أصولُ منهجِ التَّلَقِّي والاستدلال عند أهل السنة والجماعة([65])
أولاً: معنى الأصل لغةً، واصطلاحًا:
الأصل لغةً:
الأصل واحِدُ الأصول، ويُطلق لُغَةً على معانٍ، منها: ما بُني عليه غيره، وأساس الشيء أَصْلُه، وأَسْفَل كل شيء أصله، ومنه: قَعَدْتُ في أصل الجبل أو الحائط، وأصل الشيء ما يَسْتند إليه في وجوده، وما منه الشيء، أو منشؤه كالوالد للولد، والنهر للجدول، أو ما يَسْتَنِدُ تحققُ الشيء له([66]).
الأصل اصطلاحا:
وَيُطْلَقُ فِي الِاصْطِلَاحِ عَلَى أُمُورٍ:
أَحَدُهَا: الصُّورَةُ الْمَقِيسُ عَلَيْهَا عَلَى الْخِلَافِ الْآتِي – إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى – فِي الْقِيَاسِ فِي تَفْسِيرِ الْأَصْلِ.
الثَّانِي: الرُّجْحَانُ، كَقَوْلِهِمْ: الْأَصْلُ فِي الْكَلَامِ الْحَقِيقَةُ، أَيْ: الرَّاجِحُ عِنْدَ السَّامِعِ هُوَ الْحَقِيقَةُ لَا الْمَجَازُ.
الثَّالِثُ: الدَّلِيلُ، كَقَوْلِهِمْ: أَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَيْ: دَلِيلُهَا، وَمِنْهُ أُصُولُ الْفِقْهِ أَيْ: أَدِلَّتُهُ.
الرَّابِعُ: الْقَاعِدَةُ الْمُسْتَمِرَّةُ، كَقَوْلِهِمْ: إبَاحَةُ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ. ([67])،
والأصل في اصطلاح العلماء: ما له فرع؛ فإن الفرع لا ينشأ إلا عن أصل([68]).
ثانيًا: معنى العقيدة لغةً واصطلاحًا:
والعقيدة لغةً:
مادة «عقد» في اللغة تدور حول الثبوت على الشيء، والالتزام به، والتأكد منه والاستيثاق به.
فالعقيدة لغة: مصدر مِن اعتَقَد يعتقدُ اعتقادًا وعقيدة، مأخوذٌ من العَقد، وهو: الرَّبط والشدُّ بقوَّة وإحْكام، ونحو ذلك ممَّا فيه توثُّقٌ وجَزْمٌ؛ ولذا يُطلَق العقد على البيع والعهد والنِّكاح واليمين ونحوهما من المواثيق والعُقود؛ لارتباط كلٍّ من الطرفين بهذا العقد عُرفًا وشَرعًا، إلى غير ذلك ممَّا يجبُ الوَفاء به؛ قال تعالى: ﴿ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﴾ {المائدة:1}([69]).
العقيدة في الاصطلاح:
هي ما ينعَقِدُ عليه قَلْبُ المرء، ويجزمُ به، ويتَّخذه دينًا ومَذهبًا؛ بحيث لا يتطرَّق إليه الشكُّ فيه، فهي حُكم الذهن الجازم، أو ما ينعَقِدُ عليه الضمير، أو الإيمان الجازم الذي يترتَّب عليه القَصد والقول والعمل بمُقتَضاه.
وعَرَّفها الدكتور البريكان بقوله: «العِلْمُ بالأحكام الشرعية، المُكْتَسَبُ من الأدلة اليقينية، ورَدُّ الشبهات وقوادح الأدلة الخلافية»([70]).
ثالثًا: تعريف المنهج لغةً واصطلاحًا:
المنهج لغةً:
بالنظر في قواميس اللغة لكلمة (منهج) نجد أنها تدل على الطريق الواضح المستقيم.
قال ابن فارس: «النون والهاء والجيم أصلان متباينان، الأول: النهج: الطريق، ونَهَجَ لي الأَمْرَ: أَوْضَحَه، وهو مستقيم المنهاج، والمنهج الطريق أيضًا، والجمع المناهج…». اهـ([71])
فالمنهج من نَهَجَ الطريقَ ينهج نهجًا، ونهوجًا: وَضَحَ واستبان، ويقال: نهج أمره، ونهج الدابة أو الإنسان نهجًا ونهيجًا: تتابع نفسه من الإعياء، ونهج الثوب: بَلِىَ وأَخْلَق. ويقال: نَهَجَ الطريق: بَيَّنَهُ، ونَهَجَ الطريق: سلكه.
وانتهج الطريق: استبانه وسلكه، واستنهج الطريق: صار نهجًا، ونَهَجَ سبيلَ فلان. سلك مسلكه.
والمنهاج: الطريق الواضح، ومنه قوله تعالى: ﴿ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ﴾ {المائدة:48}، أي سبيلًا وسنّة.
والمنهاج: الخطة المرسومة، ومنه: منهاج الدراسة، ومنهاج التعلم ونحوهما، والجمع: مناهج، والمنهج: المنهاج، والجمع: مناهج([72]).
ومن كل هذه المعاني، نرى أن أقرب معنى لغوي يعبر عنه (المنهج) ويخص ما نحن فيه هو المنهج بمعنى الطريق الواضح، أو بمعنى الخطة المرسومة.
المنهج اصطلاحًا:
هو الطّريق المُؤَدِّي إلى التعرّف على الحقيقة في العلوم بواسطة طائفة من القواعد، التي تُهَيْمِنُ على سَبْرِ العقل، وتُحَدِّدْ عملياتِهِ؛ حتى يَصِلَ إلى نتيجة معلومة.
وبعبارة موجزة هو: «القانون أو القاعدة التي تَحْكُمُ أَيَّ محاولةٍ للدراسة العلمية في أيّ مجال»([73]).
أهمية المنهج ودواعي العناية به:
إن قضية المنهج قضية مهمة جدًا، لا سيما في النواحي العلمية، ولقد ذخر التاريخ الإسلامي بكوكبة من العلماء، كان منهم من هو أعظمُهم قَدْرًا، وأكبرُهم أثرًا، وأوضحَهم نَهْجًا، كما واجهتْ الساحةُ العلمية عبر التاريخ مشكلاتٍ عديدةً، كان من أخطرها: غيابُ المنهج الصحيح، أو عدمُ وضوحِهِ للمُتَلَقِّين.
ونستطيع أن نلخِّص أهميةَ المنهج ودواعيَ العناية به من خلال النقاط الآتية:
1 – السير العلمي بخطوات سليمة، مُتَسِّمَةٍ بالوضوح والبيان.
2 – اختصار الطريق للوصول إلى الغاية المنشودة والهدف المرسوم دون تخَبُّط واضطراب.
3 – أنه ضمان -بإذن الله- من التعثر والعقبات التي تحول دون الوصول إلى المقصود.
4 – تحقيق النفع المنشود والأثر المعقود.
5 – التزود بأهم رصيد في حياة العلماء، وما هو أهم من مجرد المعلومات، ألا وهو قضية المنهج القويم؛ لنسير على مسارهم الصحيح.
6- السلامة من الإفراط والتفريط، وهما طريق الضلال.
أما ترك المنهج وإهماله؛ فينتج عنه آثار سلبية، أهمها:
1 – السير بلا خطوات هادئة للمراد.
2 – الوقوع في التخبط والتعثر والعوائق المانعة من الوصول إلى الهدف المنشود.
3 – حصول الغموض والتناقض عند المتلَقِّين؛ فتَحْدُث الحَيْرة، ويَتَعَسَّر الفهم.
4 – طول الطريق، واكتنافه بالعقبات والمهلكات.
5 – النفور من العلم وأهله، والأَخْذُ والتَّلَقِّي عن غيرهم.
6 – التخبط العلمي والفوضى الفكرية، وما ينبني عليها من نتائج ضارة، وأفكار منحرفة؛ تعود على المجتمع والأمة بالسلبيات المتعددة، والأضرار الخطيرة.
7- الانحراف نحو الإفراط أو التفريط.
هذه أهم الآثار السلبية لتجاهل قضية تحديد المنهج وسلامته وعدم التزامها، مما يؤكد العناية بها، وضرورة الاهتمام بتحقيقها.
والمستقرئ لحال العلماء -رحمهم الله- في التاريخ القديم والمعاصر: يجد أن للعلماء المشهورين أصولًا راسخةً، ومنهجًا واضحًا، بَنَوْا عليه مذاهبهم؛ فتحقَّقَ -ولله الحمد- الأثر والنفع من علومهم ومعارفهم.
والملاحظ أنه بِقَدْر الاهتمام بالمنهج؛ يهيئ الله القبول للعالم، والاستفادةَ منه.
وأَضْرِبُ لذلك نموذجًا واحدًا من عشرات الأمثلة والنماذج، ذلكم هو منهج العالم العَلَمِ الفَذِّ شيخ الإسلام ابن تيمية -ؒ-، وما حصل له من الأثر العام والخاص، مما يَقِلُّ نظيرُهُ في فنون العلم المختلفة، ولا يزال علماؤنا إلى اليوم يستفيدون من منهجه في العقيدة والرد على المخالفين، وفي الأحكام، والاستدلال، والمناقشة، والفتوى وغيرها، مما أكسبهم ثروة علمية، ومنهجية قوية، يَنْدُر نظيرها، وهكذا شأن العلماء العاملين، والمحقِّقين المُبْدِعين.
وفي المقابل تجد مئات العلماء المغمورين، ممن لم يكن لهم ذلك الأثر البالغ، بسبب تجاهلهم قضيةَ المنهج، أو عدم وضوحها عندهم في الغالب. والله المستعان.
والمراد هنا ذِكْرُ معالمَ بارزةٍ لمنهج أهل السنة والجماعة عبر التاريخ في تَلَقِّيهِم دينَهُم ومُعْتَقداتِهِم من مصادرها الصحيحة الموثوق بها، وكيفية استدلالهم عليها، سواء في تعليمها أتباعَهُم، أو في رَدِّهِمْ على مخالفيهم.
– واعلم أن بعض مَنْ يُصَنِّف في ذلك يَذْكُر القواعدَ العامة للسلف في العقيدة، والفَرقَ بينها وبين قواعدِ غيرهم، وبعضَهُم يَجْعلها تابعةً لموضوع خصائص منهج أهل السنة، الذي انْفَرَد عن غيره من المناهج بهذه المزايا، وبعضَهم يجعلها عبارة عن قواعدِ السلف في الرد على مخالفيهم، وببيان طُرُقِ الردودِ السلفية؛ يظهر منهجُهُم في الاستدلال، ولذلك يحصل تداخُلٌ بين مسائل ودلائل هذه العناوين، والأمرُ في ذلك سَهْلٌ، لحصول المقصود: وهو بيانُ سلامة ما عليه أهل السنة، وفسادُ ما عليه غيرهم، ولأن القواعد العامة لأهل السنة هي من مزايا منهجهم وخصائصِهِ، ومما يُفرِّقُ بينه وبين غيره من مناهج أهل البدعة والانحراف، والله أعلم.
– وهذه بعض الجمل والقواعد في هذا الباب، قد جَمَعْتُها من عدة مؤلفات، وعَمَلِي فيها: الترتيبُ، والتوضيحُ والبيانُ لمختصَرِها، والاستدلال لها بما كان عليه السلف، ومناقشة المخالفين لها، والتهذيبُ والتنقيحُ لها إن احتاج المقام إلى ذلك، وقد أُضِيفُ بعض المواضع التي أراها مناسبة للمقام، والله أعلم.
🕮 🕮 🕮
ثانيًا:













