كتب للقراءة

اصول وقواعد منهج التلقي والاستدلال عند اهل السنة والجماعة

اصول وقواعد منهج التلقي والاستدلال عند اهل السنة والجماعة

في بيان بعض مزايا وخصائص العقيدة عند أهل السنة والجماعة

الخَصِيصةُ([45]) الأُولى: سَلامةُ المَصْدَرِ.

عَقيدةُ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ مُعتَمِدةٌ -ولله الحمد- على الكِتابِ والسُّنَّةِ وإجماعِ السَّلَفِ فحَسْبُ، كما أنَّها تتميَّزُ باتِّصالِ سنَدِها بالرَّسولِ -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- والصَّحابةِ والتَّابعين وأئمَّةِ الهدى.

وهذه الخاصيَّةُ لا توجَدُ في مذاهبِ أهلِ الكلام وغلاة الصوفيَّةِ الخرافية، الذين يعتَمِدونَ على العَقلِ والنَّظَرِ، أو على الكَشْفِ والحَدْسِ والإلهامِ والوَجْدِ، أو عن طريقِ أشخاصٍ يَزعُمونَ لهم العِصمةَ، وليسوا بأنبياءَ، أو يدَّعون لهم الإحاطةَ بعِلمِ الغَيبِ: مِن أئمَّةٍ، أو رُؤساءَ، أو شيوخ، أو أولياءَ، أو أقطابٍ، أو أغواثٍ، أو غَيرِهم، أو يزعُمونَ أنَّه يسَعُهم العَمَلُ بأنظِمةِ البشَرِ وقَوانينِهم واستحساناتهم المخالفةِ لشريعةِ اللهِ -سبحانه وتعالى- المُجْمع عليها.

قال شيخ الإسلام ابنُ تَيميَّةَ ؒ: «… بهذا يتبيَّنُ أنَّ أحَقَّ النَّاسِ بأن تكونَ هي الفِرقةَ النَّاجيةَ: أهلُ الحديثِ والسُّنَّةِ، الذين ليس لهم مَتبوعٌ يتَعصَّبونَ له إلَّا رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وهم أعلَمُ النَّاسِ بأقوالِه وأحوالِه، وأعظمُهم تمييزًا بين صَحيحِها وسَقيمِها، وأئمَّتُهم فُقهاءُ فيها، وأهلُ مَعرفةٍ بمعانيها، وأَشَدُّهم اتِّباعًا لها: تصديقًا وعَمَلًا، وحبًّا وموالاةً لِمَن والاها، ومُعاداةً لِمَن عاداها… لا يَنصِبونَ مَقالةً ويَجعَلونَها من أصولِ ديِنهم وجُمَل كلامِهم، إن لم تكُنْ ثابتةً فيما جاء به الرَّسولُ، بل يجعلونَ ما بُعِثَ به الرَّسولُ من الكِتابِ والحِكمةِ هو الأصلَ الذي يَعتَقِدونَه ويَعتَمِدونَه، وما تنازعَ فيه النَّاسُ من مسائِلِ الصِّفاتِ والقَدَرِ والوَعيدِ والأسماءِ، والأمرِ بالمعروفِ، والنَّهيِ عن المنكَرِ، وغيرِ ذلك: يردُّونَه إلى اللهِ ورَسولِه، ويُفَسِّرون الألفاظَ المجمَلةَ التي تنازَعَ فيها أهلُ التفَرُّقِ والاختلافِ؛ فما كان من معانيها مُوافِقًا للكِتابِ والسُّنَّةِ؛ أثبتوه، وما كان منها مخالِفًا للكِتابِ والسُّنَّةِ؛ أبطَلوه؛ ولا يتَّبِعونَ الظَّنَّ وما تهوى الأنفُسُ؛ فإنَّ اتِّباعَ الظَّنِّ: جَهلٌ، واتِّباعَ هوى النَّفسِ بغيرِ هدًى مِنَ اللهِ: ظُلْمٌ». اهـ([46])

وقال الإمام ابنُ القَيِّم –ؒ– في مَعْرِض كلامه عن مكايد الشيطان بأهل الكلام، قال: «فصل: ومِن كَيدِه بهم وتحيُّلِه على إخراجِهم من العِلمِ والدِّينِ: أن أَلْقَى على ألسِنَتِهم أنَّ كلامَ اللهِ ورَسولِه ظواهِرُ لفظيَّةٌ لا تفيدُ اليقينَ، وأَوْحَى إليهم أنَّ القواطعَ العقليَّةَ والبَراهينَ اليقينيَّةَ في المناهِجِ الفَلسفيَّةِ والطُّرُقِ الكلاميَّةِ! فحالَ بينهم وبيْن اقتباسِ الهُدى واليقينِ مِن مِشْكاةِ القُرآنِ، وأحالهم على مَنطِقِ اليونانِ، وعلى ما عِندَهم من الدَّعاوَى الكاذِبةِ العَرِيَّة عن البُرهانِ، وقال لهم: تلك علومٌ قديمةٌ، صَقَلَتها العُقولُ والأذهانُ، ومَرَّتْ عليها القُرونُ والأزمانُ! فانظُرْ كيف تلطَّف بكَيدِه ومَكْرِه حتى أخرَجَهم من الإيمانِ والدِّينِ، كإخراجِ الشَّعرةِ مِنَ العَجِين؟!

ومِن كَيدِه: ما ألقاه إلى جُهَّالِ المتصوِّفةِ مِنَ الشَّطحِ والطَّامَّاتِ، وأبرزه لهم في قالَبِ الكَشفِ من الخيالاتِ؛ فأوقَعَهم في أنواعِ الأباطيلِ والتُّرَّهاتِ، وفَتَح لهم أبوابَ الدَّعاوى الهائِلاتِ، وأوحى إليهم أنَّ وراءَ العِلمِ طَريقًا إنْ سلكوه أفضى بهم إلى كَشْفِ العِيانِ، وأغناهم عن التقيُّدِ بالسُّنَّةِ والقُرآنِ». اهـ([47])

الخَصِيصةُ الثانية: قِيامُ عقيدة أهل السنة على التَّسليمِ للهِ -تعالى وتقدَّس- ولِرَسولِه -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-.

عَقيدةُ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ قائِمةٌ على التَّسليمِ لله تعالى، ولِرَسولِه
-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- لأنَّها غيبٌ، والتَّسليمُ بالغَيبِ مِن صِفاتِ المؤمِنينَ التي مدَحَهم اللهُ بها، كما قالَ سبحانه: ﴿ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ] {البقرة:2- 3}.

والغَيبُ أمرٌ لا تُدرِكُه العقولُ ولا تُحيُط به، ومن هنا: فأهلُ السُّنَّةِ يَقِفون في أمرِ العَقيدةِ على ما جاء عن اللهِ -سبحانه وتعالى- وعن رَسولِه -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- بخِلافِ أهلِ البِدَعِ والكَلامِ؛ فهم يخوضون في ذلك رجمًا بالغَيبِ، وأنَّى لهم أن يُحيطوا بعِلمِ الغَيبِ؟! فلا هم أراحوا عُقولَهم بالتَّسليمِ، ولا عَقائِدَهم وقلوبهم بالاتِّباعِ واليقين، ولا تركوا عامَّةَ أَتْبَاعِهم على الفِطرةِ التي فَطَرَهم اللهُ عليها!

فالغيبيَّةُ هي إحدى الرَّكائزِ الكُبرى في العَقيدةِ؛ حيث إنَّ كثيرًا مِن مَسائِلِ العَقيدةِ وقَضاياها يقعُ في نِطاقِ الغَيبِ.

وهذه الخاصيَّةُ لها شواهِدُ كثيرةٌ في الشَّرعِ؛ فمن ذلك:

أنَّ اللهَ -جل وعلا- ذكَرَها كصفةٍ من صفاتِ المؤمِنينَ اللَّازِمةِ.

قال اللهُ تعالى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﴾ { البقرة:1-3}.

ما ورد في فَضلِ المؤمِنينَ بالغَيبِ وعِظَمِ أجْرِهم.

قال الله تعالى: ﴿ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﴾ {آل عمران:179}.

قال الإمام ابنُ القَيِّمِ –ؒ معلِّقًا على هذه الآيةِ: «فحَظُّكم أنتم وسعادتُكم: في الإيمانِ بالغَيبِ الذي يُطْلِعُ عليه رُسُلَه، فإن آمنتُم به وأيقنتُم؛ فلكم أعظمُ الأجرِ والكرامةِ». اهـ([48])

الخَصِيصةُ الثَّالِثُة من خَصائِصِ عقيدةِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ: الوضوحُ والبيانُ.

تمتازُ عَقيدةُ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ بالوُضوحِ والبيانِ؛ فهي خاليةٌ من التعارُضِ، وسالِمةٌ من التَّناقُضِ والغُموضِ، والفَلسفةِ والتعقيدِ في ألفاظِها ومعانيها؛ لأنها مُستَمَدَّةٌ من كلامِ الله المُبِينِ، ومن كلامِ رَسولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- الذي لا يَنطِقُ عن الهوى، في حينِ أنَّ المعتَقَداتِ الأُخرى هي من تخليطِ البشَرِ، أو تأويلِهم وتحريفِهم؛ ولذلك تأتي مُبهَمةً وغامِضةً، وتكونُ مَليئةً بالتَّناقُضاتِ.

وأصدقُ مِثالٍ على ذلك: ما حَصَل لعَدَدٍ من أئمَّةِ عِلمِ الكَلامِ والفَلسَفةِ والتصَوُّفِ؛ من اضطرابٍ وتقلُّبٍ ونَدَمٍ؛ بسبَبِ مجانبَتِهم لعَقيدةِ السَّلَفِ، ورُجوعِ كثيرٍ منهم إلى التَّسليمِ، وتقريرِ ما يعتَقِدُه السَّلَفُ، خاصَّةً عند التقَدُّمِ في السِّنِّ، أو عندَ اقتراب الموتِ([49]).

الخَصِيصةُ الرَّابِعةُ من خصائِصِ عَقيدةِ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ: البقاءُ والثَّباتُ والاستِقرارُ.

فعَقيدةُ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ مُستقِرَّةٌ ومحفوظةٌ رِوايةً ودرايةً، في ألفاظِها ومعانيها، تتناقَلُها الأجيالُ جيلًا بعد جِيلٍ، لم يتطرَّقْ إليها التَّبديلُ ولا التَّحريف، ولا الزِّيادةُ ولا النَّقْصُ، كما حدث لأصحاب الفِرَق الأخرى، فقد أضاف الخلف عندهم ما لم يكن عند سلفهم، وحذفوا بعض ذلك، بل قد يكفِّر الخلفُ منهم سلفَهم، والابنُ أباه!!

ومن أسبابِ هذا الثبات: أنَّها مُستَمَدَّةٌ مِن كتابِ اللهِ الذي لا يأتيه الباطِلُ من بينِ يَدَيه ولا مِنْ خَلْفِه، ومِن سُنَّةِ رَسولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- الذي لا يَنطِقُ عن الهوى، وقد تلقَّاها الصَّحابةُ ثمَّ التَّابِعونَ، وتابِعوهم، وأئمَّةُ الهدى المستَمسِكونَ بهَدْيِه -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- إلى اليَومِ، روايةً ودرايةً، تلقينًا وكتابةً، واستدلالًا وتقريرًا، ودفْعًا لشبهات المخالفين.

الخَصِيصةُ الخامِسُة من خصائِصِ عَقيدةِ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ -القائمة على النقل الصحيح-: موافقةُ العَقْلِ الصريحِ.

قال شيخ الإسلام ابنُ تَيميَّةَ –ؒ-: «والأنبياءُ -صَلواتُ اللهِ عليهم وسَلامُه- مَعصومونَ، لا يقولونَ على اللهِ إلَّا الحَقَّ، ولا يَنقلونَ عنه إلَّا الصِّدقَ، فمَنِ ادَّعى في أخبارِهم ما يُناقِضُ صريحَ المعقولِ؛ كان كاذِبًا، بل لا بُدَّ أن يكونَ ذلك المعقولُ ليس بصَريحٍ، أو ذلك المنقولُ ليس بصَحيحٍ، فما عُلِمَ يقينًا أنَّهم أخبَروا به؛ يَمْتَنِعُ أن يكونَ في العَقلِ ما يُناقِضُه، وما عُلِم يقينًا أنَّ العَقلَ حَكَم به؛ يمتَنِعُ أن يكونَ في أخبارِهم ما يُناقِضُه، بل الأنبياءُ -عليهم السَّلامُ- قد يُخبِرونَ بما يَعجِزُ العَقلُ عن مَعرفتِه، لا بما يَعلَمُ العَقلُ بُطلانَه، فيُخبِرونَ بمحاراتِ العُقولِ، لا بمُحالاتِ العُقولِ». اهـ([50])

وقال أيضًا -ؒ-: «ما جاء عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في هذا البابِ وغَيرِه كلُّه حَقٌّ، يصدِّقُ بعضُه بعضًا، وهو موافِقٌ لفِطرةِ الخلائِقِ، وما جُعِلَ فيهم من العُقولِ الصَّريحةِ والقُصودِ الصَّحيحةِ؛ لا يخالِفُ العَقلَ الصَّريحَ، ولا القَصدَ الصَّحيحَ، ولا الفطرةَ المستقيمةَ، ولا النَّقلَ الصَّحيحَ الثَّابتَ عن رَسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، وإنَّما يظُنُّ تعارُضَها من صدَّق بباطلٍ من النُّقولِ، أو فَهِمَ منه ما لم يَدُلَّ عليه، أو اعتقَدَ شيئًا ظَنَّه مِن العَقليَّاتِ، وهو من الجَهليَّاتِ، أو من الكُشوفاتِ، وهو من الكُسوفاتِ، إن كان ذلك مُعارِضًا لمنقولٍ صَحيحٍ، وإلَّا عارَضَ بالعَقلِ الصَّريحِ أو الكَشْفِ الصَّحيحِ ما يظُنُّه منقولًا عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- ويكونُ كَذِبًا عليه، أو ما يظنُّه لفظًا دالًّا على شيءٍ، ولا يكونُ دالًّا عليه». اهـ([51])

🕮 🕮 🕮

فصلٌ في: