كتب للقراءة

إتحاف الحصيف بتحذير مشاهير العلماء من فوضى التبديع والتصنيف

إتحاف الحصيف بتحذير مشاهير العلماء من فوضى التبديع والتصنيف

ثالثًا: صاحب الفضيلة الشيخ
محمد بن صالح العثيمين :

صاحب الفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله-

1- منهج الشيخ في الكلام على الأشخاص:

سئل الشيخ ابن عثيمين :

فضيلة شيخنا! نتوجه إليكم بهذا السؤال وهو: أن من أهل العلم المشهود لهم بالخير والجهاد في الدعوة في هذا العصر: فضيلة شيخنا عبد الرحمن بن عبد الخالق -حفظه الله تعالى- فنرجو من فضيلتكم إبداء ما تعلمونه عن هذا الشيخ؟ وهذا من الأمانة التي في أعناقنا لهذا الشيخ، وجزاك الله خيرًا؟

الجواب:

«ليس من شأننا في هذا اللقاء أن نتحدث عن شخص بعينه؛ لكننا نقول: أولًا: كل إنسان له قَدَمُ صِدْقٍ في الأمة الإسلامية من أول الأمة إلى آخرها؛ لا شك أنه يُحْمَد على ما قام به من الخير.

وثانيًا: كل إنسان مهما بلغ من العلم والتقوى؛ فإنه لا يخلو من زلل، سواءً كان سببه الجهل أو الغفلة، أو غير ذلك؛ لكن المنصف كما قال ابن رجب في خطبة كتابه: «القواعد»: (المُنْصِفُ من اغتفر قليلَ خطأِ المرء في كثير صوابه) ولا أحد يأخذ الزلات، ويغفل عن ‌الحسنات؛ ‌إلا ‌كان ‌شبيهًا ‌بالنساء.

فإن المرأة إذا أَحْسَنْتَ إليها الدهْرَ كلَّه، ثم رأت منك سيئةً؛ قالت: لَمْ أرَ خيرًا قط، ولا أحد من الرجال يحب أن يكون بهذه المثابة، أي: بمثابة الأنثى: يأخذ الزلة الواحدة، ويغفل عن الحسنات الكثيرة.

وهذه القاعدة، أي: أننا لا نتكلم عن الأشخاص بأعيانهم، لا في مجالسنا في مقام التدريس، ولا في اللقاءات، ولا فيما يورَد إلينا من الأسئلة، أقول: هذه القاعدة نحن ماشون عليها، ونرجو الله -سبحانه وتعالى- أن يثبتنا عليها؛ لأن الكلام عن الشخص بعينه قد يثير تحزبات وتعصبات، والواجب أن نُعَلِّق الأمور بالأوصاف لا بالأشخاص، فنقول: من عمل كذا؛ فيستحق كذا، ومن عمل كذا؛ فيستحق كذا، سواءً كان خيرًا أو شرًا، ولكن عندما نريد أن نقوِّم الشخص؛ يجب أن نذكر المحاسن والمساوئ؛ لأن هذا هو الميزان العدل، وعندما نحذر من خطأ شخص؛ نذكر الخطأ فقط؛ لأن المقام مقام تحذير، ومقام التحذير ليس من الحكمة أن نَذْكُر المحاسن؛ لأنك إذا ذكرت المحاسن؛ فإن السامع سيبقى متذبذبًا، فلكل مقام مقال.

فمن أراد أن يتكلم عن شخص على وجه التقويم؛ فالواجب عليه أن يذكر محاسنه ومساوئه، هذا إذا اقتضت المصلحة ذلك، وإلا فالكَفُّ عن مساوئ المسلمين هو الخير.

وأما من أراد أن يُحذِّر من خطأ؛ فهذا يَذْكُر الخطأ، وإذا أمكن أن لا يَذْكُر قائله؛ فهو خير أيضًا؛ لأن المقصود هو هداية الخلق». اهـ([95])

قلتُ: فهذا موقف فضيلته من الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق فهل هذا موقف الشيخ ربيع -وفَّقَه الله- منه، حتى يقول قائل الغُلاة: العلماء موافقون للشيخ ربيع في كل من تكَلَّم فيهم الشيخ ربيع؟!

2- ومن قول فضيلته مُنْكِرًا على حال كثيرٍ من الناس ممن يقول بعضهم لبعض:

«هل أنت قُطْبي ولَّا جَامِّيّ، كلُّ هذي مالها داعٍ»، ثم قال : «و هل من العدل أن الإنسان يَسُبُّ أحدًا من الناس، ولا يَذْكُر أيَّ حسنة له؟ منهجٌ على هذي الصفة غَلَطٌ».

1. 144_oth_manhaj     

3- المطلوب اتباع السلف لا التحزب إلى ما يُسَمَّى «السلفيون»:

قال الشيخ ابن عثيمين :

«إذا كثرت الأحزاب في الأمة؛ فلا تَنْتَمِ إلى حزب، فقد ظهرت طوائف من قديم الزمان: مثلُ الخوارج والمعتزلة والجهمية والرافضة، ثم ظهرت أخيرًا: إخوانيون وسلفيون وتبليغيون، وما أشبه ذلك، فكل هذه الفرق اجعلها على اليسار، وعليك بالأمام، وهو ما أرشد إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- في قوله: «عَلَيكُم بِسُنَّتي وَسُنَّة الخُلَفَاء الرَاشِدين».

ولا شك أن الواجب على جميع المسلمين أن يكون مذهبهم مذهب السلف، لا الانتماء إلى حزب معين يُسَمَّى «السلفيين»، والواجب أن تكون الأمة الإسلامية مذهبها مذهب السلف الصالح لا التحزب إلى من يُسَمَّى (السلفيون) فهناك طريق السلف، وهناك حِزْبٌ يُسَمَّى (السلفيون) والمطلوب: اتباع السلف، إلا أن الإخوة السلفيين هم أقرب الفرق إلى الصواب، ولكن مُشْكِلَتَهُم كغيرهم: أن بعض هذه الفرق يُضَلِّل بعضًا، ويُبَدِّعُه، ويُفَسِّقُه، ونحن لا ننكر هذا إذا كانوا مستحقين، لكننا ننكر معالجة هذه البدع بهذه الطريقة، والواجب أن يجتمع رؤساء هذه الفرق، ويقولوا: بيننا كتاب الله وسنة رسوله؛ فلنتحاكم إليهما، لا إلى الأهواء والآراء، ولا إلى فلان أو فلان، فكلٌّ يخطئ ويصيب مهما بلغ من العلم والعبادة، ولكن العصمة في دين الإسلام». اهـ([96])

4- إنكارِهِ على من صار ديدنُهم تجريحَ العلماء، وتنفيرَ الناس عنهم، والتحذير منهم، وقال جَرْحُ العالم في الواقع ليس جرحًا شخصيًا؛ بل هو جَرْحٌ لِإِرْثِ محمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم:-

فقد سئل فضيلة الشيخ : ما رأي فضيلتكم فيمن صار ديدنهم تجريح العلماء، وتنفير الناس عنهم، والتحذير منهم؟ هل هذا عمل شرعي يُثَابُ عليه أو يُعَاقَبُ عليه؟

فأجاب بقوله: الذي أرى أن هذا عمل مُحَرَّمٌ، فإذا كان لا يجوز لإنسان أن يغتاب أخاه المؤمن -وإن لم يكن عالمًا- فكيف يسوغ له أن يغتاب إخوانه العلماء من المؤمنين؟ والواجب على الإنسان المؤمن: أن يَكُفَّ لسانه عن الغِيبة في إخوانه المؤمنين، قال الله تعالى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ] {الحجرات:12}.

ولْيَعْلَم هذا الذي ابْتُلِي بهذه البلوى أنه إذا جَرَحَ العالم؛ فسيكون سببًا في رد ما يقوله هذا العالم من الحق، فيكون وبالُ رَدِّ الحق وإِثْمُهُ على هذا الذي جَرَحَ العالم؛ لأن جرح العالم في الواقع ليس جرحًا شخصيًا، بل هو جرح لإرث محمد – صلى الله عليه وسلم -.

فإن العلماء ورثة الأنبياء، فإذا جَرَّح العلماء، وقَدَحَ فيهم؛ لم يَثِق الناسُ بالعلم الذي عندهم، وهو موروثٌ عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وحينئذ لا يثقون بشيء من الشريعة التي يأتي بها هذا العالم الذي جُرِحَ.

ولست أقول: إن كل عالم معصوم، بل كل إنسان مُعَرَّضٌ للخطأ، وأنت إذا رأيت من عالم خطأ فيما تعتقده؛ فاتصل به، وتفاهم معه، فإن تبين لك أن الحق معه؛ وجب عليك اتباعُهُ، وإن لم يتبين لك، ولكن وَجَدْتَ لقوله مساغًا؛ وجب عليك الكَفُّ عنه، وإن لم تجد لقوله مساغًا؛ فَحَذِّر من قوله؛ لأن الإقرار على الخطأ لا يجوز، لكن لا تُجَرِّحُه وهو عالم معروف بحُسْن النية، ولو أردنا أن نجرح العلماء المعروفين بحسن النية لِخَطَأٍ وقعوا فيه من مسائل الفقه؛ لجرحنا علماء كبارًا، ولكن الواجب هو ما ذكرتُ، وإذا رأيتَ من عالم خَطَأً؛ فناقِشْهُ، وتَكَلَّمْ معه، فإما أن يتبين لك أن الصواب معه؛ فَتَتْبَعَهُ، أو يكون الصواب معك فَيَتَّبِعَك، أولا يتبين الأمر، ويكون الخلاف بينكما من الخلاف السائغ، وحينئذ يجب عليك الكف عنه، ولْيَقُلْ هو ما يقول، ولْتَقُلْ أنت ما تقول.

والحمد لله، الخلاف ليس في هذا العصر فقط، الخلاف من عهد الصحابة إلى يومنا، وأما إذا تبين الخطأ، ولكنه أصر انتصارًا لقوله؛ وجب عليك أن تُبَيِّن الخطأ، وتُنَفِّر منه، لكن لا على أساس القدح في هذا الرجل، وإرادة الانتقام منه؛ لأن هذا الرجل قد يقول قولًا حقًّا في غير ما جادلته فيه.

فالمهم أنني أحذر إخواني من هذا البلاء، وهو تجريحُ العلماء، والتنفيرُ منهم، وأسال الله لي ولهم الشفاء من كل ما يَعِيبُنَا، أو يَضُرُّنا في ديننا ودنيانا». اهـ([97])

قلتُ: فهذا الذي مضى -فقط- من كلام فضيلته وهذه الأحوال التي يُنْكِرها هل يَقِفُ عليه مُنْصِف مُتَجَرِّد للحق، ثم يُطلق القول بأن الشيخ ربيعًا -وفَّقَه الله- يسير هو وكبار علماء العصر في باب الجرح والتعديل والتحذير من الأفراد والجماعات على خطٍّ واحد، وأن هؤلاء العلماء ماتوا وهم يوافقونه على كلامه في الدعاة المشاهير من أهل السنة، ومن تحذيره منهم ومن كتبهم ومجالستهم بالكلية، كما يزعم المغْتَرُّون به؟!

هذا، وقد يقول قائل: الحق مع الشيخ ربيع، ومع كون هذا القول باطلًا، إلا أنني لَسْتُ هنا في مقام بيان الحق مع مَنْ؛ فقد وضَّحْتُ في مواضع أخرى بطلان ما خالف فيه الشيخ ربيع منهج السلف والخلف، لكنِّي هنا في مقام بيان: أن العلماء المعاصرين -أيضًا- وهم مشاهير الدعوة السلفية، مُخالفون لطريقته المُحْدَثَة ومنهجه المنحرف؛ فلا تَغْتَر بالادعاءات إن كنت تريد الحق، ولكن انظر في كلام الجميع، والْزَم الحقَّ، والله يتولاك!!!

5- فتنة التحزب والتعصب للجماعات والأشخاص:

السؤال خلاصته:

أنه جاء بعض طلاب العلم من الأردن؛ ليسألوا المشايخ في العالم الإسلامي -لاسيما في المملكة العربية السعودية حفظها الله وجميع بلاد المسلمين-، ومنهم صاحب الفضيلة عن توجيه نصيحة لقادة الجماعات والأحزاب الإسلامية في الساحة اليوم، عسى أن تكون هذه التوجيهات خُطوةً أُولى في جَمْع الشمل.

الجواب:

أما السؤال الأول: فهو الجماعات المتفرقة المتحزبة، التي طفحت على سطح الماء في هذه الآونة الأخيرة، بينما كان الشباب قبل سنواتٍ اتجاهُهم سليم، لا يعتقد أحدهم أن الآخر مُضَادٌّ لله، أو أنه في جانب وهو في جانب، لكن بدأت في الآونة الأخيرة ما نزغ الشيطان بين شبابنا من التحزب والتحمس لطائفة معينة، أو لشخص معين، حتى صار الولاء والبراء موقوفًا على من يحب هذا الشخص أو لا يحبه، ولا شك أن هذه وَصْمَةٌ عظيمة، ومَرَضٌ فَتَّاكٌ، يذيب الأمةَ، ويُمَزِّقُ شملها، ويُفَرِّقُ شبابها، فنصيحتي لأبنائي الشباب وإخواني: أن يَدَعُوا هذا التحزب، وأن يَدَعُوا تصنيف الناس، وأن لا يهتموا بالشخص المعين، ويجعلوا الولاء والبراء موقوفًا على الموالاة أو البراءة منه، وأن يأخذوا بالحق أينما كان، ويَدَعُوا الباطل أينما كان، ومن أخطأ من العلماء؛ فخطؤه على نفسه، ومن أصاب؛ فإصابته لنفسه ولغيره.

ولا يجوز إطلاقًا أن نعتقد أن أحدًا معصومٌ من الخطأ في دين الله، إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فما بالنا نمتحن الناس الآن، ونقول: ما تقول في كذا؟ ما تقول في الرجل الفلاني؟ ما تقول في الطائفة الفلانية؟ أكان الرسول -عليه الصلاة والسلام- يمتحن الناس بهذا؟ أم كان الصحابة يمتحنون الناس بهذا؟ إنَّ هذا من شأن الشُّعَب الضالة، التي تريد أن تُفَرِّق الناس، حتى لا يكونوا جبلًا راسيًا أمام التحديات التي نسمعها كل يوم، ونشاهدها في الصحف والمجلات ممن يحاربون هذا الدين وأهل الدين.

إذا تفرق الشباب الذي يقول: إنه يعتني بالإسلام، ويغار للإسلام، إذا تفرقوا؛ فمن الذي يجادل عن الإسلام، ومن الذي يحاج هؤلاء المبطلين؟ أقول: أيها الشباب! ألم تعلموا أن هذا التفرق قرة عين الملحدين من العلمانيين وغيرهم؛ لأنهم يقولون: كُفِينا بغيرنا، لو أن أحدًا من هؤلاء الملحدين، بل لو أن أمة من هؤلاء الملحدين، أرادوا أن يُفَرِّقُوا شباب الإسلام هذا التفريق وهذا التمزيق؛ ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا؛ لو خَلَصَت النية وصَلُحَ العمل، أما الآن فالشباب في وضع يُؤْسَفُ له، لهذا أنا أناشدهم الله أن يَكُفُّوا عن هذا التحزب، وأن يكونوا أمة واحدة، قال الله : [ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ] {الأنبياء:92} وأن لا يهتم الإنسان بالتحزب لفلان أو لفلان، أو للطائفة الفلانية أو الطائفة الفلانية؛ فَلْيَنْظُرْ طريقه، ولْيَشُقَّ طريقه إلى الله، وهذه التحزبات وهذه المجادلات لا شك أنها تصد الإنسان عن دين الله، لو فَتَّشْتَ عن قلوب هؤلاء الذين يغالون في بعض الأشخاص، ويعتقدون فيهم العصمة، وإذا وقع الخطأ منهم؛ قالوا: لعلهم رجعوا عن هذا الخطأ؛ لأن الأخطاء التي تقع من بعض الناس: إن كانت تحتمل التأويل؛ أَوَّلُوها على المعنى الصحيح، وإن كانت لا تحتمل؛ قالوا: رجع عنه، وهذا غلط، ما عليهم من هذا الرجل الذي أخطأ، خطؤه على نفسه، والله هو الذي يحاسبه.

على الإنسان أن ينظر طريقه إلى الله كيف يعبد الله؟ وكيف يَصِلُ إلى دار كرامته؟ وليس له شأن في الناس.

هذا باعتبار السؤال الأول.

أرى أنه يجب أن يَتَّحِدَ الهدفُ، ويَتَّحِدَ العَمَلُ، وألا يكون همنا التعصب لحزب أو طائفة أو شخص؛ لِيَكُنْ هَمُّنَا الوصولَ إلى شريعة الله وأن نَتَّحِدَ عليها، ونَتَّفِقَ عليها.

هذه واحدة،… ثم أجاب على بقية الأسئلة، وليست في موضع الشاهد؛ فلا حاجة لنقلها؛ كي لا يطول المقام.([98])

والسؤال: هل سَلِم أصحاب الشيخ ربيع -وفقه الله- وأصحاب الجماعات الأخرى من التعصب لمشايخهم؟ أليس أصحاب الشيخ ربيع يرونه لا يخطئ في الجرح والتعديل؟ بل صرح هو نفسه -غفر الله لنا وله- بذلك، فقال: لا أعلم لي خطأ في المنهج!! يريد بذلك أحكامه على الجماعات والأفراد المخالفين له، مع أن من نظر فيما كتبته وكتبه غيري حول أحكامه في العلماء؛ لوجد أنه أبْعد العلماء عن الصواب والحكمة!!

6- التحذير من التعصب للأشخاص، والولاء والبراء على بعض العلماء:

⏪ قال العلامة محمد بن صالح العثيمين – تعالى -:

«وإنه من المُؤْسِف – في وقتنا الحاضر – أن بعض الشباب اتخذ من بعض العلماء رموزًا يَقْتَدِي بهم، ويوالي من والاهم، ويعادي من عاداهم، ولو كان الذي عاداهم بحق، والذي والاهم بغير حق!!

وصاروا يتنازعون فيما بينهم: ما تقول في فلان؟ ما تقول في فلان؟!

لماذا؟! أقول: فلان هذا يُخْطِئ ويصيب، إن أخطأ وهو مجتهد؛ فخطأه مغفور، وإن أصاب؛ فله أجران، أما أن أُوَالِيَ من والاه، وأُعَادِيَ من عاداه مهما كان الأمر؛ فهذا لا يجوز.

لذلك أدعو أبنائي الشباب أن لا يجعلوا هذا أكبر همهم، وأن لا يرفعوا بذلك رأسًا، وأن يكون قصدهم الحق من أي جهة أتى.

استمع إلى قول الله : [ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ] {الأعراف:28}، احتجوا بحجتين: الأولى: [ﮯ ﮰ ﮱ ]، والثانية: [ﯓ ﯔ ﯕ]، فقال الله : [ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ]، وسكت عن الحجة الأولى، لماذا؟ لأن الحجة الثانية باطلة؛ فأبطلها الله، والحجة الأولى صحيحة؛ فسكت الله عنها وأقرها، مع أنها جاءت من المشركين.

واسْتَمِعْ أيضًا إلى ما صح عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه أتاه حَبْر من أحبار اليهود، وقال: يا محمد؛ إنا نجد أن الله يجعل السماء على إصبع، والأرضين على إصبع… وذكر بقية الحديث. فضَحِكَ النبي – صلى الله عليه وسلم – حتى بدت نواجذه أو أنيابه تصديقًا لقول الحبر، ثم قرآ: [ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ] {الزمر:67} فهنا هل النبي
– صلى الله عليه وسلم – أنكر الحق؛ لأن قائله غير مُحِق؟ لا، بل أقره، مع أنه يهودي.

أَبْلَغُ من ذلك: أن النبي – صلى الله عليه وسلم – استحفظ أبا هريرة – رضي الله عنه – على صدقة الفطر، يعني قال: احرسها، وفي ليلة من الليالي أتى شخص على صورة إنسان، فأخذ الطعام، فأمسكه أبو هريرة، وقال: لأرفعنك إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم -. فادعى أنه فقير، وأنه ذو عيال، فرَقَّ له أبو هريرة وأطلقه، ثم أتى النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – فقال له: «ما فَعَلَ أَسِيرُك البارحة؟» قال: يا رسول الله؛ ادَّعَى أنه فقير، وذو عيال؛ فأطلقته، فقال: «إنه كَذَبَك، وسَيَعُود»، «كذبك»: يعني أخبرك بالكذب. فقال: فعلمت أنه سيعود لقول النبي – صلى الله عليه -: «وسيعود» عاد في الليلة الثانية، وأخذ من الطعام، وادعى أنه ذو عيال، وأنه فقير، فأطلقه؛ لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – لما قال «سيعود»؛ لم يَقُلْ: فاحْبِسْهُ، أو امْسِكْهُ. ثم أتى أبو هريرة إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – فأخبره الخبر، فقال: «كَذَبَك، وسيعود». فعاد في الليلة الثالثة، فأمسكه أبو هريرة، وقال: لابد أن أرفعك إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، فقال له هذا الشخص: ألا أدلك على آية من كتاب الله، إذا قرأتها؛ لم يَزَلْ عليك من الله حافظ، ولا يَقْرَبُك شيطان حتى تصبح([99])؛ فأطلقه، فأتى النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – فأخبره، فقال: «صَدَقَكَ، وهو كذوب». معنى صدقك: يعني أخبرك بالصدق، ثم قال: «أتدري مَن تخاطب منذ ثلاث ليالٍ؟» قال: لا أدري يا رسول الله، قال: «ذاك شيطان».

فانظر كيف قَبِلَ النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – الحقَّ من الشيطان.

فالمقصود الحق، ويُعرف الرجال بالحق، وليس الحق يُعرف بالرجال، إذًا كيف نتفرق وتختلف القلوب من أجل الخصومة في شخص من العلماء؟ هذا يقول: أنه مُحِقٌّ، وأنه على صواب، والثاني يقول بالعكس!! هذا غلط، ليس من هدي الخلفاء الراشدين ولا الصحابة أيضًا.

فالواجب: قبولُ الحق من أي أحد قال به، ورَدُّ الباطل من أي أحد قال به.

ثم لا يجوز أبدًا أن نجعل الولاء والبراء مقيدًا بأشخاص؛ لأنهم غير معصومين، يخطئون ويصيبون، فلْنتفق، ولنَدَعْ هؤلاء الأشخاص، ولْنسأل اللهَ لهم الهداية إن كانوا أحياءً، والمغفرة إن كانوا قد اجتهدوا فخالفوا الحق، وأمرهم إلى الله ، أما أن نُفَرِّق جَمْعَنا، ونُشَتِّتْ شَمْلَنا، ونُلْقِي العداوةَ بيننا، من أجل الانتصار لهذا الشخص أو لهذا؛ فهذا غَلَطٌ مَحْضٌ، وضرر كبير.

لذلك؛ أدعو إخواني المسلمين في كل مكان إلى الاتفاق وعدم الاختلاف، وأن لا يجعلوا من الأشخاص رموزًا يوالون عليها ويعادون عليها؛ فإن هذا من الغلط، وما ضرَّ المسلمين سابقًا ولاحقًا إلا هذا التعصب للأشخاص». اهـ

قلتُ: فهذا الحال الذي وَصَفَه فضيلة الشيخ والأحوال السابقة واللاحقة، كل ذلك ينطبق على الغلاة في الجرح والتعديل، وعلى مُؤَسِّس هذا الفِكْر والدَّاعي إليه: الشيخ ربيع المدخلي -وفَّقَه الله- فكيف يَدَّعِي هو أو يَدَّعِي له أحد المفتونين به بأنه وكبار العلماء يسيرون على خطٍّ واحد في الجرح والتعديل، وهو يقول بوجوب عقْد الولاء والبراء من أجل مسائل اجتهادية، كالخلاف في الجرح والتعديل؟!

وكما تَوَرَّط فيه الشيخ ربيع وأتباعه؛ كذلك تورَّط فيه كل من يَدْعُو إلى التحزُّب والولاء والبراء من أجل حزب، أو طائفة، أو اسم أو لقب دون مراعاة للمعنى الصحيح، أو غير ذلك!!

7- لا يجوز إلزام الناس بالتبديع للمُخالف -حتى وإن كان التبديع له حقًّا لا ادِّعَاءً-؛ لأنه من أمور الاجتهاد، التي يَتَّسِعُ فيها الخلاف للمخالفين:

السائل: يا شيخ، أنت تعلم ماذا يجري الآن مِن فتنة بين أهل السنة في هذه البلاد خاصة، وهذا الأمر تحوَّل عندنا إلى أمرٍ خطير، حتى إن كثيرا من المساجد تَفَرَّق الإخوة فيها!

فلديَّ سؤال؛ السؤال الأول -يا شيخ-: إذا اختلف بعض العلماء في بعض الدعاة في تجريح..

الشيخ ابن عثيمين -مقاطِعًا-: إيش.. إيش؟

السائل: إذا اختلف بعضُ الدعاة في تجريح شخصٍ أو تعديله؛ يعني: بعض الدعاة عدَّل، والبعض الآخر جرَّح، هل يلزم من ذلك تجريحُ مَن عدَّل؟

الشيخ ابن عثيمين: لا، ما يلزم.

السائل: ما يلزم من ذلك..

الشيخ ابن عثيمين: لا، ما يلزم؛ لأن الذي عدَّل عدَّل على حسب اعتقاده، فإن أصاب؛ فله أجران، وإن أخطأ؛ فله أجر.

السائل: نعم، ولكن هذا الذي عدَّل لا يلزم أنَّنا نجرِّحه؟

الشيخ ابن عثيمين-: قلتُ لكَ: لا، لا يلزم!!

السائل: نعم -شيخ-.

طيب؛ نحن -الآن-شيخنا- نمر بمرحلة: أن كثيرًا من المساجد -الآن- الإخوة أصبحوا يُطلقون علينا أنَّنا مبتدِعة، وأنَّنا ضُلَّال؛ لأننا لم نُبدِّع مَن أرادوا أن يُبدِّعوه، أو نجرِّح مِن أرادوا أن يُجرِّحوه؟

الشيخ ابن عثيمين: إن كان ما قلتَه حقًّا؛ فهؤلاء اتَّبعوا أهواءهم.

السائل: بارك الله فيك -يا شيخ-.

الشيخ ابن عثيمين: المسائل الاجتهادية ما يُجرَّح بها الإنسان إلا إذا خالف السَّلف([100]).

السائل: نعم. القضية هي مُتعلقة في عَين رجل -شيخ-، وهو -أتصور تعرفه- الشيخ عدنان عرعور.

الشيخ ابن عثيمين: نعم. أنا أقول -بارك الله فيك-: لا يحل لنا أن نجعل أشخاصًا رموزًا -نوالي مَن والاهم، ونُعادي مَن عاداهم-؛ لأن الإنسان يُخطئ ويُصيب.

السائل: نعم. شيخ؛ نحن لدينا -هنا- دورات -أحيانًا- علميَّة، وندعو فيها أمثال الشيخ عدنان، فهل تنصحنا بدعوةِ الشَّيخ عدنان؟

الشيخ ابن عثيمين: مَن قال لكَ: إنِّي أجرِّح عدنان؟

السائل: أنا ما قلتُ أنك تجرِّح..

الشيخ ابن عثيمين -مقاطًعا!-: هذا غلط منك! هل أنا أقول للناس: لا تَدْعُوا فلانًا، ولا تَدْعُوا فلانًا؟!! اقْبَل الحق ولو مِن الشيطان.

تَعْرِفُ الشيطان ولَّا ما تَعْرِفُ الشيطان؟!!

السائل: نعم – شيخ- نعم، حديث أبي هريرة.

السائل: شيخ؛ أنا أسأل هذا السؤال؛ لأن بعض الإخوة -في مناطق أخرى- قالوا: أنكم تُجرِّحون الرجلَ، ولا تنصحون باستدعائه واستقدامِه لإلقاء محاضرات ودروس؛ هل هذا صحيح؟

الشيخ ابن عثيمين: هذا كَذِبٌ علينا، وما أَكْثَر ما يُكْذَبُ علينا!!

السائل: بارك الله فيك -يا شيخ- وهذا ظَنُّنا بكم.

والسؤال الثالث: -شيخ-؛ وهو مسألة التحاكُم بين الشيخ ربيع والشيخ عدنان؛ لماذا -يا شيخ- ما تحكمون أنتم في هذه المسألة، ونرتاح من هذه الفتنة العظيمة؟

الشيخ ابن عثيمين: نحن -الآن- نسعى في هذا، ونسأل الله أن يسهِّل.

السائل: طيب، وهل المشايخ يَقْبَلُون..

الشيخ ابن عثيمين -مقاطعًا-: دَعُونا من هذا، وأسأل الله أن ييسر. اهـ

قلتُ: فهذا موقف صاحب الفضيلة الشيخ ابن عثيمين مما أَلْزَم الشيخ ربيعٌ -وفَّقَه الله- الناسَ بتبديع الشيخ عدنان عرعور-وفقه الله- فكيف يُقال: الشيخ ربيع وكبار علماء العصر على خطٍّ واحد؟! وكم بَدَّع الشيخ ربيع أناسًا في شرق الأرض وغربها؛ لأنهم لم يوافقوه على تبديع الشيخ عدنان؟!

ثم ما هو حُكْم الشيخ ابن عثيمين بعد موقفه هذا من الشيخ عدنان عرعور -وفقه الله- عند الشيخ ربيع وحزبه؟!

فإما أن يكون مبتدعًا -حسب أصولهم المبتدعة- وإما أن يتناقضوا -جُبْنًا وجهلًا- وإما أن يفيئوا إلى الحق، وهو قولنا -ولله الحمد-!!

فلا تغترَّ يا طالب الحق بتلبيسات هذا الحزب الزائغ عن الحق -في هذه القضايا التي خالفناهم فيها-؛ فهذه أجوبة صريحة في بطلان ما عليه الغلاة، والله المستعان!!

8- حُكْم الجرح والتعديل في هذا العصر:

سئل فضيلة الشيخ محمد صالح العثيمين :

هل سُنّة الجرح والتعديل ماتَتْ؟ وما حكم الرد على المخالف بِغَضِّ النظر عن شخصيته؟

فأجاب :

«أنا أخشى أن تكون هذه كلمة حق أريد بها باطل، الجَرح والتعديل لَم يَمُت ولَم يدفن ولَم يَمْرض، ولله الحمد.

هو قائم، الْجرح والتعديل يكون في الشهود عند القاضي، يُمكن يُجَرِّحُون الخَصْم، ويطلب منهم البينة، ويكون أيضًا في الرواية.

وقد سمعنا قراءة إمامنا قول الله تعالى: [ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ] {الحجرات:6}، فالْجَرح والتعديل لا يزال باقيًا ما دَام نوع الإنسان باقيًا، ما دام النوع الإنسان باقيًا؛ فالْجَرح والتعديل باق.

لكن أنا أخشى أن يقول قائل: إن هذا الإنسان مجروح، وليس بمجروح، فيتخذ من هذه الفتوى وسيلة لنشر معايب الخلق!!

ولهذا أقول: إذا كان في شخص عيب ما، فإنْ اقتضت الْمصلحة أو الْحاجة، أو الْضرورة إلى بَيانه؛ فلا بأس به، لا بأس منْ بيانه.

ولكن الأحسن أن يقول: بعض الناس يفعل كذا، بعض الناس يقول كذا؛ لسببين:

السبب الأول: أن يَسْلَم من قضية التعيين

والسبب الثاني: أن يكون هذا الْحكم شاملا له ولغيره

إلاّ إذا رأينا شخصًا مُعينًا قد فُتِنَ الناس به، وهو يَدْعو إلى بدْعة أو إلى ضَلالة؛ فَحِينئذ لا بدّ منْ التّعيين؛ حَتى لا يَغترّ الناس به». اهـ

قلتُ: وهذا الذي يقع في بدعة كبرى واضحة -حسب قواعد سلف الأمة- وقد أقيمت عليه الحجة، وأُزِيلَتْ عنه الشبهة بجلاء، ولكنَّهُ عاند عن هوى وعصبية؛ فهذا لابد من كَشْف ستره؛ صيانةً للشريعة، وحفاظًا على المسلمين من الاغترار والافتتان به، وإن كان من أهل العلم، وقال قولًا يُفْضِي إلى بدعة، أو يلزم منه الوقوع في بدعة؛ فإن كان حيًّا؛ يُنْصَح إن أمكن، وإن كان مَيْتًا؛ حذَّرنا من القول لا من القائل بعينه، وكذا لم نحذِّر من بقية الحق الذي عنده.

هذا منهج أهل العلم -سلفًا وخلفًا- وأما الاستدلال ببعض إطلاقات السلف؛ فقد أجَبْتُ عن هذا مُفَصَّلًا في غير موضع، ولكن البلاء أن هؤلاء الغلاة المفسدين يبدِّعون من لم يقع في بدعة أصلًا، بل الحقُّ معه، كما أشار إلى ذلك هنا فضيلة الشيخ بقوله: «أخشى أن يقول قائل: إن هذا الإنسان مجروح، وليس بمجروح،…»!!!

9- الفرق بين المنهج السلفي وبين التحزب باسم السلفية:

«السؤال:

فضيلة الشيخ -جزاكم الله خيرًا-ً: نريد أن نعرف ما هي السلفية كمنهج، ‌وهل ‌لنا ‌أن ‌ننتسب ‌إليها؟ وهل لنا أن نُنْكِر على من لا ينتسب إليها، أو ينكر على كلمة «سلفي» أو غير ذلك؟

الجواب:

السلفية: هي اتباع منهج النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه؛ لأنهم هم الذين سَلَفُونا وتَقَدَّمُوا علينا، فاتباعهم هو السلفية.

وأما اتخاذ السلفية كمنهج خاص ينفرد به الإنسان، ويُضَلِّل من خالفه من المسلمين، ولو كانوا على حق؛ واتخاذُ السلفية كمنهجٍ حزبي؛ فلا شك أن هذا خلاف السلفية، فـالسلف كلهم يَدْعُون إلى الاتفاق والالتئام حول سنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولا يُضَلِّلُون من خالفهم عن تأويل، اللهم إلا في العقائد، فإنهم يرون أن من خالفهم فيها فهو ضال، أما في المسائل العملية؛ فإنهم يُخَفِّفُون فيها كثيرًا.

لكن بعض من انتهج السلفية في عصرنا هذا صار يُضِلِّل كل من خالفه، ولو كان الحق معه، واتخذها بعضهم منهجًا حزبيًا، كمنهج الأحزاب الأخرى، التي تنتسب إلى دين الإسلام، وهذا هو الذي يُنْكَر، ولا يمكن إقراره، ويقال: انظروا إلى مذهب السلف الصالح، ماذا كانوا يفعلون! انظروا طريقتهم، وفي سعة صدورهم في الخلاف الذي يُسوغ فيه الاجتهاد، حتى إنهم كانوا يختلفون في مسائل كبيرة، وفي مسائل عقدية، وعملية، فتجد بعضهم مثلًا يُنكر أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- رأى ربه، وبعضهم يقول: بلى، وترى بعضهم يقول: إن التي توزن يوم القيامة هي الأعمال، وبعضهم يرى أن صحائف الأعمال هي التي توزن، وتراهم أيضًا في مسائل الفقه يختلفون كثيرًا: في النكاح، والفرائض، والبيوع، وغيرها، ومع ذلك لا يضلل بعضهم بعضًا.

فـالسلفية بمعنى أن تكون حزبًا خاصًا له مميزاته، ويُضَلِّل أفراده من سواهم؛ فهؤلاء ليسوا من السلفية في شيء.

وأما السلفية اتباعُ منهج السلف عقيدةً وقولًا وعملًا وائتلافًا واختلافًا واتفاقًا وتراحمًا وتوادًّا، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عُضْوٌ تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» فهذه هي السلفية الحقة». اهـ([101])

قلتُ: والخلاصة: هنا سؤال: هذا الحال الذي وصفه فضيلة الشيخ حالُ مَن؟ أليس هذا حال الشيخ ربيع ومَنْ معه في تبديع عدد من مشاهير الدعاة وطلاب العلم في جميع الأقطار، وعَقْد الولاء والبراء على هذه المواقف؟ وهل الحزبية القبيحة المشؤومة إلا كذلك؟!

10- التحذير من تبديع وتضليل وتفسيق العلماء من أهل السنة والجماعة:

⏪ قال الشيخ ابن عثيمين :

«مِنْ وَحْي الشيطان: أن يقع الإنسان في عرض العلماء، إذا وقع الإنسان في أعراض العلماء؛ فإنَّهُ مُعْتَدٍ ظالم، وليست غِيبَةُ العلماء كَغِيبة العامَّة؛ لأن غيبة العلماء فيها مفسدة خاصة ومفسدة عامة، المفسدة الخاصة بالنسبة لهذا العالم، والمفسدة العامة بالنسبة لما يحمله من علم؛ فإن الناس إذا سَقَطَ الإنسان من أعينهم؛ لم يَقْبَلوا منه صَرْفًا ولا عَدْلًا، فيكون في هذا جناية على الشريعة التي يحملها هذا العالم، والإنسان الناصح هو الذي إذا رأى من أحد من العلماء أو طلبة العلم أو عامة الناس إذا رأى ما ينكره: أن يتصل بالعالم أو طالب العلم أو العامي، ويتبين الأمر، فقد يكون ما تظنه أنت خطأ قد يكون صوابا، لا لعين هذا الفعل، ولكن لما يلابسه من أحوال تستدعي أن يقوله هذا العالم، أو أن يفعله هذا العالم؛ لأنه قد يكون الشيء منكرا في حَدِّ ذاته، لكن يفعله بعض الناس لمصلحة أكبر، لهذا نرى أن أولئك الذين يقعون في أعراض العلماء؛ أنهم قد جَنَوْا على العلماء وعلى ما يحملونه من علم، والواجب إيقاظ العالم، لا سيما العالم الذي عُرِف بأنه يريد الحق، ويجتهد في طلبه، ولكنه قد يَزِلُّ، وهذا أمر لا يَسْلَم منه البشر، (كل بني آدم خَطَّاء، وخير الخطائين التوابون)». اهـ

قلتُ: فانظر -يا هذا- كم هي جناية أدعياء السلفية هؤلاء في هذا الجانب على الإسلام والمسلمين، فكم شَوَّهُوا صورة الدعاة في البلاد، وكم شَغَلُوا طلاب العلم عن السَّعْي نحو الهدف المنشود، بالاشتغال في الليل والنهار بالقيل والقال، وكم أَوْغَروا صدور الدعاة وطلاب العلم على بعضهم البعض، وكم مَزَّقُوا الشمل، وكم أَلْهَبُوا الخلاف في المساجد والمجالس العامة والخاصة… إلخ، أصلحنا الله وإياهم، وأخذ بأيدينا ونواصينا جميعًا إلى الهُدَى والسداد والتقوى والرشاد.

11- من أراد أن يكون قوله هو المرجع عند الخلاف؛ فقد دعا بنفسه -ولو بلسان الحال- أن يكون بمنزلة الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-:

⏪ قال الشيخ : «فإن قال قائل: ما موقفنا مما يقع من الخلاف بين العلماء في بعض الأحكام الشرعية؟

العلماء لم يتفقوا على شيء إلا ما عُلم بالضرورة من دين الإسلام، فكيف نفعل في هذا الخلاف؟

فالجواب بيّنه الله بقوله: [ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ] {الشورى:10}… المرجع إلى الله.

وقال تعالى: [ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ] {النساء:59}.

ولو سلكنا هذا الطريق؛ لم يَبْقَ بيننا خلاف.. وأقصد: لم يبق بيننا خلاف في القلوب، أما في الآراء فقد يقع؛ لأن الخلاف وقع حتى بين الصحابة – رضي الله عنهم-، لكن القلوب لم تختلف.

والذي ضَرَّ الناس اليوم في هذه اليقظة الدينية: أنهم اتَّبَعُوا أهواءهم… أَعْني فريقًا منهم اتَّبَعَ هواهوصار الخلاف في الرأي يؤدي إلى اختلاف القلوب… وتنافر القلوب… والعداوة والبغضاء… والسَّبِّ واللَّمْز… وهذا – والله- فرحة الأعداء… وهذا تَفتُّتُ الدعوة الإسلامية…

فالواجب أن لا تختلف القلوب… ولو اختلفت الآراء…

ومن أراد أن يكون قوله هو المرجع عند الخلاف؛ فقد دعا بنفسه أن يكون بمنزلة الرسول!!

وإذا أراد هذا؛ أراد مُخالفه أن يكون المرجع إلى قوله أيضًا؛ إذْ لا أحد منهما معصوم، ولا يمكن أن نُجْبِر الناس على أن يأخذوا بأقوالنا، بل يلزمنا أن نأخذ بما دل عليه الكتاب والسنة». اهـ

2. 135_oth_khelaf     

قلتُ: والسؤال الموجَّه لهؤلاء الغلاة: لقد حصل الخلاف بيننا وبينكم، فمن منا دعا الآخر إلى قوله؟ ألستم أنتم وشيخكم ربيع الذين صرحتم بأن من خالفكم فهو مبتدع، وعدو للسنة، يجب هجره، بل هجر من لم يبدعْه؟ فهل حالكم هذا هو حال علماء السنة الكبار في هذا العصر؟ وهل قال بقولكم هذا أحد منهم؟ أي: قالوا: فلان بن فلان -من علماء أو دعاة السنة- مبتدع، ومن لم يبدعْه فهو مبتدع، والجميع يلزمهم هجره والتحذير منه؟ سمُّوا لنا من قال بهذه الضلالة قبل ربيعكم ومن سلك مسلكه؟ فإن عجزتم؛ فاستحْيوا على أنفسكم، ولا تدَّعوا أنكم والعلماء الكبار في هذا العصر على منهج واحد!!

12- لا يجوز تَتَبُّعُ عورات المسلمين، ولا سيّما عورات العلماء؛ فإنها محرّمة؛ فإن من تَتَبَّع عورة أخيه؛ تتبع الله عورته:

قال الشيخ : «تتبع عورات المسلمين ولاسيما العلماء محرّمة، فقد جاء في الحديث: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه؛ لا تُؤْذوا المسلمين، ولا تَتَّبِعوا عوراتهم؛ فإن من تَتَبَّع عورة أخيه؛ تَتَبَّعَ الله عورته، ومن تَتَبَّع الله عورته؛ فضحه – أظنه قال- ولو في حِجْر أُمِّه».

أي: في بيتها.

فلا يجوز لنا أن نتتبع العورات.

وتتبع العورات عورة…يعني هذا الذي ذهب يتتبع عورات الناس هو الآن واقع في عورة.

والواجب – بارك الله فيك- لمن صدر منه ما يُنتقد عليه: أن يدافِعَ الإنسانُ عن أخيه إذا سمع من ينتقده في هذا، ويقول: لَعَلَّهُ اشْتَبَهَ عليه الأمر، لَعَلَّ له تأويلًا، لاسيما من عُرف بالصدق والإخلاص، وحب نشر العلم.

وهذا في محاضرة في مركز الجمعية الإسلامية في بوسطن – أمريكا، عن الوحدة الإسلامية

ليلة الخميس 2 جُمادى الأولى 1421 هـ- 2 أغسطس 2000 م.

13- اتقوا الله في هذه الصحوة، اغفروا لإخوانكم إن أخطئوا، وناصحوهم فيما بينكم البين، سواء كان الصواب معكم أو معهم:

⏪ قال الشيخ : «يا إخواني، فَكِّروا في الأمر، اتقوا الله في أنفسكم! اتقوا الله في هذه الصحوة، وفي هذه النهضة!،

اجمعوها على كلمة واحدة، اغفروا لإخوانكم ما أخطأوا فيه، وناصحوهم فيما بينكم، أَمْسِك الرجل الذي أخطأ، وقُلْ: يا أخي، أنت أخطأْتَ في كذا وكذا.. فإما أن يكون الصواب معه فيقنعك، وإما أن يكون الصواب معك فَيَنضمَّ إليك!!

أما أن تتكلم فيه من وراء الجُدُرِ، من وراء الكواليس، وتقدح فيه، وتُحمّل قلوب الناس حقدًا وغضبًا وبغضًا له؛ فهذا – والله – إنك لمسئول عنه، وإنك لمُجانب للصواب، ومجانب لمذهب أهل السنة والجماعة..

أهل السنة والجماعة عندهم في قلوبهم سلامة، وفي ألسنتهم سلامة لأهل الحق، يتناصحون فيما بينهم، ولا يتفاضحون، يُبَشِّرُون ولا يُنَفِّرُون، كما أمر بذلك النبي -عليه الصلاة والسلام-: «بَشِّرُوا ولا تُنَفِّرُوا»

أما أن نُنَفِّر الناس بمثل هذا الأسلوب؛ فإن الإنسان سيكون مسئولًا عنه». اهـ

قلتُ: فهل هذه التوجيهات وما قبلها وما بعدها من كبار علماء العصر يسير على دَرْبها الشيخ ربيع -وفقه الله- ومُقَلِّدُوه، أم أنهم أشعلوا الدنيا صِرَاعًا وغِيبة وتحريشًا؟!

فمن هم الذين يقولون في الكثير من علماء ودعاة السنة: فلان أخبث من اليهود والنصارى… إلخ؟ أليس هو ربيعكم وأفراد حزبكم الضال الزائغ؟! فلا تنفِّقوا باطلكم وافتراءاتكم على طلاب العلم بنسبتها إلى كبار العلماء؛ فها هو كلام كبار العلماء بعكس ما أنتم عليه، ولو سلمنا أن أحدا منهم جرَّح فلانا أو فلانا؛ فهل قال: من لم يجرِّحه فهو مبتدع يُهْجَر؛ أثْبتوا هذا عنهم، وفي أي موضع ذكروه؟

14- على الذين ابْتُلوا بهذا الداء – داء التجريح والتبديع – أن يتوبوا، ولا يَفْتَحُوا في الأمة باب النزاع والتفرق:

قال الشيخ : «إنني أُوَجِّه الموعظة لهؤلاء الذين اُبْتُلُوا بهذا الداء: أن يتوبوا إلى الله ، أن يتوبوا إلى الله ويستغفروه، وأن لا يفتحوا في الأمة باب النزاع والتفرق.. وأن يَعْلَموا أنهم مخطئون على كل تقدير؛ لأنهم بدل من أن تنصبّ أقوالهم وسَبُّهم وغِيبتُهم على أهل الباطل من المنافقين والملحدين؛ صارتْ تَنْصَبّ على إخوانهم ممن يشاركونهم في الدعوة!.

يا سبحان الله!!! إذا انصبت الأقوال- أقوالهم – على إخوانهم من أصحاب الدعوة، وقَلّتْ ثقة الناس بهم؛ فَسَتَقِلَّ ثِقَةُ الناس بهؤلاء الآخرين الذين سَبُّوهم، سواءٌ دافع أولئك عن أنفسهم أم لم يدافعوا، سيكون الناس الآن بين طرفين؛ كل واحد منهما يُضَلِّلُ الآخر، ويَقْدَح فيه، وحينئذٍ ينبري لقيادة الأمة من ليس أهلًا للقيادة: لا في عِلْمِهِ، ولا في دينه!!

وحينئذٍ يفرح هؤلاء المنافقون من العَلْمانيين وغيرهم بما جرى بين أهل الصحوة، ويقول: (الحمد لله الذي كفانا.. كفانا أن بعضهم يقدح في بعض!! وأن بعضهم يسب بعضًا!!فإن هذا هو الذي نتمناه، ونَسْهَر لَيْلَ نهارٍ على أن نُحققه)». اهـ

قلتُ: فهذه النصيحة من فضيلته نصيحة غالية وثمينة جدًّا؛ لو تجرَّد الغلاة لله -عز شأنه- وتخَلَّوْا عن الهوى والعصبية، والحرص على الانتصار المزيف أمام الناس -حتى وإن كانوا على باطل- فلنتَّقِ الله جميعًا، ونَخْلُوا بأنفسنا، ونتصور أننا بين يدي الموازين وقد نُصِبَت: أين نحن من هذه النصيحة والموعظة؟!

وهناك عدد من الدعاة الآخرين الذين يحكم الشيخ ربيع بتبديعهم، ويُقيم الولاء والبراء على ذلك، وقد مدحهم فضيلة الشيخ وأثنى عليهم، واستنكر ما قاله فيهم الشيخ ربيع، وسواء صحَّ فيهم قول الشيخ ربيع أم لم يصحّ؛ فليس هذا مرادي هنا، ولهذا موضع آخر، إنما سؤالي: ما حكم الشيخ ابن عثيمين وهو يُثني عليهم، ويستنكر ما قاله فيهم الشيخ ربيع ومن معه على حسب قواعد وطريقة الشيخ ربيع وحزبه؟!

لا شك أن قواعدهم -لو عملوا بها هنا- تقتضي تبديع الشيخ وهجره، والتحذير منه، ومن مجالسه في حياته، ومن كتبه وأشرطته بعد وفاته؛ لكنهم يجْبنون عن التفوُّه بهذا، ويكفيهم شقاءً وتناقضًا ما هم فيه من كدَر ونكَدٍ أمام هذه النصائح، لكنهم يضطرون إلى مدح الشيخ والثناء عليه أمام الناس، وهم في شقائهم يترددون، وفي مجالسهم الخاصة يتأسّفون لكلام فضيلة الشيخ وإما أن يغمزوا فيه غمزًا صريحًا، أو يقولوا: لا يفقه الواقع، أو حوله من يلبِّس عليه، وكل هذا غمز مُبَطنَّ في فضيلته، لكن أين هم وقواعدهم المحدثة، لماذا لا يطردونها في حق هؤلاء الكبار أيضًا؟!

15- الذي يُخْرِج السلفيَّ المخطئَ من السلفية؛ لعله هو الذي خَرَجَ من السلفية!

السؤال: بارك الله فيكم، العقيدة السفارينية تكلم أحد طلاب العلم المعتبرين بأنها عقيدة غير عقيدة أهل السنة، وأنه من المتكلمين، فهل هذا حق؟

الجواب: «لا شك أن كل إنسان له أخطاء إلا من شاء الله، السفارينية فيها كلمات يعني تُنتقد، ولكن إذا كانت مسألة من آلاف المسائل منتقدة، هل يقال: إن الرجل خرج عن أهل السنة والجماعة؟ أو خرج عن السلفية؟ وما ندري لعل هذا القائل هو الذي خرج عن السلفية!!

إِذْ أن السلف يغتفرون قليل الخطأ في كثير الصواب، ويحكمون بالقسط، أما أن يُحْكَم بالجَوْر، وإذا أخطأ إنسانٌ ما في مسألة، وتَبِعَ فيها مذهبًا مبتدعًا في هذه المسألة؛ قيل: هذا من هؤلاء، هذا أشعري، ولا يُؤخذ قوله، هذا ليس من طريق السلف، السلف الصالح -رضي الله عنهم- ينظرون بين الحسنات والسيئات، ويَحْكُمون بالقسط، والعقيدة هي سلفية، لكن فيها أخطاء، لا شك فيها أخطاء.

مثل: وَصْف القرآن بالقِدَم.

وفيها أيضًا بعض المسائل الأخرى، نَبَّهْنا عليها في الشرح فيما سبق».أهـ

من «شرح الشيخ على العقيدة السفارينية: ما ذُكِرَ في الإمامة ومتعلقاتها». اهـ

قلتُ: هذا الذي مدح الشيخ به منهج السلف الصالح، وهو النظر إلى الرجل من جميع الجهات، فاغتفار قليل الخطأ -مع التنبيه عليه- في مقابل كثرة الصواب، هذا المنهج يسميه الشيخ ربيع -وفقه الله- ومن يقلِّده: «منهج الموازنات المبتدَع»!! بل يحكمون على من قال به بأنه مبتدع، ليس من أهل السنة والجماعة، وأضرُّ على الإسلام من اليهود والنصارى، بل أخبث من اليهود والنصارى،… إلخ قائمتهم السوداء!!

ومنهج الموازنات فيه تفصيل وضَّحْته في ردودي السابقة مع الشيخ ربيع وحزبه، والمقصود هنا بيان انحراف منهج الشيخ ربيع -فيما خالف فيه- عن منهج أهل السنة وكبار العلماء في هذا العصر؛ فلا تغترَّ يا طالب الحق بأكاذيبهم!!

16- كيفية التوبة لمن تورَّط في بدعة التضليل والتبديع للدعاة والعلماء:

⏪ قال : «ولكن إذا كان الإنسان قد تورّط في شيء من ذلك، فما المخرج؟!!

المخرج سهل – ولله الحمد-: التوبة إلى الله.. الندم على ما فعل.. العزم على ألا يعود.. مراجعة نفسه.. إذا كان قد كتب كتابًا؛ فليكتب ضده.. إذا كان قد أسمع شريطًا؛ فليُسمع ضده.. وهكذا.

والتوبة تجبُّ ما قبلها، وباب التوبة مفتوح ما دام النفَس باقيًا: [ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ] {النساء:18}.

فَلْيَتُبْ الإنسان إلى الله قبل أن يَفْجَأَه الموت، ولْيُصَحِّح ما أخطأ فيه، ولْيَحْرِص على جَمْع كلمة المسلمين، ولْيحاولْ ما استطاع أن يَذُبَّ عن عرض إخوانه، ولْيُحَاول ما استطاع أن يُصْلِحَ ما أفسد الناس، ولْيُحَاوِلْ ما استطاع إذا سمع خطئًا عن شخص أن يتصل به اتصالًا مباشرًا عن طريق المباشرة واللقاءات، أو عن طريق الهاتف، أو عن طريق الكتابة، ولْيَقُلْ: بلغني كذا وكذا، فهل هذا صحيح؟ إن كان صحيحًا؛ فالأمر خلاف ما تقول، (ويبين له وجهة نظره).. وإذا كان غير صحيح؛ فَبَيِّنْ ذلك حتى أَنْشُرَ للعالم أنه غير صحيح.

وإذا فعل الإنسان هذا؛ فإنه سيكون محمودًا عند الله وعند الناس.. لماذا؟ لأنه مُصْلِحٌ.

أما أن يأخذ بما سمع من غير تَرَوٍّ ولا تَثَبُّتٍ، ولا سلوكٍ للاحتياط؛ فإنه سيُفسد أكثر مما يُصلح؛

وما أكثر ما نسمع عن قومٍ من أخطاء، ولكننا إذا سألناهم؛ قالوا: ليس هذا بصحيح؛

لأننا نسمع عن قومٍ أخطاء، نستبعد أن تصدر منهم، ثم إذا سألنا وتحققنا؛ وجدنا أن الأمر بخلافه.

وإذا وجدنا أن الأمر حقيقة؛ فإننا نناقشهم، ونقول: هذا خطأ.. ونبيِّن وِجْهَةَ الخطأ.

ونقول: إذا كان عندك شيء يَدْفَعُ ما قُلْنا؛ فبيِّنْهُ لنا..

والمؤمن مُسْتَعِدٌّ للمناقشة بالحق، والمؤمن مُسْتَعِدٌّ للرجوع إلى الحق، سواء كان عليه أم له؛ لأن الحق ضالة المؤمن، أينما وجدها أَخَذَ بها، هذا هو حقيقة الأمر أيها الإخوة». اهـ

قلتُ: الشيخ ربيع -وفقه الله- احتوى من قبل «الحدادية» فلما زاد شرُّهم وطعْنهم في علماء السلف والخلف، وفتواهم بحرق «فتح الباري» وغيره، وتنبَّه كبار العلماء لشرهم وفسادهم؛ صدرتْ بعض الفتاوى من بعض الكبار تحذر منهم، فلما علم الشيخ ربيع -وفقه الله- توجُّهَ العلماء إلى التحذير منهم، وسيناله من ذلك نصيبه؛ لأنه هو المؤسس لها سارع بالرد على «الحدادية» ولم يُوفَّق للتوبة إلى الله -جل وعلا- والرجوع عن هذا الفكر المفْسِد، واكتفى بركوب موجة التحذير منهم!! حتى لا يحشره العلماء معهم!! ثم أعاد الأمر هذه الأيام، فها هو يحذر الشباب من التبديع والهجر والغلو، ويقول لهم: فرَّقتم صفوفكم، وأَشْمتُّمْ عدوَّكم فيكم… إلخ!! ولم يعلن التوبة من هذا الحال الذي بذَر هو بذوره في أذهان هؤلاء الشباب!! أليس هو الذي كان يهددهم: إن لم تبدِّعوا فلانا، وتحذِّروا منه، وتهجروه، بل تهجروا من لم يبدعْه ويهجرْه؛ فسأحذِّر منكم الطلاب، وأبدّعكم… إلخ؟ فنصيحتي له أن يتوب قبل أن يلقى الله على هذا الحال السيء، والله المستعان.

17- حكم مخالفة منهج السلف في معاملة الحكام:

السؤال:

فضيلة الشيخ: ذكرتم في كلامكم عن السلفية، فالسؤال: هو أن هناك رجلًا يَظْهَر عليه اتباعُ السلف، وعقيدتُه سليمةٌ، وعنده من الحسنات الكثير، لكنه خالف السلف في منهج معاملة الحاكم، فهل يُخَرَّجُ من السلفية ويُبَدَّعُ؟

الجواب:

«لا شك أن منهج السلف هو الصبر على أذى الحكام، والدعاء لهم، وإقامة الجُمعِ والأعياد معهم، كما قال شيخ الإسلام في «العقيدة الواسطية»: من طريقة أهل السنة والجماعة: إقامةُ الجُمَعِ والأعياد والحج والجهاد مع الأمراء: أبرارًا كانوا أو فجارًا.

وكما كان الإمام أحمد وغيره من الأئمة يعاملون الأمراء بما يقتضيه الحال: من الدعاء لهم، وسؤال الهداية لهم، وعدم إفشاء معايبهم أمام الناس، فالسكوت على الخطأ غَلَطٌ، ونَشْرُ الخطأ غَلَطٌ، والصواب بين هذا وهذا، كما هو في جميع الأشياء، هو الوسط، والوسط خير: [ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ] {الفرقان:67}.

أما مسألة كونه يَخْرُجُ عن السلفية أو لا يَخْرُجُ؛ فهذا شيء آخر، إنما الكلام على أن مذهب السلف هو الصبر على الأمراء والدعاء لهم، وعدم إثارة الناس عليهم، وتسكين الأمور، بل قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «اسْمَع وأَطِعْ وإنْ ضَرَبَ ظَهْرَكَ وأَخَذَ مَالَكَ» ففي هذه المسألة التي وقع السؤال عنها: خَرَجَ هذا الرجل عن مذهب السلف في معاملة الحكام، لكن قد يكون على مذهب السلف من وجه آخر.

وهذه المسألة من أخطر ما يكون على العامة، وعلى ولاة الأمور، وعلى الجميع؛ لأن الناس إذا شَحَنْتَ قلوبهم بِبُغْض ولاة الأمر؛ فسدوا، وصاروا يتمردون على أمره، ويخالفونه، ويرون الحسنة منه سيئة، ويَنْشُرُون السيئات، ويُخْفُون الحسنات، وإذا زِيدَ على ذلك التقليلُ من شأن العلماء؛ فسد الدين أيضًا، فَتَمَرُّدُ الناس على الأمراء؛ اختلال للأمن، وتَمَرُّدُ الناس على العلماء؛ فساد للشريعة؛ لأن الناس إذا لم يثقوا بعلمائهم بشريعة الله؛ فَبِمَنْ إذًا يَثِقُون؟ بالجهال؟! أو كل واحد من الناس يَرْكَب رَأْسَهُ، ويُفْتِي نَفْسَه بنفسه، وهذا لا يستقيم.

وهناك المزيد والكثير غير هذا.. ولكن هذا يكفي لمن كان له قلب أو أَلْقَى السمع وهو شهيد». اهـ([102])

18 – وقال : «والآن تجد بعض الإخوان مع الأسف يرد على إخوانه أكثر ‌مما ‌يرد ‌على ‌الملحدين، الذين كُفرهم صريح، يعاديهم أكثر مما يعادي هؤلاء، ويُشَهِّر بهم في كلام لا أصل له، ولا حقيقة له، لكنْ حسَدٌ وبغْيٌ، ولا شك أن الحسد من أخلاق اليهود، أَخْبَثِ عباد الله». اهـ([103])

قلتُ: وسؤالي للعقلاء ممن اغتروا بالشيخ ربيع على مَنْ ينطبق هذا الوصف؟ أليس الشيخ ربيع -سلَّمَهُ اللهُ- وحزبه هم المشغولون بذلك؟ وكم أشعلوا صفحات «الانترنت» بالكلام في الدعاة وطلاب العلم؟ أين ردودهم على الملاحدة والعلمانيين واليهود والنصارى، ودعاة الرذيلة والمثلية، وأين كشفهم لحقيقة ومقاصد الإعلام الفاجر فيما يبثه صباحا ومساءً، وأين ردودهم على المنظمات التي ترغب الشباب فيما يتناقض مع الرجولة والألفة والكرامة، بل أين ردودهم وكتبهم التي صنفوها في الرد على القبوريين والروافض والعلمانيين منذ زجُّوا بأنفسهم وأتباعهم في هذه الفتنة… إلخ؟ فهل ظاهر من صنيعهم أنهم يريدون الاشتغال بذلك دون الاشتغال بالعلماء وطلاب العلم؟ أم أنهم كلما كان المرء أكثر نفعا وقوة في ردوده على الملاحدة والعلمانيين ودعاة الرذيلة والفاحشة؛ كان الاشتغال منهم بكشف عيوبه -بل افتراء الأخطاء عليه- آكد وأوْلى وأقرب إلى الله تعالى؛ زاعمين أن الفتنة به أشد؛ لكونه مشهورا في الرد على الملاحدة والعلمانيين، وهذا سيؤدي إلى اغترار الناس به!! هكذا تُسوِّل إليهم شياطين الإنس والجن، وبناءً على هذا الزعم الفاسد فيهم فالاشتغال ببيان خطأ من أخطأ من أئمة السلف يلزمهم أن يكون أولى من الرد على الرافضة والجهمية والقدرية… إلخ، وفي هذا قلْب للحقائق في عقول الناس وقلوبهم!!

19 – وقال :

«ولا شك أن الـتِـئـام الأمة، واجتماع كلمتها يوجب التآلف في القلوب، والاتحاد في الهدف، ويوجب – أيضًا – الهيبة في قلوب الأعداء، وإذا تخلخل التآلف بين الأمة؛ اختلَّت الأمة، ونُزِعت هيبتها من الأمم، ولم تساوِ فلْسًا.

ولهذا؛ فإن أولئك القوم الذين يذهبون يَركضون يمينًا وشمالًا في القيل والقال، وإضاعة الأوقات، ونرى أنهم على خطأ فاحش، وعلى خطر عظيم، وأن الواجب على الإنسان أن يكف لسانه، وأن يَقْبَل الحق من أي شخص كان، وأن يَرُدَّ الباطل من أي شخص كان، وأن لا يفرق الأمة بالتحزب إلى فلان وإلى فلان.

فالواجب لَـمُّ الشَّعَث، ورَأْبُ الصَّدع ما أمكن، سواء كان بين الدعاة، أو بين العلماء، أو بين الشعب والأمراء وولاة الأمور، المهم أنه يجب على الإنسان أن يسعى في الائتلاف بقدر ما أمكن، وأن ينصح من يرى همَّهم الركض يمينا وشمالا، وما تقول في فلان؟، وما تقول في أشرطة فلان؟، وما تقول في رسائل فلان؟، وما أشبه ذلك من الأشياء التي لا تنفع؛ بل هي تضر؛ تفرِّق الأمة، وتشتت الشمل، وتولِّد الضغائن في القلوب، ويحصل منها شر كثير.

قلتُ: فهل من عقول تَعِي وتفهم كلام الناصحين الصادقين، ولا يغتروا بالشبهات، التي أشرتُ إلى بعضها في مقدمة كتابي «تبصير الأنام بتصحيح الأفهام»؟

دع نفسك وهواها، وكن مسالمًا للناس، تسعى في السلامة منهم، وتسعى في سلامتهم منك، لا تعتدِ، ولا تُجرِّئ الناس على نفسك؛ بل كن مُسَالِمًا حتى تبقى هيبة الأمة الإسلامية ولا تتفرق.

ونحن وغيرنا ممن نراهم مخلصين يسوؤهم أن يروا هذا التفرَّق بين الشباب وبين الدعاة، وبين العلماء، وبين الناس وأمرائهم، يسوؤنا هذا جدًا، ويجب علينا في ذلك النصيحة.

ونحن لا نقول: إن كل أحدٍ معصوم، وكل أحد لا يخطئ، بل كلُّ بني خطَّاء، وخير الخطائين التوابون؛ أي: الذين يرجعون عن الخطأ.

فننصح الناس، وإذا سمعنا عن شخص قولا؛ فعلينا أن لا نأخذ بمجرد السماع؛ لأن هذا هو: (قيل وقال) الذي نهى عنه الرسول – عليه الصلاة والسلام – وكرهه الله ، ولكن نتبين ونتثبت، فإذا ثبت لدينا الأمر، وصار القول خطأً؛ فالواجب أن نناصح القائل بإخلاص؛ لأننا إذا ناصحناه، وبينَّا له الحق، ورجع؛ لأَزال هو بنفسه هذا الخطأ؛ فنجتنب شر التفرق والتشتت.

لكن لو أنا رددنا عليه بالتشهير به والسب، فربما تأخذه العزة بالإثم؛ فلا يرجع، ويفتح له الشيطان باب التأويل، وباب المعاندة.

فإننا لو تتعبنا عورات الناس – نسأل الله العافية – ونظرنا متى يخطئ، ثم نفرح بالخطأ دون أن نفرح بالصواب، فهذا والله، خلاف الإيمان، وخلاف ما أرشد إليه الرسول -صلى الله عليه وسلم- حين ذكر الفتن؛ وقال أنها: «كقطع الليل المظلم»، وقال أنها: «فتن يُرقّقُ بعضها بعضًا، وتجيء الفتنة، فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن هذه هذه»، يعني: هذه هي البلاء، هذه الفتنة، ثم قال -عليه الصلاة والسلام-: «من أحَبَّ أن يُزحزَح عن النار ويدخل الجنة؛ فلْتَأْته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأتِ إلى الناس الذي يحب أن يُؤتَى إليه، وليس أحدٌ من الناس يحب أن ينتقده الناس؟ كما أنه ليس أحد من الناس يحب أن تتسلط الألسن عليه.

إِذَنْ: لماذا تُشهِّر بأخيك، وتسلِّط لسانك عليه؟ هذا مما يوجب أن لا يُزحزَح الإنسان عن النار، وأن لا يدخل الجنة نسأل الله العافية، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر».

والسباب والغيبة تختلف باختلاف من وُجِّهت إليه؛ فلو سَبَبْتَ واحدا من السَّوَقة في الشارع من عامة الناس؛ فإن هذا يؤثر فيما بينك وبينه، لكنه لا يؤثر على سبيل العامة، لكن لو سَبَبْتَ عالمًا، أو اغتبت عالمًا؛ فهذا يؤثر على شخصية العالم، وعلى علمه الذي يكون مقبولًا عند الناس، فيصير محل شك وتردد؛ وحينئذ تَحْمِل الناس على أن يشكُّوا في الشريعة التي تخرج من هذا العالم، فتكون بتعدِّيك على العالم جَنَيْتَ على الشريعة.

ولهذا أرى أنه يجب أن ندع ما نسمعه بين بعض الإخوان من المناقشات ومن السب؛ حتى نكون يدًا واحدة، ولا يجوز أبدا في حال من الأحوال أن يَحملنا ما قد يكون في قلوب بعض الناس من الحسد على الجناية؛ ولهذا جاء في الحديث: «إذا حسدت فلا تَبْغِ»، يعني: لا تعتدِ على المحسود.

واعلم أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، وقد أشار الله إلى: أنه إذا وقع في قلب الإنسان مثل هذا؛ فليسأل الله من فضله، وليُعرض عن هذا؛ [ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ] {النساء:32}، هذا هو السير الصحيح، والمنهاج السليم». اهـ([104])

20 – س-هل اتباع أحد العلماء لبدعة سلكها يجعله في عداد القوم أصحاب البدعة؟ وماذا عن تكفير البعض للناس إذا ما ارتكبوا بعض المعاصي؟

الجواب:

السؤال الآن من شقين, الشق الأول: إذا تكلم أحد من العلماء في بدعة، وسلك منهج قوم مبتدعة في مسألة من المسائل، فهل يُعَدُّ منهم؟

الجواب: لا.

لا يُعَدُّ منهم، ولا يُنْسَب إليهم إذا وافقهم في مسألة من المسائل, فإنه وافقهم في هذه المسألة، ولا يصح أن ينسب إليهم نسبة مطلقة.

ولذلك نحن الآن نتبع في فقهياتنا ما ذهب إليه الإمام أحمد بن حنبل لكن هل إذا أخذنا بما يراه الشافعي، فهل معناه: أننا نكون شافعية, أو يراه مالك: فإننا نكون مالكية, أو يراه أبو حنيفة: فإننا نكون حنفية؟!

وكذلك هم أيضًا، إذا أخذوا بمسألة يقول بها الإمام أحمد، هل يكونوا حنابلة؟ لا.

فإذا رأينا شخصًا من العلماء المعتبرين المعروفين بالنصيحة، أخذوا شيئًا مما ذهب إليه أهل البدع؛ لا يكونوا منهم، ولاهم على مذهبهم.

نقول: هؤلاء بما نرى لهم من النصيحة بكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وعباد الله إذا أخطئوا في هذه المسألة؛ فإن ذلك الخطأ صادر عن اجتهاد, ومن اجتهد من هذه الأمة، فأصاب؛ فله أجران , ومن أخطأ؛ فله أجر واحد.

ومَنْ رَدَّ جميع الحق بكلمة أخطأ فيها من طالب الحق؛ فإنه ظالم، خصوصا إذا كان هذا الخطأ الذي ظنه خطأً ليس بخطأ؛ لأن بعض الناس إذا خالفه أحد؛ قال هو على خطأ، وخَطَّأَه، أو غَلَّطَه، أو ربما كَفَّره، والعياذ بالله!

وهذا مذهب سيئ للغاية، هذا أيضًا الذي يُكَفِّر الناس لأي سبب، أو لأي معصية، إذا صَدَقَ هذا التعبير، لأي معصية؛ صار مذهبه الخوارج؛ لأن مذهب الخوارج يكَفِّرون فاعل الكبيرة… فإذا وُجِدَ الآن من يكفر المسلمين بمعصية؛ فإنه ضال مخالف للكتاب والسنة، زائد على مذهب الخوارج الذين قاتلهم علي بن أبي طالب، واختلف المسلمون في تكفيرهم: فمنهم من كَفَّرهم، ومنهم من فَسَّقهم وجعلهم من البغاة الظلمة, أَوَ ليس الله تعالى يقول: [ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ] {النساء:31}.

فالإنسان باجتنابه الكبائر؛ يُكَفِّر الله عنه الصغائر، مالم يُصِرَّ عليها, فإذا أَصَرَّ فقد قال العلماء إن الإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة

فهذا القول لاشك أنه بلاء، ثم ليعلم هذا القائل بتكفير المسلمين بالمعاصي,

ليعلم أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: (من دعا أخاه بكفر وهو ليس كذلك فإنها ترجع إليه) يكون هو الكافر, وهذا قاله الرسول
-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وإذا لم يكن كافرا في الدنيا؛ كان كافرا عند الله؛ لأن الرسول قال لابد أن يكون أحدهم هو الكافر». اهـ([105])

قلتُ: ففيما سبق كفاية في بيان انحراف حزب الغلاة المسرفين، ومن أراد أن يعرف المزيد من منهج الشيخ ابن عثيمين في كيفية التعامل مع المخالفين؛ فليقرأ هذا الكتاب: (منهج الشيخ ابن عثيمين في الرد على المخالفين في مسائل الاعتقاد) إعداد الدكتور علي عبد الرحمن القرعاوي.

وهذا هو الرابط:

http://ar.islamway.net/…/%D9%85%D9%86%D9%87%D8%AC-%D8%A7%D9…

ومما جاء فيه في بيان منهج فضيلة الشيخ في التعامل مع المخالف:

موقف الشيخ من المخالف يتضمن:

أولًا: التَّثَبُّتُ والتحقُّقُ من ثبوت القول لصاحبه، ومدى مخالفة ذلك للحق، مع حِرْص الشيخ على عدم تجريح الناس، وهو يَجِدُ للقول مَحْمَلا صحيحا.

ثانيًا: بَذْلُ قُصَارى الجُهْد، واسْتِقْصَاءُ أساليب إحقاق الحق؛ فإنَّ جَمْعَ الأدلة في موطن واحد في قضية واحدة يكون سببًا للتأثير في أكثر من شخص؛ لأن القلوب أوعية، فمنها ما يتأثر بدليل دون دليل.

وإليك هذه المعالم الواضحة في منهج الشيخ في التعامل مع المخالف:

١ـ عَدْلُهُ وإنصافُهُ مع المخالف، وذلك بذكر المحاسن التي عنده مع بيان الخطأ الذي وَقَع فيه، ما لم يكن لذكر المحاسن دعاية للمخالف، أو يكن المقـام مقام موازنة، فليس كلُّ رَدٍّ يتطلب الموازنة، فقد قال :

«الحافظ النووي: ‌من ‌أصحاب ‌الشافعي ‌المعتبرة أقواله، ومن أشدّ الشّافعية حرصًا على التأليف، فقد ألّف في فنونٍ شتّى: في الحديث وعلومه، وألّف في علم اللغة كتاب «تهذيب الأسماء واللغات»، وهو في الحقيقة من أعلم الناس، والظاهر – والله أعلم – أنه من أَخْلَصِ الناس في التأليف؛ لأن تأليفاته انتشرت في العالم الإسلامي، فلا تكاد تجد مسجدًا إلا ويُقْرَأُ فيه كتاب (رياض الصالحين)، وكتبه مشهورة مبثوثة في العالم، مما يدل على صحة نيته؛ فإن قبول الناس للمؤلفات من الأدلة على إخلاص النية.

وهو مجتهدٌ، والمجتهد يخطئ ويصيب، وقد أخطأ في مسائل الأسماء والصفات، فكان يُؤَوِّلُ فيها، لكنه لا ينكرها». اهـ([106])

٢ـ إحسانُهُ الظنَّ بالمخالف -إذا كان مستحِقًّا لذلك- مع إبطال قوله؛ لأن حُسْنَ الظن بالمخالف لا يمنع من الرد عليه، فقد قال في رده على من قَسَّم البدعة إلى عدة أقسام:

«جميع ‌البدع ‌ضلالة ‌ليس ‌فيها هدى، بل هي شر مَحْضٌ، حتى وإن استحسنها من ابتدعها؛ فإنها ليست حُسْنى، بل ولا حسنةً؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «كُلَّ بِدعَةٍ ضَلالَة» ولم يَسْتَثْنِ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- شيئًا.

وبناءً على هذا: يتبين خطأ من قَسَّمَ البدع إلى خمسة أقسام أو إلى ثلاثة أقسام، وأنه ليس على صواب؛ لأننا نعلم علم اليقين: أن أَعْلَمَ الناس بشريعة الله: رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأن أَنْصَحَ الخلق لعباد الله: رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، وأن أَفْصَحَ الخَلْق نُطْقًا: محمد -صلى الله عليه وسلم-، وأن أَصْدَقَ الخَلْق خَبَرًا: رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أربعة أوصاف كلها مجتمعة على الأكمل في قول النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم يأتي مَنْ بعده ويقول: البدعة ليست ضلالة، بل هي أقسام: حسنة، ومباحة، ومكروهة، ومحرمة، وواجبة.

سبحان الله العظيم، يعني لولا إحسانُ الظن بهؤلاء العلماء؛ لكانت المسألةُ كبيرةً: أن يُقَسِّمُوا ما حَكَمَ النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنه ضلالة إلى أقسام: حَسَنٍ وقبيحٍ.

إذًا نقول: من ابتدع بدعة، وقال: إنها حسنة؛ فإما أن لا تكون بدعة، وإما أن لا تكون حسنة قطعًا». اهـ([107])

٣ـ وحيث إن هناك من يرى تلازمًا بين القول وقائله، والفعل وفاعله مما يُرتِّبُ جَوْرًا في الحكم؛ فللشيخ منهج شرعي في ذلك، حيث لا يُلزم القائل والفاعل لازم القول والفعل، فقد يكون القول أو الفعل كفرًا، والقائل أو الفاعل ليس بكافر؛ لعدم تحرر مسألة الموانع والشروط، ولهذا فإن الشيخ يُوَجِّهُ الحُكْمَ على القول والفعل؛ لأنه أبقى من القائل والفاعل، ولأن القائل أو الفاعل لو فُتِحَ معه بابُ المناظرة والحوار قد يَبْدُو منه تراجُعٌ يعفيه من الملامة، أو يبقى على قوله فتقوم عليه الحجة؛ فيأخذ الحكم حين ذاك.

⏪ قال بعد أن ذكر كلامًا لشيخ الإسلام : «وبهذا ‌عُلِمَ ‌الفرق ‌بين القول والقائل، وبين الفعل والفاعل، فليس كل قول أو فعل يكون فسقًا أو كفرًا يُحْكَم على قائله أو فاعله بذلك». اهـ([108])

وقال : «وبهذا عُلِمَ أن المقالة أو الفَعْلة قد تكون كفرًا أو فسقا، ولا يلزم من ذلك أن يكون القائم بها كافرًا أو فاسقا؛ إما لانتفاء شَرْط التكفير أو التفسيق، أو وجود مانع شرعي يَمْنَعُ منه.

ومن تبين له الحقُّ، فأَصَرَّ على مخالفته تبعا لاعتقادٍ كان يعتقده، أو متبوعٍ كان يُعَظِّمُه، أو دُنْيا كان يُؤْثِرُها؛ فإنه يستحق ما تقتضيه تلك المخالفة من كُفْر أو فسوق». اهـ([109])

⏪ وقال : «فإنه يجب التفريق بين ‌حكم ‌القول ‌وقائله، والفعل وفاعله، فالقول الخطأ إذا كان صادرًا عن اجتهاد وحُسْنِ قَصْدٍ؛ لا يُذَمُّ عليه قائله، بل يكون له أجر على اجتهاده؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إذا حكم الحاكم فاجتهد، ثم أصاب؛ فله أجران، وإذا حكم فاجتهد، ثم أخطأ؛ فله أجر». متفق عليه، وأما وَصْفُه بالضلال: فإنْ أُرِيدَ بالضلال الضلالُ المطلقُ الذي يُذَمَّ به الموصوف، ويُمْقَتُ عليه؛ فهذا لا يَتَوَجَّه في مثل هذا المجتهد الذي عُلِمَ منه حُسْنُ النية، وكان له قَدَمُ صِدْقٍ في الدين واتباع السنة، وإن أُرِيد بالضلال: مخالفةُ قولِهِ للصواب من غير إشعار بذم القائل؛ فلا بأس بذلك؛ لأن مثل هذا ليس ضلالًا مطلقًا؛ لأنه من حيث الوسيلة صواب، حيث بَذَلَ جُهْدَه في الوصول إلى الحق، لكنه باعتبار النتيجة ضلال، حيث كان خلاف الحق.

وبهذا التفصيل يزول الإشكال والتهويل، والله المستعان». اهـ([110])

٤ـ ومن منهجه في التعامل مع المخالف: عدم رَبْط القضايا بالأشخاص مَدْحًا أو قَدْحًا؛ ليتجاوز ذلك عن المعيار الثابت، وهو الحق الذي تُوزن به القضايا والأشخاص، وهو ثابت لا يتغير، أما الإنسان فيتحول ويتراجع ويتنقل من مذهب لمذهب.

⏪ قال : «الحق لا يُوزَنُ بالرجال، وإنما يُوزَن الرجالُ بالحق. هذا هو الميزان الصحيح، وإن كان ‌لمقام ‌الرجال ‌ومراتبهم أثر في قبول أقوالهم، كما نقبل خبر العدل، ونتوقف في خبر الفاسق، لكن ليس هذا هو الميزان في كل حال؛ فإن الإنسان بَشَرٌ، يفوته من كمال العلم وقوة الفهم ما يفوته، فقد يكون الرجل دَيِّنًا وذا خُلُق، ولكن يكون ناقِصَ العلم أو ضعيفَ الفهم، فيفوته من الصواب بقدر ما حصل له من النقص والضعف، أو يكون قد نشأ على طريق معين، أو مذهب معين، لا يكاد يعرف غيره؛ فيظن أن الصواب منحصر فيه، ونحو ذلك». اهـ([111])

٥ـ ومن منهج الشيخ في التعامل مع المخالف: أنه يلتمس العذر للمخالف: بإرجاع ذلك إلى جهل، أو سوء فهم، أو قصور في الإدراك ترتب عليه الخطأ، وهذا محل تفريق عند الشيخ في الحكم على المخالف؛ فإن الجاهل غير العالم، والمتعصب غير المقلد، والداعي غير الساكت، فهذه أوصاف لها أثر في تَغَيُّر الأحكام، وبناء على هذا؛ فَيَتَّجِهُ دَوْرُهُ في البيان والإيضاح لمحل الإشكال دون التعرض إلى أشخاص.

⏪ قال : «فالمبتدعون ‌قد ‌يقال: ‌إنهم ‌يثابون على حُسْن نيتهم، إذا كانوا لا يَعْلَمُون الحق، ولكننا نخطئهم فيما ذهبوا إليه، أما أئمتهم الذين علموا الحق، ولكن ردوه؛ لِيُبْقُوا جاهَهُم؛ ففيهم شَبَهٌ بأبي جهل، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن المغيرة، وغيرهم الذين قابلوا رسالة النبي -صلى الله عليه وسلم- بالرد إبقاءً على رئاستهم وجاههم.

أما بالنسبة لأتباع هؤلاء الأئمة، فينقسمون إلى قسمين:

القسم الأول: الذين جَهِلُوا الحق، فلم يَعْلَمُوا عنه شيئًا، ولم يَحْصُل منهم تَقْصِير في طَلَبِهِ، حيث ظَنُّوا أن ما هم عليه هو الحق؛ فهؤلاء معذورون.

القسم الثاني: مَنْ عَلِمُوا الحق، ولكنهم رَدُّوه تَعَصُّبًا لأئمتهم؛ فهؤلاء لا يُعْذَرون، وهم كمن قال الله فيهم: [ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ] {الزخرف:22}». اهـ([112])

قلتُ: فهل هذا المنهج النافع المثمر هو منهج الشيخ ربيع ومقلديه؟! فمن قال: نعم؛ فالجواب عليه: «إذا لم تسْتحْي؛ فاصنع ما شئت»!!

٦ـ ومن منهجه في التعامل مع المخالف: تفريقه في الحكم عليه بين سلامة المنهج في الأصل مع وقوع الخطأ في مفردات تَكْثُر أو تقلّ، وبين فساد المنهج من أصْله، وكذلك حين يكون لِذِكْرِ اسم المخالف معنى تتحقق به المصلحة؛ فهو لا يجامل الأشخاصَ على حساب الحقِّ، فقد سئل عن رجل وقع في بدع متنوعة في كتبه وأقواله، فهل يشترط لتسمية هذا الرجل أو غيره من الناس ‌مبتدعًا ‌أن ‌تقام عليه الحجة؟

الجواب:

«واللهِ، -بارك الله فيك- إن كان هذا الرجل موجودًا، والناس يأخذون منه؛ وهو داعية؛ فلا بد من ذِكْرِ اسمه، وإلا فلا حاجة إلى ذلك، وإنما اذْكُرِ القولَ الذي ضَلَّ فيه، وبَيِّنْ أنه ضلال، وكما قلتُ قبل قليل: إن التعميم أحسن من التعيين، أما إذا كان موجودًا كما أسلفتَ، وترى الناس يرتادونه، ويأخذون من بِدَعِهِ؛ فهنا قد نقول: إن تعيينه متعين». اهـ([113])

٧ـ وللشيخ منهج فريد في التعامل مع المخالف: فقد تفطن لأمر مُهِمٍّ، وهو التفريق بين التقويم أو الترجمة وبين الرد؛ فإن التقويم يستدعي الموازنة بين ذكر عدد من المحاسن والمساوئ، أما الرد فينبغي أن يتمحض لذات القضية؛ لأنه أبلغ في تجليتها؛ لئلا يُفْقَدَ الهدف من الردّ والتحذير!!

فقد قال رادًّا على من طلب منه إبداء ما يعلمه عن الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق حيث إن البعض من الناس بدأ يتكلـم عليه:

«الجواب:

ليس من شأننا في هذا اللقاء أن نتحدث عن شخص بعينه؛ لكننا نقول: أولًا: كل إنسان له قَدَمُ صِدْقٍ في الأمة الإسلامية، من أول الأمة إلى آخرها، لا شك أنه ‌يُحْمَد ‌على ‌ما ‌قام به من الخير.

وثانيًا: كل إنسان مهما بَلَغَ من العلم والتقوى؛ فإنه لا يخلو من زلل، سواءً كان سببه الجهل أو الغفلة، أو غير ذلك؛ لكن المنصف كما قال ابن رجب في خطبة كتابه: «القواعد»: (المُنْصِفُ من اغتفر قليلَ خطأِ المرء في كثير صوابه) ولا أحد يأخذ الزلاتِ، ويَغْفُل عن الحسنات؛ إلا كان شبيهًا بالنساء.

فإن المرأة إذا أَحْسَنْتَ إليها الدهر كُلَّه، ثم رَأَتْ منك سيئة؛ قالت: لَمْ أرَ خيرًا قط، ولا أحد من الرجال يحب أن يكون بهذه المثابة -أي: بمثابة الأنثى- يأخذ الزلة الواحدة، ويَغْفُل عن الحسنات الكثيرة!!

وهذه القاعدة، أي: أننا لا نتكلم عن الأشخاص بأعيانهم، لا في مجالسنا في مقام التدريس، ولا في اللقاءات، ولا فيما يورَد إلينا من الأسئلة، أقول: هذه القاعدة نحن ماشون عليها، ونرجو الله -سبحانه وتعالى- أن يُثَبِّتَنَا عليها؛ لأن الكلام عن الشخص بعينه قد يثير تحزبات وتعصبات، والواجب أن نُعَلِّق الأمور بالأوصاف لا بالأشخاص، فنقول: من عمل كذا؛ فيستحق كذا، ومن عمل كذا؛ فيستحق كذا، سواءً كان خيرًا أو شرًا، ولكن عندما نريد أن نقوِّم -أي نترجم- الشخص: يجب أن نَذْكُر المحاسن والمساوئ؛ لأن هذا هو الميزان العدل، وعندما نُحَذِّر من خطأ شخصٍ؛ نَذْكُر الخطأ فقط؛ لأن المقام مقام تحذير، ومقام التحذير ليس من الحكمة أن نذكر المحاسن؛ لأنك إذا ذكرتَ المحاسنَ فإن السامع سيبقى مُتَذَبْذِبًًا؛ فلكل مقامٍ مقالٌ.

فمن أراد أن يتكلم عن شخص على وجه التقويم؛ فالواجب عليه أن يَذْكُر محاسِنَهُ ومساوِئَهُ، هذا إذا اقتضت المصلحة ذلك، وإلا فالكَفُّ عن مساوئ المسلمين هو الخير.

وأما من أراد أن يُحذِّر مِنْ خَطَأٍ؛ فهذا يَذْكُر الخطأ، وإذا أمكن أن لا يذكر قائله؛ فهو خير أيضًا؛ لأن المقصود هو هداية الخلق». اهـ([114])

قلتُ: فهذا سؤال عن شخص بعينه؛ فانظر كيف جواب فضيلته، لتعلم الفارق الجلي بين ما عليه الكبار وما عليه الشيخ ربيع -سلَّمَهُ اللهُ- فلا داعي لتزوير الحقائق!! وإلا فما هو موقف الشيخ ربيع -وفقه الله- من الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق ؟ وهل موقفه هذا موافق لموقف الشيخ ابن باز وفضيلة الشيخ ابن عثيمين منه؟ وإلا: فإذا لم تسْتحْي؛ فاصنع ما شئت.

8 ـ أن ما عُرِفَ عن الشيخ من لُطْفٍ في العبارة، وتسامُحٍ في المعاملة؛ فإنه لا يمنعه ذلك من قول الحق والصدع به، كما أنه لا تلازم بين قول الحق والغلظة والجفاء.

قلتُ: فهل هذه المعالم في منهج صاحب الفضيلة وغيره من العلماء -رحمهم الله- تَتَّفِقُ -كما يُقال زورًا وبُهْتانًا- مع منهج الشيخ ربيع ومن هم على شاكلته، أم تُخالف -في موضع النزاع- ما هم عليه رأْسًا على عَقِب؟!

وهذا هو المراد إيضاحه: أن منهج الشيخ ربيع -وفقه الله- وحزبه من الغلاة في مسائل الجرح والتعديل، والحكم على كثير من الأفراد والجماعات والجمعيات، وكيفية التعامل مع المخالف يُخالف ما عليه كبار أهل العلم في هذا العصر، أما مخالفته للأدلة ولما عليه أئمة السلف والخلف؛ فقد وَضَّحْتُه بجلاء في عدَّة مواضع مما سبق تصنيفه، وما بقي إلا أنهم يَلْزِقون أنفسهم -تشَبُّعًا وادِّعاءً وزورًا وبُهتانًا- بكبار العلماء المعاصرين، ويوهمون مُقَلِّديهم بأنهم يسيرون على منهج العلماء الكبار في هذا العصر، وأن العلماء يُقَوُّونهم على أحكامهم -أي بالتبديع والهَجْر- على مَنْ تكلَّموا فيهم: فردًا كان أو جماعة؛ وما نحن في صدده من بيان أقوال العلماء المعاصرين يَجْتَثُّ -بفضل الله جل شأنه- ادعاءات هذه الفرقة من جذورها؛ فالعلماء وضعوا قواعد تخالف قواعده -في موضع النزاع- بل صرَّحُوا ببطلان كثير من قواعده، وأَثْنَوْا على دعاة وأصحاب جمعيات معاصرين بأسمائهم وأعيانهم قد شاع وذاع تبديع وتضليل الشيخ ربيع -وفقه الله- لهم، بل أقام الولاء والبراء على قوله فيهم، فمن وافقه؛ فهو أسدُ السنة، والبحر الذي لا ساحل له، ومن خالفه؛ فهو أخبث من اليهود والنصارى!!!

وهذا حِزْبٌ متناقض: فإما أن يسيروا على قواعدهم، ويُبَدِّعُوا العلماء الذين خالفوهم في الحُكْم على عدد من الأفراد والجماعات أيضًا -كما يُبَدِّعون غيرهم-، وإما أن يعودوا إلى رشدهم، ويَتَخَلَّوْا عن طيْشِهم وظلمهم وإطلاقاتهم في أعراض عباد الله، أما أن يَسْكُتُوا -خوفًا وجُبْنًا من ردَّة الفعل العنيفة ضدَّهم إذا تَكَلَّموا في هؤلاء العلماء- ويستمروا على باطلهم؛ فهذا لا يتفق مع من آتاه الله بصيرة وفهمًا وعقلًا، وهذا أيضًا من خذلان الله لهم؛ حتى لا يبادروا بالتوبة إلى الله، والبراءة من كل ما أفسدوه؛ كي لا يُقْبلوا على الله وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم، بل يحملون معها أوزار الذين يضلونهم بغير علم ولا هدي ولا كتاب منير، فواأسفاه على الخسارة في الدارين، والله المستعان.

j j j