيقة ما يعتور البشرية من صور الشرك والجاهلية الجديدة، ولا بد من التعمق في إدراك طبيعة الشرك وعلاقة الأصنام بها، كما أنه لا بد من التعمق في معنى الأصنام وتَمَثُّل صورها المجردة، المتجددة مع الجاهليات المستحدثة).

نريد تعليق شيخنا، ثم نقرأ تعليق أحد الإخوة الأفاضل على هذا الكلام.

الشيخ: لا يوجد شيء على الكلام، هو كلام سليم (100%)، ويكفي في ذلك قوله تعالى في القرآن الكريم: [ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ] {التوبة:31} والتفسير الذي جاء في هذه الآية لما نزلت، وهي نزلت في حق النصارى، وكان من العرب الذين تنصروا في الجاهلية -مع قلة المتنصرين- عدي بن حاتم الطائي، ثم هداه الله وأسلم، والقصة مذكورة في «مسند الإمام أحمد» وغيره، فلما نزلت هذه الآية؛ أُشْكِلَتْ على عدي بن حاتم الطائي؛ لأنه فهمها بمعنى الشرك، الذي ينكر الرجل أن يكون الشرك كله محصورًا في هذا النوع من عبادة الأصنام والوثنيات، فقال له موضحًا المعنى العام الأشمل للشرك بالله في اتباع غير شريعته، قال له: «ألستم كنتم إذا حرموا عليكم حلالًا؛ حرمتموه، وإذا حللوا لكم حرامًا؛ حللتموه؟» قال: أما هذا فقد كان، قال: «فذاك اتخاذكم إياهم أربابًا من دون الله».

الآن هذا النوع من الشرك غير ملاحظ، حتى عند الذين يعلنون أن الحاكمية لله ، وأنا أذكر بمثل هذه المناسبة لما كنت في دمشق في مخيم اليرموك، في مسجد صلاح الدين بالذات، حينما صعد المنبر خطيب من شباب الإخوان المسلمين، وألقى خطبة نارية في أن الحاكمية لله سبحان الله! ولما صلى وانتهى من الصلاة؛ لفتُّ نظره إلى خطأ -ونسيت الآن ما هو هذا الخطأ- قلت له: هذا مخالف للسنة، قال: لكن أنا حنفي! قلت: يا أخي! الله يهديك، أنت الآن خطبتك كلها في أن الحاكمية لله ، فما معنى الحاكمية؟ فقط أنه إذا جاءك قانون من كافر مخالف للشرع؛ فهذا هو الكفر، وأنه يلزمك أن تتمسك بالشرع، أما إذا جاءك حكم من مسلم كان مخالفًا للشرع؛ هذا تتبعه مع مخالفة الشرع؟! أين الحاكمية لله إذًا؟! هذا المعنى -في الحقيقة- شامل وجامع، وهو -أي سيد قطب فيما يظهر لي- أَحْسَنَ حينما دَفَعَ شبهةَ من قد يقف، فقال: فقط، أي: ليس الشرك فقط هذا، فوسع المعنى؛ وهذه التوسعة هي الإسلام، ولذلك نحن نقول: إن الوقوف عند محاربة الشركيات في أفراد الشعب، وتَرْكَ الحكام الذين يحكمون بغير ما أنزل الله -وهذا لا يعني أن ندخل في خضم التكفير وإخراجهم عن الملة- يكفي أنهم يحكمون بغير ما أنزل الله، والتفصيل الذي ندين الله به: هو أن هناك كفرًا دون كفر، كفر عملي، وكفر اعتقادي، هذا التفصيل الحق هو الذي يجعلنا معتدلين، ولا نتسارع إلى تكفير الحكام دون أن نفرق بين حاكم يؤمن بما شرع الله، ولكن يتبع هواه في بعض مخالفته لما شرع الله- أقول: إن الوقوف عند محاربة الشركيات في أفراد الشعب، وترك الحكام الذين يحكمون بغير ما أنزل الله فيه ما فيه، وهذا الجانب من التوحيد يجب أيضًا أن يشتغل به الدعاة([52]).

لكن الحقيقة أنا أقول كلمة صريحة: إن دعاة التوحيد اليوم في امتحان مرير، فكل قرار يصدر تجد الجواب: هذا أمر ولي الأمر! صح يا زين! أم لا؟ وقعنا فيما نحذر منه، لماذا نحن لا نتوجه -إذًا- إلى الدعوة بعامة، وليس فقط فيما يتعلق بالشعوب؟([53]) العبارة هذه تشبه تمامًا كلمة (فقط) هناك، فهو قَيَّدَها بالوقوف في محاربة الشركيات المتعلقة بالشعوب، وترك الحكام دون نصح ودون تحذير، ودون إنكار، ولو مع عدم الخروج، هل الجواب واضح؟

السائل: لا يستلزم هذا مواجهة؟

الشيخ: نعم، لا يستلزم.

السائل: عَلَّقَ أخ فاضل على هذا الكلام بما يلي، الذي كأني فهمتُ أنه كلام ابن القيم بأسلوب عصري! قال: في هذا الكلام أولًا تهوين من دعوات الأنبياء.

الشيخ: لا.

هكذا كلام ابن القيم!!

السائل: التي رَكَّزَتْ على عبادة الأصنام والأوثان، هل في هذا تهوين؟

الشيخ: بَيِّنٌ.

السائل: يعني: لا.

الشيخ: طبعًا!!

السائل: قال! ثانيًا: فيه صَرْفُ الدعاة عن أعظم وأكبر أنواع الكفر والشرك الذي حاربه كل الأنبياء والمرسلون المصلحون، وأدركوا أنه أكبر خطر على الإنسانية.

هل في هذا الكلام صَرْفٌ؟

الشيخ: لا يوجد…

السائل: ثالثًا: فيه خلط بين قضايا الشرك الأكبر والأصغر، وبين قضايا المعاصي صغيرها وكبيرها.

الشيخ: أين هذا؟

السائل: والله ما فَهِمْتُه! لكن سأقول لك: أين؟

الشيخ: بِفَهْمٍ أو بدون فَهْمٍ؟

السائل: إن شاء الله بِفَهْم.

السائل: بعض الناس يرى أن مسألة الحاكمية والحاكم بصورة عامة هي شرك أصغر، وأما شرك القبور بصورة مطلقة شرك أكبر، ولا يُفَصِّلون بين الشرك العملي والشرك الاعتقادي إلا عند الحاكم، ولا يُدْرِجون هذا على الناس الذين يقعون في الشرك المسمى شرك القبور، فيرون أن هذا ليس فيه تفصيل، أي شرك يأتي به الرجل في شرك القبور؛ هو خارج من الملة دون تفصيل، دون جهل، دون إقامة حجة إلى غير ذلك، وأما ذاك ففيه تفصيل، ولعل إن أَصَبْتُ والتسديدُ لكم، فهكذا: فيه خلط، مع أنه ذكر كلامًا بديعًا.

ثم النقطة الثانية يقولون: إنه وصف الشرك هذا بأنه ساذج، لا شك أنه ساذج، فلا أدري هم فهموا ما معنى ساذج، أم لا، يقول: هؤلاء الذين يعبدون الأصنام شركهم ساذج، ولكن أولئك الذين يعبدون ويطيعون ويفعلون مثل الحديث الجميل الذي ذكرته، فهذا كذلك داخل في الشرك.

الشيخ: إي نعم.

مداخلة: هل يَحْسُن أن نقول عن شرك الأوثان: أنه بدائي.

الشيخ: يا أخي -بارك الله فيك- كلمة شرك بدائي نزلت في شيءٍ من القرآن أو في السنة؟

السائل: لا.

الشيخ: حسنًا من الذي تكلم؟ زيد من الناس، نحن نستوضح منه، هل يقصد من كلمة (بدائي) بمعنى أنه لا يخرج من الملة بعد إقامة الحجة؟ فإن كان يقصد هذا؛ ننكر ذلك عليه، إذا كان يريد التهوين من هذا الشرك؛ إذًا نحن نستوضح منه، ماذا تريد من كلمة (بدائي)؟ والذي أفهمه أنه يعني: أن هؤلاء العرب وثنيون ليس عندهم كتاب، كاليهود والنصارى يرشدهم ويدلهم ويهديهم، ولو في بعض النواحي التي بقيت محفوظة عند أهل الكتاب، وغير محرفة، فهم وثنيون يعيشون هكذا على الجاهلية، هذا الذي يعنيه بأنه شرك بدائي، ما أفهم أنه يعني أنه شرك لا ينبغي أن يُهْتَمَّ به، وأظن أنك أنت وأمثالك تريدون أن تفهموا هكذا، ولذلك لا تقفوا عند هذه الكلمات، لماذا؟ لأنها:

أولًا: ما صَدَرَتْ من معصوم.

ثانيًا: حاوِلُوا أن تفهموا ماذا يعني بهذه الكلمة، كما يروى عن بعض السلف: التمس لأخيك عذرًا، هذا إذا كانت العبارة فيها إيحاء بما يخالف الشرع، أما إذا كانت العبارة ما هي واضحة؛ فنحملها على أحسن الاحتمالين.

السائل: لعل هذا -إن شاء الله- فيه هداية للجميع، يقول سيد قطب: إن الاعتقاد بالألوهية الواحدة قاعدة لمنهج حياة متكامل، وليس مجرد عقيدة مستكنة في الضمائر، وحدود العقيدة أَبْعَدُ كثيرًا من مجرد الاعتقاد الساكن، كأنها لَفْتَةٌ إلى المرجئة دون أن يدري، الذين لا يجاوزون الإيمان حدود القلب- يقول: إن حدود الاعتقاد تتسع وتترامى، حتى تتناول كل جانب من جوانب الحياة، وقضية الحاكمية كذلك فروعها في الإسلام هي قضية عقيدة، والحاكمية هي قضية عقيدة، كما أن قضية الأخلاق بمجملها هي قضية عقيدة، فمن العقيدة ينبثق منهج الحياة الذي يشمل الأخلاق والقيم، كما يشمل الأوضاع والشرائع سواء بسواء.

الشيخ: صحيح.

السائل: هذا الكلام صحيح؟

الشيخ: نعم.

السائل يقول: أخونا يُعَلِّق على هذا الكلام -أي فيقول-: هذا كلام حق وخطأ!

الشيخ: عجيب!

السائل: أما العقيدة قاعدة لمنهج حياة متكامل فمسلَّم.

الشيخ: الحمد لله…

السائل: تابع لكلام الأخ الفاضل: وأما أن حدود العقيدة تتسع وتترامى حتى تتناول كل جانب من جوانب الحياة؛ فهذا لم يدل عليه كتاب ولا سنة، ولا قاله علماء الإسلام.

الشيخ: هذا رجل سطحي!!

السائل: هذا الكلام غير صحيح؟

الشيخ: نعم، نَقْدِر نَفْهَم مَنْ هذا؟

السائل: ما أُحِبُّهُ!

الشيخ: ما تُحِبُّه؟!

السائل: فهذا من شذوذات سيد قطب؛ ليوسع به دائرة التكفير! ألا ترون أن هذا إلزام بما لا يلزم؟

الشيخ: نعم، ولا شك.

السائل: تابع: – ليوسع به دائرة التكفير- لمن يخالف منهجه -أي: يُكَفِّر الآخرين، مجرد أي واحد يخالف منهجه، فيريد سيد بهذا أن يكفر-.

الشيخ: ما عرفنا ذلك عنه، أنا أعتقد أن الرجل -أي سيد قطب- ليس عالمًا…لكن له كلمات في الحقيقة! -خاصة في السجن- كأنها من الإلهام.

السائل: تابع لكلام الأخ -أي الشيخ ربيع-: وهو -أي سيد قطب- مع ذلك يحيد عن ذِكْرِ شرك القبور.

السائل: قد وجدت كلامًا لـ ابن القيم في «إعلام الموقعين» هو نفس الكلام بالتمام، وهو يقول: التوحيد يشمل كذا، ويشمل كذا، وهو ينبثق من القلب إلى الأعضاء إلى غير ذلك، فيشابه هذا الكلام.

فالحقيقة: أنهم أُتُوا من جهة أنهم هم يُفَسِّرون كلام الآخرين، مع أن إخوانهم في العقيدة والمنهج، وبخاصة من أمثالكم، وأمثال سماحة الشيخ عبد العزيز وغيره؛ ترون أن هذا الأمر لا يحتمل مثل هذه الأمور التي حملوا كلام الناس عليها.

الشيخ: هذا صحيح». اهـ([54])

قلتُ: وكما سبق أن السائل هو الشيخ عدنان عرعور -حفظه الله- والكلام الذي أتى به في التعليق على كلام سيد قطب هو كلام الشيخ ربيع -وفقه الله- وأنت أيها القارئ مما سبق قد عرفت موقف الشيخ الألباني من كلامه في تعليقه على كلام سيد قطب، بل حكمه على صاحب التعليق -وهو الشيخ ربيع- بأنه رجلٌ سطحِيٌّ!!

المهم: أين إقرار العلماء الكبار للشيخ ربيع -ختم الله لنا وله بالحسنى- لانتقاداته على مخالفيه، كما يزعم مقلدوه، بل كما يزعم هو نفسه؟!

7- الشيخ الألباني يخالف الشيخ ربيعًا المدخلي في تبديعه وتحذيره من الشيخ عدنان عرعور:

«المُلْقِي: الشيخ عدنان عرعور، أبو حازم، أُطْلِق عليه أنه مبتدع، وأنه حزبي بغيض!!

الشيخ: ما شاء الله!!

المُلْقِي: وحُذِّر منه، وشُهِّر به على الأشهاد، فبحكم معرفتكم به، واتصاله الوثيق بكم وبطلابكم؛ فهل تعرفون عنه هذا من عدم سيره على منهج السلف؛ فنتبرأ منه، ونحذر منه؟

الشيخ: أحذركم من أن تتبرؤا منه؟ ففيما علمت هو معنا على الدرب منذ كان أو كنا في سورية، وهو لا يزال معنا -إن شاء الله- إلى آخر رَمَقٍ من حياتنا جميعنا، فهو شاب متحمس وسلفي، وعنده نسبة معينة من العلم والفقه في الكتاب والسنة -ولا نزكي على الله أحدًا- ولكن التبرؤ منه تبرؤ من دعوته الحق، وهذا لا يجوز.

المُلْقِي: كان بودي أعرض ألفاظ شيخ الإسلام وأحمد بن حنبل التي على ضوئها قَرَّرَ بعضُ الناس هذه العبارة…

المُلْقِي: أحمد بن حنبل أرسل إليه المتوكل رسولًا، وقال: عندنا رجال من أهل الأهواء، أترى أن نستعملهم في الدولة؟..

فقال أحمد: يُسْتَعْمَلُ اليهود والنصارى ولا يُسْتَعْمَلُ هؤلاء.

فلما روجع أحمد؛ قال: اليهود والنصارى مفضوحون، وأما هؤلاء فَيُلَبِّسُون على الناس دينهم.

هذه عبارة للإمام أحمد.

العبارة الثانية لشيخ الإسلام، قال: حصل على المسلمين من الضرر من الخوارج ما لم يحصل عليهم من اليهود والنصارى…

الشيخ: فالإمام أحمد يتكلم عن الخارجين عن هَدْي السلف الصالح، بينما السؤال يتعلق برجل يَتَّبِعُ ما كان عليه السلف الصالح، ومن ناس يخالفون منهج السلف الصالح، ففي الحقيقة كلام الإمام أحمد ينطبق على هؤلاء الذين يُحَذِّرُون الناس من أخينا هذا!!

المُلْقِي: لا لا، أنا ما أتكلم عن سؤال عدنان؛ لأن عدنان ما يحتاج، أخونا ولا شك في ذلك.

الشيخ: إذًا؟!

المُلْقِي: السؤال الأول،.. اللي هو: هل الصحيح، هل هي صحيحة مقولة: إن ضرر الإخوان المسلمين على الأمة أعظم من ضرر اليهود والنصارى؟

الشيخ: نعم، لا بهذا الاعتبار قد يكون ضررهم أكثر، قد يكون ضررهم أكثر، لكن لا نعاملهم معاملة اليهود والنصارى.([55])

المُلْقِي: من باب الأخذ بأخف الضررين.

الشيخ: صحيح، هذا كلام سليم، لكن أخشى أن يكون وراء هذه المبالغة ما وراءها من التكفير، والإخراج عن دائرة الإسلام، ونحو ذلك.

أما هذا الذي ذكرتموه فهو وارد تمامًا». اهـ([56])

قلتُ: ذكرتُ في الحاشية التنبيه الكافي على ما في هذا الكلام، والله أعلم.

لكني أؤكد على أن موقف الشيخ الألباني من الشيخ عدنان عرعور -حفظه الله- يخالف قلْبا وقالبا موقف الشيخ ربيع ومن يهرولون وراءه، فأين الاتفاق المزعوم بين طريقة الشيخ ربيع -سلَّمَهُ اللهُ- وكبار العلماء في هذا العصر؟!

8- من هو المبتدع؟:

والشيخ يخالف أيضًا الشيخ ربيعًا -سلَّمَهُ اللهُ- في حكمه على من وقع في البدعة، وهو في الأصل من أهل السنة…

السائل: بالنسبة يعني الذي نراه قد نخالف بعض إخواننا في الله -تبارك وتعالى- نحن نرى أن الذي يقع في البدعة لا يمكن أن نطلق عليه لفظ المبتدع؛ لأن وقوع الإنسان في البدعة لا يجعله مبتدعا، قد يقع في ذلك اجتهادا، كما وقع في ذلك كثير من أهل العلم، ولكنَّ كثيرًا من إخواننا إذا إنسان وقع في بدعة، أو مثلًا اجتهد في قضية، ووافق فيها بعض أهل العلم، ويراها بعض أهل العلم بدعة؛ فإنهم يجعلونه مبتدعا، ويَصِلُون إلى هجرانه، يعني هكذا، هل هذا التصور صحيح أو؟

الشيخ: هذا السؤال وردنا من عندكم كثيرا، فمن العجب ألا تعرف الجواب عليه، أو تعرفه ولكن تريد ما أقول، ما تعرف الجواب أنت بعلمك لا، ما تعرف جوابي أنا، فجوابي مُسَجَّل في أشرطة عديدة جدًّا، وأنا أُجيبك يمكن بأسلوب الحكيم…

إخواننا هنا يعرفون مني أنني أقول دائما: بأن من وقع في الكُفر؛ لم يقع الكفر عليه، فالكفر أعظم ولَّا البدعة؟

السائل: الكُفر.

الشيخ: إذًا أَخَذْتَ الجواب إن شاء الله

نحن قلنا في بعض ما سطَّرنا: أن بعض الأئمة وقعوا في البدعة، وهذا القول لَسْتُ مبتدعا، بل قد اقتبسته من شيخ الإسلام ابن تيمية، لكننا مع ذلك ما نقول على أولئك الذين وقعوا في البدعة: أنهم مبتدعة، أولئك الذين أنت تشير إليهم؛ هو مِصْدَاق ما قلت لك آنفا: أن ليس كل من ينتمي للدعوة السلفية، ويكون سلفيا في الجملة، يكون سلفيا في التفصيل، سواء من الناحية العلمية أو من الناحية العملية التطبيقية، ما فيه تلازم بينهما، ولذلك فنحن علينا أن نُعَلِّم الناس. اهـ

قلتُ: أما الشيخ ربيع ومن معه فلا يَكُفُّون عن تبديع السُّنِّي لوقوعه فيما يظنونه هم أنه بدعة، وليس هو كذلك -فكيف إذا كان ما وقع فيه بدعة عند العلماء؟!- ومن ثَمَّ يُرَتِّبُون على ذلك هَجْره وهَجْر وتبديع من لم يوافقهم على ذلك،… وهكذا من بعده!! فأين التوافق المدَّعَى زورا وبهتانا بين طريقة كبار العلماء وطريقة الشيخ ربيع -سلَّمَهُ اللهُ-؟! نعم، كان للشيخ ربيع -سلَّمَهُ اللهُ- من قبل هذه الفتنة التي أشعل نيرانها هو ومن أسْلموا له زمام عقولهم جهلا أو جُبْنًا وخوفا، كان له كلام يوافق كلام العلماء في بعض المواضع، لكن تخلَّى عن ذلك، ورفع عقيرته بتبديع وهجر كثيرا ممن هم أكثر منه علما ونفعا؛ فنسأل الله حُسْن الخاتمة!!

9 – ذِكْر الشيخ عدنان عرعور -حفظه الله- لبعض القواعد في البدعة والابتداع، وتعليق الشيخ الألباني على ذلك:

السائل: القاعدة الأولى: أن المبتدع مهما كانت بدعته ما لم يأت بما يخرجه عن الإسلام؛ فهو مسلم، له حق الإسلام من الأُخُوَّة والموالاة وغيرها من حقوق الإسلام؛ لأنه ما يزال مسلما داخلا في عموم النصوص، كقوله تعالى: [ﯜ ﯝ ﯞ ] {الحجرات:10} [ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ] {التوبة:71} وهذه الموالاة -ومنها النصرة- مقيدة بشروط شرعية، منها: أن لا يتقوى بهذه الموالاة على أهل السنة، وأن لا تكون سببا في إعانته على بدعته، إلى غير ذلك مما هو مُفَصَّل في مظانه؟

الشيخ:الحقيقة: أن هذا السؤال جيد، ولا يَشُكُّ أي عالم في صحته، لكن لعله ينبغي أن يضاف إلى القيود المذكورة آنفا: أن لا يكون هذا المبتدع من شأنه الابتداع في الدّين أولا، وثانيا: أن لا يكون داعيا لبدعته([57]).

السائل: القاعدة الثانية: كما أنه ليس كل من أتى بكفر فهو كافر، وليس كل من أتى بفسق فهو فاسق، وليس كل من أتى بجاهلية فهو جاهلي، وكذلك ليس كل من أتى ببدعة فهو مبتدع؛ لأن ثَمَّتْ فَرْقًا عند أهل السنة والجماعة بين من أتى ببدعة ومن أَحْدَثَ بدعة وتبناها ودعا إليها، وهذا أمر متفق عليه، وليس ها هنا محل تفصيل؟

الشيخ: الجواب هو كذلك لا شك ولا ريب؛ لأن كثيرًا من أهل العلم والفضل يقعون بسبب اجتهاداتهم في بعض المخالفات للشريعة، فهم باتفاق أهل العلم لا يؤاخَذُون عليها، وسواء كانت هذه المخالفات: أن يقع في استحلال ما حرّم الله، أو في تحريم ما أحَلَّ الله، أو أن يقع في بدعة، ما دام أنّ كل ذلك وقع من العالم باجتهادٍ منه، يقصد به الوصول إلى معرفة الحق، الذي أنزله الله على قلب محمد -عليه الصلاة والسلام- ولكنه في النهاية أخطأ؛ فلا شك أنه ليس مأزورًا، بل مأجور أجرًا واحدًا، كما جاء في ذلك الحديث الصحيح المروي في البخاري عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إذا حكم الحاكم فاجتهد؛ فله أجران، وإن أخطأ؛ فله أجر واحد»، وبعض العلماء يُفَرِّقُون بين أن يُعْذَر المجتهد إذا أخطأ في الفروع دون الأصول، وهذا التفريق لا نجد له أصلا ولا دليلًا في الكتاب والسّنة؛ لأن العلة هو إما أن يقصد الحق فأخطأه؛ فهو مأجور، أو لا يقصد الحق؛ فهو مأزور، ولو كان في الفروع دون الأصول هذا الكلام صحيح جدًّا، ولعله يحسن أن ندعم ذلك بالحديث الذي رواه البخاري من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- (أن رجلًا ممن كان قبلكم حضرته الوفاة، فجمع أولاده حوله، قال: أيُّ أَبٍ كنتُ لكم؟ قالوا: خير أَبٍ، قال: فإني مذنب مع ربي، ولئِنْ قَدَرَ الله عليَّ؛ لَيُعَذِّبَنِّي عذابا شديدا، فإذا أنا مِتُّ؛ فخُذُوني، واحْرِقُوني بالنار، ثم ذَرُّوا نِصْفي في الريح، ونصفي في البحر، فلما مات الرجل، حرقوه بالنار، وذَرُّوا نصفه في الريح، والنصف الآخر في البحر، فقال الله لِذَرَّاتِهِ: كُوني فلانا؛ فكان، ثم قال الله : أَيْ عَبْدي، ما حَمَلَكَ على ما فَعَلْتَ؟ قال: يا ربي، خَشْيَتُكَ، قال: فقد غَفَرْتُ لك)، فهذا رجل وقع في الكفر، مع ذلك غفر له ذلك؛ لأنه لم يكن قاصدا الكفر؛ لكن من هَوْل تصوره للعذاب الذي سيلقاه عند الله صدر منه هذا الكفر، فلما علم منه الله ما في قلبه؛ قال الله له: «قد غفرت لك» من هنا اتفق أهل السنة على أن الكفار الذين ماتوا كفارا، ولم تبلغهم الدعوة؛ أنهم ليسوا معذبين؛ لأن الحجة لم تقم عليهم([58])، ولذلك فإذا كان هناك رجل عالم مسلم أخطأ في مسألة ما، سواء كانت هذه المسألة أصولية أو عقدية، أو كانت حكما شرعيا فرعيًّا؛ الله لا يؤاخذه إذا عَلِمَ منه أنه كان قاصدا معرفة الحق، فهذا هو الجواب -إن شاء الله.-

السائل: القاعدة الثالثة: ليس كل مبتدع يُهْجَر، أو يُضَلَّل، أو يُفَسَّق، أو يُكَفَّر، بل إن له شروطا قد ذكرها أهل التحقيق من أمثال الإمام الشاطبي وابن تيمية -عليهم رحمة الله- فهل هذا صحيح؟

الشيخ: نعم، هذا صحيح، وسبق الجواب عنه!

السائل: القاعدة الرابعة: ليس البدعة سواء، فهي تبدأ من بدع الوسائل والعادات، إلى بدع العبادات والأفكار والاعتقادات، وإن كان كلها بِدَعًا، وكلها ضلالا، ولكن الضلال يتفاوت كما يتفاوت الفسق والكفر؟

الشيخ: لا، ما ينبغي إدخال العادات، البدع العادية ما ينبغي إدخالها في هذا المجال!

السائل: ‌وأحكام ‌ذلك ‌منوطة ‌بصاحب ‌البدعة وأصولها، وعلمه ودينه ودعوته إليها، وخروجه عن سبيل السلف في الأصول، ومنوطةً أيضًا بالبدعة نفسها؟

الشيخ: قيود صحيحة.

السائل: الخامسة: إنّ أحكام هذه المسائل من التمييز بين المبتدعين وبين البدع وما يُلْحَق بذلك، لا ترجع إلى أحداث الأسنان، بل ترجع إلى أهل العلم والتقوى، الذين يَحْكُمون في البدعة والمبتدعة؛ ذلك لأن معظم أحداث الأسنان لا يُفَرِّقُون بين أنوع البدع، وطبقات المبتدعين، فهناك البدعة العقدية، والبدعة المنهجية، والبدعة في العبادة، والبدعة الإضافية، والبدعة الاجتهادية، ولا يدركون المصالح؟

الشيخ: أَضِفْ إلى البدعة الإضافية أو قبلها البدعة الحقيقية بَعْدُ، منها البدعة الإضافية!

السائل: والبدعة الاجتهادية، ولا يدركون المصالح والمفاسد، ولا يفهمون مقاصد الشريعة مما هو مُفَصَّل في مواضع «معنى البدعة الاجتهادية»: هي التي يختلف فيها أصحاب الأصول الصحيحة ومن هم أهل الاجتهاد، ومناطهم فيها معتبر، كالاختلاف في صلاة التسابيح، ووضع اليدين بعد الرفع من الركوع على الصدر. هذا يعني نحن نقرأ من كُتَيِّب «السبيل»، فأردنا أن نراجع بعض النقاط الهامة قبل طباعته؛ لأننا نلزمهم إما أن يكون ابن تيمية مبتدعًا أو عبدالله بن المبارك مبتدعًا في مسألة صلاة التسابيح؟ لذا هذه دخلت.

الشيخ: لا ما هي واردة؟

علي حسن: شيخنا، فيه لطيفة ها هنا بالنسبة لقضية وضع اليدين على الصدر بعد الركوع، يعني فيه الإشارة الواردة هنا، التي ذكرها أخونا أبو حازم رد على ما قد يفهم من كلامكم في الصفة إن هذه بدعة ضلالة؛ أنه يلزم منها عند بعض الناس مثل الشيخ عبد العزيز وكذا، وهذا كلام شيخنا كان تكلم به، مرة جاء أحد الإخوة اليمانيين في بيت الدكتور باسم فيصل، وتكلم أستاذنا طويلا في هذه المسألة، أنه لا يلزم الحكم بالبدعة الحكم بالابتداع على صاحبها إذا كان مجتهدا….

السائل: بالمناسبة أراد بعض الناس سأل سماحة الشيخ عبد العزيز
-جزاه الله خيرًا- في مثل هذا المقام، فذكركم على المذياع بكل خير.

الشيخ: جزاكم الله خيرًا.

السائل: وذكر أنكم من أنصار السّنة، وما نُصِرَتْ السُّنَّةُ بما نصرتموها، وأنكم من أهل الاجتهاد، ولم يعرج على هذه الكلمة، وقال: لِكُلٍّ رَأْيُهُ، والكلُّ يُؤخَذ من قوله ويُتْرَكُ، وهذا يدل على إمامته وصدقه.

الشيخ: ما شاء الله.

السائل: السادسة: أن مذهب إمام من أئمة السلف أو قول له لا يُعَدُّ دينا للأمة؟

الشيخ: كيف؟.

السائل: أنّ مذهب إمام من أئمة السّلف، أو قول له لا يُعَدُّ دينًا للأمة ولا مذهبًا لها، فضلًا عن أن يكون عالمًا ومعاصرًا، إلا أن يقوم عليه دليل قطعي الثبوت، واضح الدلالة، أو إجماع متيقن، وحكاية رواية عن إمام في مبتدع، لا تعدو أن تكون حكما عينيا لا يضطرد ذلك على كل مبتدع، كذا قال قامع المبتدعين والغالين شيخ الإسلام في «الفتاوى» قال: «وكثير من أجوبة الإمام أحمد وغيره من الأئمة خرج على سؤال سائل قد عَلِمَ المسؤول حاله، أو خرج خطابا لمعين قد عَلِمَ حاله؛ فإن أقواما [سبحان الله كأن هذا الإمام بين أَظْهُرِنا] فإن أقوامًا جعلوا هذا عاما؛ فاستعملوا من الهجر والإنكار ما لم يؤمروا به».

الشيخ: الله أكبر ما شاء الله، إمام .

السائل: لكن قال لهم المُبَدِّعُون -وهي طائفة جديدة- في هذه الأمة، قال: تتركون الإمام أحمد وتأتون إلى ابن تيمية!

الشيخ: الله يهديهم.

السائل: القاعدة الثامنة: إنّ الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنزع من شيء إلا شانه، إنّ الرفق مطلوب في كل شيء، حتى مع الحيوانات، والحكمة مأمورون بها مع كل مَدْعُو، وفي كل دعوة، والكلمة الطيّبة ممدوحة مع كل مخاطَب، سواء كان موحِّدًا تقيًّا، أو مؤمنًا عاصيًا، أو مسلمًا مبتدعًا، وسواء كان يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا؛ لأنّ هناك فرقًا بين الدعوة وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وثَمَّ فَرْقٌ بين الدعوة وبين الاجتهاد؟

الشيخ: هنا ما أدري إذا كان ينبغي وضع استثناء ولابد، وإلا أنت تعني الاستثناء موجود في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلا هذا الاستثناء ليس كافيا؟

السائل: لا يشمل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

الشيخ: أقصد في الليّن، هل هو أمر مضطرد مستمر في كل أمر، أو هناك أحوال قد تكون الحكمة ترك اللين واستعمال الشدة؟!

السائل: يمكن أن نقول لكل مقام مقال.

الشيخ: هذا قصدي، فلابد من إشارة إلى الاستثناء، يعني حينما نتذكر بعض الأحاديث والوقائع التي وقعت من الرسول -عليه الصلاة والسلام- فيها شدة، ويكفي للتعبير عن ذلك حديث السيدة عائشة المروي في «صحيح البخاري» الذي معناه -لا أذكر الآن اللفظ- لكن ستذكر الحديث الذي فيه إللي انْتُهِكَتْ محارم الله لم يقف أمامه شيء (بين أمرين فاختار أيسرهما) فيها هذه العبارة «فإذا انتهكت محارم الله».

علي حسن: ما انتقم لنفسه قط، إلا إذا انْتُهِكَتْ حرمات الله.

الشيخ: هذا فيه شدة، فالشدة في وضعها حكمة في محلها، حكمة كذلك، مثلًا القصة التي رواها الإمام أحمد في «مسنده» من حديث عبد الله بن عباس حينما خطب وقام له رجل يقول: ما شاء الله وشئت يا رسول الله، قال: «أجعلتني لله نِدًّا، قُلْ ما شاء الله وحده» هذا بلا شك الناس الذين يَطْردون استعمال اللّين والحكمة لا يعجبهم مثل هذه الشدة التي صدرت منه في مثل هذه الحادثة، لذلك لابد مِنْ لَفْتِ النظر إلى مثل هذا الاستثناء، ولعلك تُزَوِّدها وتُضِيفه.. اهـ

https://alathar.net/home/esound/index.php?op=codevi&coid=6997

قلتُ: فهذه عدَّة قواعد أقَرَّها شيخنا الألباني وأشاد بها، والغلاة لا يرفعون بها رأسًا، بل يطعنون فيمن تمَسَّك بها، وهذه قواعد تنسف جذور دعوة الغلاة، فأين هم من منهج كبار علماء العصر فيما نختلف معهم فيه؟! فمن المُخْجل المُخْزي أن تجد من هؤلاء الغلاة -حتى شيخهم المؤسس لضلالتهم- يدَّعي أنهم يسيرون على منهج العلماء الكبار، وأنهم يقرُّونهم على أحكامهم في جميع من طعنوا فيه!!

نعم، كبار العلماء يقرُّونهم، بل يمدحونهم على الجوانب الأخرى التي أحسنوا فيها، ونحن نُثْنِي عليهم -أيضًا- في تلك الجوانب، أما ما خالفناهم فيه؛ فلا حاجة للتلبيس على الخلق أيها الغلاة!!

وكذلك قد يُقرُّهم العلماء أو بعضهم في الكلام على شخص ما، أو في موقف ما، فأين هذا من تعميم الغلاة لذاك المدح الذي يُلْصقونه بكبار العلماء المعاصرين على جميع ما خالفناهم فيه؟ نعم، المُنْصفون الورعون قليل، والله المستعان.

10 – حقيقة المبتدع، وحكم الترحم عليه:

الشيخ: «.فأنا قدمت لك حقيقة لا يختلف فيها اثنان، وهي إما مسلم وإما كافر، فالمسلم مهما كان شأنه؛ يُصَلَّى عليه، ويُوَرَّث، ويُغَسَّل، ويُكَفَّن، ويُدْفَن في مقابر المسلمين، وإن لم يكن مسلما؛ نُبِذَ نَبْذَ النواة، ودُفِن في قبور الكافرين، ما فيه عندنا شيئًا وسطا، لكن إن لم يُصَلِّ مُصَلٍّ ما، أو عالم ما على مسلم، لا يعني أن الصلاة عليه لا تجوز، وإنما يعني أنه يَرْمِي إلى حكمة قد لا تتحقق هذه الحكمة بغيره، مثل الأحاديث التي لابد أنك تَذْكُر شيئًا منها، التي يقول الرسول في بعضها: «صَلُّوا على صاحبكم» ما صلى الرسول عليه، ترى آالرسولُ الممتنع على الصلاة على مسلم أَهَمُّ أم العالم السلفي إذا امتنع على الصلاة على مسلم أَهَمُّ؟ قُلْ لي ما هو الأَهَمُّ؟

السائل: تَرْكُ النبي -صلى الله عليه وسلم- الصلاةَ.

الشيخ: حسنا، فإذا كان الرسول تَرَكَ الصلاة على مسلم لا يدل أن تَرْكَه للصلاة عليه أنه لا يجوز الصلاة عليه؛ فمن باب أولى حينئذ تَرْكُ عالم من علماء السلف الصلاة على مسلم مبتدع أنه لا يَدُل على أنه لا يُصَلَّى عليه، ثم إن دَلَّ أنه لا يُصَلّى عليه؛ فهل معنى ذلك أنه لا يُدْعَا له بالرحمة والمغفرة مادام أننا نعتقد أنه مسلم؟

إذًا باختصار: امتناع بعض السلف عن الصلاة على بعض المسلمين بسبب بدعة لهم؛ فذلك لا ينفي شرعية الصلاة على كل مسلم؛ لأن هذا من باب الزجر والتأديب لأمثاله، كما فعل الرسول في الذي لم يُصَلِّ عليه، وليس له ذنب إلا أنه مات وعليه دَيْنٌ… والغالُّ من الغنيمة، ونحوُ ذلك، فإذًا هذا الامتناعُ، أي امتناع الرسول أَهَمُّ من امتناع بعض السلف، فهذا وذاك لا يدلان على أنه لا يجوز الصلاة على المسلم المبتدع، ثم هنا لابد من بحث يجب أن نعرف من هو المبتدع؟ تماما كما يجب أن نعرف من هو الكافر؟ فهنا سؤال -كما يقولون اليوم يَطْرَحُ نَفْسَهُ-: هل كل من وقع في الكفر وقع الكفر عليه؟ وكذلك كل من وقع في البدعة وقعت البدعة عليه، أم الأمر ليس كذلك؟…

السائل: لا

الشيخ: إذا من هو المبتدع؟

السائل: الذي تقام عليه الحجة، ويصر بعد ذلك على بدعته.

الشيخ: حسنا، فهؤلاء الذين نقول نحن عنهم: لا يترحم عليهم، هل أقيمت الحجة عليهم؟ الله أعلم، أنا أقول من عندي!!

السائل: الله أعلم يا شيخ…

الشيخ: إذا ما هو الأصل في هؤلاء الإسلام أم الكفر؟

السائل: الإسلام.

الشيخ: طيب إذًا الأصلُ أن يُتَرَحَّم عليهم، أليس كذلك؟ إذًا انتهت القضية، فلا يجوز أن نتبنى اليوم مذهبا فنقول: لا يجوز الترحم على فلان وفلان وفلان من عامة المسلمين -فضلا عن خاصتهم، فضلا عن علمائهم- لماذا؟ لسببين اثنين، وهذا تلخيص ما تقدم:

السبب الأول: أنهم مسلمون، السبب الثاني: أنهم إن كانوا مبتدعين؛ فلا نعلم أنه أقيمت الحجة عليهم، وأصروا على بدعتهم، وأصروا على ضلالهم.

لهذا أنا أقول: من الأخطاء الفاحشة اليوم: أن الشباب الملتزم والمتمسك بالكتاب والسنة -فيما يظن هو- يقع في مخالفة الكتاب والسنة من حيث لا يدري ولا يشعر، وبالتالي يحق لي -على مذهبهم- أن أُسَمِّيَهُم مبتدعةً؛ لأنهم خالفوا الكتاب والسنة، لكني لا أخالف مذهبي، الأصل في هؤلاء أنهم مسلمون .وأنهم لا يَتَقَصَّدون البدعة، ولا يكابرون الحجة، ولا يردون البرهان والدليل، لذلك نقول: أخطؤوا من حيث أرادوا الصواب. وإذا عرفنا هذه الحقيقة؛ نجونا من كثير من الأمور الشائكة في هذا الزمان، ومن ذلك جماعة الهجرة والتكفير، التي كانت في مصر، وكانت نشرت شيئًا من أفكارها، وكانت وصلت إلى سوريا يوم كنت هناك، ثم إلى هنا أيضًا، وكان لنا إخوان على المنهج السلفي (الكتاب والسنة) تأثروا بتلك الدعوة الباطلة، وتركوا الصلاة مع الجماعة، بل والجمعة، وكانوا يُصَلُّون فى دورهم وفي بيوتهم، حتى اجتمعنا معهم، وعَقَدْنا ثلاثَ جلسات: الجلسة الأولى ما بين المغرب والعشاء، وامتنعوا من الصلاة خلفنا، أعني خلفنا نحن السلفيين، وما أردت أن أقول: خلفي، لأني سأتحدث عن نفسي، كانوا يقولون: نحن نعتمد على كُتبك، ومع ذلك لا يُصَلُّون خلفي، لماذا؟ لأننا لا نكفر المسلمين الذين هم يكفرونهم، هذا في الجلسة الأولى، في الجلسة الثانية كانت في عُقْر دارهم، واستمرت إلى نصف الليل، لكن بدأت البشائر -والحمد لله- تظهر في استجابتهم لدعوة الحق، حيث أَذَّنّا وأقمنا الصلاة، وصلينا هناك قبيل نصف الليل، فَصَلَّوْا خلفنا، هذه الجلسة الثانية، أما الجلسة الثالثة فقد استمرت من بعد صلاة العشاء إلى أذان الفجر، سَحْبَة وحدة، وكانت -الحمد لله- القاضية، وهم إلى اليوم معنا، وقد مضى على ذلك نحو اثني عشرة سنة، والحمد لله، فما هي إلا شبهات جاءتهم من عدم فقههم في الكتاب والسنة.

ولعلك تعلم يا أخانا خالد، بأن التفقه في الكتاب والسنة ليس أمرا سهلا اليوم، بعد أن وَرِثْنا مذاهب شَتَّى، وفِرَق كثيرة جدًّا في العقائد وفي الفقه، فلا يستطيع الطالب الناشئ أن يخوض في خضم هذه الخلافات إلا بعد زمن مديد وطويل جدًّا من دراسة ما يُسَمَّى اليوم بالفقه المقارن، ودراسة أدلة المختلفين في الأصول وفي الفروع، وهذا في الواقع يحتاج إلى عمر مديد أولا، ثم إلى توفيق من رب العالمين ثانيا، حتى يتمكن المسلم أن يحقق الله له دعوته التي سنها لنا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- حينما كان يدعو في بعض أدعية صلاة الليل: «اللهم اهْدِني لما اخْتُلِفَ فيه من الحق بإذنك؛ إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» ولذلك فنحن ننصح شبابنا الناشئ اليوم على مذهب الكتاب والسنة بأن يتئدوا، وأن يَتَرَوَّوْا، وأن لا يُصْدروا أحكاما، يعني يبنونها على بعض ظواهر الأدلة؛ لأن ليس كل ظاهر ينبغي للمسلم أن يقف عنده، وإلا عاش في بلبلة علمية لا نهاية لها، أظنك تعلم أن أقرب المذاهب إلى الكتاب والسنة هو مذهب أهل الحديث، وأنت تعلم أن أهل الحديث يعتمدون على رواية المبتدعة إذا كانوا ثقات صادقين حافظين، ومعنى ذلك أنهم لم يحشروهم في زمرة الكافرين، ولا في زمرة أولئك الذين لا يَتَرَحَّمُون عليهم، بل أنت تعلم أن هناك في بعض الأئمة المُتَّبَعِين اليوم، والذين لا يَشُكُّ عالِمٌ، عالمٌ حقًّا بأنه مسلم، وليس هذا فقط؛ بل وعالم فاضل، ومع ذلك فقد خالف الكتاب والسنة، وخالف السلف الصالح في غير ما مسألة، أعني بذلك مثلًا أن النعمان بن ثابت أبا حنيفة الذي يقول: بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ويقول: لا يجوز للمسلم أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، وأنه إذا قال: إن شاء الله؛ فليس مسلما، لا شك أن هذا القول بدعة في الدين؛ لأنه مخالف الكتاب والسنة، لكن هو ما أراد البدعة، هو أراد الحق فأخطأه، ولذلك فَفَتْحُ هذا الباب من التشكيك بعلماء المسلمين، سواء كانوا من السلف أو من الخلف؛ ففي ذلك مخالفة لما عليه المسلمون، وربنا يقول في القرآن الكريم: [ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ] {النساء:115} وأخيرًا، أريد أن أُذَكِّر بحقيقة لا خلاف فيها، لكني أريد أن أُلْحِقَ به شيئًا لا يُفَكِّر فيه شبابنا الناشئون في هذا العصر، تلك الحقيقة هي قوله في كثير من الأحاديث «مَنْ كَفَّرَ مسلمًا؛ فقد كَفَر» هذه حقيقة لا ريب فيها، ومعروف تفصيل هذا الحديث في بعض الروايات الأخرى؛ أنه إن كان الذي كَفَّره كافرا؛ فقد أصاب، وإلا حارَتْ عليه، ورَجَعَتْ عليه، هذا ما يحتاج إلى بحث؛ لأن الحديث في ذلك صريح، لكني أريد أن أُلْحِقَ به فأقول: من بَدَّعَ مسلما؛ فإما أن يكون هذا المسلم مبتدعا؛ وإلا فهو المبتدع، وهذا هو الواقع الذي قلت لكم آنفا: إن شبابنا يُبَدِّعُون العلماء، وهم الذين وقعوا في البدعة، لكنهم لا يَعْلَمُون، ولا يريدون البدعة، بل هم يحاربونها، لكن يَصْدُقُ عليهم قولُ من قال قديما: (أَوْرَدها سعد وسعد مشتمل، ما هكذا يا سعد تُورَدُ الإبل) لذلك نحن ننصح شبابنا أن يلتزموا العمل بالكتاب والسنة في حدود علمهم، ولا يتطاولوا على غيرهم ممن لا يُقْرَنُون بهم علما وفهما -وربما وصلاحا- فمثل النووي ومثل الحافظ ابن حجر العسقلاني أعطنا اليوم في العالم الإسلامي كله مثل الرجلين، ودَعْك من السيد قطب، هذا الرجل نحن نُجِلُّهُ على جهاده، لكنه لا يزيد على كونه كان كاتبا، كان أديبا مُنْشِئًا، لكنه لم يكن عالما، فلا غرابة أن يصدر منه أشياء وأشياء وأشياء تخالف المنهج الصحيح، أما من ذكر معه مثل النووي وابن حجر العسقلاني وأمثالهم؛ فهؤلاء والله، من الظلم أن يقال عنهم: إنهم من أهل البدعة، أنا أعرف أنهما من الأشاعرة، لكنهما ما قصدوا مخالفة الكتاب والسنة، وإنما وهموا وظنوا أن ما ورثوه من عقيدة الأشعرية، ظنوا شيئين: أولا: أن الإمام الأشعري يقول ذاك، وهو لا يقول ذلك إلا قديما؛ لأنه رجع عنه، وثانيا: توهموه صوابا، وليس بصواب. اهـ

https://www.al-albany.com/audios/content/11532/%D8%AA%D9%83%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%AE-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D9%85%D9%86-%D9%87%D9%88-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A8%D8%AA%D8%AF%D8%B9-%D9%88%D9%85%D9%86-%D9%87%D9%88-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%A7%D9%81%D8%B1

قلتُ: فتأمل -رحمك الله- كلام هذا الإمام، فأين هو من حال الغلاة وكبيرهم؟!

وسئل متى تكون الفِرْقَةُ فِرْقَةً ضالةً؟

الجواب: لا تكون بمجرد الانحراف في جزئية كما سبق، وإنما عندما تتكتل جماعة على منهج تضعه لها، وتتحزب وتتعصب له. اهـ([59])

قلتُ: قد يفهم أحد هؤلاء الغلاة هذا الكلام المجمل من الشيخ على غير مراد الشيخ وقد سبق تفصيله في جماعات وأفراد قد صرَّح بأسمائهم بخلاف ما يفهم الغلاة؛ فإن شأن هؤلاء الغلاة: أن يَتَشَبَّثُوا بهذه العبارات المجملة، ثم يُنْزِلوها هم -حسب فهمهم وطيْشهم- على الجماعات والأفراد الذين يخالفونهم، غير آبهين بأن الشيخ الألباني وغيره من العلماء الكبار -رحمهم الله- قد صرَّحُوا بأسماء هذه الجماعات، وأولئك الدعاة، وأَثْنَوْا عليهم في الجملة: اعتقادًا، وعلمًا، ودعوةً، ونَفْعًا وتأثيرًا… إلخ، مع تأكيدهم أنهم غير معصومين، فَيُؤْخَذُ من كلامهم ويُرَدُّ، ويُناصحون بالتي هي أحسن، فإن لم يُثْمر الرفق، ورأينا أن الشدة في حق فلان أو فلان أنفع دون ضرر أكبر؛ فلا بأس عند ذاك باستعمال الشدة المطلوبة دون تجاوز وإسراف!!

فهل بعد هذا كله يصح من الغلاة التشبُّث بالعبارات المجملة، ويُنزلونها على من صرح العلماء بمدحهم بأعيانهم، ثم ينسبون تنزيلهم على الأعيان لهؤلاء العلماء؟! فراجع ما سبق وما سيأتي -إن شاء الله- فالرجلُ يَحْمِل مجمله على مفصَّله، وإن احمَرَّتْ أنوفُ الغلاة!!!

ثم ماذا يقول الشيخ ربيع -سلَّمَهُ اللهُ- وحزبه في قول الشيخ الألباني في سيد قطب : «هذا الرجل نحن نُجِلُّه على جهاده…» إلخ؟!! وما حكم الشيخ الألباني عندكم؟ وما حكم من قال هذا القول في سيد قطب غير الألباني عندكم؟ أما تخجلون من التناقض والتشبّع بما لم تُعْطوْا؟!

وهذا تفصيل آخر من الشيخ الألباني :

السؤال: متى يَخرج الرجل من أهل السنة؟ هل إذا اعتقد اعتقادًا غير اعتقادهم، أو إذا وقع في شيءٍ من الأمور المخالفة لأهل السنة؟

الجواب: لقد اشتهر بين كثير من العلماء قديما وحديثا: أن المسلم إذا أخطأ في ما يُسمى عند العلماء بالفروع يُعْذَر، أما إذا أخطأ في الأصول في العقيدة؛ فلا يُعْذَر!!

نحن نعتقد أن هذا التفريق:

أولًا: ليس له دليل من الشرع.

وثانيًا: نعتقد أن المسلم من الواجب عليه أن يتقصّد دائما وأبدا أن يعرف الحق مما اخْتَلَفَ فيه الناس، سواء كان ذلك متعلقا في الأصول أو الفروع، أو في العقائد أو في الأحكام.

فإذا أفرغ جُهده لمعرفة الحق فيما اختلفوا فيه، فإن أصاب؛ فله أجران، وإن أخطأ؛ فله أجرٌ واحد، كما هو معلوم من حديث الرسول المروي في الصحيح: «إذا حكم الحاكم، فاجتهد، فأصاب؛ فله أجران، وإن أخطأ؛ فله أجر واحد»، هذا هو الأصل أولا.

ثالثًا: إذا المسلم كان حريصًا على معرفة الحق، ثم أخطأه -ولو كان في العقيدة أو في الأصول- فهو غير مؤاخذٍ أولا، بل هو مأجور على خطئه أجرا واحدا ثانيا، لِمَا سبق ذِكْرُه.

يؤكِّد هذا أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال كما في الصحيح أيضًا من حديث حذيفة بن اليمان وغيره من الأصحاب الكرام أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «كان في من كان قبلكم رجل…» وذكر حديث الرجل الذي أوصى أبناءه أن يحرقوه … إلخ.

ثم قال : فالله قد غفر لهذا الإنسان، مع أنّه وقع في الكفر وفي الشرك، لأنه بوصيّته هذه التي ربّما لا يكون لها مثيلٌ في كلِّ الوصايا التي علمناها، وَوصل إلى عِلْمِنا، من حيث جورها وظُلمها، فالله لم يُؤاخذه؛ بل غفرَ له؛ لأنه علِم بأنه ما أوصى بهذه الوصية الجائرة إلاّ خوفًا منه.

فإذا كان المسلم يبتغي وجه الله في كلِّ ما يدينُ الله به ويعتقدُ فيه، لكنه أخطأ الصواب؛ فلا شك أن الله يغفِرُ له خطأه، بل ويَأْجُره أجرا واحدا، هذا الذي ندين الله به، ونُفتي به دائما وأبدا.

وخلاصة ذلك: أنه خلاف الأصل، والقاعدة: أن الله لا يؤاخذ الإنسان على ما أخطأ، وإنّما على ما تعمّد، وثانيا لمثل هذا الحديث الصحيح.

وقال : إن كان اتَّبَعَ وَجْهَ الحق والصواب، فأخطأه، فلا يجوز أن يُقال: إنّه ليس من أهل السنة والجماعة بمجرّد أنه وقع في خطأ، أو لِنَقُلْ كما جاء في سؤالك: وقع في بدعة.

كثيرا -كما يعلم طلاب العلم، فضلا عن أهل العلم- كثيرٌ من العلماء يقعون في الحرام، ولكن هل يقصدون الحرام؟ حاشاهم، فهل يأثمون بذلك؟ الجواب: لا.

لا فرق إذًا بين عالمٍ يقع في استحلال ما حرم الله باجتهادٍ هو مأجورٌ عليه، أو بين عالمٍ آخر وقع في بدعةٍ دون أن يقصدَها، وإنّما قصد السنة فأخطأها، لا فرق بين هذا وهذا.

ولذلك فنحن نشكو الآن من هذه الثورة التي ثارتْ في السعودية، الآن بين أهل السنة أنفسهم، حيثُ أنه ظهر فيهم من يُظَنُّ بأنّه خالف أهل السنة في بعض المسائل؛ فبدّعوه، وخرّجوه عن أهل السنة، حسبُهم أن يقولوا: بأنّه أخطأ أولا، ثم عليهم أن يُقيموا الحجة من الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح ثانيا، أمّا أن يَزيدُوا في الفُرْقَة فُرْقَةً وخِلافا؛ فهذا ليس من عادةِ أهل السنة والجماعة أبدا.([60])

لذلك فلا يجوز أن يُنبذَ من قد يُخطئ في مسألة على التفصيل السّابق، سواء كانت أصليّة أو فرعيّة، كانت عقديّة أو فقهية، لا يجوز أن يُضَلَّل، وإنما يعامل بالذي هو أَحْسَنُ. اهـ([61])

قلتُ: وأؤكد هنا فأقول: يريد الشيخ الفتنة التي حصلت بين الشيخ ربيع وأتباعه وبين الشيخ سفر الحوالي والشيخ سلمان العودة وأتباعهما، -وفَّق الله الجميع- وانظر حكم الشيخ على الجميع، وتفصيله العلمي الدقيق، فهل الغلاة يوافقون الشيخ على موقفه هذا؟ وعلى أصولهم المنحرفة بتبديعهم الشيخ والمشايخ: فالشيخ الألباني مُبْتَدع يُهْجَر، ولا يُنْظَر في كُتبه؛ لأنه سَيُلَبِّس على الناس دينهم؛ حيث أنه موضع ثقة طلاب العلم، وعلى هذا -حسب أصولهم الفاسدة- فهو أضرُّ على الإسلام والمسلمين من اليهود والنصارى؛ لأنهم -كما يتوهم الغلاة- لا يثق فيهم أحد، ولا يغترّ بهم المسلمون!! وكأن هؤلاء الغلاة لا يعيشون في زماننا، ولا يرون ماذا يفعله اليهود والنصارى ومن هو على شاكلتهم في المسلمين: عَقَدِيًّا، ومادِّيًّا، وفِكْريًّا، وعسكريًّا، وإعلاميًّا، وأخلاقيًّا، وأمنيًّا،… إلخ، فإن لم يقولوا بتبديعهم؛ فهم متناقضون، ويتَّبعون أهواءهم في الأحكام على من خالفهم، وإلا فهم يَجْبُنُون عن أن يصرِّحُوا بما يعتقدونه -في هذا الموضع- خشية ردة الفعل عليهم من أهل السنة في كل مكان!! والأَوْلى من هذا كله: أن يعلنوا توبتهم إلى الله -جل وعلا- وبراءتهم مما صدر منهم مخالفا للحق ولما عليه علماء السنة سلفا وخلفا، لكن «الكِبْر: بطَر الحق، وغَمْطُ الناسِ».

وكما قلنا في الشيخ الألباني، فكذلك نقول في كل مَنْ سبق ذِكْرهم ومن سيأتي ذِكْرهم من المشايخ، ولو لم يكن من شؤم الهوى إلا هذا الحال المُفضي إلى التناقض والجُبن والحيرة والتخبُّط الذي وقع فيه الغلاة؛ لكفى في سؤال الله العافية من الوقوع في اتباع الهوى، ومن حال أهله!!!

11- متى يَخْرج الرجل من دائرة أهل السنة والجماعة؟

سئل :

متى يُعَدُّ الرجل من أهل البدع، ويَخْرُج من أهل السنة؟ يعني إذا وقع في بدعة واحدة أو اثنتين أو أكثر أو أقل؟

الجواب: «المسألة – أولًا – ليس لها علاقة بعدد البدع التي يقع فيها العالِم المسلم، وإنما لها علاقة بإصراره على البدعة بعد أن تقام عليه الحجة من أهل العلم والحجة، وأظنُّ أَنَّ هذا الكلام واضح، وعليه فما وقوع العالم في البدعة بأخطرَ من وقوع العالم في استحسان ما حرَّم الله، أو تحريم ما أحلَّ الله، فكل هذا وذاك، كل ذلك مخالف للكتاب والسنة، صحيح: أن البدعة من جانب هي أخطر من تحليل المحرَّم أو العكس، ولكن هما لا يستويان، أو هي مع التحليل والتحريم تستوي من جانب أن الإِصرار على هذه أو على ذاك هو الذي يُخْرِج صاحبه من أن يكون من أهل العدل – أي العدالة -، وإِلا فنحن نعلم أن كثيرًا من العلماء ومن أهل السنة قد وقعوا في أشياء مما تعتبر بدعةً مخالفةً للسنة، وهنا لا بد من التفكير، ولا فرق بين كون البدعة كما اصطلحوا على التفريق: بين أن تكون في الأصول أو في الفروع، فلا شك أن بعضهم وقعوا في البدعة بالاجتهاد النزيه المأجور عليه صاحبه، ولذلك فما ضرَّ ذلك شيئًا في منزلة ذلك العالم، كما أنهم وقعوا في تحليل ما حرم الله، والعكس بالعكس تمامًا، وما ذلك إلا: إما لعدم وقوفهم على النص الذي يخالف ما ذهبوا إليه، وإما مع الوقوف عليه، ولكنهم فهموه فهمًا يؤجرون على هذا أو ذاك أجرًا واحدًا، ولذلك فليست المسألة منوطةً بعدد البدع، وإِنَّما ما تبيَّن لنا أَنَّ هذا العالم حينما وقع في البدعة أقيمت عليه الحُجَّة، وظَهَرَ عليه التَّعصُّب لرأيه، وعدم قبول الحجة؛ فهذا الذي تضرُّه بدعته، وأنا لا أفرِّق حين ذاك بين هذا وبين من أَصرَّ على التحريم أو التحليل المخالف للحجة، وإن لم نفهم المسألة هكذا؛ كانت القضية فوضى؛ بحيث إننا نفرق بين متماثلين، لماذا هذا يكون مبتدعًا وضالًا، وذاك يكون من أهل السنة والجماعة؟ وقد يكون ذاك أكثر مخالفة للسنة؟! لا جواب، إذا ما ظلُّوا متمسكين باللفظ: هذا ابتدع، وذاك ارتكب محرَّمًا؛ فهذا مأجور، لماذا هذا مأجور؟ لأنه كان مجتهدًا، وهذا الذي سَمَّوه مبتدعًا أيضًا يمكن أن يكون مجتهدًا، ويمكن أن يكون متَّبعًا لهواه، فالتفريق بين هذا وذاك، إنما هو إرادة الحق والخضوع للحق، إذا ما تبيَّن له، أو عكس ذلك تمامًا، هذا الذي تبيَّن لي على مرِّ الزمان، ولا أرى حلًَّا لهذه القضية خاصةً في الزمن الحاضر، لو أننا بمجرد ما نرى رجلًا خالف الجماعة في مسألة ما؛ حكمنا عليه بأنه مبتدع؛ لا ينبغي أن نتجرَّأَ باتهامه بالبدعة، إلا إِذا تبيَّن لنا إِصراره على مخالفة الحجة([62]) .

السائل: هل الاجتهاد شرط في نفي البدعة عنه؟

الشيخ : «نعم، وإِلا فعليه أن يتبع العلماء، وبهذه المناسبة: نحن نقول كلمةً أظنها مهمة جدًا، وهي قاصمة ظهر هؤلاء المدَّعين للعلم، فربنا في مثل قوله –تعالى–:[ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ] {النحل:43} فجعل الأُمَّة من حيث العلم وعدمه قسمين: قسمًا علماء، وقسمًا ليسوا بعلماء، وأوجب على كلٍّ من هذين القسمين واجبًا، فقال مخاطبًا الأمة التي تمثل الأكثرية من حيث الصفة القائمة بها أو عليها، قال
–تعالى-: [ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ] {النحل:43} الخطاب للأمة [ﭚ ﭛ ﭜ ] يعني من لا يكون من أهل الذكر [ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ] ولذلك نحن نقول لهؤلاء الناشئين: هل أنتم من أهل الذكر؟ هل أنتم من أهل العلم بالكتاب وبالسنة وما يتفرع من وراء ذلك من فروع كثيرة وكثيرة جدًا؟ ليس فقط فيما تعلَّق بمعرفة اللغة العربية وآدابها، وإنما بمعرفة أصول الفقه، وأصول الحديث، أم هي الأهواء التي تصيب هؤلاء كالريح الهوجاء، تأخذهم يمينًا ويسارًا، فإن كانوا يعترفون -كما هو المفروض- أنهم ليسوا بعلماء، لكن حسبهم أن يكونوا طلاب علم؛ إذن أنتم يشملكم هذا الخطاب: [ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ] {النحل:43} هكذا أرى أن المشكلة تكون مع المجتمع الإسلامي الذي يمثل هذا المجتمع الأَقلَّ من أقلهم عددًا، وهم العلماء، والأكثرون عليهم أن يلجئوا إلى هؤلاء العلماء.

قال الله : [ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ] {النساء:83} فأهل الاستنباط هم هؤلاء العلماء الذين أُمِرَ مجموع الأُمة باللجوء إليهم إذا ما جَهِلُوا [ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ] {النحل:43} وهنا يَرِدُ الحديثُ: «أَلَا سَأَلُوا حينَ جَهِلوا؛ فإِنَّما شِفاءُ العِيِّ السؤال»، حديث الجريح الذي أُمِر بالتَّعصيب، فعلى هذا ينبغي أن تُفهم قضية البدعة والتحليل والتحريم إذا صَدَرَتْ من العالم والمخلص؛ فهو مأجور على كل حال». اهـ([63])

12- ما هي البدعة، ومتى يقال: إن فلانًا مبتدع؟ وهاكم كلام شيخنا الألباني ومخالفته الواضحة للشيخ ربيع في هذه المسألة:

«السائل: على مَنْ تُطْلَق البدعة بإيجاز؟ ومتى يقال لهذا الرجل: إنك مبتدع؛ حتى لا يقع الرجل في الإثم؟

الشيخ: الشِّطْر الثاني من السؤال مُهِمٌّ، أما الشِّطْر الأول فشيء يعني مُكَرَّرٌ البحثُ فيه والجواب عنه…

أما الشِّطْر الثاني، أما من هو الذي يقال: إنه مبتدع، فهو الذي خالف قوله -عليه الصلاة والسلام-: «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» ثم أخذ يتقرب إلى الله بالابتداع في دين الله، أو بالتقرب بما ابتدع غيره في دين الله .

أما من صدرت منه بدعة، وهو لا يريدها كقاعدة؛ هو في القاعدة مع قوله : «كل بدعة ضلالة» ولكن أخطأ وابتدع، كما يقع من بعض المجتهدين أحيانًا.

أحيانًا يقولون عن الشيء: إنه مباح وهو حرام، هذا لا يجوز في الإسلام، لكن إذا وقع في مثل هذا مجتهدًا؛ فله أجر، ولا يقول: إنه وقع في الحرام.

كذلك إذا صدرت بدعة من غير مبتدع، إنما باجتهاد منه، لكن الحقيقة أنها بدعة، فلا يقال فيه: مبتدع! أظن ظهر لك الفرق الآن بين هذا وهذا، وحَصَّلْتَ الجواب -إن شاء الله- عن شِقَّي السؤال». اهـ([64])

قلتُ: سبق من مجموع كلام الشيخ وغيره من العلماء أن الرجل يكون مبتدعًا مذمومًا خارجا من دائرة أهل السنة والجماعة بشروط، منها:

1- إذا وقع في بدعة كبرى مخالفة لأصول وإجماع أهل السنة والجماعة فعْلا أو قولا، وليست بدعة صغرى، أو متوهَّمة، ولا وجود لها!!

2- أن يكون ديدنه الابتداع، وعدم المبالاة بالمخالف له، لا أنه وقع في بدعة عن غير قصد منه للبدعة، كأن يريد إحياء السنة فيقع في البدعة.

3- أن يكون غير مجتهد، وليس معروفًا بالعلم والاستنباط، إنما وقع في ذلك عن جرأة منه فيما لا يُحْسن النظر فيه، ورغبة في الأطماع أو كثرة الأتباع، أما من وقع في بدعة عن اجتهاد ونظر- وهو من أهل العلم-، أو تقليد العالم من أهل الاجتهاد، وكان تقليده إياه سائغا، أي مأذونا فيه، ظانا أن من يقلده ثابت على الحق، وليس اتباعًا لهواه.

4- أن تُقام عليه الحجة المُزِيلة لشبهته؛ حتى نحترز من الذي يقع في البدعة عن اجتهاد أو تقليد سائغين، وذلك يكون من أهل العلم والحلم، الذين يريدون بذلك هدايته وإقلاعه عن البدعة، وذلك باستعمالهم الأساليب التي تعينه على التوبة، لا العناد؛ بخلاف من جُلُّ هَمِّه وقصْدِه أن يبدعه؛ فيحمل له كلاما لا يزيل شبهته؛ حتى يقول: إنه إذًا مُصِرٌّ على البدعة؛ فهو مبتدع!!

5- أن يُصِرَّ على التمسك بها بعد ظهور الدليل له، وإزالة شبهته.

6- أن يدعو إليها، وهذا الشرط السادس له وجاهته في الدعوة إلى هَجْره لا مجرد تبديعه، والله أعلم.

7- ويُضاف في الدعوة إلى هجره: أن يكون الهجر لا يترتب عليه مفسدة أكبر من مصلحة هجره وتعزيره وتنفير الناس عنه، وأن يكون ممن هَجْره يُؤثر عليه فيتوب؛ وإلا فقد يُترك هجره مع مداومة نصحه، بل قد يُدارِيه أهل السنة إذا كان له قوة وشر وبأس عليهم!!

وكل هذه الشروط لا يرفع بأكثرها الغلاة وشيخهم رأسًا، بل يُبَدِّعون مَن يظنون أن كلامه يلزم منه البدعة، وما ذاك إلا لسوء فهمهم فقط، وقد يجتمع مع ذلك سوء قصدهم أيضًا!!

13- العالم إذا وقع في البدعة لا يلزم أن يكون مبتدعا، فالمبتدع هو الذي يكون من ديدنه البدعة، وأن لا يكون مجتهدا مع الاستدلال بأثر أبي هريرة..

قال الشيخ : «لما ذكرته آنفًا من أن وقوع العالم في البدعة لا يعني أنه مبتدع، وأن وقوع العالم في ارتكاب المُحَرَّم، أي في القول بإباحة ما هو محرم، رأَى اجتهادا منه هنا وهناك، لا يعني أنه ارتكب مُحَرَّما.

فأقول: أثر أبي هريرة هذا([65])، الذي ينص على أنه كان يقوم يوم الجمعة قبل الصلاة يَعِظُ الناس، ويُذَكِّرهم، يَصْلُح أن يكون مثالا صالحا بكون البدعة قد تقع من الرجل العالم، وليس معنى ذلك أن يكون هو مبتدعًا، وقبل الخوض في تمام الجواب، أقول: المبتدع هو أولًا الذي من عادته الابتداع في الدين، وليس الذي يبتدع بدعة واحدة، ولو كان هو فعلًا ليس عن اجتهاد، وإنما عن هوى، مع ذلك هذا لا يُسَمّى مبتدعًا.

وأوضح مثال لتقريب هذا المثال: أن الحاكم الظالم قد يعدل في بعض أحكامه، فلا يقال فيه: عادل، كما أن العادل قد يظلم في بعض أحكامه، فلا يقال فيه: ظالم، وهذا يُؤَكِّد القاعدة الإسلامية الفقهية: أن الإنسان بما يغلب عليه من خير أو شر.

إذا: عرفنا هذه الحقيقة؛ عرفنا من هو المبتدع.

فيُشْتَرط في المبتدع إذًا شرطان:

الأول: أن لا يكون مجتهدًا، وإنما يكون مُتَّبِعًا للهوى.

الثانية أو الثاني: يكون ذلك من عادته ومن دَيْدنه.

فإذا لاحظنا هذين الشرطين؛ وجئنا إلى أثر أبي هريرة المذكور آنفا؛ عرفنا أن كُلَّا من الشرطين غير متوفر في أبي هريرة، نحن نقول: نعم هذه بدعة؛ لأنها مخالفة للسنة، وسيأتي البيان، لكن ما نقول: إن أبا هريرة مبتدع.

ومن هنا غاب عن أذهان كثير من إخواننا أهل السنة في الديار السعودية، حينما نقضوا عليَّ قولي بأن وضع اليُمنى على اليسرى في القيام الثاني بدعة، كيف أنت تقول: بدعة، والشيخ الفلاني يقول: هذا سنة، والشيخ الفلاني، إذًا عندي مبتدعة، عرفتم الجواب الآن؟ أنه هؤلاء ليسوا مبتدعة، لكن هذا فهم على الأقل في نقدي، وفي وجهة نظري هو بدعة.

نعود الآن إلى أثر أبي هريرة، أولا: نقول: ليس في النص ما يُشْعِر فضلا عن أن يكون فيه ما يدل على أن أبا هريرة جعل ذلك دَيْدَنَهُ وهَدْيَهُ كما يقال، أي كما أن الخطباء يخطبون يوم الجمعة، وكما أن المدرسين اليوم يدرسون يوم الجمعة قبل الصلاة، ليس في الأثر ما يَدُل على أن أبا هريرة كان جعل ذلك عادةً له.

بل وهذا هو الذي يغلب على ظني أنه كان يفعل ذلك؛ لأنه يرى حاجة ليعظ الناس في هذا الوقت؛ لأن العالم كما أنتم ترون اليوم، مثلًا خطيبنا أبي مالك -جزاه الله خيرًا- في كثير من الأحيان لا يتكلم بكلمة بعد الصلاة، وفي كثير من الأحيان يتكلم ويحض على الصدقة، أو قد يُكْمِل بعض النقاط التي طرقها في الخطبة؛ فهذا لأمر عارض، فلو قيل لمثله: إنه ابتدع؛ كل هذا يَرُدُّ على أثر أبي هريرة، أَمَّا هذا الأمر إذا تصورنا فيه الاستمرارية في الموعظة وفي النصيحة -كما يفعلون اليوم- أما أن هذا بدعة، فلا شك ولا ريب في ذلك». اهـ([66])

14- التعصب لشخص أو شيخ واحد إخلال بشهادة أن محمدًا رسول الله:

«السؤال: هناك بعض الأشخاص يتعصبون لبعض المشايخ، فماذا تقول لهؤلاء؟

الشيخ: لا شك أنه لا يجوز لمسلم أن يتعصب لشخص في الدنيا إلا لنبينا – صلى الله عليه وآله وسلم -؛ لأنه هو الذي أُرْسِل رحمًة وهدايًة للعالمين، وهو الذي فقط -عليه الصلاة والسلام- أُمِرْنا باتخاذه أُسْوة حسنة، وكل العلماء الذين نستفيد من علومهم؛ إنما نستفيد منهم لا لذواتهم وأشخاصهم، وإنما لأنهم أَدِلَّاء، يَدُلُّوننا على ما كان عليه نبينا – صلى الله عليه وآله وسلم – من الهدى والنور، فإذا ما تعصب المسلم لواحد من المشايخ، سواء كان من الأحياء أو الأموات؛ فمعنى ذلك أنه نَسِيَ رسالة الرسول وتشبث بهذا الشخص الذي لا يجوز أن يُقْرَن مع النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – في العلم أو في الخُلُقِ أو في الكمال، فلا غرابة حينما أقول: إن تعصب المسلم لشخص أو لشيخ واحد؛ إنما هو إخلال منه بشهادته أن محمدًا رسول الله.

ولذلك؛ فأنا حينما أَشْرَح الشهادة، بأن الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده رسولُه، أقول: إن الشهادة الأُولى تستوجب على المسلم ألا يتخذ معبودًا مع الله أحدًا، وإلا فهو الشرك بعينه، كذلك بالنسبة للشهادة الثانية: أن محمدًا رسول الله، أي: عبده ورسوله، من اتخذ أسوًة أو قدوًة له في هذه الحياة غير رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – كما يفعل كثير من المتعصبة اليوم، وكما هو مذهب الصوفية الذين يقتدون بشيوخهم، وقد علا بعض هؤلاء فخططوا لمريديهم هذه الضلالة الكبرى: ألا يتخذوا مع الشيخ أسوًة أخرى؛ فقالوا دون خَجَلٍ أو حياء: مَثَلُ المريد يتخذ شيخين كمَثَلِ المرأة تتخذ زوجين، ولذلك فقد استعبدوا المريدين، وجعلوهم عبيدًا لهم، بحيث كنا نسمع عن بعضهم بأنه لا يتصرف في شيء من شؤون حياته إلا أن يستشير شيخه، لقد اتخذوا الشيوخ أسوًة أكثر من أصحاب الرسول للرسول – صلى الله عليه وآله وسلم -، ذلك لأن أصحاب النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – كانوا يسألونه فيما يتعلق بشؤون عباداتهم، أما في شؤون دنياهم في بيعهم وشرائهم وتجارتهم هل يذهبون.. هل يسافرون أم لا؟! فكانوا أحرارًا؛ لأن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – كان من كمال دعوته وتبليغه لشريعة ربه أن قال لهم: «ما أمرتكم من شيء من أمر دينكم؛ فَأْتُوا منه ما استطعتم، وما أمرتكم من شيء من أمر دنياكم؛ فأنتم أعلم بأمور دنياكم».

لقد أوضح النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – لأصحابه أنه لم يأت ليعلمهم أمور الدنيا والسعي والضرب في الأرض في سبيل طلب الرزق، وإنما جاء ليعلمهم ما يتقون الله -تبارك وتعالى- به من الطاعات والعبادات واجتناب المحرمات، أما شيوخ الصوفية فقد استعبدوا مريديهم استعبادًا كاملًا، وأوهموهم أنهم عليهم أن يستشيروهم في كل شيء من أمور دنياهم، فضلًا عن دينهم، فقد كان هناك أشخاص نعرفهم بأسمائهم لا يتزوج إلا برأي الشيخ، ولا يسافر سفرة إلا برأي الشيخ، إن قال له سافِرْ؛ سَافَرَ، وإن قال له: لا تسافر؛ لا يسافر، استعباد، أيْ استعبَادٌ كافِرٌ مهما سما وعلا؛ لأن الكفار يستعبدون الناس من الناحية المادية، أما هؤلاء فقد استعبدوهم من الناحية النفسية، فهم أَذَلُّ من العبيد مع أسيادهم». اهـ([67])

15 – قاعدة: «مَنْ لَمْ يُبَدِّع المبتدع»:

سئل الشيخ الألباني : هذه القواعد يا شيخ:

من لم يكفر الكافر؛ فهو كافر، ومن لم يبدع المبتدع؛ فهو مبتدع، ومن لم يكن معنا؛ فهو ضدنا.

فأجاب الشيخ : ومن أين جاءت هذه القواعد؟ ومن قعَّدها؟

– هذا يُذكّرني بنُكتة تُرْوى في بلادنا الأصيلة «ألبانيا»، حكاها في بعض المجالس والدي القصة تقول:

بأن رجلًا عالمًا زار صديقًا له في بيته، ثم لما خرج من عنده؛ كَفَّرهُ، قيل له: لِمَ؟

عندنا عادة في بلادنا -وهي عادة أظُن مضطردة في بلاد العالم- يُعَظِّمون ويحترمون أو يُوّقِّرُون العلماء في بعض الأعراف والتّقاليد التي تختلف في اختلاف البلاد، منها:

رجلٌ مثلًا دخل الغرفة، ونزل عليه، فهو حين يَخْرُج ينبغي أنْ يُدار النَّعْلُ بحيث أن العالِمَ لا يتكلّف أن يَلُفَّ ويَدُور كأنه داخل، وإنما يُجْعَل النعل مهيأ لِدَكِّ قدميه فيه، فهذا العالِمُ لَمَّا زار صديقه، وخرج، فوجد النَّعْلَ كما هما، يعني ما احترم الشيخَ، تركهما كما هما، فقال الرجل العالِمُ: أنّ هذا كَفَرَ، لماذا؟

لأنه لم يحترم العالِمَ، ومَنْ لا يحترم العالم؛ لا يحترم العِلمَ، والذي لا يحترم العِلمَ؛ لا يحترم مَنْ جاء بالعِلمِ، والذي جاء بالعلم هو محمد – صلى الله عليه وسلم – وهكذا سلْسلَها إلى جِبْريل، إلى رب العالمين؛ فإذًا هوَ كافر!!

– هذا سؤال أو هذه القاعدة ذكرتني بهذه الإطلاقة، ليس شرطًا أبدًا أنّ مَنْ كَفَّرَ شخصًا، وأقام عليه الحُجَّة، أنْ يكون كّل النَّاس معه في التَّكْفير؛ لأنه قد يكون هو متأوِّلًا، ويرى العالِمُ الآخَرُ أنه لا يجوز التَّكْفير، كذلك التَّفْسيق والتَّبْديع، فهذه الحقيقة مِنْ فِتَنْ العصر الحاضر، ومِنْ تسرُّع بعض الشباب في ادِّعاء العِلْم([68])، سواءٌ مقصود أن هذا التَّسلْسُلَ، أو هذا الإلزام هو اللازِم، أبدًا، هذا بابٌ واسعٌ قد يرى عالِمٌ أمْرًا واجبًا، ويراه الآخَرُ ليس كذلك.

كما اختلف العلماء مِنْ قبل ومِنْ بعد، إلا لأنه بعض الاجتهاد لا يُلْزِم الآخرين بأن يأخذوا برأيهِ، الذي يُوجِبُ الأخذَ برأي الآخَرِ إنّما هوَ المُقَلِّدْ الذي لا علم عنده، فهو يجب عليه أن يُقلِّدَ.

أمّا مَن كان عالمًا، كالذي كَفَّرَ أو فسَّقَ أو بَدَّعَ، ولا يَرى مثل رأيهِ؛ فلا يَلْزمُهُ أبدًا أنْ يُتابِعَ ذلك العَالِمَ، الظاهر أن هذه المصيبة كأنها -إن شاء الله- ما انتشرت بعد مِنْ بلادكم إلى بلادٍ أخرى». اهـ([69])

قلتُ: انظر وتأمل جيدًا كلام الشيخ : «ليس شرطًا أبدًا أنّ مَنْ كَفَّرَ شخصًا وأقام عليه الحُجَّة، أنْ يكون كّلُّ النَّاس معه في التَّكْفير؛ لأنه قد يكون – من وقع في الكفر- متأوِّلًا، ويرى العالِمُ الآخَرُ أنه لا يجوز التَّكْفير، كذلك التَّفْسيق والتَّبْديع، فهذه الحقيقة مِنْ فِتَنْ العصر الحاضر».

ثم قال بعد ذلك: «الظاهر أن هذه المصيبة كأنها -إن شاء الله- ما انتشرت بَعْدُ من بلادكم إلى بلاد أخرى»!! فسَمَّى هذه القواعد الباطلة «فتنة» و«مصيبة»… والشيخ ربيع وأتباعه الغلاة في جميع أنحاء العالم يَدْعُون الليل والنهار لذلك، ويُلْحِقُون وراء ذلك الهجر والإهدار لجميع فضائل كل ما عند مخالفهم في تبديع فلان أو فلان!!

فهل بعد هذا كله يصحّ أن يَدَّعي هؤلاء الغلاة أنهم وشيخهم الذي عَلَّمهم الغلوّ يسيرون على منهج العلماء الكبار في هذا العصر، وأن العلماء يزَكُّون منهج الشيخ ربيع بإطلاق، وشيخهم ربيع نفسه يقول عن نفسه: لا أعرف لي خطأ في المنهج، فواسَوْأَتَاه من قَلْب الحقائق رأْسًا على عَقِب، ومن الادِّعاء المُبَطَّن للعصمة في أحكامه على مخالفيه!!!

وإليكم الرابط الصوتي لهذا الكلام:

https://m.youtube.com/watch?v=B8a1zlZPaH0

16- قال العلامة الألباني : عليكم بالمناصحة والمراقبة للمخالف، لا التبديع والمقاطعة:

مداخلة: الآن وفي الظروف التي نحن فيها تعددت الاتجاهات، وتعددت الفِرَقُ من حيث الاعتقاد، ومن حيث التأويل… وإلى آخره، فهنا سؤال: الآن يصير الأخ المسلم لا يُسَلِّم ولا يَرُدّ السلام، ولا يزور، ولا يَتْبَع جنازة من هو مخالف له في فرقته أبدًا، وإنْ هو مُسْلِمٌ مثله، يَحْصُل أيضًا أن يُعَدِّد فلان هذا كذا، ويقول كذا وكذا وكذا، فنقول له: هذه غِيبة، وهذا مسلم، وأنت توضِّح مساوئه، وتَعُدّ عيوبه.

السائل: هذا بُغْضٌ في الله، وهذا تبيان لما هو عليه، فنريد أن نعرف كيف نفرق بين البغض في الله وتبيان الأخطاء بدون أن نقع في الغيبة، التي حذرنا منها الرسول -عليه الصلاة والسلام-: أَوَلَوْ كان فيه ما نقول يا رسول الله؟ «لو كان فيه ما تقول؛ فقد اغتبته» فما رأي حضرتكم في هذا؟

الشيخ: أنا لا أعلم أن المسلم لا يُلْقِي السلام على أخيه المسلم وهو يعتقد أنه مسلم، وهذه مقاطعة لا تجوز إسلاميًا، وكون المسلمين مختلفين؛ فهذا أمر ليس بالحديث، بل هو قديم، لكن التناصح هو الذي يجب أن يكون قائمًا بين المسلمين، وأن يتواددوا، وأن يتحابوا في الله فالتدابر والتقاطع أمر مَنْهِيٌّ عنه في الإسلام، والحب في الله أمر مرغوب في الإسلام، والبغض في الله كذلك، لكن رُبَّ أناس لا يحسنون التطبيق، وأنا كثيرًا ما أُسْأَل عن مقاطعة المسلم لأخيه المسلم لسبب ما…

مداخلة: مجرد الاختلاف في مسألة فقهية…

الشيخ: فأنا أقول: المقاطعة اليوم وإن كانت في الأصل هي مشروعة؛ لكن اليوم ليس هو زمن التطبيق؛ لأنك إن أردت أن تقاطع كل مسلم أنكرت عليه شيئًا؛ بَقِيتَ وحيدًا شريدًا، فليس لنا اليوم أن نتعامل على طريقة البغض في الله والمقاطعة في الله، هذا إنما هو وقته إذا قويت شوكة المسلمين، وقَوِيَ مَظْهر المسلمين في تعاملهم بعضِهم مع بعض حين ذاك. حينما يشذ فرد من الأفراد عن الخط المستقيم؛ فَقُوطِعَ؛ في ذاك المقاطعة تكون دواءً له وتربية له، أما الآن فليس هذا زمانه.

في مثل سوريا والأردن يَكْثُر الشباب التارك المهمل للصلاة، ويَكْثُر التساؤل عن هذه القضية. زَيْدٌ من الناس: لي صديق كان مثلًا يصلي معنا، ثم انحرف فترك الصلاة، فنصحناه ووعظناه وذكَّرناه فلم يتعظ، ولم ينتصح، هل أقاطعه؟ فأقول له: لا، لا تقاطعه؛ لأنك إن قاطعته؛ ساعدته على ما هو فيه من الانحراف والضلال، وإن قاطعته؛ فسيتلقاه إخوانه المفسدون في الأرض، وسيتقوى في انحرافه، فعليك أن تظل متابعًا ومصاحبًا له مع مراقبتك إياه بالموعظة تارة وتارة؛ عسى الله أن يهديه.

عندنا في سوريا مَثَلٌ يقول: إن شخص كان تاركًا للصلاة، ثم تاب، وأَتَى أول مرة يريد أن يصلي، يذهب إلى المسجد، فوجده مُغْلَقًا؛ فقال: أنت مُسَكِّر وأنا مُبَطِّل!!

هذا الرجل الذي يقاطَع حينما يقاطَع يقول للمقاطِع هكذا.. عمري لا أريدك، ولا تصاحبني، ولا أصاحبك؛ لذلك فهذا في العصر الحاضر ليس من الحكمة أبدًا أن نقاطع الناس بسبب انحرافهم، سواء كان هذا الانحراف فكريًا عقيدة([70])، أو كان انحرافًا سلوكيًا، وإنما علينا أن نصبر في مصاحبتنا لهؤلاء، وأن لا نُضَلِّل ولا نُكَفِّر؛ لأن هذا التضليل وهذا التكفير لا يفيدنا شيئًا، وإنما علينا بالتذكير، كما قال : [ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ] {الذاريات:55}، غيره.

مداخلة: يلاحظ في الشخص الذي يصاحِبُ أن يكون واثق من نفسه، أن لا يكون يتأثر بأفكار أو بسلوك الشخص المنحرف..

الشيخ: والله صدقت في هذا.. هذا أمر ضروري جدًا، نعم». اهـ([71])

وقال رحمة الله عليه:

«نشكوا من الثورة التي ثارت بين أهل السنة، حيث أنه إذا ظهر فيهم من خالف أهل السنة في بعض المسائل، بَدَّعوه وأخرجه من أهل السنة، وكان حسبهم أن يقولوا إنه أخطأ، ثم عليهم أن يقيموا عليه الحجة من الكتاب والسنة، وما كان عليه السلف الصالح، أما أن يزيدوا في الفرقة فرقة وخلافا، فهذا ليس من عادة أهل السنة والجماعة أبدا!!

فلا يجوز أن يُنبذ من يخطئ في مسألة على التفصيل السابق، سواء كانت المسألة عقدية أوفقهية، فلا يجوز أن يُضَلَّل، بل يعامل بالتي هي أحسن». اهـ([72])

قلتُ: مجموع كلام الشيخ في هذا الموضع وغيره يدل على أن البُغْض والمقاطعة إذا كان ذلك يأتي بفائدة؛ فلا بأس بذلك، لكن يرى أن هذا الزمان ليس زمن تطبيق الهجر لما ذكر ولاشك أن هذا محمول على الغالب، وإلا ففي بعض الحالات -وفي هذا الزمان- قد ينفع الهَجْر، لكن ذلك كله إذا كان هناك موجِبٌ شرعي صحيح للهجر، أما هؤلاء الغلاة فيطلقون الهجر بسبب الاختلاف معهم في أمور اجتهادية، كتبديعهم فلانا أو فلانا، فإذا لم توافقهم على ذلك؛ بدّعوك وهجروك وأمروا أتباعهم بذلك، ثم يَلْحَق ذلك من الغيبة والافتراء والكذب والوشاية ما الله به عليم، ويحثون فلانًا على بُغْض فلان، قائلين: وفلان ذاك قد انتهينا منه منذ دهر، أو فُرِغَ منه منذ دهر، وهكذا يأخذون كلام العلماء في غلاة المبتدعة، ويضعونه في مشاهير طلاب العلم والدعاة إلى السنة، والذين نفع الله بهم أضعاف أضعاف ما عند هؤلاء الغلاة، فَحُقَّ لنا أن نقول في هؤلاء الغلاة: حَشَفَةٌ وسوء كِيلَة!!

وبَعد هذا؛ فهل منهج الشيخ ربيع -وفقه الله- يوافق طريقة هؤلاء الكبار، وهم يسمون فتنتهم التي أذاعوها في البلاد «ثورة» و«مصيبة» و«فتنة» ويشكون هذا الحال إلى الله -جل وعلا-؟!

* ومن أراد المزيد فليقرأ كتاب (منهج الألباني في مسائل التبديع والتعامل مع المخالفين) لأبي عبد الله محمد حاج عيسى الجزائري -جزاه الله خيرًا:

وإليكم ثلاث روابط للكتاب:

http://majles.alukah.net/t25099/

وهذا رابط في موقع المؤلف نفسه:

http://islahway.com/v2/index.php/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%82%D8%B3%D8%A7%D9%85/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A4%D9%84%D9%81%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B7%D8%A8%D9%88%D8%B9%D8%A9/item/157-2014-05-26-16-17-40

وهذا رابط آخر

http://mareb.org/showthread.php?t=2706

  • ومما ورد في هذا الكتاب:

17 – إنصاف المخالفين:

ولا يشك أحد أن من خصائص منهج الشيخ الألباني في التعامل مع مخالفيه الإنصافَ لهم، وعدمَ إنكار ما لهم من خير وحسنات، فالشيخ لم يمنع منعا مطلقا من الثناء على من وقع في البدعة، بل فصَّل في ذلك تفصيلا حسنا، حيث قال: «الجواب يختلف باختلاف المقاصد، إذا كان المقصود بالثناء على مسلم نظنه مبتدعا، ولا نقول: إنه مبتدعفإذا كان المقصود بالثناء عليه هو الدفاع عنه تجاه الكفار؛ فهذا واجب، وأما إذا كان المقصود بالثناء عليه هو تزيين منهجه، ودعوة الناس إليه؛ ففيه تضليل لا يجوز». ([73])

قلتُ: وقول شيخنا الألباني : «الدفاع عنه تجاه الكفار» فيه تنبيه إلى بناء قضية الثناء على الأشخاص على عقيدة الولاء والبراء، فمهما أبغضنا شخصا لخلافه للسنة؛ فلا ينبغي أن نُهْدِر حقه في الولاء بقَدْر ما عنده من الخير ما دام مسلما، ولا يجوز أن نتزلف إلى الكفار والمنافقين بالقدح فيه وبيان مثالبه -لا سيا إذا كانوا سيلحقون به وبذويه الضرر- بل الواجب علينا أن ندافع عنه في حدود الحق، ونُثْني عليه بما هو فيه، مع البراءة من خطئه الذي لا نعتقده ولا نتبناه.

ولعل مراد الشيخ بقوله: «تجاه الكفار» أي إذا كان المتكلم في مقام المقارنة بين المسلم الذي يُظَنُّ أن فيه بدعة والكافر؛ فلا شك أن المبتدع ما دام مسلمًا؛ فهو أفضل -في الجملة- من الكافر، وهنا نُثْنِي عليه؛ لبيان فضله على من يُقَارَن به من الكفار، والله أعلم.

وتُبْنَى هذه القضية أيضًا على مسألة الموازنة التي سبق شرحها، حيث أجاز الشيخ وغيره من علماء السلف والخَلَف أن تُذْكَر محاسن المخالف في مقام التعريف والترجمة.

* وهذه بعض النماذج التطبيقية التي تبين إنصاف الشيخ الألباني للمخطئين والمخالفين:

 أولًا: إنصافه لابن حزم :

فقد قال بعد أن تحدث عن انحراف ابن حزم في باب الصفات: «فلا نستطيع أن نقول في ابن حزم ولا في غيره: بأنه كافر، بل ولا أستطيع أنا شخصيا أن أقول: إنه ضال، وإن كان وقع في الضلال؛ لأنني أَشْعُر من مطالعتي لكتبه ولطريقة احتجاجه واستدلالاته على أصوله أنه يبتغي الحق، فحسبنا أن نقول فيه وفي أمثاله: أنه مأجور أجرا واحدا، لكن هذا لا يمنعنا من الصدع والتصريح بتخطئته، سواء كان خطؤه في العقيدة أو في الفقه». اهـ([74])

قلتُ: فهل هذه هي طريقتكم أيها الغلاة، حتى تزعموا أنكم على منهج كبار العلماء تسيرون؟ وهل كل من تخالفونهم من أهل السنة اليوم أو وتبدِّعونهم، لو جمعنا جميع ما تنتقدونه عليهم -مع أن الحق معهم وليس معكم في أكثر الأحوال، وإن أصبتم في بعضها- فما حَجْم هذا كله من أخطائهم أمام قول ابن حزم بما يوافق قول الجهمية وغيرهم من أهل البدع؟!

ثانيا: إنصافه لمحمد رشيد رضا :

فقد قال في ترجمته للشيخ محمد رشيد رضا : «السيد محمد رشيد رضا له فضل كبير على العالم الإسلامي بصورة عامة، وعلى السلفيين منهم بصورة خاصة، ويعود ذلك إلى كونه من الدعاة النادرين الذين نشروا المنهج السلفي في سائر أنحاء العالم بواسطة «مجلة المنار»، وقد جاهد في سبيل الله جهادا يُشْكَر عليه، ويُرْجَى أن يكون أجره مُدَّخَرًا له عند ربه.

بالإضافة إلى كونه داعيةً إلى اتباع منهج السلف الصالح فيما كانوا عليه من عقيدة وفكر وسلوك، فقد كانت له عناية تُشْكَر بالأحاديث الصحيحة والضعيفة … فكثيرا ما نَبَّهَ إلى ضعف بعض الأحاديث من حيث إسنادها عبر مجلته «المنار» التي أصبحت نواة طيبة لِلَفْت أنظار المسلمين للعناية بأحاديث الرسول فإذا كان من الحق: أن يَعْتَرِفَ أهلُ الفضل بالفضل لذوي الفضل؛ فأجِدُ نفسي في هذه المناسبة الطيبة مُسَجِّلا هذه الكلمة؛ ليطلع عليها من بلغته؛ فإنني بفضل الله ، بما أنا فيه من الاتجاه إلى السلفية أوَّلًا، وإلى تمييز الأحاديث الضعيفة والصحيحة ثانيا يعود الفضل الأول في ذلك بعد الله إلى السيد رضا عن طريق أَعْداد مجلته «المنار» التي وقفت عليها في أول اشتغالي بطلب العلم ……إلا أن تقديرنا للسيد رشيد رضا لا يحملنا على أن لا نذكر ما وقع فيه من انحراف، قلما ينجو منه إنسان، ولكي لا يتورط الناس، ويَزِلُّوا بزلة عالم كالسيد رشيد رضا … وقد تأثر رشيد بشيخه عَبْدُه([75]) إلى حد كبير في علم الإيمان بالمغيبات، فتأول ما استطاع من بعض النصوص الغيبية، بل وشَكَّك في كل شيء منها إذا استطاع إلى ذلك سبيلا …». اهـ([76])

قلتُ: فهل هذا يُعجب هؤلاء الغلاة؟ وهل الشيخ الألباني -على مذهبهم- يكون سلفيًّا، أم يتناقضون جُبْنًا من التصريح بما يجول في نفوسهم؛ خشية ردة الفعل العنيفة عليهم؟! فوالله، لو لم يكن في الغلوّ وحال الغلاة إلا التناقض وخشية التصريح بما في نفوسهم من أحكام فاجرة على أئمة الإسلام الكبار المخالفين لقواعدهم وأحكامهم؛ لكَفَى به شُؤمًا وبلاءً!!!

أضِف إلى ذلك: أن الشيخ مُقْبِلًا عَدَّ الشيخ محمد رشيد رضا ماسونيًّا، فكيف يقول الغلاة في هذا التباين بين الشيخ الألباني والشيخ مقبل ؟ فإن قالوا: لكل منهما اجتهاده، ونحن نرجِّح الراجح ونعتمده دون طعن في صاحب القول المرجوح؛ فهذا قولنا بعينه، حَذْوَ القُذَّة بالقُذَّة في هذا وأمثاله؛ فلماذا يرموننا -ظُلمًا وعدوانًا- بالبدعة والضلال؟ فما بقي -لو كانوا يعقلون- إلا أن يبادروا بالتوبة والبراءة من منهج الغلو والإسراف والإهدار والإسقاط الذي ابْتُلُوا به، وإلا فهو الضلال والهوى والتناقض!!!

ثالثًا: إنصافه لحسن البنا :

1- فقد قال : «ونحن انطلاقا من قوله -تبارك وتعالى-: [ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ] {المائدة:8}… لا نبخس داعية حقه، ونعتقد فيه دون إفراط ودون تفريط، فحسن البنا أعتقد أن له يدًا حسنة على كثير من الشباب المسلمين، الذين كانوا ضائعين وراء اتباع الملاهي والعادات الغربية، كالملاهي والسنمايات، فجمعهم حوله، وهو تكتل حزبي لا نرضاه، لكن قد كان دعاهم إلى الكتاب والسنة والتمسك بالإسلام الذي كان هو على علم به، فنفع الله به، وانتشرت دعوته في أقطار العالم الإسلامي، وهذا ما ندين الله به بالنسبة لدعوته، ولكننا لا نغالي فيه كما يقول المتحزبون، فإنه لم يكن -مع الأسف- على علم بالكتاب والسنة، ولم يكن داعية إلى الكتاب والسنة على منهج السلف».([77])

2- وقال فيه : «هذا الرجل له حسنات وله انحرافات …الذي أعرفه قديمًا أنهم كانوا يُعَدُّون بالملايين (يعنى المتأثرين بدعوته) بسبب إخلاص هذا الرجل في دعوته، والانحراف الذي نَعُدُّه عليه لعله كان باجتهاد منه يؤجر عليه إن شاء الله». اهـ([78])

قلتُ: أين أنتم من هذا الكلام أيها الغلاة: شيخًا ومُؤسِّسًا وأفرادًا؟! وما حكمكم على من يقول هذا القول إن كنتم تجرؤون؟!

رابعًا: إنصافه لسيد قطب :

1- فقد قال وهو ينتقد سيد قطب في وصفه لهذا الزمن بأنه زمن جاهلية: «ثم إن في كلام سيد قطب وفي بعض تصانيفه ما يُشْعِر الباحث أنه كان قد أصابه شيء من التحمس الزائد للإسلام في سبيل توضيحه للناس، ولعل عُذْره في ذلك أنه كان يكتب بلغة أدبية؛ ففي بعض المسائل الفقهية: كحديثه عن حق العمال في كتابه «العدالة الاجتماعية» أخذ يكتب بالتوحيد وبعبارات كلها قوية تُحيي في نفوس المؤمنين الثقة بدينهم وإيمانهم، فهو من هذه الخلفية في الواقع قد جدد دعوة الإسلام في قلوب الشباب». اهـ([79])

قلتُ: فها هو يعُدُّه مُجَدِّدًا في بعض الجوانب -وفي نفسي أنا من هذا الوصْف شيء- وأما الغلاة إذا سمعوك فقط تقول: سيد قطب -مجرد الترحم على مسلم ميت-؛ رَمَوْكَ بالبدعة، أو على الأقل بالتمييع، ويقولون: نشمُّ من فلان رائحة الحزبية والإخوانية أو التكفير… إلخ، فأين هذا من ذاك؟! والأصل أن كل مسلم يجوز -بل يُستحبّ الترحم عليه- على تفاصيل في إظهار ذلك وإخفائه أمام من قد يفهم من ذلك ما يُفضي إلى اتباعه في باطله -إن كان عنده باطل صريح أو ظاهر- وإذا كان المسلم يُصَلِّي عليه جمهور المسلمين الذين حضروا جنازته صلاة الجنازة- ولا شك أنهم يترحمون عليه فيها- فكيف بمجرد قول القائل عنه: ؟!

2- وقال : «وسيد قطب هذا الرجل نُجِلُّه على جهاده، لكنه لا يزيد على كونه كان كاتبا، كان أديبا مُنْشِئا، لكنه لم يكن عالما، فلا غرابة أن يصدر منه أشياء وأشياء وأشياء تخالف المنهج الصحيح». اهـ([80])

3- وقال : «رَأْيُنَا: أنه رجل غير عالم وانتهى الأمر!! ماذا تريد – يعني- أكثر من هذا؟!! إن كنتَ تطمع أن نكفِّره؛ فلستُ من المكفّرين، ولا حتى أنتَ أيضًا من المكفّرين…، أنا بقول لك، أنا بَشْهَد معك، لكن ماذا تريد إذًا؟؟!!

يكفي المسلم المنصف المتجرِّد أن يُعطي كل ذي حق حقه، وكما قال تعالى: [ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ] {الشعراء:183}.

الرجل كاتب، ومتحمس للإسلام الذي يفهمه، لكن الرجل أولًا ليس بعالم، وكتاباته (العدالة الاجتماعية) هي من أوائل تآليفه، ولما ألّف كان محض أديب، وليس بعالم.

لكن الحقيقة أنه في السجن تطوّر كثيرًا، وكتب بعض الكتابات كأنها بقلم سلفي ليست منه.. لكن أنا أعتقد أن السجن يُربّي بعض النفوس، ويُوقظ بعض الضمائر، فكتب كلمات، يعني يكفي عنوانه الذي يقول: (لا إله إلا الله، منهج حياة)، لا إله إلا الله منهج حياة.

لكن إذا كان هو لا يفرِّق بين توحيد الألوهية، وبين توحيد الربوبية، هذا لا يعني أنه لا يفهم توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، وأنه يجعلهما شيئًا واحدًا. لكن يعني أنه ليس فقيهًا، وليس عالمًا، وأنه لا يستطيع أن يُعبّر عن المعاني الشرعية التي جاءت في الكتاب وفي السنة؛ لأنه لم يكن عالمًا.

فقال السائل: ألا ترى – يعني- مع هذا التأثر، وهذه الأمور التي كتبها، أن يُرَدَّ عليه مثلًا؟

فقال الشيخ الألباني : نعم يُرَدُّ عليه، ولكن بهدوء وليس بحماس. يُرَدُّ عليه، وهذا واجب.. ليس الرد على المخطئ محصورًا بشخص أو أشخاص.. كل من أخطأ في توجيه الإسلام بمفاهيم مبتدَعة وحديثة ولا أصول لها في الكتاب ولا في السنة، ولا في سلفنا الصالح، والأئمة الأربعة المتبَعين؛ فهذا ينبغي أن يُرَدَّ عليه.

لكن هذا لا يعني أن نعاديه، وأن ننسى أنه له شيئًا من الحسنات، ويكفي أنه رجل مسلم، وكاتب إسلامي –على حسب فهمه للإسلام كما قلت أولا- وأنه قُتِلَ في سبيل دعوته للإسلام، وأن الذين قتلوه هم أعداء الإسلام، وأما كونه كان منحرفا في كثير أو قليل من الإسلام؛ فأنا في اعتقادي قبل ما تثور هذه الثورة ضده، أنا الذي قوطِعْتُ من جماعة الإخوان المسلمين بزعم إني كَفَّرْتُ سيد قطب، وأنا الذي دَلَلْتُ بعضَ الناس على أنه يقول بوحدة الوجود في بعض كتاباته، بل في نفس التفسير، لكن في نفس الوقت أنا لا أنكر أنه كان مسلما، وأنه كان غيورا على الإسلام وعلى الشباب المسلم، وأنه يريد إقامة الإسلام ودولة الإسلام، لكن الحقيقة: أوردها سعد وسعد مشتمل، ما هكذا يا سعد تُورَدُ الإبل.

فقال السائل: هل يحذَّر من كتبه؟

فقال الشيخ الألباني : يحذَّر من كُتبه الذين لا ثقافة إسلامية صحيحة عندهم». اهـ([81])

 قلت: فما أقوى هذه الطعنات في خاصرة الغلو وغلاة زماننا، وإن ادَّعَوْا فيما انحرفوا فيه- أنهم السلفيون، وأن من خالفهم في أقوالهم وأفهامهم الخاطئة؛ فهو مبتدع يُهْجَر، بل مَن لم يَبَدِّعه مبتدع يُهْجَر،… وهكذا، وإلى أين؟ فالله أعلم أين ينتهي بهم المطاف في هذا الضلال!!

18 – التفصيل في الحكم على الجماعات:

ومن الأمور المنهجية التي تُبَيِّن حرص الشيخ الألباني على الإنصاف والعدل في أحكامه: اجتنابُهُ للتعميم في الحكم على الجماعات والفرق الإسلامية، فهو يقرر أن الحكم بالضلال أو الاستقامة إنما يكون على الفرد الذي أخطأ لا على الجميع، كما قال تعالى: [ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ] {الإسراء:15}.

فقد سئل الشيخ عن جماعة الإخوان وجماعة التبليغ، هل هم من الفرق الضالة؟ فقال: «الإخوان المسلمون فيهم من جميع الطوائف، فيهم سلفيون، فيهم خلفيون، فيهم شيعة، فيهم كذا وكذا، فلا يصح أن يُطْلَقَ عليهم صفةٌ واحدة، وإنما نقول: مَنْ تَبَنَّى منهاجا خلاف الكتاب والسنة من أفرادهم؛ فهو ليس من الفرقة الناجية، بل هو من الفرقة الهالكة([82])، أما جماعةً!! والله أنا أقول: السلفيين.. أنا ما أقول عنهم من الفرقة الناجية، السلفيين، إيش رأيكم؟؟!!». اهـ([83])

⏪ قلت: ومعنى قول الشيخ الألباني أنه لا يَشْهَد للسلفيين بالنجاة: أي لا يشهد لأعيانهم جميعا، ولا لكل من ادَّعى أنه سلفي على سبيل العموم؛ لأن الانتساب إلى السنة رسما واسما ليس هو كل المطلوب، فالمنتسب إلى السلف إذا كان من أهل الغِيبة والسعي بالنميمة! أو ممن يأكل أموال الناس بالباطل!! أو ممن يتعامل بالربا والرشوة ونحو ذلك!! هل يُشْهَد له بالنجاة جزما!! لا شك أنه لا يُشْهَد له بذلك؛ لأنه من أهل الوعيد وإن مات بلا توبة- وأمره إلى الله إن شاء عَذَّبه، وإن شاء غَفَر له.

19 – هل يكون المسلم شَرًّا من اليهود والنصارى؟

وقد سئل الشيخ الألباني عمن قال: «إن الإخوان المسلمين أشد خطرا على الإسلام من اليهود والنصارى»، فرد قائلًا: «ما أعتقد أن هذا إلا نوع جديد من الغلو، ونوع جديد من التحزب والتباغض والتدابر.. كل الجماعات الإسلامية فيها خير وفيها شر، فالحكم على الجماعات –يا إخواننا- كالحكم على الأفراد، الحكم على الجماعات كالحكم على الأفراد، فلا يوجد هناك فرد مسلم جمع خصال الكمال كلها، وإنما بعضا دون بعض، وصلاحه أكثر من طلاحه، أو طلاحه أكثر من صلاحه، وحتى في هذه الصورة الأخيرة (طلاحه أكثر من صلاحه) ما ينبغي أن ننكر الصلاح الذي يَصْدُر منه، فالإخوان المسلمون، وحزب التحرير، وجماعة التبليغ فيهم خير، لكن فيهم بُعدٌ عن الإسلام، إما جهلا أو تجاهلا، ولذلك فإن هذا القول فيه خطورة متناهية جدًّا، فلا يجوز أن نطلق هذا الكلام» ([84])

قلت: فانظروا يا أولي الألباب، وقارنوا بين هذه الصفعات القوية وبين حال الغلاة بجميع أسمائهم: كبارًا وصغارًا، متفقين ومختلفين، أين هم من كلام كبار العلماء الذين يدَّعون أنهم موافقون شيخهم ربيعًا!!!

20 – حُكْمُ بَيْع كتب المخالفين وأشرطتهم:

والكلام هنا حول المبتدعين حقًّا بدعة ظاهرة مخالفة لأصول أهل السنة، لا بدعة في ظن الغلاة السقيم فقط، ولا في خيالهم الفاسد فقط!

فمن المسائل المتعلقة بما سبق من قضية الهجر والولاء والبراء مسألة توزيع أشرطة المخالفين وكتبهم، وللشيخ رأي فيها جارٍ على أصوله الثابتة المستقيمة غير المتناقضة، فَقد فَصَّل تفصيلا تُقِرُّه الفِطَرُ السليمةُ، ويشهد له عمل المسلمين سلفا وخلفا، خلاصته: أن الكتاب أو الشريط الذي فيه دعوة إلى ما دعا إليه الكتاب والسنة يجوز نشره، بِغَضِّ النظر عمن هو صاحبه، ولم يوافق من اعتبر هذا الصنيع تزكيةً منه لهذا المخالف، ورضًا بكل مؤلفاته وأشرطته وما فيها من أخطاء!!

فقد قال السائل: أنا أعمل في التسجيلات الإسلامية (الأشرطة) وقد عَنَّ لي أن أسأل بعض أهل العلم فيما يتعلق بالمسؤولية عن نشر أشرطة بعض من لا ينهجون منهج السلف، ينتمون مثلًا لبعض الجماعات التي نعرفها في الساحة كجماعة الإخوان المسلمين، أو التبليغ، أو ما إلى ذلك، فبعضهم أفتى بأن لا أُسَجِّل أو أَنْشُر هذه الأشرطة بالمرة، والبعض الآخر قال: تَخَيَّرْ منها ما ترى فيه الصلاح، ولا يكون فيه تصريح بمخالفة لمنهج السلف، فالحَيْرَةُ ما زالت تلازمني حتى الآن، وأسأل الله أن يزيل هذه الحَيْرة بما تراه وتشير به علينا في هذا المجال، جزاكم الله خيرًا؟

فأجاب الشيخ :

لا شك عندي: أن الرأي الثاني الذي حَكَيْتَه عن بعض أهل العلم هو الصواب؛ لأن «الحكمة ضالة المؤمن، مِنْ أين سَمِعَها التقطها»، هذا الحديث وإن كان حديثا ضعيفا لا يصح، وَوَلِعَ به بعضُ الناس في بعض البلاد، فكتبوه في اللوحات، وعَلَّقُوه في صدور المجالس على أنه حديث ثابت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وليس بالثابت، ولكن حسبنا منه أن يكون حِكْمَةً فِعْلًا، فحينئذ نعمل بها، ولا نتعصب لمذهبنا اعتبارا بتعصب أصحاب المذاهب الأخرى، فنحن أتباع الحق حيثما كان هذا الحق، ومن حيث ما جاء، والحكمة ضالة المؤمن، أين وجدها التقطها، فإذا جاء أو وقفت على مقال أو بحث علمي لجماعة من تلك الجماعات -التي مع الأسف لا تَنْهَج منهج السلف- لكن كان فيها تذكير بآيات الله. ببعض أحاديث رسول الله الصحيحة، وليس هناك ما يمنع من نشر هذه البحوث بطريقة التسجيل، ما دام أنه ليس فيها ما يخالف الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح، وهذه المشكلة في الواقع لا تنحصر في التسجيل بل تتعداه حتى إلى المؤلفات، وهي أكثر انتشارا من المسجلات هذه، فهل يصح لناشر الكتب وبائع الكتب أن يطبع ما ليس على منهج السلف الصالح، وهل يجوز له أن يبيع كذلك مثل هذه الكتب؟ الجواب: قد لا يخلو كتاب ما من مخالفة ما، وإنما العبرة بملاحظة شيئين اثنين:

الشيء الأول: أن لا يكون الكتابُ – وعلى ذلك التسجيلُ – داعيةً إلى منهج يخالف منهج السلف الصالح.

ثانيا: أن يكون صوابه يغلب خطأه، وإلا من منا كما قال الإمام مالك ما منا من أحد إلا رَدَّ ورُدَّ عليه، إلا صاحب هذا القبر، ولذلك فالتسجيلُ وطَبْعُ الكتب وبَيْعُها يجب أن يُرَاعَى فيها هاتان القاعدتان، وإذْ سألتَ عن تسجيل ليس فيه مخالفة للمنهج السلفي؛ فأنا لا أرى مانعا أبدا من نشر هذا التسجيل بمجرد أن الذي يتحدث فيه ليس سلفي المنهج، وإنما هو خلفي، أو حزبي، أو ما شابه ذلك، هذا هو الذي يقتضيه العلم، ويقتضيه الإنصاف، ويقتضيه محاولة التقريب بين الاختلافات القائمة اليوم بين الجماعات الإسلامية مع الأسف، هذا خلاصة ما عندي جوابا على ما سألت([85]).

قال السائل: إكمالًا لهذا الأمر: بعض القائلين بالمنع لهذا الأمر يقولون: إن في نَشْر حديث أو شريط لمثل هؤلاء فيه تزكية لمنهجهم، وكأنه رضا بكل ما يقولون: غَثِّهِ وسمينِهِ؟

فأجاب الشيخ : «أعتقد أن هذا فيه مبالغة، لو فرضنا رجلا أَلَّفَ رسالة، جَمَعَ فيها أحاديث الأذكار من «صحيح البخاري» وهو ليس سلفي المنهج، كيف يَصْدُق هذا الكلام عليه؟ وما صِلَةُ نَشْر مثل هذه الرسالة بتأييد منهجه؟ لا، نحن نؤيد منهجنا بنشر رسالته؛ لأنه سلك طريقتنا في اختيار ما صح عن نبينا -صلى الله عليه وسلم- فأنا أعتقد أن فيه مبالغة، والله أعلم». اهـ ([86])

21 – حُكْم أَخْذ العلم عن أهل البدع:

ومن المسائل المتعلقة بالهجر وبالموازنة بين المصالح والمفاسد: مسألة أَخْذ العلم النافع عن بعض المخالفين أو المبتدعين، ولا شك أن هذا لا يُطْلَق فيه حُكْم عامٌّ مُطَّرِدٌ بالمنع أو الجواز، بل الأمر يختلف باختلاف نوع العلم المراد تحصليه، وقوة الحاجة إليه وضعفها، وباختلاف نوع البدعة التي تَلَبَّس بها المدرس، وبالنظر إلى دعوته إليها أو سكوته عنها، وباختلاف حال قوة أهل السنة وضعفهم في زمان الواقعة وبلدها، ويختلف أيضًا باختلاف حصانة الطالب الذي يريد أخْذ العلم ممن وقع في البدع، وتمكنه من عقيدة السلف، وتمييزه بينها وبين ما خالفها… إلى غير ذلك مما لا بد من مراعاته قبل إصدار الحكم مَنْعًا أو جوازًا، وإلى هذه المعاني أرشد الشيخ الألباني من سأله عن حكم أخذ العلم عن أهل البدع، حيث قال في موضع ما: «مثلًا بعض المبتدعة عندهم علم بقراءة القرآن والتجويد والقراءات ونحو ذلك، عندهم معرفة بعلم النحو والصرف، عندهم معرفة بعلم أصول الفقه وأصول الحديث …ولا يوجد حواليه -أي حول الطالب- السنيُّ الحريصُ على اتباع السنة ممن يتعلم منه بعض هذه العلوم؛ فلا مانع أن يتلقى هذا العلم أو ذاك منه، لكن بشرط أن يكون حَذِرا من بدعته». ([87])

وقال في موضع آخر: «إن كان متمكنا في العقيدة؛ جاز، وإلا فلا». اهـ([88])

قلتُ: والسؤال الذي لا بد منه يا طلاب الحق: هل هذا الجواب يتفق مع ما عليه الشيخ ربيع ومقلدوه في شتى البلاد -وسواء لا زالوا يقلدونه أو أنهم قد اختلفوا معه- فما تزيدهم الأيام إلا تشقُّقا وتصدُّعا-؟!

22 – الفَصْلُ والإقصاء للمخالف -وإن كانت مخالفته في أمْرٍ يسير- من منهج الحزبيين، وأيُّ فَصْلٍ وإقصاءٍ أعظمُ من الأمر بهَجْره وهَجْر من لم يُبَدِّعه ويهجره؟

بناء على ما تقرر من معاملة الناس بحسب الظاهر، وعدم التسرع في تبديع إلا من عُلِم عناده، أو صَرَّح بانتمائه لغير أهل السنة والجماعة، كمن ينتسب إلى الرافضة أو غيرهم من الفرق الضالة؛ فإن ظاهرة إخراج الناس السنيين والمنتسبين إلى السلفية من إطار السلفية، وادعاء الوصاية على المنهج من طائفة الغلاة قد أدخلت أهلها في الحزبية من حيث لا يشعرون، وقد انتقد الشيخ الألباني هذا المُنْكَر، فقال : «أما ما أسمعه الآن من هذا السؤال في أن يُفْصَل المسلم عن الجماعة والجماعة السلفية!! لمجرد أنه أخطأ في مسألة أو في أخرى؛ فما أراه إلا من عَدْوَى الأحزاب الأخرى، هذا الفَصْل هو نظام بعض الأحزاب الإسلامية، التي لا تتبنى المنهج السلفي منهجا في الفقه والفهم للإسلام، وإنما هو حِزْبٌ يغلب عليه ما يغلب على الأحزاب الأخرى من التكتل والتجمع على أساس الدولة المصغَّرة، من خرج عن طاعة رئيسها؛ أُنذر أولا وثانيا وثالثا-ربما -، ثم حُكِم بفصله، مثل هذا لا يجوز أن يتبناه جماعة ينتمون بحق إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله وعلى منهج السلف الصالح» ثم ختم الجواب بقوله: «هذا ابتداع في الدين ما أنزل الله به من سلطان». اهـ ([89])

قلتُ: وأي فصْل أعظم من تبديع من خالفهم -وإن كان الحق معه- بل وهَجره وهجْر من لم يبدعْه ويهجُرْه،… وهكذا تبديع وهجر من لم يبدع الثاني… وهكذا!! ومن المخْجل نسبة هذا إلى منهج السلف، فلما عجزوا عن مواجهة الأدلة التي أزهقت باطلهم؛ قالوا: ما نحن عليه هو منهج كبار علماء هذا العصر، وكتابنا هذا للرد على هذه الفِرْية بلا مِرْية، ولله الحمد والمنة!!

23 – وهذا مزيد توسُّعٍ في منهج الشيخ مع الجماعات الدعوية المعاصرة، وخصوصًا جماعة الإخوان المسلمين، وهي الجماعة التي بدَّع الغلاة أكثر مشاهير دعاة السنة لكونهم لم يَرَوْا رأيهم فيها، وإن كانوا يُحَذِّرون من أخطاء الجماعة العلمية والعملية منذ زمن طويل:

السائل: السؤال الأول: لو تَفَضَّلْتُم، هل صحيح أنكم تنظرون لدعوة الإخوان المسلمين نظرة عداء؟ وأنكم تُكْثرون دائما من تجريح ونَقْد مؤسِّس هذه الجماعة البنا والأستاذ سيد قطب لو تفضلتم؟

الشيخ: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله؛ فلا مُضِلَّ له، ومن يُضْلِلْ؛ فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وبعد، فإني أحمد الله -تبارك وتعالى- أننا دعاة جَمْعٍ ولَسْنا دعاة فُرْقَة.

وموقفنا صريح بالنسبة لجماعة الإخوان المسلمين منذ الزمن القديم، منذ أن كان للإخوان المسلمين حريتهم في سوريا، وكان لهم مقرهم في عديد من المواطن، كنت أنا معهم في اجتماعاتهم، وفي أسفارهم ورحلاتهم، كأني واحد منهم، وكان من آثار ذلك -والفضل لله وحده- أن كثيرًا من إخواننا الإخوان المسلمين تَلَقَّوْا الدعوة السلفية بكل فَرَحٍ وسرور، ولسنا بحاجة إلى أن نضرب أمثلةً كثيرةً على هذه الثمرة التي اقتطفناها من تلك الصحبة، من صحبتنا للإخوان المسلمين، كما قلنا: في رحلاتهم وأسفارهم، فحسبُنا مثالا رجلان مشهوران في العالم الإسلامي كله، وليس فقط في صفوف الإخوان المسلمين، فأحدهما: أخونا الأستاذ عصام العطار، والآخر: أخونا زهير الشاويش، هذا من جهة، ومن جهة أخرى: وبعد أن قضى الله وقَدَّر أن تُحَلَّ هذه الجماعات كلها بسبب الحكم الفاسق الفاجر هناك، واستمررنا نحن في دعوتنا إلى الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح، ولو أننا مُنعنا في مرات كثيرة، ثم كنا نحاول ونحتال حتى تعود المياه إلى مجاريها، فنتابع دروسنا، والشاهد من هذا: أننا لا نكون مبالغين: أن أكثر الذين يحضرون حلقاتنا ودروسنا هناك، لا أقول: في دمشق وحدها، بل أيضًا في حَلَب، في اللاذقية، وفي إِدْلِب، وغيرها من البلاد، لا أكون مبالغا إذا قلتُ: بأن أكثر الذين كانوا يحضرون دروسنا هم من الإخوان المسلمين.

ولذلك فمن الناحية الواقعية يستحيل على إنسان يعيش في صفوف هؤلاء، يتردد عليهم حينما كان لهم المجال لإقامة حفلاتهم، ثم تنعكس القضية، فيترددون علينا حينما كنا نحن نتعاطى حريتنا في الكتابة، في الدعوة إلى الكتاب والسنة -على اعتبار أن دعوتنا ليست دعوة سياسية- فهذا التبادل وهذا التصاحب من الأدلة البادية الواضحة أنه يستحيل على مثل هذا الإنسان أن يكون عَدُوّا للإخوان المسلمين. اهـ

قلتُ: فهل يَقْبَلُ الشيخ ربيع والغلاة -المقلدون له، أو الخائفون من سلاطة لسانه- هذا الكلام من الشيخ الألباني ؟! والأهم عندي: أن أسألهم: ما هو حكم الشيخ الألباني -قائل هذه الكلمات- عندكم؟! كل هذا؛ ليعرف من يُغرِّرون عليه بأنهم السلفيون حقا، وغيرهم كذاب خبيث، ودسيسة على الدعوة، بل يكيد لها ويمكر بها، وليس من السلفية في شيء؛ بل مع هذا الفجور منهم في الأحكام لا زالوا يدَّعون -كذبا وزورا وبهتانا- أنهم القائمون على منهج كبار علماء العصر، وأن منهج شيخهم -الذي بذر فيهم بذور الغلو والشطط والتهوّر- هو منهج كبار العلماء، مع أن بينهما ما بين الأرض والسماء!!

(ذِكْر الشيخ لبعض الصلات والكتابات التحريرية التي كانت بينه وبين الشيخ حسن البنا وتعليق الشيخ على مقالات الشيخ السيد سابق في الفقه، التي صارت بعد ذلك كتاب «فقه السنة»):

الشيخ: ثَمَّ شيءٌ آخر: كيف يُتَصَوَّر هذا، وكانت لي بعض الصلات الكتابية التحريرية مع الأستاذ الشيخ حسن البنا ولعل بعضكم، بعض الحاضرين منكم يذكر أنه حينما كانت مجلة «الإخوان المسلمون» تَصْدُر في القاهرة، وهي التي تَصْدُر طبعا عن جماعة الإخوان المسلمين، كان الأستاذ سيد سابق بدأ ينشر مقالاتٍ له في «فقه السنة»، هذه المقالات التي أصبحت بعد ذلك كتابًا ينتفع فيه المسلمون الذين يتبنون نهجنا من السير في الفقه الإسلامي على الكتاب والسنة، هذه المقالات التي صارت فيما بعد كتاب «فقه السنة» للسيد سابق، كنت بدأت في الاطلاع عليها، وهي لَمَّا تُجْمَعْ في كتاب خاصٍّ، وبَدَتْ لي بعضُ الملاحظات، فكتبت إلى المجلة هذه الملاحظات، وطلبت منهم أن ينشروها؛ فتفضلوا، وليس هذا فقط؛ بل جاءني كتاب تشجيع من الشيخ حسن البنا وكم أنا آسف أن هذا الكتاب ضاع مني، ولا أدري أين بقي؟!

(ذِكْر الشيخ لفضل الشيخ حسن البنا على الشباب المسلم):

الشيخ: ثم نحن دائما نتحدث بالنسبة لحسن البنا فأقول أمام إخواني -إخواننا السلفيين- وأمام جميع المسلمين، أقول: لو لم يكن للشيخ حسن البنا من الفضل على الشباب المسلم سوى أنه أخرجهم من دور الملاهي: السينمات، ونحو ذلك، والمقاهي، وكتَّلَهم وجمَّعهم على دعوة واحدة، ألا وهي دعوة الإسلام، لو لم يكن له من الفضل إلا هذا؛ لكفاه فضلًا وشرفًا، هذا نقوله معتقدين، لا مرائين ولا مداهنين، ولكننا في الوقت نفسه، نرى بعضَ المنتسبين إلى جماعة الإخوان المسلمين، ولا أقول: كلهم، أنهم يَشِذُّون عن دعوة حسن البنا نفسه ونفسها؛ ذلك لأني أعتقد أيضًا أن من فضل الحسن البنا: أن دعوته -كما صرح في بعض كتبه ورسائله- قائمة أيضًا على الكتاب والسنة، وإن كنت أعتقد أن هذا أصلٌ وأُسٌّ وَضَعه، ولكن لم يَقُم أحدٌ من الإخوان المسلمين أنفسهم لتبسيط وتفصيل هذا الأصل، الذي وَضَعَه حسن البنا ، فأقول: إن حسن البنا خَدَم الدعوة السلفية بهذا الأصل الذي وضعه؛ لأن كلَّ رجل، كلَّ شابٍّ من الإخوان المسلمين قرأ هذه الدعوة، فحينما يسمع شيئًا من تفاصيلها من رجل قد لا ينتمي حزبيا إلى جماعة الإخوان المسلمين؛ فحسبه أنه يجمعه معهم هذه الأخوة العامة [ﯜ ﯝ ﯞ] {الحجرات:10} فنجد دون سائر الأحزاب الإسلامية الأخرى في الشباب المسلم من الإخوان المسلمين تجاوبا مع الدعوة السلفية؛ لأنني في الواقع -وقد قلت هذا قريبا لبعض الناس متعجبا من معاداة هؤلاء الناس أو بعضهم لنا ولدعوتنا- أَتَعَجَّب؛ فأقول: سبحان الله، لقد سخّرني الله لأقوم بخدمة الدعوة التي وضع أُسَّها وأصلَها حسنُ البنا نفسُه، فقمتُ أنا بخدمتها من حيث تفصيل بعض النواحي منها، وإلا فالتفصيل التام الشامل في اعتقادي لا يستطيع أن يقوم به إلا جماعة كثيرة من أهل العلم والتخصص في علوم الكتاب والسنة، ومن مختلف البلاد الإسلامية، فأستغرب حينما نجد مشاكسة ومعاكسة من بعض الأفراد ممن ينتمون إلى الإخوان المسلمين، وأنا رجلٌ اعتدتُّ المصارحة، ولا أعرف -إن شاء الله- للمداهنة مَعْنى، لقد كنت أعيش في دمشق طيلة هذه المدة، وليس هناك هذه الإشاعات التي نسمعها وأنا في هذه البلاد، في الأردن، وفي عَمَّان بصورة خاصة، فعشنا مع الإخوان المسلمين حينما كان لهم وجودهم العلني، وبعد ذلك أيضًا -كما ذكرنا لكم- فهم يترددون على دروسنا، ويحضرون مُصَلانا في العيد، وهكذا.

(ذِكْر الشيخ ما حصل له من جماعة الإخوان في الأردن من المقاطعة والهجر):

الشيخ:… حتى جئت هذه البلاد -أو بمعنى أَدَقَّ- بدأت أتردد على هذه البلاد قبل أن أستوطنها، منذ نحو عشر سنين تقريبا، بدأتُ أترددُ أيضًا في سبيل نقل الدعوة إلى هذه البلاد بشيءٍ من التوضيح والبيان، كما جَرَيْنا على ذلك في البلاد السورية، وبدأنا نجد آذانًا صاغيةً أيضًا من كثيرٍ من الشباب، شباب الإخوان المسلمين، حتى وصل الأمر ببعض مراكزهم وبصورةٍ خاصَّةٍ، أو بعبارةٍ واضحةٍ: في «الزرقاء» أن فتحوا لي مقرَّهم ورحَّبُوا بي لإلقاء محاضرات فيهم، وقد فعلتُ فِعْلًا.

ولم يمضِ زمنٌ طويلٌ إلا بدأ الشباب، شباب الإخوان، يتجاوبون مع الدعوة بصورةٍ ليست غريبةً عندي؛ لأني لمستُ مثلها هناك في سوريا، ولكن وجدنا بعد ذلك موقفًا غريبًا وعجيبًا جدًا، أولًا مِن حيث أننا مسلمون جميعًا، وثانيًا من حيث أنهم قَلَبُوا لنا ظَهْرَ المِجَنّ، فبينما كانوا يدعوننا لإلقاء المحاضرات هناك؛ فإذا بهم يَصُدون أفرادهم عنا صدودًا، إلى درجة أن وَقَعَتْ بعضُ الحوادث الغريبة والغريبة جدًا، وبخاصةٍ في صفوف أو في دائرة الإخوان المسلمين، التي إن كنا نحن نأخذ عليها شيئًا، فهو الذي نصرح به دائمًا وأبدًا، أنهم يقنعون بتجميع المسلمين وتوحيد كلمتهم على إسلامٍ، دون أن يدخلوا في التفاصيل، حتى فيما يتعلق بالعقيدة، حتى في بعض الجوانب التي لا يجوز السكوت عنها.

فكنت لما صُدِمْتُ تلك الصدمة، كنت أتساءل: أين الدعوة العامة التي أعلنها حسن البنا بقوله: إن دعوتنا سلفيةٌ صوفيةٌ، وإن كان هو فسر هذا تفسيرًا لا يتنافى باديَ الرأي مع الدعوة السلفية، لكن من حيث واقع جماعة الإخوان المسلمين، بلا شك فيهم السلفي، فيهم المذهبي، فيهم الصوفي، هكذا قامت دعوتهم، وعلى هذا الأساس تكتلوا، فعَجِبْتُ من هذه المفاجأة، حينما أرسلوا بعض إخوانهم من الذين مضى عليهم سنين طويلة في صفوف جماعة الإخوان هنا، أرسلوا إليهم؛ يُذَكِّرونهم، ويطلبون منهم بأن يمتنعوا من التردد على دروس الشيخ الألباني، وجرى نقاش طويل بينهم بين الأَخَوَيْنِ المشار إليهما، وكما هي أصولهم وعادتهم: أنهم يُمْهِلون الفرد منهم، كإنذارٍ أنه إن استمر على ما يرونه مخالفا لخطتهم أن يُجَمِّدُوه، ثم يَفْصِلُوه، وهكذا كان الأمر، فأرسلوا وراءهما وناقشوهما في القضية من جديد، قالوا: يا جماعة، ما ندري هذا الموقف من الشيخ لماذا؟ الشيخ يصرح بأنه لا يدعو إلى التكتل ولا إلى التحزب، كل ما فيه هو أنه عنده بعض معلومات كما يقول هو يريد أن ينشرها إلى الناس، ولا فرق عنده بين إخواني أو غير إخواني بين صوفي وبين سلفي، فالدعوة للناس جميعًا، فلماذا هذا الإصرار بأن تَفْصِلونا وتُبْعِدونا عن حضور حلقات الرجل، ونحن مضى علينا سنتان أو ثلاث سنين وقد شعرنا بالفرق بين ما كنا عليه من الجهل بالإسلام الصحيح، وما نحن عليه الآن من المعرفة، فلماذا هذه المعاداة؟ كان جوابُهم أيضًا جوابًا عجيبًا، قالوا: لا يجوز الجمع بين الولاءين، فالولاء إما للدعوة – يعني دعوة الإخوان – وإما للشيخ، فأجاب أيضًا إخواننا هؤلاء بأن الشيخ لا يدعو إلى التكتل والتحزب، بل هو يُكَمِّل حركتنا، ويوضح بعض المسائل التي أنتم منصرفون عنها لنضالكم القائم، فكانت النتيجة أن فُصِلُوا نهائيًا، ثم بَدَأَتْ بعد ذلك أمور: تجد إشاعاتٍ وأكاذيبَ عجيبةً، وعجيبةً جدًا، تَبِعَها قرارٌ صريحٌ صدر من الجماعة هنا، ووُجِّهَ إلى كل أفراد الإخوان المسلمين، بأنه لا يجوز لهم حضور حلقات الشيخ الألباني، فزِدْنا تعجبًا، ومع ذلك فأنا أعرف أن طبيعة شباب الإخوان لا يمكنهم أن يتجاوبوا مع مثل هذا القرار، وقد سميته فعلا قرارا جائرا؛ لأن الإخوان متعطشون إلى معرفة الكتاب والسنة، وهكذا كان الأمر، وعلى الرغم من صدور هذا القرار الصريح، إلى درجة أن بعض كبارهم ورؤوسهم ممن كانوا يترددون عليَّ.

أصبح هؤلاء من بعض الرؤوس يجافوننا، وربما إذا التقينا في الطريق؛ أعرضوا عنا، وهكذا بسبب هذا القرار الجائر، ولما قيل لبعضهم: لماذا أنت نعرفك رجلًا مسلمًا مُتَخَلِّقًا ودارسًا للفقه الإسلامي، كيف تعاملون الشيخ هكذا؟ كان الجواب: هذا قرار من القيادة، ويجب أن نخضع لها، وعلى كل حال، هذه لها مدة، وفعلًا هذا القرار كما أنا انتقلت لم ينفذ، وبدأ بعض هؤلاء رؤوس الإخوان يترددون علينا، كما كانوا من قبل.

(ذِكْر الشيخ للتهمة التي اتُّهِم بها من تكفير حسن البنا وسيد قطب وتضليلهما وتفنيدها):

الشيخ: ومن هذه الأكاذيب الكثيرة والكثيرة جدًّا: أننا نُضَلِّل أو نُكَفِّر حسنَ البنا وسيدَ قطب، بالنسبة لحسن البنا؛ ليس عندي، مثل هذا الكلام، ولو أنه فُهِمَ فَهْمًا خطأ.

أما بالنسبة لسيد قطب؛ فقريبا اجتمعت مع أحدهم من رؤوسهم من بعد ما زال مفعول ذلك القرار، زارني، جاء إلى هنا، وانتظرني ساعات، ثم لما لم يجدني قد رجعت؛ جاء إلى دار صهري، فوجدني هناك، فجلسنا ساعة أو أكثر، فجرى بحث ونقاش، وعَتَبْتُ عليه على ذلك الموقف السابق، وإذا به لأول مرة يكشفون لي عن السبب الذي حملهم على إصدار ذلك القرار، يقول: أنت كفّرت سيد قطب، قلت: سبحانك هذا بهتان عظيم، يا شيخ فلان، يا دكتور فلان، هل أنت سمعت مني هذا الكلام؟ قال: لا.

طيب، فأين تأدبكم الآدابَ الإسلامية؟ أين أنتم وقول الله : [ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ] {الحجرات:6}.

أين أنتم من قول الرسول الكريم: «كفى المرء كذبا أن يُحَدِّث بكل ما سَمِعَ»

أولًا: خطأ كبير مني أن أُكَفِّر رجلا مسلما، أقل ما يقال، فكيف وهو داعية؟!

ثانيًا: بالنسبة إليكم تلصقون بي هذه التهمة، وأنا متردد كما كنت سابقا عليكم، ثم جئتُ بلدَكم وسكنْتُ بين ظهرانيكم، هلَّا أرسلتم أحدًا يتثبت من هذا الذي وصلكم؟ أنا أقول لك: يا فلان نحن لا نكفر من هم في الحقيقة يستحقون التكفير؛ لخروجهم عن دائرة الإسلام بسبب عقائد فاسدة إلا بعد إقامة الحجة، هذا من عقيدتنا، من عقيدتنا: أن المسلم قد يقع في الكفر، لكننا لا نقول: أنه كافر؛ لأن تكفير المسلم أمر خطير جدًّا…

(بيان الشيخ لما وقع فيه سيد قطب من القول بوحدة الوجود):

الشيخ: وقلت للرجل: هذا موقفنا، قال: طيب، ماذا قال سيد قطب؟ قلنا: هات تفسير «الظلال» فجئنا بمجلدين أحدهما في تفسير سورة الحديد، أظن، والآخر في قل هو الله أحد، فقرأنا، أحد الجالسين قرأ، فهناك لا بد أن نكون على اطلاع مما قال، ظاهر كلامه تمامًا أنه لا وجود إلا وجود الحق، وهذا هو عين القائلين بوحدة الوجود…

هذا الكلام كله في الموطنين من التفسير، أنا أقول: لعل سيد قطب قرأ شيئًا من هذه الصوفيات، فتأثر بها، وهو رجل أديب، فسبكها في التفسير، فخرج منه هذا الكلام؛ لأنه في الواقع في مواطن أخرى كجمهور المسلمين، يعني أهل السنة والعقيدة الصحيحة، يقول بالفرق بين الخالق والمخلوق، على خلاف عقيدة وحدة الوجود، فأنا قلت للرجل: هذا الكلام، أخي هذا الكلام كُفْر، ولا يجوز إقراره، ولا يجوز إبقاؤه، وأنا في اعتقادي -والدين النصيحة- أنه هذا الكتاب إذا طُبِعَ من الجماعة أنفسهم: الإخوان المسلمين؛ فمن الواجب عليهم لا أقول: أن يغيروا العبارة نفسها، وإنما أن يعلقوا عليها، بحيث أنه ما يتورط بها بعض من لا علم عنده بالعقيدة الإسلامية الصحيحة، أما السكوت عليها؛ فلا يجوز، كما هو معروف في علم الفقه.

الخلاصة: بَحَثَ الرجل، وقَدَّمَ وأَخَّر؛ فلم يستطع أن يجد لتلك الجُمَل معنى إلا هذا المعنى الظاهر، لكن انتقل إلى مواطن أخرى معروفة، يصرح فيها أنه هناك خالق، وهناك مخلوق، والمخلوق غير الخالق، فهذه الأشياء الحمد لله من فطرة المسلمين جميعا، فالشاهد: أقاموا ذلك القرار الجائر على مجرد كلمة بلغتهم، وأَقَلُّ ما يُقَال فيها ما يُقال في القديم «وما آفة الأخبار إلا رواتها».

فأخيرًا: بدأَتْ، لما استقررتُ هنا بدأَتْ إشاعاتٌ عجيبة وغريبة جدًّا، وما ندري من أين تَصْدُر في الواقع، لكن مع الأسف نظن أن بعض المتحمسين من أفراد الإخوان المسلمين هم الذين يشيعون هذه الكلمات، كل هذه الأشياء إشاعات، لا أقيم لها وزنا في المقدار الذي فوجئت به من مجلتكم «المجتمع» التي كانت تَصْدُر ولا تزال، وكانت تتحفنا؛ بأن تُرْسَل إلينا، ما أستطيع أن أقول: «أحيانًا»؛ لأنها كانت تأتينا أحيانًا، أم بصورة مطردة، ولكن هناك تُسْرَقُ أو يَمْنَعون دخولها، أو لأي سبب، ففي الوقت الذي كانت المجلة، كأنه فيه هناك ارتباط معنوي روحي قائم بيني وبينها، يدلني على ذلك أنها تُقَدَّم إلينا هذه المجلة هديةً بصورة متتابعة، وإذا بنا نفاجأ بمناقشة أجروها بأخ لنا من أنصار السنة في السودان ممكن اسمه عبد القادر، عبد القادر حسن أي نعم وإذا بهذه المجلة تسطر ما نسمعه هنا من أنه الشيخ الألباني ضد الإخوان المسلمين، ولعلهم -حتى ما أيضًا أُخْطِئ- ذكروا أني أُكَفر أو أُضَلِّل أو ما شابه ذلك من الكلمات، قلت: سبحان الله، كنا نعيش في أخبار غير مسجلة، فإذا بها تُسَجَّل وفي مجلة سائرة…

⏪ أقول: خلاصة ما تَقَدَّم وباختصار: أنا لا أُعادي الإخوان المسلمين، بل أعتبرهم أنهم الموطِّدون للدعوة السلفية، والمهيؤون للأفراد ليتقبلوا هذه الدعوة، وأنا هذا ألمسه في طيلة حياتي هذه، التي لا تقل عن خمسين سنة في الدعوة، أنا أعرف هذه الحقيقة.([90])

(بيان الشيخ لمؤاخذاته على جماعة الإخوان):

⏪ الشيخ:… ولكني آخذ عليهم كجماعة شيئًا، وآخذ على بعض الأفراد أو كثير من الأفراد أشياء أخرى، وهؤلاء الأفراد يختلفون بين سوريا وبين الأردن، فآخذ عليهم مثلًا أنهم لا يهتمون بتركيز العقيدة الصحيحة في أفراد الإخوان المسلمين، بل زيادة على ذلك: لا يلقنونهم الأصول التي ينبغي أن يرجع إليها هؤلاء الشباب؛ ليزول الخلاف الموجود واقعيا بينهم: من سلفي، من مذهبي، من صوفي، ونعتقد أن الوحدة التي ينشدونها لا يمكن أن تقوم لها قائمة في دائرة الإخوان المسلمين على الأقل، وفيهم هذه الخلافات الجذرية الأصيلة، على خلاف ما يتظاهر بعضهم من المتعصبة للمذاهب، يقولون: إن الخلاف في الفروع وليس في الأصول، ولست الآن في هذا الصدد، فأنا آخذ على الإخوان كجماعة بعض الأشياء، وأخذ على بعض الأفراد أشياء أخرى، فالجماعة أنا أعتقد وقد مضى عليهم نصف قرن من الزمان أو أكثر أنه يجب عليهم أن يلتفتوا إلى تصحيح مفاهيم أفراد الإخوان المسلمين، وخاصةً ما كان منها في العقيدة، وهذا يكون الخطوة الأولى في سبيل التوحيد بين أفراد الإخوان المسلمين أولًا، ثم التوحيد بينهم وبين عامة المسلمين ثانيًا، بالإضافة إلى هذا لا بد ان يَخُطُّوا الخُطَّة التي خَطَّها حسن البنا حينما وافق على النهج الذي سلكه صديقنا السيد سابق في تأليفه لكتاب «فقه السنة»، فأنتم تذكرون تقريظ حسن البنا لهذه الخُطَّة التي وضعها سيد سابق -جزاه الله خيرًا- فأرى تناقضا عجيبًا جدًّا في صفوف الإخوان المسلمين، هذا الكتاب الذي أنا أنصح دائما وأبدا الشباب حينما يسألوني لأدلهم على كتاب في الفقه القائم على الكتاب والسنة؛ أقول: لا أجد لكم خيرًا من كتاب «فقه السنة» للسيد سابق، وإن كان لي ملاحظات على ذلك؛ لأن الأمر في الواقع كما قال الإمام الشافعي : «أبى الله أن يتم إلا كتابه»، وأنا لمّا كتبت نقدا على الجزء الأول والثاني والثالث من «فقه السنة» إشارة إلى أني متعاون معه، ولست نقادا له، سميت كتابي: «تمام المنة في التعليق على فقه السنة».

(ذِكْرُ الشيخ للخلاف الذي وقع بين الإخوان في تلقي كتاب «تمام المنة»):

الشيخ: أجد هذا الكتاب الذي أعتقد أنه كان ينبغي أن يكون من مناهج الإخوان المسلمين فَرْضُ هذا الكتاب على كل فرد ينتمي إليهم، كما يفرضون عليهم رسائل حسن البنا فأجد الأمر على النقيض من ذلك، أجد مثلًا في دمشق الشام بعض السرايا يتدارسون هذا الكتاب، وسرايا أخرى يتدافعونه ويرفضونه عنهم؛ بحجة هذه الكلمة التي كنت أتمنى أن يقضي عليها الأَرَضَةُ، السوسُ يأكلها: أنه بحجة هذا الرجل وهّابي، أكثر من هذا بعض الأقاليم في الجنوب الشمالي من سوريا، الجماعة كلها من رئيسها إلى مرؤوسها يرفضون هذا الكتاب بنفس الحجة المذكورة الواهية، نعم؟

السائل: الجنوب الشمالي

الشيخ: الجنوب ال، شمال عفوًا عفوًا أنا أخطأت الشمال الشرقي

السائل: نعم

الشيخ: أي نعم، يرفضون هذا الكتاب رفضا باتا بنفس الحجة الواهية المذكورة سابقا، لماذا هذا التنافر؟ وكيف أستطيع أنا أتصور جماعة الإخوان المسلمين متحابون متوادون، وفيهم السلفي الذي في المؤلفات القائمة الآن لا يرضى بديلا في الفقه بدل كتاب «فقه السنة» للسيد سابق، وآخرون يظلون يقرؤون كُتُب، التي أعتقد في اعتقادي أنه يصح أن يطلق عليها: أَكَلَ الدهر عليها وشَرِبَ، «مراقي الفلاح» في الفقه الحنفي، الباجوري «حاشية الباجوري» في الشافعي، وفي كل من الكتابين كما كنت ألمحت لك في الاجتماع السابق كلمات يَنْدَى لها الجبين مِنْ ذِكْرِها، ولَسْتُ أنا الآن في صددها «والحُرُّ تكفيه الإشارة» كما يقال.

كيف يمكن لأفراد الإخوان المسلمين أن يكونوا فعلا موحَّدين كما وُضِعَتْ الدعوةُ من أجل ذلك؛ وفي أفرادها هذا التنافر البعيد في البلدة الواحدة، في الإقليم الواحد، في سوريا المنهج مختلف تماما في الثقافة الفقهية الإسلامية، فهنا وجدت أنا إخوانا على الدعوة السلفية بسبب هذه الحركة التي نحن ندعو إليها، ولا نخالف من الناحية السياسية أحدا؛ لأنه لكل كما قال تعالى: [ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ] {البقرة:148}.

(دعوة الشيخ لجميع الجماعات إلى الائتلاف والاتحاد، وبيان أنه لا يمكن إقامة الدولة الإسلامية من دون الاتحاد على المنهج الصحيح):

الشيخ: وأنا أقول -وأتمنى أن يكون مِثْلَ قولي كلُّ الجماعات الإسلامية- أنا أقول: الإخوان المسلمون لا يستطيعون أن يقوموا بواجب الإسلام وحدهم، السلفيون كذلك، وحزب التحرير كذلك، وشباب محمد، ما أدري إيش من الجمعيات الإسلامية الأخرى، هؤلاء جماعات أعتقد وجودهم ضروري([91])؛ لأنه جماعة واحدة منهم لا تستطيع أن تقوم بكل واجب يفرضه الإسلام على الجماعة الإسلامية، وإنما هذه الجماعات يجب أن تقوم كل منها بواجبها بس، ولكن بشرط واحد، وهو: أن يكونوا جميعا في دائرة واحدة، متفقون على الأسس، وعلى القواعد التي ينبغي أن ينطلقوا منها؛ ليتفاهموا ويتقاربوا.

لا شك أنه لا منافاة فيما يتعلق بالأمور أو بالصنائع المادية مثلًا، بين حداد وبين نجار وبين طَيَّان وبين وبين إلخ، ولا يستطيع جماعة الحدادين أن يقوموا بوظيفة النجارين، ونحو ذلك، لكن هؤلاء إذا كانوا متنابذين، وإذا كانوا متحاربين؛ لا يستطيعون أن يقيموا بناء بناية قَصْرٍ ما… إلخ.

وأَوْلَى وأَوْلَى أن يقوموا بهذا القصر المشيد: إقامة الحكم الإسلامي والدولة الإسلامية، أنا على يقين لا السلفيون وحدهم يستطيعون، ولا الإخوان المسلمون وحدهم يستطيعون، ولا ولا، عُدَّ ما شِئْتَ من جماعات وأحزاب، وإنما هذه الجماعات إذا توحدت في دائرة واحدة، وتعاونوا كل منهم في حدود اختصاصه؛ فحينئذ أو فيومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.

وعلى ذلك نحن ماضون، لا نعادي طائفة ولا جماعة من الجماعات الإسلامية إطلاقًا؛ لأن كل جماعة كما صَرَّحْتُ آنفا تُكَمِّل النقص الذي يوجد عند الجماعة الأخرى ([92]).

هكذا أعتقد: ينبغي أن تكون علاقات الجماعة الإسلامية بعضها مع بعض، والذي نراه مع الأسف الشديد هو خلاف هذا الواجب الذي ينبغي أن يجتمع الجماعات الإسلامية عليه.

فالإخوان المسلمون الذين وُجِّه السؤال عن موقفنا منهم يعاملوننا خلاف ما نعاملهم به، نحن نقدر جهودهم؛ كجماعة يَدْعون إلى تكتل المسلمين واجتماعهم تجاه المصائب والحوادث التي تُلِمُّ بالمسلمين، وإن كان كما قلت آنفا: وحدهم لا يَكْفي أن يقوموا بهذا الواجب، لا بد أن تكون معهم الجماعات الأخرى، فبدل من أن تُكَمِّل كُلٌّ من الجماعتين السلفية والإخوانية الأخرى؛ نجد الإخوان المسلمين، يعني بصورة خاصة أستطيع أن أقول بهذه البلاد الأردنية…

هم الذين ينشرون العداء والبغضاء بين السلفيين وبين الإخوان المسلمين، وليت هذا الأمر وقف في حدود الأفراد والأشخاص، الذين ليس لهم وزن في الإخوان المسلمين، فكل جماعة، ماذا نقول؟ صحابة الرسول كان فيهم كما يقول بعض الفقهاء القدامى: الأعرابي البوال على عقبيه، وفيهم كبار الصحابة، كالخلفاء، وغيرهم، فأولى وأولى أن يكون أمثال ذلك الأعرابي في كل جماعة إن كانوا سلفيين، أو كانوا إخوان مسلمين، وغيرهم، فأقول: ليت أن الإشاعات التي تزيد الفرقة بين الجماعتين تنبع من أفراد عاديين للإخوان المسلمين؛ إِذَنْ لكان الخَطْب سَهْلًا؛ لكن الواقع أن الأمر تَعَدَّى إلى بعض المسؤولين منهم، أو كما هم يقولون: بعض القياديين منهم، هم مثلًا يتقولون الأقاويل الكثيرة التي سمعتموها، واضطرتكم إلى أن توجهوا مثل ذاك السؤال الصريح، فبعض القياديين منهم كتبوا في بعض مؤلفاتهم ما يُشْعِر الواقفَ على هذه الكتابة أن القياديين أنفسهم هم ينظرون إلى السلفيين نظرة، ما أقول: عدم تقدير؛ احتقار وازدراء، لو أن الأمر وقف على ألسنة بعض الأفراد؛ لهان الأمر، فنجد خلاف ما نعتقد أن كبار الإخوان المسلمين يعتقدون أيضًا ما نعتقد من حيث أهمية الدعوة السلفية وضرورتها لهذا المجتمع الإسلامي، وبخاصة اليوم، وأنه لا يمكن أن تقوم القائمة للجماعات الإسلامية إلا على أساس الكتاب والسنة، كبار الإخوان المسلمين نعرفهم هم معنا، لكن هنا الواقع على خلاف ذلك.

(مَدْح السائل الإخواني للشيخ واعتباره من مُحِبِّي جماعة الإخوان، وبيان أن أصل دعوة حسن البنا مخالفة لموقف الإخوان العدائي تجاه الشيخ في الأردن، وبيان ضرورة الأخذ بالعقيدة السلفية والمنهج العلمي السلفي):

السائل: أنا شاهد، وقد عِشْتُ مع الإخوان منذ بداية الخمسينات: أننا ما كنا نشعر في يوم من الأيام بأنك غريب عنا، ولم نكن نشعر كذلك بأن ما تقدمه من إنتاج علمي مغاير لما نحن عليه، وطوال هذه الفترة التي عشناها في الإخوان -وما زِلْنَا- لا نقبل عقيدة إلا عقيدة السلف الصالح، والمنهج أيضًا منهج السلف، وهذا لا يتعارض مع أصل دعوة الإخوان…

مع الأسف هذا الموقف الذي تَفَضَّلْتَ به من قيادة الإخوان في الأردن يتعارض أصلًا مع الخط الذي سلكه البنا والذي أَشَرْتَ إليه قبل قليل.

الشيخ: نعم([93])

السائل: البنا كان على علاقة وثيقة مع رشيد رضا، ومع محب الدين الخطيب، وكان يعتمد عليهم، وكان يَشْعُر بأن دعوة الإخوان تستفيد من العلماء المحققين، والأخطاء لا بد أن تقع في عصره وفي كل عصر، والبنا قال في البند السادس من رسالة «التعاليم» ما أَكَّده الأئمة السابقون: بأن كلامه إذا تعارض مع الكتاب والسنة؛ فيجب أن يُرْمَى به عَرْضَ الحائط، فأتعجب من هؤلاء، غفر الله لنا ولهم.

الشيخ: آمين.

السائل: كيف يَدْرُسون حياةَ البنا ومنهجَه، ثم يلجؤون إلى مثل هذه المواقف المؤسِفة، والحقيقة أنني أعلم الجواب الذي تفضلت به، من صِلَتِك للإخوان، ومن حُبِّك لهم، ومع هذا فلا بد من… وماذا يضير الإخوان لو كان منهج السلف والطريقة العلمية في التحقيق وفهم الأمور هي الأساس في دعوتهم؟! ولكن بكل أسف دخل إلى الإخوان كثير من أصحاب الهوى، ومن الخرافيين، وهؤلاء لا يتصوروا، لا تتصور عقولُهم أن تَعُمّ كتبُ الشيخ…. ودعوتُه في كل مكان، فلجؤوا إلى مثل إشاعة الأراجيف، وإلى دغدغة عواطف شباب الإخوان؛ ليقولوا لهم: بأن الشيخ ناصر عدو للإخوان. أهـ

24 – التعاون بين الجماعات الإسلامية عند الشيخ الألباني :

قال شيخنا الألباني : «الإنسان كما قال : [ﭥ ﭦ ﭧ] {النساء:28}، فهو لا يستطيع أن يقوم بكل شيء، لا يستطيع أن ‌يحقق ‌في ‌العلم وفي السياسية وفي الاقتصاد وفي الاجتماع، لابد من الاختصاص في كل علم -هو يعتبر على الأقل من الفروض الكفائية- فإذا ما توجهت جماعة كانت تعمل في دائرة العلم مما نحن نسميه بالتصفية؛ تصفية هذا الإسلام مما هو بريء منه، والتفصيل سمعتموه أكثر من مرة، وقَرَنُوا بذلك تربية الجماعات القليلَ الذين هم حولهم، فإذا ما وسَّعوا دائرة التكتيل والتجميع؛ فسَيَفْلِت منهم زمام التصفية، وسَيَفْلِت منهم الجماهير الكثيرة والكثيرة جدًا؛ لأنهم واحد اثنين خمسة عشرة نفترضهم من كبار العلماء، ما يستطيعون أن يربوا الألوف المؤلفة على العلم الصحيح، وعلى التربية الصحيحة، إذًا: إذا شغلوا أنفسهم بالتكتيل والتجميع على منهج «الإخوان المسلمين»؛ فسيخسرون التثقيف على منهج الكتاب والسنة، وعلى ما كان عليه سلفنا الصالح -رضي الله عنهم- لهذا أنا أقول: لا أنكر على أي جماعة تقوم بفرض كفائي، لا أنكر هذا؛ لأنه لا يمكن إلا هذا، مثلًا: أنا لا أُنْكِر على مسلم يتخصص في دارسة اللغة العربية، لكن هو لا يفقه من فقه الكتاب والسنة شيئًا، لا أُنْكِر على شخص في أي علم آخر يكون من فروض الكفاية إلى آخره، لكنني أُنْكِر تَفَرُّقَ ذوي هذه الاختصاصات وعَدَمَ تكَتُّلهم وتعاونهم بعضهم مع بعضٍ، هذا الذي نحن نُنْكِره، فلو فرضنا أن «الإخوان المسلمين» أخذوا جانبًا من هذه الفروض الكفائية، وتخصصوا فيها، لكنهم لم يعادوا الطائفة الأخرى، التي تَتَخَصَّص في غير تخصصهم، كما أن هذه الطائفة الأخرى لا تعادي «الإخوان المسلمين»؛ لأنهم تخصَّصُوا في واجبٍ آخر، وإنما هم كُتْلَةٌ واحدة، كلُّهم يعملون تحت الإسلام المُصَفَّى، وأنا أعتقد جازمًا: أنه لا يمكن أن تقوم قائمة الدولة المسلمة، التي يشترك في المناداة بها: الطائفة السلفية المنصورة، الإخوان المسلمون، وحزب التحرير غير المنصورين؛ لأنهم الصفات التي جاءت في السنة غير منطبقة عليهم، لا يمكن أن تقوم قائمة الدولة الإسلامية إلا بتعاون كل هذه الجماعات على أساس الكتاب والسنة، أو على منهج السلف الصالح، أنا أقول: السلفيون المتخصصون في فقه الكتاب والسنة على منهج السلف الصالح، ويحاولون أن يحملوا أنفسهم على الاقتداء بالكتاب والسنة في كل كبيرة وصغير، لا يُفَرِّقون بين ما كان فَرْضًا وما كان سُنة، وما كان مستحبًا، بل يفعلون من كل ذلك ما هم يستطيعون، بخلاف الآخرين، الذين يَقْنَعون بأن يَتَّبعوا مذهبًا من المذاهب، دون أن يعرفوا الصواب مما اختلف فيه الناس، فهؤلاء السلفيون إذا ظلوا في هذا الجانب فقط، ثم لم يأخذوا بالجوانب من الفروض الأخرى، ولو بالتعاون مع الطوائف الأخرى؛ فهم أيضًا سيظلون «مكانَكَ راوِحْ»؛ فلابد إذًا من تعاون كلِّ الجماعات، كلّ باختصاصه، ولا شك أن أهم شيء مما ينبغي القيام به من الإصلاح هو ما عليه السلفيون في عالم الدنيا كلها؛ وهو تصفية هذا الإسلام مما دخل فيه، وتربية المسلمين على هذا الأساس، نحن لا ننكر القيام بالفرائض الكفائية، لكننا لا نبالغ فيها كما يبالغ الآخرون في ذلك، وعلى هذا الأساس إذا توحَّدَتْ الجماعات، وكل جماعة في اختصاصها مع جماعة أخرى تحت دائرة العمل في حدود الكتاب والسنة كما قلنا آنفًا ابتداء بقوله تعالى: [ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ] {النساء:59}، أنا أعتقد أنه يومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله...». اهـ([94])

وسئل الشيخ محمد ناصر الدين الألباني :

في هذا الزمان وقد تكالبت قوى الشر للإطاحة بالإسلام وأهله، ولم يبق من تستطيع أن تشير إليه أنه يمثل الجماعة المسلمة؛ قامت جماعة مِنَ الغيورين على الإسلام بأهداف كلها إقامة الدين، وإعلاء كلمة الله؛ لتكون هي العليا، ولكنهم اختلفوا في أسلوب تطبيق هذا المبدأ، مما نشأ عنه مجموعة من الحركات الإسلامية المعاصرة، فما حكم قيام مثل هذه الجماعات، وما حكم الانضمام إليها؟

جواب الشيخ: «كَثُر هذا السؤال في هذه الآونة الأخيرة، وجوابنا على النحو التالي: هذه الجماعات إذا كانت كل واحدة منها تعمل فيما تُحسن، أو فيما هي تختص بالعمل فيه دون الجماعات الأخرى، وهي تلتقي معهم في الأصل، الذي هو الجامع لكل الجماعات الإسلامية، إذا كانوا مُستَسلمين -كما هو المفروض عليهم لحكم الله -تبارك وتعالى-، فحينئذٍ يدخلون في عموم قوله : [ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ] {المائدة:2}، أمَّا إذا كانت كل جماعة تعمل لوحدها، وهي لا تستطيع لوحدها أن تعمل في كل المجالات الإسلامية، التي لا يمكن أن تقوم دولة الإسلام إلا بمجموع الاجتهادات من كل هذه الجماعات، فإذا كانت الجماعة الواحدة تدَّعي أنها تُحْسِنُ العمل للإسلام من كل النواحي؛ فأولا: تكون مخطئة كُلَّ الخطأ، وثانية: عليها ألَّا تنفصل عن الجماعات الأخرى، وإنما عليها أن تتعاون معها في دائرة الإسلام، الذي يَسَع جميع مَن ينتمي إلى شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأنا أقول عن أيِّ جماعة تُوجَدُ على وجه الأرض اليوم من الجماعات الإسلامية: شأنها كشأن الأفراد، فقد ذكرنا آنفًا أنَّ هناك نواحِيَ مِن العلوم لا يستطيع أن يجمعها فرد، وإنما يتوزعها مجموع أفراد المسلمين، كذلك كلُّ جماعة إذا كان لها عناية خاصة بجانب مِن الجوانب الإسلامية؛ فذلك يُستفاد منها، ولكن شريطة ألا تتنافر، وألا تتعادَى مع الجماعات الأخرى؛ فكلُّ جماعةٍ حينما تكون على هذا الأساس قامت جماعتها، على أساس التعاون، فكل جماعة تُكَمِّل عَمَلَ الجماعة الأخرى، ومن المؤسف أن نقول: إن الواقع اليوم ليس كذلك، والسبب: أن الثقافة الإسلامية العامَّة في الجماعات كلِّها ليس كما ينبغي، كقوله تعالى مثلًا: [ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ] {النساء:59}، لا يُعتبر اليوم مرجعًا لكل الجماعات، وإنما جماعة تَتَبَنَّى هذا، وجماعة أخرى تقول: نحن في مشاكل أكبر من هذه المشكلة، وحينئذٍ تصبح هذه الجماعات متنافرة متباعدة متباغضة، وحينئذٍ تقع المشكلة التي حذرنا الله -تبارك وتعالى- منها في غير ما آية من الآيات القرآنية كمثل قوله : [ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ] {الروم: 31، 32}، وعلى ذلك فعلى من يسأل مثل هذا السؤال أن يحقق في نفسه قول الله -تبارك وتعالى-: [ﭷ ﭸ ﭹ] {التوبة:119}، ولكي يكون مع الصادقين؛ فلابد من أن يعرف أصول الدين التي لا يجوز للمسلم أن يكون جاهلًا بشيءٍ منها، ومن أصول الدين: أن الدين هو قال الله، قال رسول الله، وليس سوى ذلك، فمن طلب تَرْكَ هذا الأصل من أصول الدين، وحاول تجميع المسلمين على مجرد اسم الإسلام؛ فهذا لا يُسْمِنُ ولا يُغْني من جوع؛ لأن الإسلام قول وعمل، قول واعتقاد فإذا لم يَدْرُسْ المسلم هذه الأصولَ، أو درسَها وأَعْرض عنها، وتركها جانبًا؛ حينئذٍ سيبقى منفصلًا عن أيِّ جماعةٍ إسلاميةٍ أخرى، أما على التفصيل السابق: إذا كانوا جميعًا على كلمةٍ سواءٍ: ما جاء في الكتاب والسنة، فهم يتعاونون على ذلك، لكن الأساليب قد تختلف؛ لا مانع من ذلك، وقد يعني مثلًا طائفةً من المسلمين قد يُعْنَوْن بأفرادهم بنواحي تتعلق بالرياضة البدنية مثلًا؛ لا مانع، وهذا مثال يقرِّب وجهة النظر التي قَدَّمْتُها آنفًا، إذا كانت هناك جمعيةٌ إسلاميةٌ رياضيةٌ؛ لا مانع من ذلك؛ لأنها تقوم بشيءٍ مما جاء به الإسلام في مثل قوله -عليه الصلاة والسلام-: «المؤمن القوي أحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خيرٌ»، ولكن بشرط أن تكون هذه الجمعية في إطار الإسلام الواسع، الذي يَسَعُ كل الجماعاتِ الأخرى، كل جماعة في اختصاصها، فإذا فرضنا الآن هذه الجمعية الرياضية تخالف الشريعة الإسلامية في بعض أعمالها، أو في بعض اتجاهاتها؛ حينئذٍ تُصبح فِرْقَةً، ليست من الفرق التي يمكن أن يتعاون المسلمون معها، ومثال بسيط في ذلك: إذا كانت هناك جمعية تتعاطى بعض الألعاب الرياضية المعروفة اليوم ككرة السلة، وكرة القدم، ونحو ذلك، ولكنهم يقيمون مباريات تخالف الشريعة في بعض أحكامها، مثلًا يقيمون مباريات بحيث أنهم يشابهون الكفار بالكشف عن العورات، فهؤلاء ما تعاونوا مع المسلمين الآخرين الذين ينصحونهم، ويقولون لهم مثلًا -وهم من أهل العلم-: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: «الفَخِذُ عَوْرةٌ»، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ تشبَّه بقومٍ؛ فهو منهم» إِذَنْ هذه الجمعية الرياضية إذا كانت تعمل في حدود الإسلام؛ فهي تَكْمِلَةٌ لواجب يجب أن تقوم به طائفة من الجماعات الإسلامية، أما إذا قامت مُنْفَصِلَةً عن الأحكام الإسلامية؛ فحينئذٍ شأنها كشأن أي فرقة أخرى لا تَدِينُ بالإسلام، يُقيمون مباريات مثلًا في وقت صلاة العصر، بحيث تفوتهم صلاة العصر، ولا يُصَلُّون إلا بعد صلاة المغرب، هذا طبعًا ليس عملًا إسلاميًا، وقُلْ على ذلك من يعمل في السياسة، ومن يعمل في الاقتصاد، ومن يعمل في أي جانب من جوانب الإسلام، فإذا كان في دائرة الإسلام؛ فكلُّهم يقوم بواجب، وكلُّهم يُكمِّل بعضُهم بعضا، وعلى غير ذلك؛ فيكونوا من المتفرقين في الدين، كما ذكر رب العالمين في الآية السابقة، هذا هو الجواب». اهـ

قلتُ: وكلام شيخنا – – هنا لا يتعارض مع كلامه الكثير في جواز التعاون مع الجماعات الإسلامية في أجزاء موافقة للكتاب والسنة عندهم؛ فقد صرح في ذلك بكلامٍ لا يحتمل أن يتدخَّل أحد بتأويله بما يخالف بقية كلامه.

وخلاصة مجموع كلامه : جواز التعاون مع الجماعات والجمعيات الإسلامية فيما هو مشروع بذاته، وإن كانت الجماعة تخالف الكتاب والسنة في جانبٍ آخر، فالواجب نصْحهم فيما خالفوا فيه الحق -مع مراعاة الضوابط الشرعية للنصيحة – ويجوز التعاون معهم فيما أصابوا فيه الحق، وقد كان شيخنا يشارك جماعة «الإخوان المسلمين» في سورية في مؤتمراتهم، وحفلاتهم، ورحلاتهم، ومحاضراتهم؛ حتى أَثَّرَ في عددٍ من شبابهم، بل أخذ بطريقته -في الجملة- بعضَ كبارهم ومشاهيرهم، كما سبق من تصريحه بذلك.

وأما إن كان الجزء الذي تخصصت فيه الجماعة أو الجمعية قد خالفتْ فيه الكتاب والسنة؛ فلا يجوز التعاون معهم في هذا الجزء الذي تخصصوا فيه؛ لمخالفته الحق، لكن إذا كان عندهم جوانب أخرى أحْسَنوا فيها؛ فلا يمنع وجود الجانبِ المخالفِ عندهم من التعاون معهم على الجانب الذي أصابوا فيه الحق والصواب، هذه خلاصة موقفه حتى لا يسْتدل أحد الغلاة بآخر ما قاله حول كرة السلة والقدم ونحو ذلك ويهدر كل ما حكاه عن نفسه من التعاون مع «الإخوان المسلمين» وغيرهم فيما هو حق، لا في الباطل؛ فالأصل أن كلام العلماء يحمل مجمله على مفصله، والله أعلم.

وفي النهاية: هل يوافق الشيخ ربيع وحزبه على التعاون على الحق مع من خالفهم من كبار الدعاة السلفيين في أمور أخرى، أم أنهم يَسْلُقونهم بألسنةٍ حدادٍ؟ وإذا كان هذا كلام شيخنا الألباني وهم لا يوافقونه عليه؛ فهل هو عندهم من أهل السنة؟ أم يلزمهم حسب أصولهم الضالة المضلة أن يبدِّعوه؛ بل يبدعوا من لم يُبَدِّعْه… إلخ؟ وهل بعد هذا كُلِّه يليق بعاقل أن يصدِّقهم في دعواهم: أن كبار علماء الأمة يوافقونهم على منهجهم، ويؤيدونهم في أحكامهم على من خالفهم من الدعاة اليوم؟! أما آن للأتباع أن يفيقوا، ويحمدوا الله على نعمة التوبة والإنابة؟

(تنبيه): الذي أراه: جواز -بل الوجوب أحيانًا- التعاون مع المخالف مسلمًا كان أو كافرًا على جزءٍ موافق للكتاب والسنة، إذا كانت هذه المصلحة العامة لا تتحقق إلا بهذا التعاون، وذلك حسب نظرة علماء أهل السنة المعتدلة، لكن هناك شرطٌ آخر: وهو أن يَعْلَم من يرى الرجلَ السنيَّ متعاونا معهم أنه ليس معهم فيما خالفوا فيه الحق؛ حتى لا يغتر بقُرْبه منهم في هذه الجزئية، ويقبل منهم الصالح والطالح، وهذا لا يكون إلا بتصريح صاحب الحق بأنه يتعاون معهم من أجل كذا وكذا، وإن اختلف معهم في جانب آخر، والله أعلم.

قلتُ: وبعد هذه الرحلة الممتعة مع شيءٍ من تَرِكَةِ شيخنا الألباني فهل يشكّ عاقل في التباين بين دعوة الشيخ وطريقته وأسلوبه في التعامل مع المخالف -وبالذات جماعة الإخوان- وبين منهج وطريقة وأسلوب الشيخ ربيع وحزبه الغلاة البغاة في المسائل التي انحرفوا فيها؟! أما عقيدتهم في الأسماء والصفات وغيرها من أبواب العقيدة، ونَفْع بعضهم في بعض الأماكن… إلخ؛ فلا خلاف بيننا في ذلك، ونسأل الله أن يبارك في جهودهم المثمرة، وأن يغفر لنا ولهم الزلات والموبقات المُدَمِّرة، والله أعلم.

 

j j j