ضابط الافتراق عن أهل السنة، والالتحاق بأهل البدعة
قد بيّن شيخ الإسلام ابن تيمية – ؒ – في غير موطن من كتبه، ضابط المفارقة لأهل السنة والجماعة، سواء في المسائل أو الدلائل، ومتى يُحْكَم على الفرقة أو الطائفة بأنها خارج أهل السنة، فقال: «وشعارُ هذه الفِرَقِ مفارقَةُ الكتاب والسنة والإجماع، فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع؛ كان من أهل السنة والإجماع». اهـ([42])
فهذا ضابط المفارقة في الدلائل، فمن كان المرءُ يتلقَّى دينَهُ والحلالَ والحرامَ من العقل والقياس المنطقي العقلي – مثل المعتزلة ونحوهم من المتكلمة -، أو يتلقى دينه والتحليل والتحريم من الذَّوْق والوَجْد – كحال غلاة المتصوفة -؛ فليس هذا سبيل أهل السنة.
وأما ضابط المفارقة في المسائل؛ فقد حَرَّرَهُ الشاطبيُّ -ؒ- بقوله: «هذه الفِرَقُ إنما تصير فِرَقًا بخلافها للفرقة الناجية في معنى كُلِّيٍّ في الدين، وقاعدة من قواعد الشريعة، لا في جُزْئِيٍّ من الجزئيات؛ إذِ الجزئيُّ والفرعُ الشاذُّ لا يَنْشَأُ عنه مخالفةٌ يقع بسببها التفرّقُ شِيَعًا.. ويَجْرِي مَجْرَى القاعدة الكلية: كَثْرةُ الجزئيات؛ فإن المبتدع إذا كثّر من إنشاء الفروع المخترعة؛ عاد ذلك على كثير من الشريعة بالمعارضة». اهـ([43])
قلت: يُخْطِئ كثير من الناس في الحال الذي تُلْحَقُ فيه كثرةُ الجزئيات بالقاعدة الكلية؛ فضابط الكثرة والقلة غير منضبط في الجملة، وهذه مسألة خطيرة، يُلْحَق بها السُّنِّيُّ إلى فِرَق البدع والضلالات الكبرى، وحاشا هذه الشريعة المطهرة أن تترك هذا الأمر الخطير ليجتهد فيه كل من دبَّ ودَرَج، كلٌّ بحسب طبيعته: فهذا متهوِّر مُسْرف، وذلك هيَّابٌ جبان، وكل من الصنفين يتأول لنفسه أدلة:
فالفريق الأول: يرى أن موقفه الصارخ في التهور هو عيْن مراد الشريعة في حَسْم مادة الشَرِّ، وسدِّ الباب أمام أهل الزيغ والتلوّن، وإن أُلْحِق بهم من ليس منهم، بل بينه وبينهم مفاوز، تَنْقَطِعُ فيها أعناقُ الإبل.
والفريق الثاني: يرى أن ما هو عليه من التساهل والتمييع هو مراد الشريعة في الأخْذ بالأحوط، والبناء على اليقين أو الحال الأول، وبناءً على هذا؛ فالأَوْلَى: تقييدُ هذا الأمر، وجَعْلُ ضباط الخروج من أهل السنة: هو مخالفتهم في أصل أَجْمَعوا عليه، ولم يردْ عنهم فيه قول آخر، وأنه أصبح من المعلوم بالضرورة من أصول أهل السنة وعقائدهم، هذا من حيث العموم والإجمال، أما من حيث تنزيل الحكم العام على المعيَّن؛ فلابد من استيفاء الشروط وانتفاء الموانع على المعين إن كان في الأصل ينتمي إلى أهل السنة، أما إذا كان من البداية يتبرأ منهم ومن منهجهم، كالروافض والخوارج ونحوهم، فيُلْحَق في الدنيا بمن انتمى إليهم، وأَمْرُه في الآخرة إلى الله تعالى.
وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية -ؒ- قريبًا من ذلك، فقال: «والبدعة التي يُعَدّ الرجلُ بها من أهل الأهواء: ما اشْتَهَر عند أهل العلم بالسنة مخالفتُها للكتاب والسنة: كبدعة الخوارج، والروافض، والقدرية، والمرجئة». اهـ([44])
🕮 🕮 🕮
فصلٌ:













