كتب للقراءة

اصول وقواعد منهج التلقي والاستدلال عند اهل السنة والجماعة

اصول وقواعد منهج التلقي والاستدلال عند اهل السنة والجماعة

نَتائِجِ وعاقبة الالتزامِ بمَنهَجِ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ
في تقريرِ مَسائِلِ الاعتِقادِ والثَّبات عليها

النتيجةُ الأولى من نَتائِجِ الالتزامِ بمَنهَجِ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ في تقريرِ مَسائِلِ الاعتِقادِ: تحقيقُ كَمالِ الدِّينِ، وتَمامِ النِّعْمةِ، وقيامِ الحُجَّةِ.

فالتزامُ هذا المنهَجِ فيه اعتِرافٌ حقيقيٌّ بأنَّ اللهَ تعالى أكمَلَ الدِّينَ، وأتمَّ النِّعمةَ، وأنَّ الرَّسولَ -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- بلَّغ الرِّسالةَ، وأدَّى الأمانةَ، وأقام الحُجَّةَ، وأوضَحَ المحَجَّةَ، وأنَّ الصَّحابةَ -رِضوانُ اللهِ عليهم- أقاموا الدِّينَ عِلمًا وعَمَلًا، وبَلَّغوه لفظًا ومعنًى، وهذا وإن كان واضِحًا في كُلِّ مَسائِلِ الدِّيانةِ؛ إلَّا أنَّه في مَسائِلِ الاعتِقادِ أشَدُّ وُضوحًا.

النتيجةُ الثَّانيةُ: بيانُ ثُبوتِ العِصمةِ للقرآنِ الكَريمِ والسُّنَّةِ النَّبَويةِ.

فالالتزامُ بهذا المَنهَجِ يُقرِّر إثباتَ العِصْمةِ للشَّريعةِ الإسْلاميَّةِ الحَكيمةِ، بحيثُ لا يجوزُ الاستِدراكُ عليها، وذلك بعد أن تَقَرَّرَ بالأدِلَّةِ والبراهينِ اليَقينيَّةِ: أنْ ليس في الشَّرعِ ما يُخالِفُ مُقتَضَياتِ العُقولِ الصَّحيحةِ، كما أنَّه ليس في العَقلِ الصَّحيحِ ما يخالِفُ نصًّا صَحيحًا صريحًا من نُصوص الكِتاب والسُّنَّةِ.

وعليه؛ فيَجِبُ النَّظَرُ إلى الشَّريعةِ بعَينِ الكَمالِ والارتقاء، لا بعَينِ النُّقصانِ والازدراء، واعْتِبارُها اعتبارًا كلِّيًّا في العَقائِدِ والعِباداتِ والمعامَلاتِ، وعدمُ الخروجِ عنها البتَّةَ، كيف وقد ثَبَتَ كمالُها وتمامُها؟! فالزَّائدُ والناقص في جهتِها هو المبتَدِعُ بإطلاقٍ، المنحرِفُ عن جادَّةِ الصَّوابِ إلى بُنَيَّاتِ الطَّرِيقِ، وهذا هو الذي أغفلَهُ المبتَدِعونَ؛ فدخَلَ عليهم بسَبَبِه الاستِدراكُ على الشَّرعِ؛ فَضَلُّوا وأَضَلُّوا([52]).

النتيجةُ الثَّالِثةُ: التَّصديقُ بجَميعِ نُصوصِ الكِتابِ والسُّنَّةِ.

فالالتزامُ بمَنهَجِ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ يُفيدُ التَّصديقَ بجَميعِ نُصوصِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، والاستِدلالَ بها مجتَمِعةً ما لم يكُنْ منسوخًا؛ لأنَّها خرَجَت من مِشكاةٍ واحدةٍ، وقد أنزلها من وَصَف نَفْسَه بكَمالِ العِلمِ وتمامِ الحِكمةِ -جل وعلا- فلا يجوزُ ضَربُ بَعْضِها ببَعضٍ؛ لأنَّ ذلك يُفْضِي إلى التَّكذيبِ ببَعضِ الحَقِّ؛ إذْ إنَّه من بابِ مُعارَضةِ حَقٍّ بحَقٍّ، وهذا يقتَضي التَّكذيبَ بأحَدِهما، أو الاشتِباهَ والحَيرةَ.

قال اللهُ تعالى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﴾ { الزمر:32-33}.

فلو صَدَق الإنسانُ فيما يَقولُه، ولم يصَدِّقْ بالحَقِّ الذي يَقولُه غَيرُه؛ لم يكُنْ ممدوحًا، حتَّى يكونَ ممَّن يجيءُ بالصِّدقِ ويُصَدِّقُ به، فأولئك هم المتَّقونَ([53]).

النتيجةُ الرَّابِعةُ من نَتائِجِ الالتزامِ بمَنهَجِ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ في تقريرِ مَسائِلِ الاعتِقادِ: تعظيمُ نُصوص الكِتابِ والسُّنَّةِ.

فإنَّ الالتزامَ بمَنهَجِ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ يَجعَلُ المسلِمَ في مَوقِفِ المعظِّمِ لنُصوصِ الكِتابِ والسُّنَّةِ؛ لأنَّه يعتقدُ أنَّ كُلَّ ما تضمَّنَته هو الحقُّ والصَّوابُ، وفي خلافِها الباطِلُ والضَّلالُ.

أمَّا المخالِفونَ: فقد سقَطَتْ مِن نُفوسِهم هيبةُ النُّصوصِ، حتَّى استحَلُّوا حُرُماتِها، وعاثُوا فيها تكذيبًا أو تحريفًا، وإن أحسَنوا المعاملةَ الظاهرة؛ أعرَضوا عنها بقُلوبِهم وعُقولِهم، ولم يَستَدِلُّوا بشَيءٍ منها، فهم كما قال اللهُ -جل وعلا- عَنِ اليَهُودِ: ﴿ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﴾ {البقرة:78}.

النتيجةُ الخامِسةُ: عِصْمةُ عُلومِ أهلِ السُّنَّةِ.

أهلُ السُّنَّةِ معصومون فيما يأخُذونَه عن إجماعِ الصَّحابةِ -رضي الله عنهم – لأنَّ إجماعَهم حُجَّةٌ، ولا تجتَمِعُ هذه الأمَّةُ على ضَلالٍة، فكيف إذا أجمَعَ السَّلَفُ الصَّالِحُ من الصَّحابةِ والتَّابِعينَ وتابعيهم على مسألةٍ؟! فإن َّخلِافَهم فيها لا يجوزُ؛ لأنَّه خِلافُ الإجماعِ، وخِلافُ تلك القُرونِ المفضَّلةِ.

النتيجةُ السَّادِسةُ: السُّكوتُ عمَّا سَكَت عنه السَّلَفُ الصَّالحُ.

كلُّ مسألةٍ سَكَت عنها السَّلَفُ الصَّالحُ، وتكلَّم فيها الخَلَفُ؛ فالسكوتُ عنها أَوْلَى وأَسْلَمُ وأَحْكَمُ.

قال عُمَرُ بنُ عبدِ العَزيزِ –ؒ في وَصِيَّتِه إلى عَدِيِّ بنِ أرطأَةَ: «فإنِّي أُوصيكَ بتقوى اللهِ، والاقتصادِ في أمْرِه، واتِّباعِ سُنَّةِ نَبيِّه -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، وتَرْكِ ما أحدَثَ المحْدِثونَ ممَّا قد جَرَتْ سُنَّتُه، وكُفُوا مُؤنتَه، فعليكم بلُزومِ السُّنَّةِ؛ فإنَّ السُّنَّةَ إنَّما سَنَّها من قد عَرَف ما في خِلافِها مِنَ الخَطَأِ والزَّلَلِ، والحُمقِ والتعَمُّقِ، فارْضَ لنَفْسِك ما رَضِيَ به القَومُ لأنفُسِهم؛ فإنَّهم عن عِلمٍ وَقَفوا، وببَصَرٍ نافذٍ قد كَفُّوا، فلَئِنْ قُلتُم: أمرٌ حَدَث بَعْدَهم؛ ما أحدَثَه بعدهم إلَّا من اتَّبع غيرَ سُنَّتِهم، ورَغِبَ بنفسِه عنهم، إنَّهم لهم السابقون؛ فقد تكَلَّموا منه بما يكفي، ووَصَفوا منه ما يَشْفي، فما دُونَهم مَقْصَرٌ، وما فَوقَهم مَحْسَرٌ([54])، لقد قَصَّر عنهم آخرون؛ فضَلُّوا، وإنَّهم بين ذلك لعلى هُدًى مُستقيمٍ»([55]).

النتيجةُ السَّابِعةُ: النَّجاةُ المَحْضةُ مَوقوفةٌ على مُتابَعةِ مَذهَبِ أهلِ السُّنَّةِ الـمُتَمَسِّكِينَ بكتابِ اللهِ وسُنَّةِ رسولِهِ –صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-.

إنَّ النَّجاةَ المحْضةَ وَقْفٌ على مَن كان على مِثلِ ما كان عليه النَّبيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- وأصحابُه، وهو الاعْتِصامُ بالقُرآنِ الكَريمِ والسُّنَّةِ النَّبَويَّةِ، ومَنهَجُهُم إنَّما يُعرَفُ عن طريقِ صحيح السُّنَنِ والآثار المَرْويَّة عنهم، وأَوْلَى النَّاسِ بمعرفةِ ذلك: هم أهلُ السُّنَّةِ والجَماعةِ؛ وذلك لاشتِغالِهم وعنايتِهم بها، وانتسابِهم إليها، بعَكْسِ أهلِ البِدَعِ الذين هم مِن أبعَدِ النَّاسِ عن مَعرِفةِ ما كان عليه النَّبيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- وأصحابُه -رضي الله عنهم -، مُستَغنينَ عن ذلك بالقواعد الكلامية الفَلسفيَّةِ، والخيالاتِ والشَّطحات الصُّوفيَّةِ الخرافية، ومنهم من يَعتَرِفُ بقِلَّةِ بضاعتِه مِن الإرثِ النَّبَويِّ، ومنهم من لو اطَّلَعْتَ على مصنَّفاتِه؛ لا تكاد تقِفُ فيها على آيةٍ كريمةٍ، أو حديثٍ شَريفٍ، أو أثَرٍ عن صَحابيٍّ، أو من دونه.

النتيجةُ الثَّامِنةُ: شَرَفُ الانتِسابِ إلى السَّلَفِ الصَّالِحِ.

فكلُّ مَنِ التَزمَ بمَنهَجِ السَّلَفِ الصَّالحِ، واتَّبَعَهُم بإِحسَانٍ في الاعْتِقادِ والعِلمِ والعَمَلِ؛ فهو معهم وإن تأخَّر زمانُهُ عن زَمَنِهم؛ فالمرءُ مع من أحَبَّ.

قال أبو الوفاءِ بنُ عَقيلٍ لبَعضِ أصحابِه: «أنا أقطَعُ أنَّ الصَّحابةَ ماتوا وما عَرَفوا الجوهَرَ والعَرَضَ، فإن رضيتَ أن تكونَ مِثلَهم؛ فكُنْ، وإن رأيتَ أنَّ طريقةَ المتكلِّمينَ أَوْلَى من طريقةِ أبي بَكرٍ وعُمَرَ؛ فبِئسَ ما رأيتَ!»([56]).

النتيجةُ التَّاسِعةُ: تقرير عدمِ صحَّةِ الإيمانِ المَشروطِ غير المُطْلَق.

فالالتزامُ بمَنهَجِ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ يقرِّرُ عدَمَ صِحَّةِ الإيمانِ المَشروطِ؛ إذ لا بُدَّ مِنَ تسليمٍ مُطلَقٍ لِلوَحْيِ المعصُومِ، كمن يقولُ: أنا لا أؤمِنُ بخَبَرِ الرَّسولِ -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- حتى أعلَمَ انتِفاءَ المعارِضِ العَقليِّ، أو أنا لا أؤمِنُ حتى تُصَدِّقَ خبَرَه رُؤيا منامٍ، أو كَشفٌ، أو ذَوقٌ، أو تَجرِبةٌ مَعْمَليَّةٌ، أو نحوُ ذلك من شروطِ الزائغين، فهذا إيمانٌ لا يصِحُّ، وصاحِبُه فيه شَبَهٌ من المُشرِكِينَ الذين قال الله -تبارك وتعالى- عنهم: ﴿ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﴾ {الأنعام: 124}، ومِنَ اليَهودِ الذين قال اللهُ -جل شأنه- عنهم: ﴿ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ﴾ {البقرة:55}.

فالواجِبُ على الإنسانِ أن يؤمِنَ باللهِ ورِسالاتِه إيمانًا مُطلَقًا غيرَ مَشروطٍ؛ ولهذا كان شِعارُ أهلِ الإيمانِ: ﴿ﮮ ﮯ﴾ {البقرة:285}، وشعارُ أهلِ الكُفرِ: ﴿ﯦ ﯧ ﴾ {البقرة:93}.

النتيجةُ العاشِرةُ: كثرةُ الصَّوابِ وقِلَّةُ الخَطَأِ.

فالاعتِمادُ على الكِتابِ والسُّنَّةِ وإجماعِ الأُمَّةِ في الاستِدلالِ: يقلِّلُ الخطأَ، ويُكثِّرُ الصَّوابَ والتَّوفيقَ، والخطأُ قد يكونُ بسَبَبِ نَقْصِ عِلمِ المُستَدِلِّ، أو قُصورِ فَهْمِه، أو سُوءِ قَصْدِه، وهذا قد يوجَدُ في بَعضِ أهلِ السُّنَّةِ، لكِنَّ الخَطَأَ الواقِعَ مِن أهلِ السُّنةِ بالنِّسبةِ إلى غَيرِهم مِن أهلِ البِدَعِ كالخَطَأِ الواقِعِ مِن المُسلِمينَ بالنِّسبةِ إلى بقيَّةِ أهل المِلَلِ الأخرى، فكلُّ شرٍّ يكونُ في بعضِ المُسلِمينَ؛ فهو في غَيرِهم أكثَرُ، وكلُّ خَيرٍ يكونُ في غَيرِهم؛ فهو فيهم أعلى وأعظَمُ، وأهلُ الحديثِ والسُّنَّةِ: يَعرِفونَ الحقَّ، ويَرحَمونَ الخَلْقَ، فاجْتمعَ لهُم العِلمُ والرَّحمةُ، أمَّا أهلُ البِدَعِ فيُكَذِّبونَ بالحَقِّ، ويُكفِّرون الخَلْقَ؛ فلا عِلمَ ولا رحمةَ !([57])

النتيجةُ الحادِيةَ عشَرَةَ: الاستِغناءُ بالكِتابِ والسُّنَّةِ عمَّا سِواهما.

فالالتزامُ بمَنهَجِ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ يُفيدُ الاستغناءَ بالكِتابِ والسُّنَّةِ عن النَّظَرِ في الكُتُبِ المتقدِّمةِ؛ كالتَّوراةِ والإنجيلِ والزَّبورِ؛ لِما أصابَها مِنَ التَّحريفِ والتَّبديلِ، والزِّيادةِ والنُّقصانِ، ولكونها منسوخةً بشريعتنا المُطَهَّرة، فالقُرآنُ الكريمُ كِتابٌ مُستَقِلٌّ بنَفْسِه، ناسخٌ لِما قَبْلَه، لم يُحْوِجِ اللهُ تعالى أهلَه إلى كتابٍ آخرَ، كما هو حالُ أهلِ الزَّبورِ والإنجيلِ مع التَّوراةِ، فالنَّصارى لا يَستَغنُونَ عنِ التَّوراةِ بالإِنجِيلِ، والقرآنُ قد اشتَمَل على جميعِ ما في الكُتُبِ الأُخرى من المحاسِنِ، وعلى زياداتٍ كثيرةٍ لا تُوجَدُ فيها، مع ضمانِ الحِفظِ، ونزاهةِ النَّصِّ عن التَّحريفِ؛ ولهذا كان مُصَدِّقًا لِما بيْن يَدَيه من الكِتابِ، ومُهيمِنًا عليه، يقرِّرُ ما فيه من الحَقِّ، ويُبطِلُ ما حُرِّفَ منه، ويَنسَخُ ما نسَخَه اللهُ تعالى([58]).

النتيجةُ الثَّانيةَ عَشَرَةَ: أنَّ طريقةَ السَّلَفِ أَسلَمُ وأعلَمُ وأحكَمُ.

بعضُ أهلِ البِدعِ يقولونَ: طَريقةُ السَّلَفِ أَسْلَمُ، وطريقةُ الخَلَفِ أعلَمُ وأحكَمُ، ويَقصِدونَ بذلك التَّأويلَ، الذي هو صرفُ النُّصوصِ إلى معنًى قد تحتَمِلُه اللُّغةُ، إلا أنه في غيرِ هذا السِّياقِ المعيَّنِ، والتَّأويلُ عِندَهم مظنونٌ بالاتِّفاقِ، فلا أحدَ منهم يقطَعُ بالمعنى الذي صَرَفوا اللَّفظَ إليه، فهُم على غيرِ يقينٍ مِن صِحَّةِ أقوالهِم، بل تركوا النُّصوصَ الَّتي فيها الحقُّ واليقينُ، ولَجَؤُوا إلى احتِمالاتٍ وتجويزاتٍ مزَّقَتْهم كُلَّ ممَزَّقٍ، مع حَيرةٍ وضَياعٍ([59]).

النتيجةُ الثَّالِثَةَ عَشَرةَ: اجتماعُ المحاسِنِ التي عند الفِرَقِ الأُخرى لأهلِ السُّنَّةِ خالِصةً من كلِّ كَدَرٍ.

فالالتزامُ بمَنهَجِ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ يَجمَعُ لأهلِ السُّنَّةِ ما عند كل الفِرَقِ الأخرى من الحَقِّ، مع نَبْذِ أباطيلِهم؛ فمن طريقتهم قبولُ الحق إذا ظَهَرَتْ أدلته من كل أحد، وَرَدُّ الباطل إذا ثبت بطلانه على كل أحد، ولأنَّ ما عِندَ الفِرَقِ المخالِفةِ للحَقِّ شُبَهٌ، والشُّبهةُ ما أشبَهَت الحقَّ من وجهٍ؛ ولهذا تَشتَبِهُ على النَّاسِ، فأهلُ السُّنَّةِ يأخُذونَ بالوَجْهِ الحقِّ، ويَدَعونَ الوَجْهَ الباطِلَ، وسببُ هذا التَّوفيقِ من الله -جل وعلا- لهم: هو استِدلالُهم بجميعِ النُّصوصِ مِن غَيرِ توهُّمِ تعارُضٍ بينها، أو بينها وبين العَقلِ الصَّحيحِ الصَّريحِ، أمَّا أهلُ الفِرَقِ الأُخرى؛ فقد ضَرَبوا النُّصوصَ بَعْضَها ببَعْضٍ، أو عارَضوها بآرائِهم وأقْيِسَتِهم الفاسِدةِ؛ فشابهوا من آمَنوا ببَعضِ الكِتِاب وكَفَروا ببعضٍ، وأهلُ السُّنَّة آمَنوا بالكِتابِ كُلِّه، وأقاموه عِلمًا وعَمَلًا.

النتيجةُ الرَّابِعَةَ عَشَرَةَ: مخالفةُ مَسالِكِ الأُمَمِ الضَّالَّةِ .

فالالتزامُ بمَنهَجِ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ يُفيدُ مُجانبةَ مَسالِكِ الأُمَمِ الضَّالَّةِ من اليَهودِ والنَّصارى وغَيرِهم، وقد أُمِرْنا بمخالفةِ طَرائِقِهم، وتجنُّبِ سُنَنِهم، ومنها أنَّهم ردُّوا على الرُّسُلِ -عليهم الصلاة والسلام- ما أخبَروا به، واعتَرَضوا عليهم بالاعتراضاتِ الباطِلةِ، كما قالت اليهودُ لموسى
-♠-: ﴿ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﴾ {البقرة:55}.

وقال في الذين كَفَروا: ﴿ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﴾ {الأنعام:124}.

وكلُّ من أوقَفَ الإيمانَ بالنُّصوصِ على مُوافَقةِ: عَقْلِه، أو قياسِه، أو ذَوقِه، أو كَشْفِه، أو منامِه، أو حِسِّه؛ ففيه شَبَهٌ من اليَهودِ والنَّصارى وغيرِهم من الكافرين، وقد أُمِرْنا بمخالَفتِهم؛ ولهذا لا تكادُ تَجِدُ شُبهةً أو مقالةً مُنحَرِفةً في الفِرَقِ المخالِفةِ لأهلِ السُّنَّةِ، إلَّا وفي اليَهودِ والنَّصارى نَظيرُها.

النتيجةُ الخامِسَةَ عَشَرَةَ: العافية والسلامة من المُخالفات بالكُفرِ والبدعة، وما يلتَزِمُه المُخالِفُ من الدَّعوى إلى بِدْعتِه.

فمخالفةُ مَنهَجِ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ تؤدِّي إلى الوقوع في كثيرٍ مِنَ الكُفريَّاتِ والبدع والضلالات: كنَفْيِ الصِّفاتِ، والقَولِ بخَلْقِ القُرآنِ، والتَّكذيبِ بالقَدَرِ، ونَفْيِ حِكْمةِ الربِّ تعالى ومَشيئتِه واختيارِه، وتؤدي إلى القول بالحُلولِ والاتِّحادِ، وتفضيلِ الأولياءِ على الأنبياءِ، والتكذيبِ بأخبارِ المَعادِ وحَشْرِ الأجسادِ، والطَّعنِ في أكثر الصَّحابةِ وحَمَلةِ الدِّينِ وأولياء الله المتقين، وغيرِ ذلك من الأُمورِ الكُفْريَّةِ والبدعية، وقد كان لكُلِّ فرِقةٍ من الفِرَقِ المخالِفةِ لأهلِ السُّنَّةِ نَصيبٌ مِن هذه الأُمورِ وغَيرِها.

كما أنَّه يَغلِبُ على مخالِفِ مَنهَجِ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ أن يكونَ داعيًا إلى بِدعتِه؛ لأنَّه يَعتَقِدُها دِينًا وشِرعةً، وأنَّ ما عليه غيرُه بدعةٌ وضلالةٌ([60]).

النتيجةُ السَّادِسَة عَشَرَةَ: اليَقينُ والثَّباتُ لأهلِ السُّنَّةِ، وفي مُقابِلِه الاضطِرابُ والتنَقُّلُ لأهلِ البِدَعِ.

فالالتِزامُ بمَنهَجِ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ يُفيدُ الرَّجُلَ يقينًا وثباتًا، ومخالفتُه تُورِثُه اضطِرابًا وتنقُّلًا.

فتجِدُ أهلَ الكلامِ هم أكثَرُ النَّاسِ انتِقالًا من قَولٍ إلى قَولٍ، وجَزمًا بالقَولِ في موضِعٍ، وجزمًا بنَقيضِه وتكفيرِ قائِلِه في موضِعٍ آخَرَ! وهذا دليلُ عَدَمِ اليَقينِ.

أمَّا أهلُ السُّنَّةِ والحديثِ فما يُعلَمُ عن أحدٍ من عُلَمائِهم، ولا صالِحِ عامَّتِهم رجَعَ قَطُّ عن اعتِقادِه سَخْطَةً له، بل هم أعظمُ النَّاسِ صَبرًا على ذلك، وإن امتُحِنوا بأنواعِ المحَنِ، وفُتِنوا بأنواعِ الفِتَنِ، وهذه حالُ الأنبياءِ -عليهم الصلاة والسلام- وأتباعِهم من المتقدِّمينَ، كأهلِ الأُخدودِ، وأصحاب النبي –صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، و رضي الله عنهم -، كما قال أبو سفيان لهرقل…، ونحوِهم، وكسَلَفِ الأُمَّةِ مِنَ التَّابِعينَ وغيرِهم مِنَ الأئِمَّةِ([61]).

النتيجةُ السَّابِعَةَ عَشَرَةَ: أنَّ أهلَ السُّنَّةِ أعمَقُ الفِرَقِ عِلمًا، وأسَدُّ عَقْلًا.

وذلك لَمَّا كان أهلُ السُّنَّةِ مُلتَزِمينَ بالمَنهَجِ الصَّحيحِ؛ كان كلامُهم صَحيحًا مُؤتَلِفًا؛ لأنهم لا يتكلَّمون إلَّا بعِلمٍ: نظري عَقليٍّ، أو سَمعيٍّ نقلي؛ وذلك لأنَّ اعتِقادَ الحَقِّ الثَّابِتِ يقوِّي الإدراكَ ويصَحِّحُه([62]).

قال اللهُ تعالى: ﴿ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﴾{محمد:17}.

وقال الإمام ابنُ القيِّمِ –ؒ في قَولِ اللهِ تعالى: ﴿ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ﴾ {النور:35}: «النُّورُ على النُّورِ: نورُ الفِطرةِ الصَّحيحةِ والإدراكِ الصَّحيحِ، ونورُ الوَحيِ والكِتابِ؛ فيَنضافُ أحدُ النُّورَينِ إلى الآخَرِ؛ فيزدادُ العَبدُ نُورًا على نُورٍ؛ ولهذا يكادُ يَنطِقُ بالحَقِّ والحِكمةِ قَبلَ أن يَسمَعَ ما فيه بالأثَرِ، ثمَّ يَبْلُغُه الأثَرُ بمِثلِ ما وقع في قَلْبِه ونطَق به؛ فيتَّفِقُ عنده شاهدُ العَقلِ والشَّرعِ والفِطرةِ والوَحيِ، فيُريه عَقلُه وفِطرتُه وذَوقُه أنَّ الذي جاء به الرَّسولُ -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- هو الحقُّ، لا يتعارَضُ عِندَه العَقلُ والنَّقلُ البتَّةَ، بل يتصادقانِ ويتوافقانِ». اهـ([63])

النتيجةُ الثَّامِنَةَ عَشَرَةَ من نَتائِجِ الالتزامِ بمَنهَجِ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ في تقريرِ مَسائِلِ الاعتِقادِ: أنَّ الالتِزامَ بهذا المَنهَجِ يُوحِّدُ صفوفِ المُسلِمينَ، ويَجمَعُ كَلِمتَهم؛ على تنوُّعِ اهتِماماتِهم العِلميَّةِ والعَمَليَّةِ، وتفاضُلِ مقاديرِهم في العِلمِ والإيمانِ.

فالالتِزامُ بمَنهَجِ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ يُوحِّدُ صُفوفَ المُسلِمينَ، ويَجمَعُ كَلِمَتَهم، ولا يعني هذا وُجوبَ الاتِّفاقِ في جميعِ تفاصيلِ المسائِلِ ودَقائِقِها، ولكِنِ المطلوبُ الأول هو الاتِّفاقُ في الطَّريقِ والمَنهَجِ المُوَصِّلِ إلى الحقِّ والقواعد العامة؛ فإن وُجِدَ اختِلافٌ بَعْدَ ذلك؛ لم يُفسِدْ موَدَّتَهُم وأخوَّتَهُم وتلاحمَهُم، بل يندَفِعُ بالتناصُحِ والتشاوُرِ، وتذوبُ حِدَّتُه في بَحرِ الأُلفةِ والمودَّةِ.

قال أبو القاسِمِ الأصبهانيِّ –ؒ-: «السَّبَبُ في اتِّفاقِ أهلِ الحديثِ: أنَّهم أخذوا الدِّينَ من الكِتابِ والسُّنَّةِ وطَريقِ النَّقلِ؛ فأورَثَهم الاتِّفاقَ والائتِلافَ، وأهلُ البِدَعِ أخَذوا الدِّينَ من المعقولاتِ والآراءِ؛ فأورَثَهم الافتراقَ والاختِلافَ؛ فإنَّ النَّقلَ والرِّوايةَ مِنَ الثِّقاتِ المتقِنينَ قلَّما تختَلِفُ، وإن اختَلَفت في لفظٍ أو كَلِمةٍ؛ فذلك اختِلافٌ لا يضرُّ الدِّينَ، ولا يَقدَحُ فيه، وأمَّا دَلائِلُ العَقلِ فقلَّما تتَّفِقُ، بل عَقلُ كُلِّ واحدٍ يُري صاحِبَه غَيرَ ما يَرَى الآخَرُ، وهذا بيِّنٌ والحَمدُ للهِ، وبهذا يَظهَرُ مُفارقةُ الاختلافِ في مذاهِبِ الفُروعِ اختلافَ العقائِدِ في الأُصولِ؛ فإنَّا وجَدْنا أصحابَ رَسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم، ورَضِيَ عنهم- اختَلَفوا في أحكامِ الدِّينِ فلم يَفتَرِقوا، ولم يَصِيروا شِيَعًا؛ لأنَّهم لم يُفارِقوا الدِّينَ، ونَظَروا فيما أُذِنَ لهم، فاختَلَفت أقوالُهم وآراُؤهم في مسائِلَ كثيرةٍ». اهـ([64])

🕮 🕮 🕮

فصلٌ: