أصول ومزايا منهج أهل السنة والجماعة في التَّلَقِّي والاستدلال
الأصل الأول:
- أهل السنة يَتَلَقَّوْن منهجَهم من الكتابِ الـمُحْكَم، والسنةِ الثابتةِ، والإجماعِ المتيقَّنِ، والعقلِ الصريح، والفطرةِ السليمةِ، والحِسِّ المُشَاهَدِ الذي لا يُجْحَد.
وهذه أصح الأدلة وأقواها عند من يريد التلقِّي، أو يريد الاستدلال على شيء في دينه ودنياه، مما يدل على أن أهل السنة أَصَحُّ الفرق منهجًا في التَّلَقِّي والاستدلال.
قال البربهاري – ؒ – في «شرح السنة»([74]): «واعلم – رحمك الله – أن من قال في دين الله برأيه وقياسه وتأويله من غير حجة من السنة والجماعة؛ فقد قال على الله ما لا يَعْلَمُ، ومن قال على الله ما لا يَعْلَمُ؛ فهو من المُتَكَلِّفِين، والحق ما جاء من عند الله، والسنة سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والجماعة ما اجتمع عليه أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، ومن اقتصر على سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وما كان عليه أصحابُه والجماعةُ؛ فَلَجَ على أهل البدع كلها، واستراح بدنه، وسَلِمَ له دينه -إن شاء الله- لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «ستفترق أمتي» وبَيَّن لنا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- الناجِيَ منها، فقال: «ما كنتُ أنا عليه اليوم وأصحابي»([75])، فهذا هو الشفاء والبيان والأمر الواضح والمنار المستنير». اهـ
وقَالَ أَبُو عُمَرَ ابن عبد البر – ؒ – في «جامع بيان العلم وفضله»([76]): «لَيْسَ فِي الِاعْتِقَادِ كُلِّهِ فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ إِلَّا مَا جَاءَ مَنْصُوصًا فِي كِتَابِ اللَّهِ، أَوْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ -صلى الله عليه وسلم- أَوْ أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ، وَمَا جَاءَ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَوْ نَحْوِهِ؛ يُسَلَّمُ لَهُ، وَلَا يُنَاظَرُ فِيهِ». اهـ
وقال أبو المظفر السمعاني – ؒ – في «الانتصار لأصحاب الحديث»([77]): «وَأما أهل الْحق فَجعلُوا الْكتاب وَالسّنة إمَامَهمْ، وطلبوا الدّين مِنْ قِبَلِهِمَا، وَمَا وَقع لَهُم من معقولهم وخواطرهم؛ عَرَضُوه على الْكتاب وَالسّنة، فَإِن وجدوه مُوَافقا لَهما؛ قَبِلُوه وشَكَرُوا الله — حَيْثُ أَرَاهُم ذَلِك، وَوَقَّفَهُم عَلَيْهِ، وَإِن وجدوه مُخَالفا لَهما؛ تركُوا مَا وَقع لَهُم، وَأَقْبلُوا على الْكتاب وَالسّنة، وَرَجَعُوا بالتُّهْمَة على أَنْفُسِهِم؛ فَإِن الْكتاب وَالسّنة لَا يَهْدِيان إِلَّا إِلَى الْحق، ورَأْيُ الْإِنْسَانِ قد يَرَى الْحقَّ، وَقد يَرَى الْبَاطِلَ.
وَهَذَا معنى قَول أبي سُلَيْمَان الدَّارَانِي -وَهُوَ وَاحِدُ زَمَانه فِي الْمعرفَة-: مَا حَدَّثَتْنِي نَفْسِي بِشَيْء؛ إِلَّا طَلَبْتُ مِنْهَا شَاهِدَيْنِ من الْكتاب وَالسّنة، فَإِن أَتَت بهما؛ وَإِلَّا رَددته فِي نَحْرِهِ، أَو كَلَامٌ هَذَا مَعْنَاهُ». اهـ
وقال -ؒ-([78]): «وَلِهَذَا قَالَ بعض السّلف: إِن أهل الْكَلَام أَعدَاءُ الدّين؛ لِأَن اعتمادهم على حَدْسِهِم وظُنُونهم وَمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ نَظَرُهُم وفِكْرُهُم، ثمَّ يَعْرِضُون عَلَيْهِ الْأَحَادِيثَ، فَمَا وَافقه؛ قَبِلُوه، وَمَا خَالفه؛ ردُّوهُ على مَا سبق بَيَانه، وَأما أهل السّنة -سَلَّمَهُمُ الله- فَإِنَّهُم يَتَمَسَّكُون بِمَا نَطَقَ بِهِ الْكتابُ، ووردَتْ بِهِ السّنةُ، ويَحْتَجُّون لَهُ بالحجج الْوَاضِحَة، والدلائل الصَّحِيحَة، على حَسْبِ مَا أَذِنَ فِيهِ الشَّرْعُ، وَورد بِهِ السّمعُ، وَلَا يَدْخلُونَ بآرائهم فِي صِفَات الله تَعَالَى، وَلَا فِي غَيرهَا من أُمُور الدّين، وعَلى هَذَا وجدوا سلفهم وأئمتهم.
وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ﴾ { الأحزاب:45-46} ، وَقَالَ أَيْضا: ﴿ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﴾ {المائدة:67}.
وَقَالَ -صلى الله عليه وسلم- فِي خُطْبَة الْوَدَاع، وَفِي مقاماتٍ لَهُ شَتَّى، وبحضرته عَامَّةُ أَصْحَابِهِ -رضي الله عنهم -: «أَلا هَل بَلَّغْتُ؟»
وَكَانَ مِمَّا أُنْزِل إِلَيْهِ وَأُمِرَ بتبليغه: أَمْرُ التَّوْحِيد، وَبَيَانُه بطريقته، فَلم يتْرك النَّبِي -صلى الله عليه وسلم- شَيْئا من أُمُور الدّين وقواعده وأصوله وشرائعه وفصوله إِلَّا بَينه وبَلَّغَه على كَمَاله وَتَمَامه، وَلم يُؤَخِّر بَيَانَهُ عَن وَقْتِ الْحَاجةِ إِلَيْهِ، إِذْ لَو أَخَّرَ فِيهَا الْبَيَان؛ لَكَانَ قد كَلَّفَهُم مَا لَا سَبِيل لَهُم إِلَيْهِ». اهـ([79])
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – ؒ – كما في «مجموع الفتاوى»([80]): «وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِأَنْ تَكُونَ هِيَ الْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ؛ أَهْلُ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ؛ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ مَتْبُوعٌ يَتَعَصَّبُونَ لَهُ إلَّا رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهْم أَعْلَمُ النَّاسِ بِأَقْوَالِهِ وَأَحْوَالِهِ، وَأَعْظَمُهُمْ تَمْيِيزًا بَيْنَ صَحِيحِهَا وَسَقِيمِهَا، وَأَئِمَّتُهُمْ فُقَهَاءُ فِيهَا، وَأَهْلُ مَعْرِفَةٍ بِمَعَانِيهَا، وَاتِّبَاعًا لَهَا: تَصْدِيقًا، وَعَمَلًا، وَحُبًّا، وَمُوَالَاةً لِمَنْ وَالَاهَا، وَمُعَادَاةً لِمَنْ عَادَاهَا، الَّذِينَ يَرُدُّونَ الْمَقَالَاتِ الْمُجْمَلَةَ إلَى مَا جَاءَ بِهِ مِنْ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ؛ فَلَا يُنَصِّبُونَ مَقَالَةً وَيَجْعَلُونَهَا مِنْ أُصُولِ دِينِهِمْ، وَجُمَلِ كَلَامِهِمْ، إنْ لَمْ تَكُنْ ثَابِتَةً فِيمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ؛ بَلْ يَجْعَلُونَ مَا بُعِثَ بِهِ الرَّسُولُ مِنْ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي يَعْتَقِدُونَهُ وَيَعْتَمِدُونَهُ». اهــ
وقال –ؒ– كما في «مجموع الفتاوى»([81]): «إذْ الْمَقْصُودُ أَنَّهُمْ كَانُوا مُتَّفِقِينَ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ: لَا يُعَارِضُهُ إلَّا قُرْآنٌ: لَا رَأْيٌ وَمَعْقُولٌ وَقِيَاسٌ، وَلَا ذَوْقٌ وَوَجْدٌ وَإِلْهَامٌ وَمُكَاشَفَةٌ». اهـ
وقال أيضًا –ؒ– كما في مجموع الفتاوى([82]): «وَ «الْمَقْصُودُ» أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ لَمْ يَصِيرُوا يَعْتَمِدُونَ فِي دِينِهِمْ لَا عَلَى الْقُرْآنِ وَلَا عَلَى الْإِيمَانِ الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ -صلى الله عليه وسلم- بِخِلَافِ السَّلَفِ؛ فَلِهَذَا كَانَ السَّلَفُ أَكْمَلَ عِلْمًا وَإِيمَانًا، وَخَطَؤُهُمْ أَخَفَّ، وَصَوَابُهُمْ أَكْثَرَ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
وَكَانَ الْأَصْلُ الَّذِي أَسَّسُوهُ: هُوَ مَا أَمَرَهُمْ اللَّهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﴾ {الحجرات:1} فَإِنَّ هَذَا أَمْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَا وَصَفَ بِهِ الْمَلَائِكَةَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ﴾ { الأنبياء:26- 29}، فَوَصَفَهُمْ سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُمْ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ، وَأَنَّهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ، فَلَا يُخْبِرُونَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِهِ وَلَا غَيْرِ صِفَاتِهِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يُخْبِرَ سُبْحَانَهُ بِمَا يُخْبِرُ بِهِ؛ فَيَكُونُ خَبَرُهُمْ وَقَوْلُهُمْ تَبَعًا لِخَبَرِهِ وَقَوْلِهِ، كَمَا قَالَ: ﴿ﭬ ﭭ ﭮ﴾ وَأَعْمَالُهُمْ تَابِعَةٌ لِأَمْرِهِ، فَلَا يَعْمَلُونَ إلَّا مَا أَمَرَهُمْ هُوَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهِ، فَهُمْ مُطِيعُونَ لِأَمْرِهِ سُبْحَانَهُ، وَقَدْ وَصَفَ سُبْحَانَهُ بِذَلِكَ مَلَائِكَةَ النَّارِ، فَقَالَ: ﴿ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ﴾ {التحريم:6} وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا تَوْكِيدٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَا يَعْصُونَهُ فِي الْمَاضِي، وَيَفْعَلُونَ مَا أُمِرُوا بِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا وَهَذَا: أَنَّ الْعَاصِيَ هُوَ الْمُمْتَنِعُ مِنْ طَاعَةِ الْأَمْرِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الِامْتِثَالِ، فَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ مَا أُمِرَ بِهِ لِعَجْزِهِ؛ لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا، فَإِذَا قَالَ: ﴿ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﴾ لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا بَيَانُ أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ؛ فَإِنَّ الْعَاجِزَ لَيْسَ بِعَاصٍ وَلَا فَاعِلٍ لِمَا أُمِرَ بِهِ، وَقَالَ: ﴿ﯮ ﯯ ﯰ﴾ لِيُبَيِّنَ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَى فِعْلِ مَا أُمِرُوا بِهِ، فَهُمْ لَا يَتْرُكُونَهُ لَا عَجْزًا وَلَا مَعْصِيَةً. وَالْمَأْمُورُ إنَّمَا يَتْرُكُ مَا أُمِرَ بِهِ لِأَحَدِ هَذَيْنِ: إمَّا أَنْ لَا يَكُونَ قَادِرًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَاصِيًا لَا يُرِيدُ الطَّاعَةَ، فَإِذَا كَانَ مُطِيعًا يُرِيدُ طَاعَةَ الْآمِرِ، وَهُوَ قَادِرٌ؛ وَجَبَ وُجُودُ فِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ، فَكَذَلِكَ الْمَلَائِكَةُ الْمَذْكُورُونَ: لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ، وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ، وَقَدْ وَصَفَ الْمَلَائِكَةَ بِأَنَّهُمْ ﴿ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ﴾ { الأنبياء:26-29} فَالْمَلَائِكَةُ مُصَدِّقُونَ بِخَبَرِ رَبِّهِمْ، مُطِيعُونَ لِأَمْرِهِ، وَلَا يُخْبِرُونَ حَتَّى يُخْبِرَ، وَلَا يَعْمَلُونَ حَتَّى يَأْمُرَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﴾ {الأنبياء:27} وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَكُونُوا مَعَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ كَذَلِكَ؛ فَإِنَّ الْبَشَرَ لَمْ يَسْمَعُوا كَلَامَ اللَّهِ مِنْهُ؛ بَلْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ رَسُولٌ مِنْ الْبَشَرِ، فَعَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَقُولُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ مَا بَلَّغَهُمْ عَنْ اللَّهِ، وَلَا يَعْمَلُوا إلَّا بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ﴾ {الحجرات:1} قَالَ مُجَاهِدٌ: لَا تَفْتَاتُوا عَلَيْهِ بِشَيْءِ حَتَّى يَقْضِيَهُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِهِ، (تُقَدِّمُوا) مَعْنَاهُ: تَتَقَدَّمُوا، وَهُوَ فِعْلٌ لَازِمٌ، وَقَدْ قُرِئَ (يُقَدِّمُوا) يُقَالُ: قَدَّمَ وَتَقَدَّمَ كَمَا يُقَالُ: بَيَّنَ وَتَبَيَّنَ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ قَدَّمَ مُتَعَدِّيًا، أَيْ قَدَّمَ غَيْرَهُ، لَكِنْ هُنَا هُوَ فِعْلٌ لَازِمٌ (فَلَا تُقَدِّمُوا) مَعْنَاهُ: لَا تَتَقَدَّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَعَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ فِي شَيْءٍ مِنْ الدِّينِ إلَّا تَبَعًا لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وَلَا يَتَقَدَّمُ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ بَلْ يَنْظُرُ مَا قَالَ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَبَعًا لِقَوْلِهِ، وَعَمَلُهُ تَبَعًا لِأَمْرِهِ، فَهَكَذَا كَانَ الصَّحَابَةُ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ مِنْ التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ يُعَارِضُ النُّصُوصَ بِمَعْقُولِهِ، وَلَا يُؤَسِّسُ دِينًا غَيْرَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وَإِذَا أَرَادَ مَعْرِفَةَ شَيْءٍ مِنْ الدِّينِ وَالْكَلَامِ فِيهِ؛ نَظَرَ فِيمَا قَالَهُ اللَّهُ وَالرَّسُولُ، فَمِنْهُ يَتَعَلَّمُ، وَبِهِ يَتَكَلَّمُ، وَفِيهِ يَنْظُرُ وَيَتَفَكَّرُ، وَبِهِ يَسْتَدِلُّ، فَهَذَا أَصْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَأَهْلُ الْبِدَعِ لَا يَجْعَلُونَ اعْتِمَادَهُمْ فِي الْبَاطِنِ وَنَفْسِ الْأَمْرِ عَلَى مَا تَلَقَّوْهُ عَنْ الرَّسُولِ؛ بَلْ عَلَى مَا رَأَوْهُ أَوْ ذَاقُوهُ، ثُمَّ إنْ وَجَدُوا السُّنَّةَ تُوَافِقُهُ؛ وَإِلَّا لَمْ يُبَالُوا بِذَلِكَ، فَإِذَا وَجَدُوهَا تُخَالِفُهُ؛ أَعْرَضُوا عَنْهَا تَفْوِيضًا، أَوْ حَرَّفُوهَا تَأْوِيلًا.
فَهَذَا هُوَ الْفُرْقَانُ بَيْنَ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَالسُّنَّةِ وَأَهْلِ النِّفَاقِ وَالْبِدْعَةِ، وَإِنْ كَانَ هَؤُلَاءِ لَهُمْ مِنْ الْإِيمَانِ نَصِيبٌ وَافِرٌ مِنْ اتِّبَاعِ السُّنَّةِ؛ لَكِنَّ فِيهِمْ مِنْ النِّفَاقِ وَالْبِدْعَةِ بِحَسَبِ مَا تَقَدَّمُوا فِيهِ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَخَالَفُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، ثُمَّ إنْ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ ذَلِكَ يُخَالِفُ الرَّسُولَ، وَلَوْ عَلِمُوا لَمَا قَالُوهُ؛ لَمْ يَكُونُوا مُنَافِقِينَ، بَلْ نَاقِصِي الْإِيمَانِ مُبْتَدِعِينَ، وَخَطَؤُهُمْ مَغْفُورٌ لَهُمْ، لَا يُعَاقَبُونَ عَلَيْهِ وَإِنْ نَقَصُوا بِهِ». اهـ
علمًا بأن استعمال أهل السنة لهذه الأصول والقواعد ليس على مرتبة واحدة، بل على درجات متفاوتة: فالأصلُ في ذلك عندهم: الأدلةُ السمعيةُ أو النقليةُ: (الكتاب والسنة والإجماع) وأما العَقْلُ بعد ورود النقل فهو تابِعٌ للنقل، ويفهمه على وجهه الصحيح، ولا يعارَضُ به، فالنقل كالقائد، والعقل كالأعمى الذي يسير حيث يوجهه قائده، وقد قال الإمام الشافعي -ؒ-: إذا رأيتموني أقول قولًا، وقد صَحَّ عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- خلافُهُ؛ فاعْلَمُوا أن عَقْلِي قد ذَهَبَ([83]).
قال البربهاري – ؒ – في «شرح السنة»([84]): «واعلم – رحمك الله – أن الدين إنما جاء من قِبَلِ الله -تبارك وتعالى- لم يُوضَعْ على عقول الرجال وآرائهم، وعِلْمُه عند الله وعند رسوله، فلا تَتَّبِعْ شيئا بهواك، فَتَمْرُقَ من الدين، فَتَخْرُجَ من الإسلام؛ فإنه لا حُجَّة لك، فقد بَيَّنَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأمته السنة، وأوضحها لأصحابه، وهم الجماعة، وهم السواد الأعظم، والسواد الأعظم: الحق وأهله، فمن خالف أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في شيء من أمر الدين؛ فقد كفر». اهـ
قلت: كذا قال –ؒ- وفي المسألة تفصيل طويل عند أهل السنة، والإمام البربهاري –ؒ- منهم، فيُحْمل اطلاقه على قواعدهم المفصَّلة في ذلك.
وقال –ؒ-([85]): «وكلَّ ما سمعتَ من الآثار شيئا مما لم يَبْلُغْه عقلك؛… فعليك بالتسليم والتصديق والتفويض والرضى». اهـ
قال أبو المظفر السمعاني – ؒ – في «الانتصار لأصحاب الحديث»([86]): «وَكَانَ السَّبَبُ فِي اتِّفَاق أهل الحَدِيث: أَنهم أخذُوا الدّين من الْكتاب وَالسّنة وَطَرِيق النَّقْل؛ فأورثهم الِاتِّفَاق والائتلاف، وَأهلُ الْبِدْعَة أخذُوا الدّين من المعقولات والآراء؛ فأورثهم الِافْتِرَاق وَالِاخْتِلَاف؛ فَإِن النَّقْل وَالرِّوَايَة من الثِّقَات والمتقنين قَلَّمَا يخْتَلف، وَإِن اخْتلف فِي لفظ أَو كلمة؛ فَذَلِك اخْتِلَافٌ لَا يَضُرُّ الدّينَ، وَلَا يقْدَح فِيهِ، وَأما دَلَائِل الْعقل فَقَلَّمَا تتفق، بل عَقْلُ كل وَاحِد يُرِي صَاحِبَهُ غير مَا يُرِي الآخر، وَهَذَا بَيِّنٌ، وَالْحَمْد لله». اهـ
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – ؒ – كما في «مجموع الفتاوى»([87]): «الْعَقْلُ شَرْطٌ فِي مَعْرِفَةِ الْعُلُومِ، وَكَمَالِ وَصَلَاحِ الْأَعْمَالِ، وَبِهِ يَكْمُلُ الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ؛ لَكِنَّهُ لَيْسَ مُسْتَقِلًّا بِذَلِكَ؛ بَلْ هُوَ غَرِيزَةٌ فِي النَّفْسِ، وَقُوَّةٌ فِيهَا بِمَنْزِلَةِ قُوَّةِ الْبَصَرِ الَّتِي فِي الْعَيْنِ؛ فَإِنْ اتَّصَلَ بِهِ نُورُ الْإِيمَانِ وَالْقُرْآنِ؛ كَانَ كَنُورِ الْعَيْنِ إذَا اتَّصَلَ بِهِ نُورُ الشَّمْسِ وَالنَّارِ، وَإِنْ انْفَرَدَ بِنَفْسِهِ؛ لَمْ يُبْصِرْ الْأُمُورَ الَّتِي يَعْجِزُ وَحْدَهُ عَنْ دَرْكِهَا، وَإِنْ عُزِلَ بِالْكُلِّيَّةِ؛ كَانَتْ الْأَقْوَالُ وَالْأَفْعَالُ مَعَ عَدَمِهِ: أُمُورًا حَيَوَانِيَّةً، قَدْ يَكُونُ فِيهَا مَحَبَّةٌ وَوَجْدٌ وَذَوْقٌ كَمَا قَدْ يَحْصُلُ لِلْبَهِيمَةِ.
فَالْأَحْوَالُ الْحَاصِلَةُ مَعَ عَدَمِ الْعَقْلِ نَاقِصَةٌ، وَالْأَقْوَالُ الْمُخَالِفَةُ لِلْعَقْلِ بَاطِلَةٌ، وَالرُّسُلُ جَاءَتْ بِمَا يَعْجِزُ الْعَقْلُ عَنْ دَرْكِهِ، لَمْ تَأْتِ بِمَا يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ امْتِنَاعُهُ، لَكِنْ الْمُسْرِفُونَ فِيهِ قَضَوْا بِوُجُوبِ أَشْيَاءَ وَجَوَازِهَا وَامْتِنَاعِهَا لِحُجَجِ عَقْلِيَّةٍ بِزَعْمِهِمْ، اعْتَقَدُوهَا حَقًّا وَهِيَ بَاطِلةٌ، وَعَارَضُوا بِهَا النُّبُوَّاتِ وَمَا جَاءَتْ بِهِ، وَالْمُعْرِضُونَ عَنْهُ صَدَّقُوا بِأَشْيَاءَ بَاطِلَةٍ، وَدَخَلُوا فِي أَحْوَالٍ وَأَعْمَالٍ فَاسِدَةٍ، وَخَرَجُوا عَنْ التَّمْيِيزِ الَّذِي فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَنِي آدَمَ عَلَى غَيْرِهِمْ». اهـ
وقال في «الرد على المنطقيين»([88]): «ومتى تعارض -في ظَنِّ الظَّانِّ- الكتابُ والميزانُ: النصُّ، والقياسُ الشرعيُّ أو العقليُّ؛ فأحَدُ الأمرين لازِم: إما فسادُ دلالةِ ما احْتُجَّ به من النص، وإما بأن لا يكون ثابتا عن المعصوم، أو لا يكون دالا على ما ظنه، أو فسادُ دلالةِ ما احْتُجَّ به من القياس، سواء كان شرعيًّا أو عقليًّا، بفساد بعضِ مقدماته أو كلِّها؛ لما يقع في الأقيسة من الألفاظ المجملة المشتبهة». اهـ
وقال الإمام ابن القيم – ؒ – في «إعلام الموقعين عن رب العالمين»([89]): «قَدْ ثَبَتَ أَنَّ اللَّهَ -سُبْحَانَهُ- قَدْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ، فَكِلَاهُمَا فِي الْإِنْزَالِ أَخَوَانِ، وَفِي مَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ شَقِيقَانِ، وَكَمَا لَا يَتَنَاقَضُ الْكِتَابُ فِي نَفْسِهِ، فَالْمِيزَانُ الصَّحِيحُ لَا يَتَنَاقَضُ فِي نَفْسِهِ، وَلَا يَتَنَاقَضُ الْكِتَابُ وَالْمِيزَانُ، فَلَا تَتَنَاقَضُ دَلَالَةُ النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ، وَلَا دَلَالَةُ الْأَقْيِسَةِ الصَّحِيحَةِ وَلَا دَلَالَةُ النَّصِّ الصَّرِيحِ وَالْقِيَاسِ الصَّحِيحِ، بَلْ كُلُّهَا مُتَصَادِقَةٌ مُتَعَاضِدَةٌ مُتَنَاصِرَةٌ، يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَيَشْهَدُ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ؛ فَلَا يُنَاقِضُ الْقِيَاسُ الصَّحِيحُ النَّصَّ الصَّحِيحَ أَبَدًا، وَنُصُوصُ الشَّارِعِ نَوْعَانِ: أَخْبَارٌ، وَأَوَامِرُ، فَكَمَا أَنَّ أَخْبَارَهُ لَا تُخَالِفُ الْعَقْلَ الصَّحِيحَ، بَلْ هِيَ نَوْعَانِ: نَوْعٌ يُوَافِقُهُ وَيَشْهَدُ عَلَى مَا يَشْهَدُ بِهِ جُمْلَةً، أَوْ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا، وَنَوْعٌ يَعْجِزُ عَنْ الِاسْتِقْلَالِ بِإِدْرَاكِ تَفْصِيلِهِ -وَإِنْ أَدْرَكَهُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ- فَهَكَذَا أَوَامِرُهُ – سُبْحَانَهُ – نَوْعَانِ: نَوْعٌ يَشْهَدُ بِهِ الْقِيَاسُ وَالْمِيزَانُ، وَنَوْعٌ لَا يَسْتَقِلُّ بِالشَّهَادَةِ بِهِ، وَلَكِنْ لَا يُخَالِفُهُ، وَكَمَا أَنَّ الْقِسْمَ الثَّالِثَ فِي الْأَخْبَارِ مُحَالٌ، وَهُوَ وُرُودُهَا بِمَا يَرُدُّهُ الْعَقْلُ الصَّحِيحُ؛ فَكَذَلِكَ الْأَوَامِرُ لَيْسَ فِيهَا مَا يُخَالِفُ الْقِيَاسَ وَالْمِيزَانَ الصَّحِيحَ». اهـ
وقال في «النونية»([90]):
| فإذا تعارض نَصُّ لَفْظٍ ورادٍ | والعقلُ حتى ليس يَلْتَقِيانِ | |
| فالعَقْلُ إما فَاسِدٌ ويَظُنُّه الرائي | صحيحًا وهْوَ ذو بُطْلَانِ | |
| أو أن ذاك النصَّ ليس بثابتٍ | ما قاله المعصومُ بالبرهان |
* والفطرة: هي دين الإسلام ﴿ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ﴾ {الروم:30}، وفي الحديث: «كُلُّ مولود يُولَدُ على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدانِهِ، أو يُنَصِّرانِهِ، أو يُمَجِّسانِهِ»([91]) والمراد: أن المولود في أحكام الدنيا يُولَدُ مهيئًا للإيمان، وعنده ما يُرَجِّح الميْلَ إلى الإيمان وتفضيلَهُ على غيره، لولا التربية الفاسدة من الوالدين أو غيرهما، والمشهور عن السلف، والموافق للأدلة: أن فطرة الله: دين الإسلام.
وليس المراد بذلك أن الفطرة دليل مستقل، إنما هو دليل مرجِّح، والعُمْدة على الأدلة النقلية، قال الله تعالى ﴿ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﴾ {النحل:78}، والفطرة قد يعتريها عارضٌ، فَيُفْسِدُها كالبَدَن.
أقوال العلماء في معنى الفطرة التي في هذه النصوص:
اختلف العلماء في معنى الفطرة في حديث أبي هريرة، وهي المذكورة في الآية السابقة على عدة أقوال منها:
القول الأول: أن الفطرة هي الإقرار بمعرفة الله – تعالى -، وهي العَهْدُ الذي أخذه عليهم في أصلاب آبائهم، حين مسح ظَهْرَ آدم، فأَخْرَجَ منه ذريته إلى يوم القيامة أمثالَ الذر، وأَشْهَدَهُم على أنفسهم: أَلَسْتُ بربكم؟ قالوا: بلى، فليس أحد إلا وهو يقر بأن له صانعًا ومدبرًا، وإنْ سَمَّاهُ بغير اسمه، قال – تعالى -: ﴿ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﴾ {الزخرف:87}، فكل مولود يولد على ذلك الإقرار.
القول الثاني: أن معنى كل مولود يولد على الفطرة، أي: أن الله فطرهم على الإنكار والمعرفة، وعلى الكفر والإيمان.
القول الثالث: أن الفطرة هي الإسلام، لكنها خاصة بالمؤمنين؛ لأنه لو فطر الناس جميعًا على الإسلام؛ لما كَفَرَ أحد منهم، وهذا خلاف ما دَلَّتْ عليه النصوص من أنه – تعالى – خَلَقَ أقوامًا للنار، وأن غلام الخَضِر طُبِعَ كافرًا.
القول الرابع: أن الفطرة هي الخِلْقَةُ التي خَلَقَ عليها المولود، من المعرفة بربه، فكأنه قال: كل مولود يُولد على خِلْقَةٍ يَعْرِف بها ربه، إذا بلغ مبلغ المعرفة، يريد خِلْقَةً مخالفةً لِخِلْقَة البهائم، التي لا تصل بخلقتها إلى معرفة ذلك، ومثل هذا القول من قال: المراد بالفطرة، أن كل مولود يولد على السلامة: خِلْقَةً، وطَبْعًا، وبِنْيَةً، ليس معها كُفْرٌ ولا إيمان، ولا معرفة ولا إنكار، ثم يعتقد الكفر أو الإيمان بعد البلوغ.
القول الخامس: الفطرة: يعني البَدْأَة التي ابتدأهم عليها، يريد أنه مولود على ما فطر الله عليه خَلْقَه، من أنه ابتدأهم للحياة والموت، والسعادة والشقاء، وإلى ما يصيرون إليه عند البلوغ من قبولهم عن آبائهم اعتقادَهُم، قالوا: وَالْفِطْرَةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْبَدْأَةُ وَالْفَاطِرُ المبدئ والمبتدئ.
القول السادس: أن الفطرة ها هنا الإسلام، قالوا: وهو المعروف عند عامة السلف أهل التأويل، وقد أجمعوا في تأويل قوله – -: ﴿ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ﴾ {الروم:30} على أن قالوا: فطرة الله، دين الله الإسلام.
وقد أورد هذه الأقوال بأدلتها ومناقشتها الحافظُ أبو عمر ابن عبد البر في «التمهيد»([92]) وأطال في ذلك -ؒ-، وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -ؒ- فقد أورد الأقوال وناقشها بالتفصيل في «درء تعارض العقل والنقل»([93]).
وقد رَجَّحَ شيخُ الإسلام ابن تيمية -ؒ- القولَ بأن الفطرة هنا هي الإسلام، فقال في «درء تعارض العقل والنقل»([94]): «الدلائل الدالة على أنه أراد على فطرة الإسلام كثيرة: كألفاظ الحديث التي في الصحيح، مثل قوله: «على الملة»، «وعلى هذه الملة» ومثل قوله في حديث عياض بن حمار: «خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُم» وفي لفظ «حنفاء مسلمين» ومثل تفسير أبي هريرة وغيره من رواة الحديث ذلك، وهم أعلم بما سمعوا.
وأيضًا: فإنه لو لم يكن المراد بالفطرة الإسلام؛ لما سألوا عقب ذلك: (أرأيت من يموت من أطفال المشركين وهو صغير؟)، لأنه لو لم يكن هناك ما يغير تلك الفطرة؛ لما سألوه.
والعِلْمُ القديم وما يجري مجراه لا يتغير، وكذلك قوله: «فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه»، بَيَّنَ فيه أنهم يغيرون الفطرة التي فطر الناس عليها.
وأيضًا: فإنه شَبَّهَ ذلك بالبهيمة، التي تُولَد مُجْتَمِعَةَ الخَلْق لا نقص فيه، ثم تُجْدَعُ بعد ذلك، فَعُلِم أن التغيير وارد على الفطرة السليمة التي وُلِد العبد عليها.
وأيضًا: فإن الحديث مطابق للقرآن، لقوله تعالى: ﴿ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ﴾ {الروم:30}، وهذا يَعُمُّ جميعَ الناس، فعُلِمَ أن الله فَطَرَ الناسَ كلَّهم على فطرته المذكورة، و«فطرة الله» أضافها إليه إضافةَ مَدْحٍ لا إضافةَ ذَمٍّ، فعُلِمَ أنها فطرة محمودة لا مذمومة.
يُبَيِّن ذلك: أنه قال: ﴿ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ﴾ {الروم:30} وهذا نُصِبَ على المصْدر الذي دل عليه الفعل الأول عند سيبويه وأصحابه، فدل على أن إقامة الوجه للدين حنيفًا: هو فطرة الله التي فطر الناس عليها، كما في نظائره، ومثل قوله: ﴿ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﴾ {النساء:24}، وقوله: ﴿ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ﴾ {الفتح:23}، فهذا عندهم مَصْدَرٌ منصوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، لازمٌ إضمارُهُ، دَلَّ عليه الفعلُ المتقدمُ.
كأنه قال: كَتَبَ الله ذلك عليكم، وسَنَّ الله ذلك.
وكذلك هنا فَطَر الله الناس على ذلك: على إقامة الدين لله حنيفًا.
وكذلك فسره السَّلف كما تقدم النقل عنهم». اهـ
و سُئِلَ –ؒ تعالى- كما في «مجموع الفتاوى»([95]): عَنْ قَوْلِهِ
-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» مَا مَعْنَاهُ؟: أَرَادَ فِطْرَةَ الْخَلْقِ، أَمْ فِطْرَةَ الْإِسْلَامِ؟. وَفِي قَوْلِهِ: «الشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ» الْحَدِيثَ. هَلْ ذَلِكَ خَاصٌّ أَوْ عَامٌّ. وَفِي الْبَهَائِمِ وَالْوُحُوشِ: هَلْ يُحْيِيهَا اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ لَا؟.
فَأَجَابَ -ؒ-: الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَمَّا قَوْلُهُ -صلى الله عليه وسلم-: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» فَالصَّوَابُ: أَنَّهَا فِطْرَةُ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا، وَهِيَ فِطْرَةُ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ الْفِطْرَةُ الَّتِي فَطَرَهُمْ عَلَيْهَا يَوْمَ قَالَ: ﴿ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﴾ {الأعراف:172}. وَهِيَ السَّلَامَةُ مِنْ الِاعْتِقَادَاتِ الْبَاطِلَةِ، وَالْقَبُولُ لِلْعَقَائِدِ الصَّحِيحَةِ، فَإِنَّ حَقِيقَةَ الْإِسْلَامِ: أَنْ يَسْتَسْلِمَ لِلَّهِ؛ لَا لِغَيْرِهِ، وَهُوَ مَعْنَى «لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» وَقَدْ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مَثَلَ ذَلِكَ فَقَالَ: «كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟» بَيَّنَ أَنَّ سَلَامَةَ الْقَلْبِ مِنْ النَّقْصِ كَسَلَامَةِ الْبَدَنِ، وَأَنَّ الْعَيْبَ حَادِثٌ طَارِئٌ، وَفِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِيمَا يَرْوِي عَنْ اللَّهِ: «إنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ، فَاجْتَالَتْهُمْ الشَّيَاطِينُ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا». اهـ
وهذا القول هو المعروف عن السلف، كما قال ابن عبد البر -ؒ- في «التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد»([96]): «وَقَالَ آخَرُونَ: الْفِطْرَةُ هَهُنَا الْإِسْلَامُ، قَالُوا: وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ عَامَّةِ السَّلَفِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالتَّأْوِيلِ، قَدْ أَجْمَعُوا فِي قَوْلِ اللَّهِ — ﴿ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ﴾ {الروم:30} عَلَى أَنْ قَالُوا: ﴿ﯙ ﯚ﴾ دِينُ اللَّهِ الْإِسْلَامُ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: «اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ﴾ وَذَكَرُوا عَنْ عِكْرِمَةَ وَمُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ وَإِبْرَاهِيمَ وَالضَّحَّاكِ وَقَتَادَةَ فِي قَوْلِ اللَّهِ –: ﴿ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ﴾ قَالُوا: دِينُ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ﴿ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﴾ {الروم:30} قَالُوا: لِدِينِ اللَّهِ». اهـ([97])
* واستدلال القرآن بالمحسوسات على صحة قواعد وأحكام هذا الدين من البعث والنشور بعد الموت كثير، فقد ضرب الله — الأمثلة بالمحسوسات على الغيبيات، فقال –جل شأنه-: ﴿ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﴾ { يس:78-79}، وقال –-: ﴿ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﴾ {الغاشية:17-18}، وقال –سبحانه وتعالى-: ﴿ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﴾ {السجدة:9}، فذكّرهم بنعمة السمع والبصر، وهما أشمل أدوات الحس وأكثرها مجالا، وضَرَبتِ السنةُ الأمثلة للتقريب إلى ذهن المخاطَب، وجَعْلِ المعنوي كالمحسوس، حتى أُلِّفت كُتُبٌ في ذلك، سُمِّيت كُتُبَ «الأمثال».
واستدلال أبي حنيفة -ؒ- على الدهرية بالسفينة، وكذا استدلال الشافعي على الدهرية بورق التوت تأكله دودة القز، والنحل، والشاة، والظباء([98]).
قال ابن أبي العز الحنفي – ؒ تعالى – في «شرح الطحاوية»([99]) وَيُحْكَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ -ؒ-: أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ أَرَادُوا الْبَحْثَ مَعَهُ فِي تَقْرِيرِ تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ، فَقَالَ لَهُمْ: أَخْبِرُونِي قَبْلَ أَنْ نَتَكَلَّمَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ سَفِينَةٍ فِي دِجْلَةَ، تَذْهَبُ، فَتَمْتَلِئُ مِنَ الطَّعَامِ وَالْمَتَاعِ وَغَيْرِهِ بِنَفْسِهَا، وَتَعُودُ بِنَفْسِهَا، فَتَرْسُو بِنَفْسِهَا، وَتُفْرِغُ وَتَرْجِعُ، كُلُّ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُدَبِّرَهَا أَحَدٌ؟! فَقَالُوا: هَذَا مُحَالٌ لَا يُمْكِنُ أَبَدًا! فَقَالَ لَهُمْ: إِذَا كَانَ هَذَا مُحَالًا فِي سَفِينَةٍ؛ فَكَيْفَ فِي هَذَا الْعَالَمِ كُلِّهِ، عُلْوِهِ وَسُفْلِهِ!! وَتُحْكَى هَذِهِ الْحِكَايَةُ أَيْضًا عَنْ غَيْرِ أَبِي حَنِيفَةَ».
وقد ذَكَرَ المكيُّ هذه المناظرةَ بصيغة أخرى مشابهة لها، في كتابه «مناقب أبي حنيفة»([100]) وفيها: أن الإمام أبا حنيفة قال لهم: «ما تقولون في رجل يقول لكم: إني رأيت سفينة مشحونة بالأحمال، مملوءة من الأمتعة، وقد احتوشتها في لُجَّةِ البحر أمواجٌ متلاطمةٌ، ورياحٌ مختلفة، وهي من بينها تجري مستويةً ليس فيها مَلَّاح يُجْرِيها ويَقُودها ويَسُوقها، ولا مُتَعَهِّد يَدْفَعُها، هل يجوز ذلك في العقل؟
فقالوا: لا، هذا لا يقبله العقل، ولا يجيزه الوهم.
فقال لهم أبو حنيفة: فيا سبحان الله، إذا لم يَجُزْ في العقل وجودُ سفينة تجري مستوية من غير مُتَعَهِّدٍ؛ فكيف يجوز قيام الدنيا على اختلاف أحوالها، وتغيّر أمورها، وسَعة أطرافها، وتباينِ أكنافها من غير صانع وحافظ ومُحْدِث لها؟…». اهـ
وكذلك وقعت مناظرةٌ أخرى بين الإمام ومُلْحِدٍ دهري، ذكرها أبو الليث السمرقندي في «شرحه للفقه الأكبر»([101])، وفيها أن الإمام ناظر دهريا، وأَلْقَى عليه الحجة.
فقال الدهري: «إنما تغيرت الأشياء من حال إلى حال؛ لأن بناءها على الطبائع الأربعة: رطوبة، ويبوسة، وبرودة، وحرارة، فما دامت هذه الطبائع مستويةً، وصاحِبُها مستويا، ومتى غلبتْ طبيعةٌ منها على سائرها؛ زالتْ عن الاستواء؛ فزال استواء صاحبها أيضا.
قال أبو حنيفة -رضي الله عنه-: أقررت بالصانع والمصنوع، والغالب والمغلوب، من حيث أنكرتَ؛ لأنك قلت: إحدى الطبائع تغلب على سائرها، وسائرها تصير مغلوبة.
فثبت أن للعالم غالبًا في الحكمة، فقد تعدينا عن مسألتكم، فقلنا: الغالب ليس هو إلا الصانع جَلَّتْ قدرتُهُ…». اهـ
وقد شكك غير واحد من المعاصرين في ثبوت هذه القصة، خصوصًا أنها لم يوقف على إسنادها، ومن جهة بعض ما في متنها.
قال الشيح سفر الحوالي -شفاه الله-: «يقول المُصْنِّف -ؒ-: [ويُحكى عن أبي حنيفة ] كلمة «يُحكى» أو «يُقال» معناها: أن الخبر فيه كلام، فليس موثوقًا، والحقيقة أن هذه الواقعة لا تتصور أنها تصح عن الإمام أبي حنيفة؛ لأنه لا يمكن أن يتجرأ أحد من الملاحدة في عهد الإمام أبي حنيفة وفي أوائل القرن الثاني، يقول: أنا أُنكر وجود الله، ثُمَّ يؤتى به إِلَى الكوفة إلى عالم من أكبر علمائها، ويقول له: أنا أريد أن أناظرك!! لأنه حتى في هذا العصر -والْحَمْدُ لِلَّهِ- عَلَى ضَعْفِ إيماننا، وعلى ضَعْفِ علمنا؛ لا يتجرأ الملحد أن يأتي فضلًا عن أن يبحث عن عالم من علماء الْمُسْلِمِينَ الكبار ويقول: أنا أريد أن أناظره؛ لأن الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- ضرب عليهم الذل، وعلماءُ الْمُسْلِمِينَ والْمُسْلِمُونَ جميعًا -حتى العامة منهم- يرفضون أصلًا أن يقابِلُوا مثلَ هذا الإِنسَان، أو يتحدثوا معه، فضلًا عن أن يفتحوا له الطريق، ويقبلوا المناظرة، ويقولوا: وإذا لم نُقْنِعْك نذهبْ بك إِلَى الإمام أبي حنيفة، نقول: هذا لا يُمْكِن ولا يُتَخَيَّل، لكن هذا مما يذكره بعض المتكلمين؛ ليبينوا أن الأئمة الأربعة وغيرهم قد عرفوا الأدلة والبراهين والحجج العقلية، ومثل ذلك ما يُنْقَلُ عن الإمام أَحْمَد والإمام الشَّافِعِيّ أنهم قالوا: انظروا إِلَى هذه البيضة أو عجبت لهذه البيضة، التي ظاهرها هذا العظم وباطنها الماء، ثُمَّ يخرج منها ذلك الحيوان ثُمَّ يكون له العين والمنقار والرئتان، مع ذلك نقول: إن هذه النقولات لو ثبتت؛ فليس معنى ذلك أن دليل الإمام أَحْمَد عَلَى وجود الله، هو هذه البيضة، أو أن دليل الإمام أبي حنيفة عَلَى وجود الله وعلى توحيد الربوبية هو السفينة». اهـ
وقال الرازي – ؒ – في «مفاتيح الغيب»([102]): «سَأَلُوا الشَّافِعِيَّ -رضي الله عنه-: مَا الدَّلِيلُ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ؟ فَقَالَ: وَرَقَةُ الْفِرْصَادِ: طَعْمُهَا، وَلَوْنُهَا، وَرِيحُهَا، وَطَبْعُهَا، وَاحِدٌ عِنْدَكُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَتَأْكُلُهَا دُودَةُ الْقَزِّ؛ فَيَخْرُجُ مِنْهَا الْإِبْرَيسَمُ، وَالنَّحْلُ فَيَخْرُجُ مِنْهَا الْعَسَلُ، وَالشَّاةُ فَيَخْرُجُ مِنْهَا الْبَعْرُ، وَيَأْكُلُهَا الظِّبَاءُ فَيَنْعَقِدُ فِي نَوَافِجِهَا الْمِسْكُ، فَمَنِ الَّذِي جَعَلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ كَذَلِكَ مَعَ أَنَّ الطَّبْعَ وَاحِدٌ؟ فَاسْتَحْسَنُوا مِنْهُ ذَلِكَ، وَأَسْلَمُوا عَلَى يَدِهِ، وَكَانَ عَدَدُهُمْ سَبْعَةَ عَشَرَ». اهـ
هذا، وأهل السنة عندما يستدلون بهذه الأدلة يسيرون في ذلك على منهج علمي خلاصته:
أ) الاستدلال بالكتاب العزيز: ويكون ذلك بالمُحْكَم من آياته، واستيعاب أدلة المسألة من جميع آيات القرآن الكريم، وأما المتشابه الذي لا يَعْلَمُه إلا الله –- فَيَرُدُّون عِلْمَهُ إلى عالِمِهِ، كما قال –جل شأنه-: ﴿ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ﴾ {آل عمران:7}، والذي في دلالته شيء وظاهره التعارض: يحملون مُطْلَقَه على مُقَيَّدِهِ، وعامَّه على خاصِّهِ، ومُجْمَلَهُ على مُفَصَّلِهِ، وإلا نَظروا في الناسخ والمنسوخ، ويرجعون في تفسير الآيات إلى تفسير القرآن بالقرآن، أو بالسنة، أو بأقوال الصحابة، والتابعين، والعلماء الصادقين، أو إلى لغة العرب التي نزل بها القرآن، وقد قال الله –-: ﴿ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ﴾ {النحل:103}، وقال تعالى: ﴿ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﴾ {إبراهيم:4}، وقال سبحانه: ﴿ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﴾ {الشعراء:195}، ويَتَجَنَّبُون تفاسيرَ الباطنية، الذين يفسِّرون القرآن بأهوائهم، ويطوِّعونه على معتقداتهم.
ب) الاستدلال بالسنة: ويكون ذلك بالثابت من السنة، وباستيعاب ما جاء في المسألة من براهين، وبالرجوع إلى فَهْمِ أهل العلم لهذه الأحاديث، سواء في تبويبات مصنفاتهم الحديثية، أو الفقهية، أو باستدلالهم بها على المسألة نفسها، ولا يفرقون -من جهة القبول في الجملة- بين متواتر وآحاد، ويستدلون بالجميع في العقائد وغيرها، ولا تعارض بين نَصٍّ قرآني مُحْكَمٍ وسُنَّةٍ صحيحة أو إجماع متيقَّن، وما كان ظاهره التعارض من الأحاديث؛ حَملوا فيه العامَّ على الخاصِّ، والمطلقَ على المقيَّدِ…الخ، وإلا نظروا في الناسخ والمنسوخ من الأحاديث، أو وقفوا حتى يظهر لهم دليل يرجِّح أحد الجانبيْن، فهم يَسْعَوْن إلى درء التعارض عن النصوص ما أمكن، وذلك حسب القواعد المشهورة عند علماء السنة، وغَيْرُهُم ربما فَرِحَ بالتعارض؛ ليتوصل به إلى التشكيك في الدين أو في أدلته..
قال أبو جعفر الطحاوي – ؒ – في «عقيدته»([103]): «وَلَا تَثْبُتُ قَدَمُ الْإِسْلَامِ إِلَّا عَلَى ظَهْرِ التسليم والاستسلام، فَمَنْ رَامَ عِلْمَ مَا حُظِرَ عَنْهُ عِلْمُهُ، وَلَمْ يَقْنَعْ بِالتَّسْلِيمِ فَهْمُهُ؛ حَجَبَهُ مَرَامُهُ عَنْ خالص التوحيد، وصافي المعرفة وصحيح الإيمان؛ فَيَتَذَبْذَبُ بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ، وَالتَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ، وَالْإِقْرَارِ والإنكار، مُوَسْوِسًًا تائهًا، شاكًّا لا مؤمنًا مُصَدِّقًا، ولا جاحِدًا مُكَذِّبًا». اهـ
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – ؒ – كما في «مجموع الفتاوى»([104]): «وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُقَدِّرَ قَدْرَ كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ؛ بَلْ لَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَحْمِلَ كَلَامَ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ إلَّا عَلَى مَا عُرِفَ أَنَّهُ أَرَادَهُ، لَا عَلَى مَا يَحْتَمِلُهُ ذَلِكَ اللَّفْظُ فِي كَلَامِ كُلِّ أَحَدٍ؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يَتَأَوَّلُ النُّصُوصَ الْمُخَالِفَةَ لِقَوْلِهِ؛ يَسْلُكُ مَسْلَكَ مَنْ يَجْعَلُ التَّأْوِيلَ كَأَنَّهُ ذَكَرَ مَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ، وَقَصْدُهُ بِهِ دَفْعُ ذَلِكَ الْمُحْتَجِّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ النَّصِّ، وَهَذَا خَطَأٌ؛ بَلْ جَمِيعُ مَا قَالَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ، فَلَيْسَ لَنَا أَنْ نُؤْمِنَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَنَكْفُرَ بِبَعْضِ، وَلَيْسَ الِاعْتِنَاءُ بِمُرَادِهِ فِي أَحَدِ النَّصَّيْنِ دُونَ الْآخَرِ بِأَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ». اهـ
وقال أيضًا في «درء تعارض العقل والنقل»([105]): «فإذا عَلِمَ الإنسانُ بالعقل أن هذا رسول الله، وعَلِمَ أنه أخبر بشيء، ووجد في عقله ما ينازعه في خبره؛ كان عَقْلُه يُوجِبُ عليه أن يُسَلِّم موارد النزاع إلى من هو أعلم به منه، وأن لا يُقَدِّم رأيه على قوله، ويَعْلَم أن عَقْلَه قاصر بالنسبة إليه، وأنه أعلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته واليوم الآخر منه، وأن التفاوت الذي بينهما في العلم بذلك أعظم من التفاوت الذي بين العامة وأهل العلم بالطب». اهـ
جـ) الاستدلال بالإجماع: أي ما أجمعَ عليه أئمةُ الإسلام، وأصولُ مسائل المعتقد الصحيح مُجْمَعٌ عليها عند أئمة السنة، والخروج عن الإجماع شذوذ وضلالة، وما فيه خلاف بين السلف في فروع العقيدة وغيرها من الأحكام؛ يُلْتَمَسُ فيها الراجحُ من أقوال السلف، دون إحداث قول جديد لم يكن من أقوالهم.
تعريف الإجماع:
والإجماع لغة: العزم والاتفاق. قال تعالى: ﴿ﭥ ﭦ ﴾ {يونس:71} أي: أعزموه، ويصح إطلاقه على الواحد، فيقال: أجمع([106]).
وفي الاصطلاح: «اتفاق مجتهدي الأمة في عَصْرٍ على أمر، ولو كان الأمر فعلًا اتفاقًا كائنًا بعد النبي -صلى الله عليه وسلم-»([107]).
حُكْم الإجماع: ذهب جمهور العلماء إلى أن الإجماع حجة قاطعة، يجب اتباعه، وتَحْرُمُ مخالفته.
وقال ابن حزم: «ثم اتفقنا نحن وأكثر المخالفين لنا على أن الإجماع من علماء أهل الإسلام حجة وحق مقطوع به في دين الله –»([108]).
وقد ذكر الغزالي النص على حجية الإجماع من ثلاثة طرق، وهي الكتاب والسنة والعقل([109]).
وقد دلّ على حجيّة الإجماع، وكونه دليلًا يُسْتَمد منه الأحكام عدةُ أدلة، نذكر بعضًا منها:
أولًا: من الكتاب:
1 – قوله تعالى: ﴿ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﴾ {النساء:115}.
• وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى توعد بالعذاب لمن شاقّ اللَّه ورسوله، واتبع غير سبيل المؤمنين، أي: الطريق الذي اختاروه لأنفسهم.
وهذا يدل على وجوب متابعة سبيل المؤمنين وعدم مخالفتهم.
ولا يصح إطلاق القول؛ بأن ذلك القول أو الفعل هو سبيل المؤمنين؛ إلا باجتماع قولهم أو فِعْلِهم على رَأْيٍ مُوَحَّدٍ([110]).
2 – قوله تعالى: ﴿ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ﴾ {البقرة:143}.
• وجه الدلالة: قال شيخ الإسلام ابن تيمية -ؒ- كما في «مجموع الفتاوى»([111]): «وَالْوَسَطَ: الْعَدْلَ الْخِيَارَ، وَقَدْ جَعَلَهُمْ اللَّهُ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ، وَأَقَامَ شَهَادَتَهُمْ مَقَامَ شَهَادَةِ الرَّسُولِ».
وَقَدْ ثَبَتَ فِي «الصَّحِيحِ» أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ؛ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ: «وَجَبَتْ وَجَبَتْ» ثُمَّ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ؛ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ: «وَجَبَتْ وَجَبَتْ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا قَوْلُك: «وَجَبَتْ وَجَبَتْ»؟ قَالَ: «هَذِهِ الْجِنَازَةُ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهَا خَيْرًا؛ فَقُلْت: وَجَبَتْ لَهَا الْجَنَّةُ، وَهَذِهِ الْجِنَازَةُ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهَا شَرًّا؛ فَقُلْت: وَجَبَتْ لَهَا النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ»([112]).
فَإِذَا كَانَ الرَّبُّ -جل شأنه- قَدْ جَعَلَهُمْ شُهَدَاءَ؛ لَمْ يَشْهَدُوا بِبَاطِلِ، فَإِذَا شَهِدُوا أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِشَيْءٍ؛ فَقَدْ أَمَرَ بِهِ، وَإِذَا شَهِدُوا أَنَّ اللَّهَ نَهَى عَنْ شَيْءٍ؛ فَقَدْ نَهَى عَنْهُ، وَلَوْ كَانُوا يَشْهَدُونَ بِبَاطِلٍ أَوْ خَطَأٍ؛ لَمْ يَكُونُوا شُهَدَاءَ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، بَلْ زَكَّاهُمْ اللَّهُ فِي شَهَادَتِهِمْ، كَمَا زَكَّى الْأَنْبِيَاءَ فِيمَا يُبَلِّغُونَ عَنْهُ أَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ عَلَيْهِ إلَّا الْحَقَّ، وَكَذَلِكَ الْأُمَّةُ لَا تَشْهَدُ عَلَى اللَّهِ إلَّا بِحَقٍّ». اهـ
3 – قوله تعالى: ﴿ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﴾ {آل عمران:110}.
• وجه الدلالة: قال أبو بكر الرازي الجصاص الحنفي – ؒ – في «الفصول في الأصول»([113]): «فَشَهِدَ لِلْأُمَّةِ بِهَذِهِ الْخِصَالِ، وَلَوْ جَازَ إجْمَاعُهُمْ عَلَى الْخَطَأِ؛ لَمَا كَانُوا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَلَكَانُوا قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى الْمُنْكَرِ، وَتَرَكُوا الْمَعْرُوفَ، وَقَدْ أَمَّنَنَا اللَّهُ عَنْ وُقُوعِ ذَلِكَ مِنْهُمْ، بِوَصْفِهِ إيَّاهُمْ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَالْمَعْنَى وَصْفُهُ إيَّاهُمْ بِذَلِكَ: أَنَّهَا تَشْتَمِلُ عَلَى مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ». اهـ
4 – قوله تعالى: ﴿ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﴾ {آل عمران: 103}.
• وجه الدلالة: قال ابن حزم – ؒ – في «النبذة الكافية»([114]): «وَلم يكن فِي الدّين إِلَّا إجماعٌ أَو اختلافٌ، فَأخْبر تَعَالَى أَن الِاخْتِلَاف لَيْسَ من عِنْده — فَقَالَ تَعَالَى: ﴿ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﴾ {النساء:82} فصح ضَرُورَةً أن الاجتماع من عِنْده تَعَالَى؛ إذ الْحق من عِنْده تَعَالَى، وَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا إجماعٌ أَو اخْتِلَافٌ، فالاختلاف ليس من عِنْد الله تَعَالَى، فَلم يبْق إِلَّا الإجماع، فَهُوَ من عِنْد الله تَعَالَى بِلَا شكّ، وَمن خَالفه بعد عِلْمِهِ بِهِ، أَوْ قيام الحجة عَلَيْهِ بذلك؛ فقد اسْتحق الْوَعيدَ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَة». اهـ
5 – قوله تعالى: ﴿ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ﴾ {النساء:59}.
• وجه الدلالة: قال أبو الحسين البصري في «المعتمد»([115]): «فَشَرَطَ التَّنَازُعَ فِي وجوب الرَّد إِلَى الْكتاب وَالسّنة، فَدلَّ أَنهم إِذا لم يتنازعوا؛ لم يَجِبْ الرَّدُّ؛ لِأَن تَعْلِيق الحكم بِالشّرطِ يدل على أَن مَا عداهُ بِخِلَافِهِ». اهـ
ثانيًا: من السنة:
1 – قوله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم -: «لا تجتمع أمتي على ضلالة، ويد اللَّه على الجماعة»([116]).
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- أخبر أن أمته لا تجتمع على ضلالة أبدًا، وأن من شَذَّ عن الجماعة؛ فقد شَذَّ في النار، فدل ذلك على أن هذه الأمة أمة معصومة إنْ أجمعتْ على أمرٍ، وهذا يدل على أن الإجماع من أمة محمد -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- حجة([117]).
2 – قوله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: «ومن فارق الجماعة شبرًا؛ فقد خَلَعَ رِبْقَة الإسلام من عُنُقِه»([118]).
• وجه الدلالة: قال ابن قدامة – ؒ – في «روضة الناظر وجَنَّة المناظر»([119]): «وهذه الأخبار لم تَزَلْ ظاهرةً مشهورةً في الصحابة والتابعين، لم يدفعها أحد من السلف والخلف.
وهي وإن لم تتواتر آحادها؛ حصل لنا بمجموعها العِلْمُ الضروريُّ: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- عَظَّمَ شأن هذه الأمة، وبَيَّنَ عِصْمَتَها عن الخطأ.
وبمثل ذلك نجد أنفسنا مُضْطرين إلى تصديق شجاعة علي، وسخاء حاتم، وعِلْم عائشة، وإن لم يكن آحاد الأخبار فيها متواترًا، بل يجوز على كل واحد منها الكذب، لو جرّدنا النظر إليه، ولا يجوز على المجموع.
ويُشْبِهُ ذلك: ما يحصل فيه العِلْمُ بمجموع قرائن: آحادُها لا يَنْفَكُّ عن الاحتمال، ويَحْصُل بمجموعها العلم الضروري». اهـ
منزلة إجماع السلف وأهميته في باب العقائد:
ذكر علماء السنة أن ما أُجْمِع عليه في باب العقائد لا يمكن لأحد مخالفتُهُ ولا الخروجُ عنه؛ لأنه موافق للقرآن والسنة، وعلى هذا فالخارج عليه خارج عن الكتاب والسنة، ومن هنا قال اللالكائي في مقدمة كتابه: «أما بعد، فإنَّ أَوْجَبَ ما على المرء: معرفةُ اعتقاد الدين، وما كَلَّفَ الله به عبادَهُ مِنْ فَهْم توحيده وصفاته، وتصديق رسله بالدلائل واليقين، والتوصل إلى طُرُقها، والاستدلالُ عليها بالحجج والبراهين، وكان من أَعْظَمِ مَقُولٍ وأوضحِ حُجةٍ ومعقولٍ: كتابُ الله الحقُّ المبينُ، ثم قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الأخيار المتقين، ثم ما أَجْمَعَ عليه السلف الصالحون، ثم التمسك بمجموعها، والمقام بها إلى يوم الدين»([120]).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية –ؒ-: «كل ما أَجْمَعَ عليه المسلمون؛ فإنه يكون منصوصًا عليه من الرسول، فالمخالفُ لهم مخالفٌ للرسول، كما أن المخالف للرسول مخالف لله، ولكن هذا يقتضي أن كل ما أُجْمِعَ عليه؛ فقد بَيَّنَهُ الرسول، وهذا هو الصواب، فلا يوجد قط مسألة مُجْمَع عليها؛ إلا وفيها بيان من الرسول، ولكن قد يَخْفَى ذلك على بعض الناس، ويَعْلَمُ الإجماعَ؛ فيستدلُّ به، كما أنه يستدل بالنص من لم يعرف دلالة النص، وهو -أي الإجماع- دليل ثانٍ مع النص، كالأمثال المضروبة في القرآن، وكذلك الإجماع دليل آخر، كما يقال: قد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، وكل من هذه الأصول يدل على الحق مع تلازمها، فإن ما دل عليه الإجماع؛ فقد دل عليه الكتاب والسنة، وما دل عليه القرآن؛ فعن الرسول أُخِذَ، فالكتاب والسنة كلاهما مأخوذ عنه، ولا يُوجَدُ مسألةٌ يتفق الإجماع عليها إلا وفيها نص». اهـ([121])
وأما العقل والفطرة والحس فقد سبق الكلام عنها، والاستدلال بها ابتداء يكون مع غير المسلمين، الذين لا يُقِرُّون بالأدلة النقلية، ثم إثبات أن هذا الأمر الموافق للعقل جاء به الإسلام قبل أربعة عشر قرنًا، فهذا التقرير يجعل غير المسلم ينشرح صدره للإسلام عن اقتناع، وأما مع المسلمين فَيُقَدَّم الاستدلال بالنقل قبل العقل وغيره، ثم يُذْكَر غير النقل على سبيل الاعتضاد لا الاعتماد.
ومُلَخّص هذا الأصل:
أ) أَصْلُ منهج التلقي والاستدلال: الكتاب والسنة والإجماع.
ب) كل ما صَحَّ من السنة وجَبَ العملُ به متواترًا كان أو آحادا، سواء كان في العقيدة أو في غيرها، وإنما يُفْزَعُ إلى الجمع عند التعارض حسب القواعد المعمول بها عند أهل العلم، وإلا ترجيح بين ما ظاهره التعارض.
جـ) خَيْرُ ما يُفَسَّر به القرآنُ القرآنُ، أو السنةُ الثابتة، أو أقوالُ الصحابة الذين عاينوا التنزيل، وعاصَروا أسباب النزول، وفقهوا التأويل، وأقوال الأئمة الذين اهتدوا بهديهم، ثم اللسان العربي([122]).
د) العقلُ الصريحُ لا يناقض النقلَ الصحيحَ، وهو تابعٌ للنقل، والنقُل قائدٌ ومُوَجِّهٌ له فيما لا يدركه بالإجمال أو التفصيل.
قال الشهرستاني –ؒ– في «الملل والنحل»([123]): «اعلم أن أول شُبْهَةٍ وقعت في الخليقة: شُبْهَةُ إبليس -لعنه الله-، ومصدرها: استبدادُهُ بالرأي في مقابلة النص، واختيارُهُ الهوى في معارضة الأمر، واستكبارُهُ بالمادة التي خُلِقَ منها، وهي النار على مادة آدم -♠- وهي الطين». اهـ
وقال الشاطبي –ؒ– في «الموافقات»([124]): «إِذَا تَعَاضَدَ النَّقْلُ وَالْعَقْلُ عَلَى الْمَسَائِلِ الشَّرْعِيَّةِ؛ فَعَلَى شَرْطِ أَنْ يَتَقَدَّمَ النَّقْلُ، فَيَكُونَ مَتْبُوعًا، وَيَتَأَخَّرَ الْعَقْلُ، فَيَكُونَ تَابِعًا، فَلَا يَسْرَحُ الْعَقْلُ فِي مَجَالِ النَّظَرِ إِلَّا بِقَدْرِ مَا يُسَرِّحُهُ النَّقْلُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أُمُورٌ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَوْ جَازَ لِلْعَقْلِ تَخَطِّي مَأْخَذِ النَّقْلِ؛ لَمْ يَكُنْ لِلْحَدِّ الَّذِي حَدَّهُ النَّقْلُ فَائِدَةٌ؛ لِأَنَّ الفَرَض أَنَّهُ حَدَّ لَهُ حَدًّا، فَإِذَا جَازَ تَعَدِّيهِ؛ صَارَ الْحَدُّ غَيْرَ مُفِيدٍ، وَذَلِكَ فِي الشَّرِيعَةِ بَاطِلٌ، فَمَا أَدَّى إِلَيْهِ مِثْلُهُ.
وَالثَّانِي: مَا تَبَيَّنَ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ وَالْأُصُولِ: مِنْ أَنَّ الْعَقْلَ لَا يُحَسِّنُ وَلَا يُقَبِّحُ، وَلَوْ فَرَضْنَاهُ مُتَعَدِّيًا لِمَا حَدَّهُ الشَّرْعُ؛ لَكَانَ مُحَسِّنًا ومُقَبِّحًا، وهذا خُلْفٌ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ؛ لَجَازَ إِبْطَالُ الشَّرِيعَةِ بِالْعَقْلِ، وَهَذَا مُحَالٌ بَاطِلٌ، وَبَيَانُ ذَلِكَ: أَنَّ مَعْنَى الشَّرِيعَةِ أَنَّهَا تَحُدُّ لِلْمُكَلَّفِينَ حُدُودًا: فِي أَفْعَالِهِمْ، وَأَقْوَالِهِمْ، وَاعْتِقَادَاتِهِمْ، وَهُوَ جُمْلَةُ مَا تَضَمَّنَتْهُ، فَإِنْ جَازَ لِلْعَقْلِ تَعَدِّي حَدٍّ وَاحِدٍ؛ جَازَ لَهُ تَعَدِّي جَمِيعِ الْحُدُودِ؛ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ لِلشَّيْءِ ثَبَتَ لِمِثْلِهِ، وَتَعَدِّي حَدٍّ وَاحِدٍ هُوَ مَعْنَى إِبْطَالِهِ؛ أَيْ: لَيْسَ هَذَا الْحَدُّ بِصَحِيحٍ، وَإِنْ جَازَ إِبْطَالُ وَاحِدٍ؛ جَازَ إِبْطَالُ السَّائِرِ، وَهَذَا لَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ؛ لِظُهُورِ مُحَالِهِ». اهـ
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية –ؒ– كما في «مجموع الفتاوى»([125]): «جِمَاعُ الْفُرْقَانِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَالْهُدَى وَالضَّلَالِ، وَالرَّشَادِ وَالْغَيِّ، وَطَرِيقِ السَّعَادَةِ وَالنَّجَاةِ وَطَرِيقِ الشَّقَاوَةِ وَالْهَلَاكِ: أَنْ يَجْعَلَ مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ، وَأَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ: هُوَ الْحَقُّ الَّذِي يَجِبُ اتِّبَاعُهُ، وَبِهِ يَحْصُلُ الْفُرْقَانُ وَالْهُدَى وَالْعِلْمُ وَالْإِيمَانُ، فَيُصَدِّقُ بِأَنَّهُ حَقٌّ وَصِدْقٌ، وَمَا سِوَاهُ مِنْ كَلَامِ سَائِرِ النَّاسِ يُعْرَضُ عَلَيْهِ؛ فَإِنْ وَافَقَهُ؛ فَهُوَ حَقٌّ، وَإِنْ خَالَفَهُ؛ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ: هَلْ وَافَقَهُ أَوْ خَالَفَهُ؛ لِكَوْنِ ذَلِكَ الْكَلَامِ مُجْمَلًا لَا يُعْرَفُ مُرَادُ صَاحِبِهِ، أَوْ قَدْ عُرِفَ مُرَادُهُ وَلَكِنْ لَمْ يُعْرَفْ: هَلْ جَاءَ الرَّسُولُ بِتَصْدِيقِهِ أَوْ تَكْذِيبِهِ؛ فَإِنَّهُ يُمْسِكُ فَلَا يَتَكَلَّمُ إلَّا بِعِلْمِ، وَالْعِلْمُ مَا قَامَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ، وَالنَّافِعُ مِنْهُ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وَقَدْ يَكُونُ عِلْمٌ مِنْ غَيْرِ الرَّسُولِ؛ لَكِنْ فِي أُمُورٍ دُنْيَوِيَّةٍ: مِثْلِ الطِّبِّ، وَالْحِسَابِ، وَالْفِلَاحَةِ، وَالتِّجَارَةِ.
وَأَمَّا الْأُمُورُ الْإِلَهِيَّةُ وَالْمَعَارِفُ الدِّينِيَّةُ؛ فَهَذِهِ الْعِلْمُ فِيهَا مَأْخَذُهُ عَنْ الرَّسُولِ، فَالرَّسُولُ أَعْلَمُ الْخَلْقِ بِهَا، وَأَرْغَبُهُمْ فِي تَعْرِيفِ الْخَلْقِ بِهَا، وَأَقْدَرُهُمْ عَلَى بَيَانِهَا وَتَعْرِيفِهَا، فَهُوَ فَوْقَ كُلِّ أَحَدٍ فِي الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ، وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ بِهَا يَتِمُّ الْمَقْصُودُ، وَمَنْ سِوَى الرَّسُولِ؛ إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي عِلْمِهِ بِهَا نَقْصٌ أَوْ فَسَادٌ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ إرَادَةٌ فِيمَا عَلِمَهُ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمْ يُبَيِّنْهُ: إمَّا لِرَغْبَةِ، وَإِمَّا لِرَهْبَةِ، وَإِمَّا لِغَرَضِ آخَرَ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بَيَانُهُ نَاقِصًا، لَيْسَ بَيَانُهُ الْبَيَانَ عَمَّا عَرَفَهُ الْجَنَانُ». اهـ
وقال أيضًا –ؒ– في «الرد على المنطقيين»([126]): «ومتى تعارض في ظَنِّ الظَّانِّ الكتابُ والميزانُ: النصُّ والقياسُ الشرعيُّ أو العقليُّ؛ فأحد الأمرين لازم: إما فسادُ دلالة ما احْتُجَّ به من النص، وإما بأن لا يكون ثابتا عن المعصوم، أو لا يكونَ دالا على ما ظَنَّهُ، أو فسادُ دلالة ما احتج به من القياس، سواء كان شرعيا أو عقليا؛ بفساد بعض مقدماته أو كلها؛ لما يقع في الأَقْيِسَة من الألفاظ المُجْمَلَة المُشْتَبِهَة». اهـ
ويقول – ؒ – كما في «مجموع الفتاوى»([127]): «وكان من أعظم ما أنعم الله به عليهم: اعتصامُهُم بالكتاب والسنة، فكان من الأصول المتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان: أنه لا يُقْبَل من أحد قط أن يعارض القرآنَ: لا برأيه، ولا ذَوْقه، ولا معقوله، ولا قياسه، ولا وَجْدِهِ؛ فإنهم ثبت عنهم بالبراهين القطعيات، والآيات البينات: أن الرسول جاء بالهدى ودين الحق، وأن القرآن يَهْدِي للتي هي أَقْوَمُ، فيه نَبَأُ مَنْ قَبْلَهُم، وخَبَرُ ما بعدهم، وحُكْمُ ما بينهم، هو الفَصْلُ ليس بالهَزْلِ، مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جبارٍ؛ قَصَمَهُ الله، ومَنِ ابتغى الهدى في غيره؛ أَضَلَّهُ الله، هو حَبْلُ الله المتين، وهو الذِّكْر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تَلْتَبِسُ به الأَلْسُنُ، فلا يستطيع أن يزيغه إلى هواه، ولا يُحرّف به لسانَهُ، ولا يَخْلَقُ عن كَثْرة التَّرْداد، فإذا رُدّد مرة بعد مرة، لم يَخْلَقْ، ولم يُمَلَّ كغيره من الكلام، ولا تَنْقَضِي عجائبه، ولا تَشْبَع منه العلماء، مَنْ قال به صَدَقَ، ومَنْ عَمِلَ به أُجِرَ، ومن حَكَمَ به عَدَلَ، ومن دعا إليه هُدِيَ إلى صراط مستقيم.
فكان القرآن هو الإمامُ الذي يُقْتَدَى به، ولهذا لا يُوجَدُ في كلام أحد من السلف أنه عارَضَ القرآن بعقل ورَأْي وقياس، ولا بذَوْق ووَجْدٍ ومُكَاشَفَة، ولا قال قط: قد تعارض في هذا العقلُ والنقلُ…». اهـ
وقال –ؒ– في «درء تعارض العقل والنقل»([128]): «ففي الجملة: النصوص الثابتة في الكتاب والسنة لا يعارضها معقول بَيِّنٌ قَطُّ، ولا يعارضها إلا ما فيه اشتباه واضطراب، وما عُلِمَ أنه حَقٌّ، لا يعارِضه ما فيه اضطراب واشتباه لم يُعْلَمْ أنه حَقٌّ.
بل نقول قولًا عامًّا كُلِّيًّا: إن النصوص الثابتة عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يعارِضْها قطُّ صريحُ معقول، فضلا عن أن يكون مُقَدَّمًا عليها، وإنما الذي يعارضها شُبَهٌ وخيالات، مبناها علي معانٍ متشابهةٍ، وألفاظٍ مجملة، فمتي وقع الاستفسارُ والبيانُ؛ ظهر أن ما عارضها شُبَهٌ سوفسطائية، لا براهين عقلية.
ومما يوضح هذا:
أن يقال: القول بتقديم الإنسان لمعقوله علي النصوص النبوية قولٌ لا ينضبط، وذلك لأن أهل الكلام والفلسفة الخائضين المتنازعين فيما يُسَمُّونه عقليات، كل منهم يقول: إنه يَعْلَمُ بضرورة العقل، أو بِنَظَرِهِ ما يَدَّعِي الآخَرُ أن المعلوم بضرورة العقل أو بِنَظَرِهِ نقيضُه.
وهذا من حيث الجملة معلوم: فالمعتزلة ومن اتبعهم من الشيعة يقولون: إن أَصْلَهم المتضمنَ نَفْيَ الصفات والتكذيبَ بالقدر ـ الذي يُسَمُّونه التوحيدَ والعَدْلَ ـ معلوم بالأدلة العقلية القطعية، ومخالفوهم من أهل الإثبات يقولون: إن نقيض ذلك معلوم بالأدلة القطعية العقلية.
بل الطائفتان ومن ضاهاهما يقولون: إن عِلْم الكلام المحض هو ما أَمْكَنَ عِلْمُه بالعقل المجرد بدون السمع: كمسألة الرؤية، والكلام، وخَلْق الأفعال، وهذا هو الذي يجعلونه قطعيًا، ويُؤَثِّمُون المخالفَ فيه.
وكل من طائفتي النفي والإثبات فيهم من الذكاء والعقل والمعرفة ما هم متميزون به علَى كثير من الناس، وهذا يقول: إن العقلَ الصريحَ دل علي النفي، والآخر يقول: العقلُ الصريحُ دل علي الإثبات.
وهم متنازعون في المسائل التي دلت عليها النصوص، كمسائل الصفات والقدر، وأما المسائل المُوَلَّدَة؛ كمسألة الجوهر الفرد، وتماثل الأجسام، وبقاء الأعراض، وغير ذلك؛ ففيها من النزاع بينهم ما يطول استقصاؤه، وكل منهم يدعي فيها القَطْعَ العقليَّ.
ثم كل من كان عن السنة أَبْعَدَ؛ كان التنازع والاختلاف بينهم في معقولاتهم أَعْظَمَ، فالمعتزلة أكثر اختلافًا من متكلمة أهل الإثبات، وبين البصريين والبغداديين منهم من النزاع ما يطول ذِكْرُه، والبصريون أقرب إلي السنة والإثبات من البغداديين، ولهذا كان البصريون يثبتون كون البارئ سميعًا بصيرًا مع كونه حيًا عليمًا قديرًا، ويثبتون له الإرادة، ولا يوجبون الأصلح في الدنيا، ويثبتون خبر الواحد والقياس، ولا يُؤَثِّمُون المجتهدين، وغير ذلك.
ثم بين المشايخة والحسينية ـ أتباع أبي الحسن البصري ـ من التنازع ما هو معروف.
وأما الشيعة؛ فأعظم تفرقًا واختلافًا من المعتزلة؛ لكونهم أَبْعَدَ عن السنة منهم، حتى قيل: إنهم يَبْلُغون اثنتين وسبعين فرقة.
وأما الفلاسفة؛ فلا يَجْمَعُهم جامِعٌ، بل هم أعظم اختلافًا من جميع طوائف المسلمين واليهود والنصارى.
والفلسفة التي ذهب إليها الفارابي وابن سينا إنما هي فلسفة المشائين، أَتْبَاع أرسطو صاحب التعاليم، وبينه وبين سلفه من النزاع والاختلاف ما يطول وَصْفُهُ، ثم بين أَتْبَاعه من الخلاف ما يطول وَصْفُهُ.
وأما سائر طوائف الفلاسفة؛ فلو حُكِي اختلافُهم في عِلْم الهيئة وحَدِّه؛ لكان أعظَمَ من اختلاف كل طائفة من طوائف أهل القبلة، والهيئة عِلْمٌ رياضي حسابي، هو من أصح علومهم، فإذا كان هذا اختلافَهُم فيه، فكيف باختلافهم في الطبيعيات، أو المنطق؟ فكيف بالإلهيات؟.
واعْتَبِرْ هذا بما ذكره أربابُ المقالات عنهم في العلوم الرياضية والطبيعية، كما نقله الأشعري عنهم في كتابه في «مقالات غير الإسلاميين»، وما ذكره القاضي أبو بكر عنهم في كتابه «الدقائق» فإن في ذلك من الخلاف عنهم أضعافَ أضعافِ ما ذكره الشهرستاني وأمثاله ممن يَحْكِي مقالاتهم، فكلامُهُم في العلم الرياضي ـ الذي هو أصح علومهم العقلية ـ قد اختلفوا فيه اختلافًا لا يكاد يُحْصَي، ونَفْسُ الكتاب الذي اتفق عليه جمهورُهُم ـ وهو كتاب المجسطي لبطليموس ـ فيه قضايا كثيرة لا يقوم عليها دليل صحيح، وفيه قضايا ينازعه غيره فيها، وفيه قضايا مبنية علي أرصاد منقولة عن غيره، تَقْبَلُ الغَلَطَ والكَذِبَ.
وكذلك كلامهم في الطبيعيات في الجسم، وهل هو مُرَكَّب من المادة والصورة، أو الأجزاء التي لا تنقسم، أو ليس بمركَّب لا من هذا ولا من هذا؟
وكثير من حُذَّاق النظار حار في هذه المسائل، حتى أذكياء الطوائف كأبي الحسين البصري، وأبي المعالي الجويني، وأبي عبد الله ابن الخطيب ـ حاروا في مسألة الجوهر الفرد، فتوقفوا فيها تارة، وإن كانوا قد يجزمون بها أخري، فإن الواحد من هؤلاء تارة يجزم بالقولين المتناقضين في كتابين أو كتاب واحد، وتارة يَحَارُ فيها، مع دعواهم أن القول الذي يقولونه قَطْعِيٌّ برهانيٌّ عقليٌّ لا يحتمل النقيض…» إلى آخر ما قال -ؒ-.
وانظر ما قال الإمام ابن القيم في «إعلام الموقعين عن رب العالمين»([129])، وكذا في «النونية»([130]) وقد سبق قريبًا.
وقال ابن أبي العز –ؒ– في «شرح الطحاوية»([131]): «وَسَبَبُ الْإِضْلَالِ: الْإِعْرَاضُ عَنْ تَدَبُّرِ كَلَامِ اللَّهِ وَكَلَامِ رَسُولِهِ، وَالِاشْتِغَالُ بِكَلَامِ الْيُونَانِ وَالْآرَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ هَؤُلَاءِ: أَهْلَ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُفِيدُوا عِلْمًا لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا، وَإِنَّمَا أَتَوْا بِزِيَادَةِ كَلَامٍ قَدْ لَا يُفِيدُ، وَهُوَ مَا يَضْرِبُونَهُ مِنَ الْقِيَاسِ لِإِيضَاحِ مَا عُلِمَ بِالْحِسِّ، وَإِنْ كَانَ هَذَا الْقِيَاسُ وَأَمْثَالُهُ يُنْتَفَعُ بِهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَمَعَ مَنْ يُنْكِرُ الْحِسَّ، وَكُلُّ مَنْ قَالَ بِرَأْيِهِ وَذَوْقِهِ وَسِيَاسَتِهِ – مَعَ وُجُودِ النَّصِّ، أَوْ عَارَضَ النَّصَّ بِالْمَعْقُولِ؛ فَقَدْ ضَاهَى إِبْلِيسَ، حَيْثُ لَمْ يُسَلِّمْ لِأَمْرِ رَبِّهِ، بَلْ قَالَ: ﴿ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﴾ {الأعراف:12}. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﴾ {النساء:80}. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﴾ {آل عمران:31}. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﴾ {النساء:65}. أَقْسَمَ سُبْحَانَهُ بِنَفْسِهِ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوا نَبِيَّهُ، وَيَرْضَوْا بِحُكْمِهِ، وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا». اهـ
وقال ابن الوزير –ؒ– في «إيثار الحق على الخلق»([132]): «فإن قيل: تَقْدِيم الْعقل على السّمع أَوْلَى عِنْد التَّعَارُض؛ لِأَن السّمع عُلِمَ بِالْعقلِ، فَهُوَ أَصْلُه، وَلَو بَطَلَ الْعقلُ بَطَلَ السّمعُ وَالْعقلُ مَعًا، وَهَذِه من قَوَاعِد الْمُتَكَلِّمين.
قُلْنَا: قد اعْتَرَضَهُمْ فِي ذَلِك الْمُحَقِّقُونَ بِأَن الْعُلُوم يَسْتَحِيل تعارُضُها فِي الْعقل والسمع، فتعارُضُها تَقْدِيرُ مُحَالٍ، فإنه لَو بَطل السّمعُ أَيْضا بعد أَن دلّ الْعقل على صِحَّته؛ لَبَطَلا مَعًا أَيْضا؛ لِأَن الْعقل قد كَانَ حَكَمَ بِصِحَّة السّمع، وَأَنه لَا يَبْطُلُ، فحين بَطَلَ السّمعُ؛ عَلِمْنَا بِبُطْلَانِهِ بطلَانَ الأحكام الْعَقْلِيَّة، وَمِمَّنْ ذكر ذَلِك ابْن تَيْمِية وَابْن دَقِيق الْعِيد وَالزَّرْكَشِيّ فِي «شرح جمع الْجَوَامِع». اهـ
🕮 🕮 🕮
الأصل الثاني:
- أهلُ السُّنَّة يُبَيِّنُون الحقائقَ العقدية بيانًا واضحًا، خاليًا من التعقيد اللفظي والمعنوي الذي عند غيرهم، ولأنهم يأتون بالألفاظ الواردة في الكتاب والسنة، والتي استعملها أئمة السلف، بخلاف الألفاظ المُحْدَثة، والمُشْتَبهة المُوهِمة.
وأما مُخَالفوهم فحالُهم لا يخْلو من:
أ- استعمالِ اللفظ في غير معناه الذي وُضِع له بمفرده أو في السياق.
ب- استعمالِ الألفاظ المشتركة وضْعًا.
جـ- استعمال الألفاظ المُجْمَلة وضْعًا أو بسبب تَعَدُّد الاصطلاحات.
د- تحميلِ اللفظ مالا يَحْتَمل من المعاني.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ؒ – كما في «مجموع الفتاوى»([133]): «الْمَقْصُودُ: التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يُرَاعُونَ لَفْظَ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ فِيمَا يُثْبِتُونَهُ وَيَنْفُونَهُ عَنْ اللَّهِ مِنْ صِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، فَلَا يَأْتُونَ بِلَفْظِ مُحْدَثٍ مُبْتَدَعٍ فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، بَلْ كُلُّ مَعْنًى صَحِيحٍ؛ فَإِنَّهُ دَاخِلٌ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ
-صلى الله عليه وسلم-، وَالْأَلْفَاظُ الْمُبْتَدَعَةُ لَيْسَ لَهَا ضَابِطٌ، بَلْ كُلُّ قَوْمٍ يُرِيدُونَ بِهَا مَعْنًى غَيْرَ الْمَعْنَى الَّذِي أَرَادَهُ أُولَئِكَ: كَلَفْظِ الْجِسْمِ، وَالْجِهَةِ، وَالْحَيِّزِ، وَالْجَبْرِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ بِخِلَافِ أَلْفَاظِ الرَّسُولِ؛ فَإِنَّ مُرَادَهُ بِهَا يُعْلَمُ كَمَا يُعْلَمُ مُرَادُهُ بِسَائِرِ أَلْفَاظِهِ، وَلَوْ يَعْلَمُ الرَّجُلُ مُرَادَهُ؛ لَوَجَبَ عَلَيْهِ الْإِيمَانُ بِمَا قَالَهُ مُجْمَلًا، وَلَوْ قُدِّرَ مَعْنًى صَحِيحٌ، وَالرَّسُولُ -صلى الله عليه وسلم- لَمْ يُخْبِرْ بِهِ -؛ لَمْ يَحِلَّ لِأَحَدِ أَنْ يُدْخِلَهُ فِي دِينِ الْمُسْلِمِينَ، بِخِلَافِ مَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ -صلى الله عليه وسلم-؛ فَإِنَّ التَّصْدِيقَ بِهِ وَاجِبٌ.
وَالْأَقْوَالُ الْمُبْتَدَعَةُ تَضَمَّنَتْ تَكْذِيبَ كَثِيرٍ مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ -صلى الله عليه وسلم- وَذَلِكَ يَعْرِفُهُ مَنْ عَرَفَ مُرَادَ الرَّسُولِ -صلى الله عليه وسلم- وَمُرَادَ أَصْحَابِ تِلْكَ الْأَقْوَالِ الْمُبْتَدَعَةِ.
وَلَمَّا انْتَشَرَ الْكَلَامُ الْمُحْدَثُ، وَدَخَلَ فِيهِ مَا يُنَاقِضُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، وَصَارُوا يُعَارِضُونَ بِهِ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ؛ صَارَ بَيَانُ مُرَادِهِمْ بِتِلْكَ الْأَلْفَاظِ وَمَا احْتَجُّوا بِهِ لِذَلِكَ مِنْ لُغَةٍ وَعَقْلٍ يُبَيِّنُ لِلْمُؤْمِنِ مَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَقَعَ فِي الْبِدْعَةِ وَالضَّلَالِ، أَوْ يَخْلُصُ مِنْهَا – إنْ كَانَ قَدْ وَقَعَ – وَيَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ فِي الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ مَا يُعَارِضُ إيمَانَهُ بِالرَّسُولِ -صلى الله عليه وسلم- مِنْ ذَلِكَ، وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ -صلى الله عليه وسلم- لَا يُدْفَعُ بِالْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ، كَلَفْظِ التَّجْسِيمِ وَغَيْرِهِ مِمَّا قَدْ يَتَضَمَّنُ مَعْنًى بَاطِلًا، وَالنَّافِي لَهُ يَنْفِي الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ، فَإِذَا ذُكِرَتْ الْمَعَانِي الْبَاطِلَةُ؛ نَفَرَتْ الْقُلُوبُ، وَإِذَا أَلْزَمُوهُ مَا يُلْزِمُونَهُ مِنْ التَّجْسِيمِ الَّذِي يَدَّعُونَهُ؛ نَفَرَ إذَا قَالُوا لَهُ: هَذَا يَسْتَلْزِمُ التَّجْسِيمَ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يُعْقَلُ إلَّا فِي جِسْمٍ؛ لَمْ يَحْسُنْ نَقْضُ مَا قَالُوهُ، وَلَمْ يَحْسُنْ حَلُّهُ، وَكُلُّهُمْ مُتَنَاقِضُونَ.
وَحَقِيقَةُ كَلَامِهِمْ: أَنَّ مَا وَصَفَ بِهِ الرَّبُّ نَفْسَهُ لَا يُعْقَلُ مِنْهُ إلَّا مَا يُعْقَلُ فِي قَلِيلٍ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ الَّتِي نَشْهَدُهَا، كَأَبْدَانِ بَنِي آدَمَ، وَهَذَا فِي غَايَةِ الْجَهْلِ؛ فَإِنَّ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ مَخْلُوقَاتٍ لَمْ نَشْهَدْهَا، كَالْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ، حَتَّى أَرْوَاحِنَا، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ -صلى الله عليه وسلم- مُمَاثِلًا لَهَا، فَكَيْفَ يَكُونُ مُمَاثِلًا لِمَا شَاهَدُوهُ، وَهَذَا الْكَلَامُ فِي لَفْظِ الْجِسْمِ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ، وَأَمَّا الشَّرْعُ فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ وَلَا سَلَفِ الْأُمَّةِ أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ، أَوْ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِجِسْمِ؛ بَلْ النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ بِدْعَةٌ فِي الشَّرْعِ، وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ فَبَيْنَهُمْ نِزَاعٌ فِيمَا اتَّفَقُوا عَلَى تَسْمِيَتِهِ جِسْمًا: كَالسَّمَاءِ، وَالْأَرْضِ، وَالرِّيحِ، وَالْمَاءِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُشَارُ إلَيْهِ، وَيُخْتَصُّ بِجِهَةِ، وَهُوَ مُتَحَيِّزٌ، قَدْ تَنَازَعُوا: هَلْ هُوَ مُرَكَّبٌ مِنْ جواهر لَا تَقْبَلُ الْقِسْمَةَ، أَوْ مِنْ مَادَّةٍ وَصُورَةٍ، أَوْ لَا مِنْ هَذَا وَلَا مِنْ هَذَا؟ وَأَكْثَرُ الْعُقَلَاءِ عَلَى الْقَوْلِ الثَّالِثِ». اهـ
وقال أيضًا –ؒ– كما في «مجموع الفتاوى»([134]): «الأَحْسَنُ في هذا الباب: مراعاةُ ألفاظ النصوص، فَيُثْبِتُ ما أَثْبَتَهُ الله ورسوله باللفظ الذي أثبته، ويَنْفِي ما نفاه الله ورسوله كما نفاه». اهـ
وقال –ؒ– في «النبوات»([135]): «والتعبير عن حقائق الإيمان بعبارات القرآن أَوْلَى من التعبير عنها بغيرها؛ فإن ألفاظ القرآن يجب الإيمان بها، وهي تنزيل من حكيم حميد، والأمة متفقة عليها، ويجب الإقرار بمضمونها قبل أن تُفْهَم، وفيها من الحِكَم والمعاني ما لا تَنْقَضِي عجائبه، والألفاظ المُحْدَثَة فيها إجمال واشتباه ونزاع.
ثمّ قد يُجعل اللفظُ حجةً بمجرده، وليس هو قول الرسول الصادق المصدوق، وقد يُضطَّرَب في معناه، وهذا أمرٌ يعرفه من جرّبه من كلام الناس.
فالاعتصام بحبل الله يكون بالاعتصام بالقرآن والإسلام، كما قال تعالى: ﴿ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﴾ {آل عمران:103}.
ومتى ذُكِرَتْ ألفاظُ القرآن والحديث، وبُيِّن معناها بيانًا شافيًا؛ فإنّها تنتظم جميعَ ما يقوله الناس من المعاني الصحيحة، وفيها زيادات عظيمة لا تُوجَد في كلام الناس، وهي محفوظة مما دَخَلَ في كلام الناس من الباطل؛ كما قال: ﴿ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﴾ {الحجر:9}، وقال تعالى: ﴿ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ﴾ {فصلت:41-42}، وقال تعالى: ﴿ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﴾ {هود:1}، وقال: ﴿ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﴾ {يونس:1}، وفيه من دلائل الربوبية، والنبوة، والمعاد ما لا يُوجَد في كلام أحدٍ من العِبَاد؛ ففيه أصولُ الدين المفيدةُ لليقين». اهـ
وقال –ؒ– كما في «مجموع الفتاوى»([136]): «وأما الألفاظ التي ليست في الكتاب والسنة، ولا اتفق السلف على نفيها أو إثباتها؛ فهذه ليس على أحد أن يوافق من نفاها أو أثبتها حتى يَسْتَفْسِر عن مراده؛ فإن أراد بها معنى يوافق خبر الرسول؛ أَقَرَّ به، وإن أراد بها معنى يخالف خبر الرسول؛ أنكره، ثم التعبير عن تلك المعاني إن كان في ألفاظه اشتباه أو إجمال؛ عُبِّرَ بغيرها، أو بَيَّنَ مرادَهُ بها، بحيث يحصل تعريف الحق بوجه الشرع». اهـ
وقال الإمام أحمد –ؒ– في مقدمة كتابه في «الرد على الجهمية»([137]): «يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يُشَبِّهُون عليهم، فنعوذ بالله من الفتن». اهـ
وقال شيخ الإسلام –ؒ– في «درء تعارض العقل والنقل»([138]) معلقًا على كلام الإمام أحمد -رحمهما الله تعالى-: «والمقصود هنا قوله: «يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويَخْدَعون جُهَّالَ الناس بما يُشَبِّهُون عليهم»، وهذا الكلام المتشابه الذي يَخْدَعُون به جُهَّالَ الناس هو الذي يتضمن الألفاظَ المتشابهةَ المجملةَ التي يعارضون بها نصوصَ الكتاب والسنة، وتلك الألفاظ تكون موجودة مستعملة في الكتاب والسنة وكلام الناس، لكن بمعانٍ أُخَر، غيرِ المعاني التي قصدوها هم بها، فيقصدون هم بها معانِىَ أُخَر، فَيَحْصُلُ الاشتباهُ والإجمالُ، كلفظ العقل والعاقل والمعقول؛ فإن لفظ العقل في لغة المسلمين إنما يدل على عَرَضٍ، إما مُسَمَّى مَصْدر عَقَلَ يَعْقِل عَقْلًا، وإما قوةٍ يكون بها العقلُ، وهي الغريزة، وهم يريدون بذلك جوهرًا مجردًا قائمًا بنفسه، وكذلك لفظ المادة والصورة، بل وكذلك لفظ الجوهر، والعَرَضَ، والجسم، والتَّحَيُّز، والجهة، والتركيب، والجزء، والافتقار، والعلة، والمعلول، والعاشق، والعشق، والمعشوق، بل ولفظ الواحد في التوحيد، بل ولفظ الحدوث والقِدَمِ، بل ولفظ الواجب والمُمْكِن، بل ولفظ الوجود والموجود والذات، وغير ذلك من الألفاظ». اهـ
وقال –ؒ – أيضًا في «درء تعارض العقل والنقل»([139]): «هؤلاء عَمَدُوا إلى ألفاظ مُجْمَلَة مُشْتَبَهَة تحتمل في لغات الأمم معانِيَ متعددةً، وصاروا يُدْخِلون فيها من المعاني ما ليس هو المفهوم منه في لغات الأمم، ثم رَكَّبُوها وأَلَّفُوها تأليفًا طويلًا، بَنْوا بَعْضَه على بعض، وعَظَّمُوا قولهم، وهَوَّلُوه في نفوس من لم يَفْهَمْه، ولا ريب أن فيه دقة وغموضًا؛ لما فيه من الألفاظ المشتركة والمعاني المشتبهة، فإذا دخل معهم الطالب وخاطبوه بما تنفر عنه فطرته، فأخذ يعترض عليهم؛ قالوا له: أنت لا تَفْهَم هذا، وهذا لا يَصْلُحُ لك، فيبقى ما في النفوس من الأَنَفَةِ والحَمِيَّةِ يَحْمِلُها على أن تُسَلِّم تلك الأمورَ قبل تحقيقها عنده، وعلى ترك الاعتراض عليها؛ خشية أن يَنْسبوه إلى نَقْص العلم والعقل». اهـ
وقال –ؒ – أيضًا في «درء تعارض العقل والنقل»([140]): «فعامة ما يُلَبِّسُ به هؤلاء النفاةُ -أي نفاة الصفات- ألفاظٌ مجملةٌ متشابهةٌ، إذا فُسِّرَتْ معانيها، وفُصِلَ بين ما هو حَقٌّ منها وبين ما هو باطل؛ زالت الشبهة، وتبين أن الحق الذي لا محيد عنه هو قول أهل الإثبات للمعاني والصفات». اهـ
وقال –ؒ – في «مجموع الفتاوى»([141]): «فإن كثيرًا من نزاع الناس سببه ألفاظ مجملةٌ مُبْتَدَعَةٌ، ومعانٍ مُشْتَبَهَةٌ، حتى تجد الرجلين يتخاصمان ويتعاديان على إطلاق ألفاظ ونفيها، ولو سئل كل منهما عن معنى ما قاله؛ لم يتصورْهُ -فضلًا عن أن يَعْرف دليله-، ولو عرف دليله؛ لم يَلْزَم أن من خالفه يكون مخطئًا؛ بل يكون في قوله نوعٌ من الصواب، وقد يكون هذا مصيبًا من وَجْهٍ، وهذا مصيبًا من وَجْهٍ، وقد يكون الصواب في قول ثالث، وكثير من الكتب المصنفة في أصول علوم الدين وغيرها، تجد الرجل المُصَنِّفَ فيها، في المسألة العظيمة: كمسألة القرآن، والرؤية، والصفات، والمعاد، وحدوث العالم وغير ذلك، يَذْكر أقوالًا متعددة، والقول الذي جاء به الرسولُ، وكان عليه سلف الأمة ليس في تلك الكُتب؛ بل ولا عَرَفَهُ مُصَنِّفُوها، ولا شعروا به، وهذا من أسباب توكيد التفريق والاختلاف بين الأمة، وهو مما نُهِيَتْ الأمةُ عنه، كما في قوله تعالى: ﴿ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ﴾ { آل عمران:105-106}، قال ابن عباس: «تَبْيَضَّ وجوهُ أهل السنة والجماعة، وتَسْوَدُّ وجوهُ أهل البدعة والفُرْقة». اهـ
قلت: وقد مضى أن أثر ابن عباس لا يصح سندا، وإن كان صحيحا معنىً.
وقال الإمام ابن القيم – ؒ – في «بدائع الفوائد»([142]): «إن النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – كان يحافِظُ على ألفاظ القرآن تقديمًا وتأخيرًا، وتعريفًا وتنكيرًا، كما يحافظُ على معانِيه، ومنه: قولُه وقد بدأ بالصَّفا: «ابْدَأُوا بما بَدَأَ اللهُ به»([143])، ومنه: بداءته في الوضوء بالوجهِ، ثم باليدينِ اتِّبَاعًا للفظ القرآن، ومنه: قولُه في حديث البَرَاء ابن عازب: «آمنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، ونَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ» موافقةً لقوله: ﴿ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﴾ {الأحزاب:45}». اهـ
وقال ابن أبي العز – ؒ – في «شرح العقيدة الطحاوية»([144]): «والألفاظ التي وَرَدَ بها النَّصُّ يُعْتَصَم بها في الإثبات والنفي، فَنُثْبِتُ ما أَثبته الله ورسوله من الألفاظ والمعاني، ونَنْفِي ما نَفَتْهُ نصوصُهما من الألفاظ والمعاني، وأما الألفاظ التي لم يَرِدْ نفيها ولا إثباتها؛ فلا تُطْلَق حتى يُنْظَر في مقصود قائلها: فإن كان معنى صحيحًا؛ قُبِلَ، لكن ينبغي التعبير عنه بألفاظ النصوص دون الألفاظ المجملة إلا عند الحاجة، مع قرائن تُبَيِّنُ المراد، والحاجةُ مثلُ أن يكون الخطابُ مع من لا يتم المقصود معه إن لم يخاطَبْ بها، ونحو ذلك». اهـ
🕮 🕮 🕮
الأصل الثالث:
- أصولُ الدين وفروعُه ومسائلُه ودلائلُه كلُّ ذلك بيّنه لنا رسولُ الله
-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-:
فالأصولُ قد أجمعوا عليها -في مجموعها- من جهة الثبوت، وكذا اجتمعوا على فهم دلالتها، وأما الفروع فقد اختلفوا في ثبوت بعضها وفي دلالتها، والفهمُ الصحيحُ فَضْلٌ من الله يؤتيه من يشاء؛ وفي الحديث: «إذا حَكَم الحاكمُ، فاجتهد ثم أصاب؛ فله أَجْران، وإذا حَكَم، فاجتهد ثم أخطأ؛ فله أجر»([145]) فليس لأحد أن يُحْدِثَ شيئًا زاعمًا أنه من الدين، فيعارِضَ به نصًّا مُحْكَمًا أو إجماعًا مُتَيقّنًا؛ فإن الدين قد اكتمل، كما قال –جل شأنه-: ﴿ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﴾ {المائدة:3} والوحْيُ قد انقطع بعد موت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-.
قال شيخ الإسلام – ؒ – كما في «مجموع الفتاوى»([146]): «فَصْلٌ: فِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بَيَّنَ جَمِيعَ الدِّينِ: أُصُولَهُ وَفُرُوعَهُ؛ بَاطِنَهُ وَظَاهِرَهُ، عِلْمَهُ وَعَمَلَهُ؛ فَإِنَّ هَذَا الْأَصْلَ هُوَ أَصْلُ أُصُولِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ أَعْظَمَ اعْتِصَامًا بِهَذَا الْأَصْلِ؛ كَانَ أَوْلَى بِالْحَقِّ عِلْمًا وَعَمَلًا… إلى أن قال -ؒ-:
وَأَمَّا أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ فَمُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الرُّسُلَ لَمْ يَقُولُوا إلَّا الْحَقَّ، وَأَنَّهُمْ بَيَّنُوهُ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّهُمْ أَعْلَمُ الْخَلْقِ بِالْحَقِّ، فَهُمْ الصَّادِقُونَ الْمَصْدُوقُونَ، عَلِمُوا الْحَقَّ وَبَيَّنُوهُ…
والمتكلمون مِنْ الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ سَلَكَ فِي إثْبَاتِ الصَّانِعِ طَرِيقَ الْأَعْرَاضِ، يَقُولُونَ: إنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يُبَيِّنُوا أُصُولَ الدِّينِ، بَلْ وَلَا الرَّسُولُ: إمَّا لِشَغْلِهِمْ بِالْجِهَادِ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَؤُلَاءِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَبَيَّنَّا أَنَّ أُصُولَ الدِّينِ الْحَقِّ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ بِهِ كِتَابَهُ، وَأَرْسَلَ بِهِ رَسُولَهُ، وَهِيَ الْأَدِلَّةُ وَالْبَرَاهِينُ وَالْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى ذَلِكَ؛ قَدْ بَيَّنَهَا الرَّسُولُ أَحْسَنَ بَيَانٍ، وَأَنَّهُ دَلَّ النَّاسَ وَهَدَاهُمْ إلَى الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْبَرَاهِينِ الْيَقِينِيَّةِ الَّتِي بِهَا يَعْلَمُونَ الْمَطَالِبَ الْإِلَهِيَّةَ، وَبِهَا يَعْلَمُونَ: إثْبَاتَ رُبُوبِيَّةِ اللَّهِ، وَوَحْدَانِيِّتِهِ، وَصِفَاتِهِ، وَصِدْقِ رَسُولِهِ، وَالْمُعَادِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَتِهِ بِالْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ، بَلْ وَمَا يُمْكِنُ بَيَانُهُ بِالْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهَا؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأُمُورِ تُعْرَفُ بِالْخَبَرِ الصَّادِقِ، وَمَعَ هَذَا فَالرَّسُولُ بَيَّنَ الْأَدِلَّةَ الْعَقْلِيَّةَ الدَّالَّةَ عَلَيْهَا؛ فَجَمَعَ بَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ: السَّمْعِيِّ؛ وَالْعَقْلِيِّ.
وَبَيَّنَّا أَنَّ دَلَالَةَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى أُصُولِ الدِّينِ لَيْسَتْ بِمُجَرَّدِ الْخَبَرِ؛ كَمَا تَظُنُّهُ طَائِفَةٌ مِنْ الغالطين مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْحَدِيثِ وَالْفُقَهَاءِ وَالصُّوفِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، بَلْ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ دَلَّا الْخَلْقَ وَهَدَيَاهُمْ إلَى الْآيَاتِ وَالْبَرَاهِينِ وَالْأَدِلَّةِ الْمُبَيِّنَةِ لِأُصُولِ الدِّينِ، وَهَؤُلَاءِ الغالطون الَّذِينَ أَعْرَضُوا عَمَّا فِي الْقُرْآنِ مِنْ الدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْبَرَاهِينِ الْيَقِينِيَّةِ صَارُوا إذَا صَنَّفُوا فِي أُصُولِ الدِّينِ أَحْزَابًا:
حِزْبٌ: يُقَدِّمُونَ فِي كُتُبِهِمْ الْكَلَامَ فِي النَّظَرِ وَالدَّلِيلِ وَالْعِلْمِ، وَأَنَّ النَّظَرَ يُوجِبُ الْعِلْمَ، وَأَنَّهُ وَاجِبٌ، وَيَتَكَلَّمُونَ فِي جِنْسِ النَّظَرِ وَجِنْسِ الدَّلِيلِ وَجِنْسِ الْعِلْمِ بِكَلَامٍ قَدْ اخْتَلَطَ فِيهِ الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ، ثُمَّ إذَا صَارُوا إلَى مَا هُوَ الْأَصْلُ وَالدَّلِيلُ لِلَّذِينَ اسْتَدَلُّوا بِحُدُوثِ الْأَعْرَاضِ عَلَى حُدُوثِ الْأَجْسَامِ، وَهُوَ دَلِيلٌ مُبْتَدَعٌ فِي الشَّرْعِ وَبَاطِلٌ فِي الْعَقْلِ.
وَالْحِزْبُ الثَّانِي: عَرَفُوا أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ مُبْتَدَعٌ، وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ مُخَالَفَةَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَعَنْهُ يَنْشَأُ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ، وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ، وَلَيْسَ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ بِدَعِ الْجَهْمِيَّة؛ فَصَنَّفُوا كُتُبًا قَدَّمُوا فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الِاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَكَلَامِ السَّلَفِ، وَذَكَرُوا أَشْيَاءَ صَحِيحَةً، لَكِنَّهُمْ قَدْ يَخْلِطُونَ الْآثَارَ صَحِيحَهَا بِضَعِيفِهَا، وَقَدْ يَسْتَدِلُّونَ بِمَا لَا يَدُلُّ عَلَى الْمَطْلُوبِ، وَأَيْضًا فَهُمْ إنَّمَا يَسْتَدِلُّونَ بِالْقُرْآنِ مِنْ جِهَةِ إخْبَارِهِ، لَا مِنْ جِهَةِ دَلَالَتِهِ، فَلَا يَذْكُرُونَ مَا فِيهِ مِنْ الْأَدِلَّةِ عَلَى إثْبَاتِ الرُّبُوبِيَّةِ والوحدانية وَالنُّبُوَّةِ وَالْمُعَادِ، وَأَنَّهُ قَدْ بَيَّنَ الْأَدِلَّةَ الْعَقْلِيَّةَ الدَّالَّةَ عَلَى ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا سَمَّوْا كُتُبَهُمْ «أُصُولَ السُّنَّةِ وَالشَّرِيعَةِ»، وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَجَعَلُوا الْإِيمَانَ بِالرَّسُولِ قَدْ اسْتَقَرَّ؛ فَلَا يُحْتَاجُ أَنْ يُبَيَّنَ الْأَدِلَّةُ الدَّالَّةُ عَلَيْهِ، فَذَمَّهُمْ أُولَئِكَ، وَنَسَبُوهُمْ إلَى الْجَهْلِ؛ إذْ لَمْ يَذْكُرُوا الْأُصُولَ الدَّالَّةَ عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ؛ وَهَؤُلَاءِ يَنْسُبُونَ أُولَئِكَ إلَى الْبِدْعَةِ، بَلْ إلَى الْكُفْرِ؛ لِكَوْنِهِمْ أَصَّلُوا أُصُولًا تُخَالِفُ مَا قَالَهُ الرَّسُولُ.
وَالطَّائِفَتَانِ يَلْحَقُهُمَا الْمَلَامُ؛ لِكَوْنِهِمَا أَعْرَضَتَا عَنْ الْأُصُولِ الَّتِي بَيَّنَهَا اللَّهُ بِكِتَابِهِ؛ فَإِنَّهَا أُصُولُ الدِّينِ وَأَدِلَّتُهُ وَآيَاتُهُ، فَلَمَّا أَعْرَضَ عَنْهَا الطَّائِفَتَانِ؛ وَقَعَ بَيْنَهُمَا الْعَدَاوَةُ؛ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﴾ {المائدة:14}.
وَحِزْبٌ ثَالِثٌ: قَدْ عَرَفَ تَفْرِيطَ هَؤُلَاءِ وَتَعَدِّيَ أُولَئِكَ وَبِدْعَتَهُمْ؛ فَذَمَّهُمْ، وَذَمَّ طَالِبَ الْعِلْمِ الذَّكِيَّ الَّذِي اشْتَاقَتْ نَفْسُهُ إلَى مَعْرِفَةِ الْأَدِلَّةِ وَالْخُرُوجِ عَنْ التَّقْلِيدِ إذَا سَلَكَ طَرِيقَهُمْ، وَقَالَ: إنَّ طَرِيقَهُمْ ضَارَّةٌ، وَأَنَّ السَّلَفَ لَمْ يَسْلُكُوهَا، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَقْتَضِي ذَمَّهَا، وَهُوَ كَلَامٌ صَحِيحٌ؛ لَكِنَّهُ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَمْرٍ مُجْمَلٍ لَا تَتَبَيَّنُ دَلَالَتُهُ عَلَى الْمَطْلُوبِ، بَلْ قَدْ يَعْتَقِدُ طَرِيقَ الْمُتَكَلِّمِينَ مَعَ قَوْلِهِ: إنَّهُ بِدْعَةٌ، وَلَا يَفْتَحُ أَبْوَابَ الْأَدِلَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ، الَّتِي تُبَيِّنُ أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ حَقٌّ، وَيَخْرُجُ الذَّكِيُّ بِمَعْرِفَتِهَا عَنْ التَّقْلِيدِ وَعَنْ الضَّلَالِ وَالْبِدْعَةِ وَالْجَهْلِ، فَهَؤُلَاءِ أَضَلُّ بِفِرَقِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَدَبَّرُوا الْقُرْآنَ، وَأَعْرَضُوا عَنْ آيَاتِ اللَّهِ الَّتِي بَيَّنَهَا بِكِتَابِهِ، كَمَا يُعْرِضُ مَنْ يُعْرِضُ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ الْمَخْلُوقَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﴾ {يوسف:105}، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﴾ {يونس:101}، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﴾ {يونس:7-8}، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﴾ {ص:29}، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﴾ {الروم:58}، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﴾ {النحل:43-44} الْآيَةَ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﴾ {فاطر:4}، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﴾ {فاطر:25}، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ، لِبَسْطِهِ مَوَاضِعُ أُخَرُ.
وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ هَؤُلَاءِ الغالِطِين الَّذِينَ أَعْرَضُوا عمَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ الدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْبَرَاهِينِ الْيَقِينِيَّةِ؛ لَا يَذْكُرُونَ النَّظَرَ وَالدَّلِيلَ وَالْعِلْمَ الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وَالْقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِنْ ذَلِكَ، والمتكلمون يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّ فِي الْقُرْآنِ مِنْ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى أُصُولِ الدِّينِ مَا فِيهِ، لَكِنَّهُمْ يَسْلُكُونَ طُرُقًا أُخَرَ، كَطَرِيقِ الْأَعْرَاضِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ طَرِيقُ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، وَهُوَ غالط، وَالْمُتَفَلْسِفَة يَقُولُونَ: الْقُرْآنُ جَاءَ بِالطَّرِيقِ الخطابية وَالْمُقَدِّمَاتِ الْإِقْنَاعِيَّةِ الَّتِي تُقْنِعُ الْجُمْهُورَ، وَيَقُولُونَ: إنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ جَاءُوا بِالطُّرُقِ الْجَدَلِيَّةِ، وَيَدَّعُونَ أَنَّهُمْ هُمْ أَهْلُ الْبُرْهَانِ الْيَقِينِيِّ، وَهُمْ أَبْعَدُ عَنْ الْبُرْهَانِ فِي الْإِلَهِيَّاتِ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ، والمتكلمون أَعْلَمُ مِنْهُمْ بِالْعِلْمِيَّاتِ الْبُرْهَانِيَّةِ فِي الْإِلَهِيَّاتِ وَالْكُلِّيَّاتِ، وَلَكِنْ لِلْمُتَفَلْسِفَةِ فِي الطَّبِيعِيَّاتِ خَوْضٌ وَتَفْصِيلٌ تَمَيَّزُوا بِهِ بِخِلَافِ الْإِلَهِيَّاتِ، فَإِنَّهُمْ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ بِهَا، وَأَبْعَدِهِمْ عَنْ مَعْرِفَةِ الْحَقِّ فِيهَا، وَكَلَامُ أَرِسْطُو مُعَلِّمِهِمْ فِيهَا قَلِيلٌ كَثِيرُ الْخَطَأِ؛ فَهُوَ لَحْمُ جَمَلٍ غَثٌّ، عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ وَعْرٍ، لَا سَهْلٌ فَيُرْتَقَى؛ وَلَا سَمِينٌ فَيُنْتَقَى. وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ». اهـ
وقال – ؒ – كما في «مجموع الفتاوى»([147]): «فَإِنَّ اللَّهَ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- بَعَثَ مُحَمَّدًا -صلى الله عليه وسلم- بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ؛ لِيُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، وَشَهِدَ لَهُ بِأَنَّهُ بَعَثَهُ دَاعِيًا إلَيْهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقُولَ: ﴿ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﴾ {يوسف:108}. فَمِنْ الْمُحَالِ فِي الْعَقْلِ وَالدِّينِ أَنْ يَكُونَ السِّرَاجُ الْمُنِيرُ الَّذِي أَخْرَجَ اللَّهُ بِهِ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ، وَأَنْزَلَ مَعَهُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ، لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَرُدُّوا مَا تَنَازَعُوا فِيهِ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ إلَى مَا بُعِثَ بِهِ مِنْ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ، وَهُوَ يَدْعُو إلَى اللَّهِ وَإِلَى سَبِيلِهِ بِإِذْنِهِ عَلَى بَصِيرَةٍ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ بِأَنَّهُ أَكْمَلَ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ دِينَهُمْ، وَأَتَمَّ عَلَيْهِمْ نِعْمَتَهُ؛ مُحَالٌ مَعَ هَذَا وَغَيْرِهِ: أَنْ يَكُونَ قَدْ تَرَكَ بَابَ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَالْعِلْمِ بِهِ مُلْتَبِسًا مُشْتَبِهًا، وَلَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ مَا يَجِبُ لِلَّهِ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى وَالصِّفَاتِ الْعُلْيَا، وَمَا يَجُوزُ عَلَيْهِ، وَمَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ مَعْرِفَةَ هَذَا أَصْلُ الدِّينِ وَأَسَاسُ الْهِدَايَةِ، وَأَفْضَلُ وَأَوْجَبُ مَا اكْتَسَبَتْهُ الْقُلُوبُ، وَحَصَّلَتْهُ النُّفُوسُ، وَأَدْرَكَتْهُ الْعُقُولُ؛ فَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ الْكِتَابُ وَذَلِكَ الرَّسُولُ وَأَفْضَلُ خَلْقِ اللَّهِ بَعْدَ النَّبِيِّينَ لَمْ يُحْكِمُوا هَذَا الْبَابَ اعْتِقَادًا وَقَوْلًا؟ وَمِنْ الْمُحَالِ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- قَدْ عَلَّمَ أُمَّتَهُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ، وَقَالَ: «تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْمَحَجَّةِ الْبَيْضَاءِ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إلَّا هَالِكٌ» وَقَالَ فِيمَا صَحَّ عَنْهُ أَيْضًا: «مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ إلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ شَرِّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ». وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: «لَقَدْ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَمَا طَائِرٌ يُقَلِّبُ جَنَاحَيْهِ فِي السَّمَاءِ إلَّا ذَكَرَ لَنَا مِنْهُ عِلْمًا»، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: «قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مَقَامًا، فَذَكَرَ بَدْءَ الْخَلْقِ؛ حَتَّى دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنَازِلَهُمْ، وَأَهْلُ النَّارِ مَنَازِلَهُمْ حَفِظَ ذَلِكَ مَنْ حَفِظَهُ، وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَمُحَالٌ مَعَ تَعْلِيمِهِمْ كُلَّ شَيْءٍ لَهُمْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ فِي الدِّينِ – وَإِنْ دَقَّتْ – أَنْ يَتْرُكَ تَعْلِيمَهُمْ مَا يَقُولُونَهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَيَعْتَقِدُونَهُ فِي قُلُوبِهِمْ فِي رَبِّهِمْ وَمَعْبُودِهِمْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الَّذِي مَعْرِفَتُهُ غَايَةُ الْمَعَارِفِ، وَعِبَادَتُهُ أَشْرَفُ الْمَقَاصِدِ، وَالْوُصُولُ إلَيْهِ غَايَةُ الْمَطَالِبِ، بَلْ هَذَا خُلَاصَةُ الدَّعْوَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَزُبْدَةُ الرِّسَالَةِ الْإِلَهِيَّةِ، فَكَيْفَ يَتَوَهَّمُ مَنْ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى مُسْكَةٍ – أي بقية – مِنْ إيمَانٍ وَحِكْمَةٍ: أَنْ لَا يَكُونَ بَيَانُ هَذَا الْبَابِ قَدْ وَقَعَ مِنْ الرَّسُولِ عَلَى غَايَةِ التَّمَامِ؟ ثُمَّ إذَا كَانَ قَدْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُ: فَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ خَيْرُ أُمَّتِهِ وَأَفْضَلُ قُرُونِهَا قَصَّرُوا فِي هَذَا الْبَابِ، زَائِدِينَ فِيهِ أَوْ نَاقِصِينِ عَنْهُ، ثُمَّ مِنْ الْمُحَالِ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ الْقُرُونُ الْفَاضِلَةُ – الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ كَانُوا غَيْرَ عَالِمِينَ وَغَيْرَ قَائِلِينَ فِي هَذَا الْبَابِ بِالْحَقِّ الْمُبِينِ؛ لِأَنَّ ضِدَّ ذَلِكَ إمَّا عَدَمُ الْعِلْمِ وَالْقَوْلِ، وَإِمَّا اعْتِقَادُ نَقِيضِ الْحَقِّ وَقَوْلِ خِلَافِ الصِّدْقِ. وَكِلَاهُمَا مُمْتَنِعٌ». اهـ
🕮 🕮 🕮
الأصل الرابع:
- التسليمُ لله –تعالى شأنه- ورسولِهِ -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- ظاهرًا وباطنًا، فما عَلِمْنا عِلَّتَهُ؛ فذاك، وإلا آمنا به دون اعتراض، أو ضَرْبِ أَمْثِلَةٍ أو أَقْيِسَةٍ، أو استدلالٍ بعُرْفٍ أو عادةٍ، أو قانونٍ وسياسةٍ، أو ذَوْقٍ ومكاشفة، أو تقليدٍ لمُعَظَّم، فلا تَثْبُتُ قَدَمُ الإيمان والإسلام إلا بالتسليم والاستسلام.
قال رجل للزهري: يا أبا بكر، حديث رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: «ليس مِنَّا مَنْ لَطَمَ الخدود، وليس مِنَّا مَنْ لم يُوَقِّر كبيرنا»، وما أَشْبَهَ من الحديث؟ قال سفيان: فأَطْرَقَ الزهريُّ ساعةً، ثم رفع رأسه، فقال: «من الله — العِلْمُ، وعلى الرسول البلاغُ، وعلينا التسليمُ»([148]).
قال الإمام الطحاوي –ؒ – في «متن الطحاوية»([149]): «فمن رام عِلْمَ ما حُظِرَ عنه عِلْمُهُ، ولم يَقْنَعْ بالتسليم فَهْمُهُ؛ حَجَبَهُ مَرَامُه([150]) عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة، وصحيح الإيمان؛ فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار، مُوَسْوِسًا تائهًا، شاكًّا زائغًا، لا مؤمنًا مُصَدِّقًا، ولا جاحدًا مُكَذِّبًا». اهـ
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – ؒ– كما في «مجموع الفتاوى»([151]): «وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُقَدِّرَ قَدْرَ كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ؛ بَلْ لَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَحْمِلَ كَلَامَ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ إلَّا عَلَى مَا عُرِفَ أَنَّهُ أَرَادَهُ، لَا عَلَى مَا يَحْتَمِلُهُ ذَلِكَ اللَّفْظُ فِي كَلَامِ كُلِّ أَحَدٍ؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يَتَأَوَّلُ النُّصُوصَ الْمُخَالِفَةَ لِقَوْلِهِ؛ يَسْلُكُ مَسْلَكَ مَنْ يَجْعَلُ التَّأْوِيلَ كَأَنَّهُ ذَكَرَ مَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ، وَقَصْدُهُ بِهِ: دَفْعُ ذَلِكَ الْمُحْتَجِّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ النَّصِّ، وَهَذَا خَطَأٌ؛ بَلْ جَمِيعُ مَا قَالَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ، فَلَيْسَ لَنَا أَنْ نُؤْمِنَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَنَكْفُرَ بِبَعْضِ، وَلَيْسَ الِاعْتِنَاءُ بِمُرَادِهِ فِي أَحَدِ النَّصَّيْنِ دُونَ الْآخَرِ بِأَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ». اهـ
وقال في «درء تعارض العقل والنقل»([152]): «والإنسان إذا عَلِمَ أن الله تعالى أَصْدَقُ قِيلًا، وأَحْسَنُ حَدِيثًا، وأن رسوله هو رسول الله بالنقل والعقل والبراهين اليقينية، ثم وَجَدَ في عقله ما ينازعه في خبر الرسول؛ كان عَقْلُه يُوجِب عليه أن يُسَلِّم موارد النزاع إلى من هو أعلم به منه؛ فإن العامي يُصَدِّق لأهل الاختصاص ما يقولونه دون اعتراض، وإن لم يتضح له وَجْهُهُ، وإذا اتضح؛ ازداد نورًا على نور، فكيف حال الناس مع الرسل وهم الصادقون المُصَدَّقُون؛ بل لا يجوز أن يخبر الواحد منهم خلاف ما هو الحق في نفس الأمر». اهـ
الأصل الخامس:
- ثُبوتُ العصمة لرسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- في البلاغ، وإجماعِ الأمة فيما أَجْمَعَتْ عليه، وأما آحادُها: فكُلٌّ يُؤْخَذُ من قوله ويُرَدُّ، ولا يَلْزَمُ من الخطأ في الاجتهاد التأثيم أو التبديع والتفسيق والتكفير.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ؒ – كما في «مجموع الفتاوى»([153]): «فَإِنَّ أَهْلَ الْحَقِّ وَالسُّنَّةِ لَا يَكُونُ مَتْبُوعُهُمْ إلَّا رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- الَّذِي لَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى، إنْ هُوَ إلَّا وَحْيٌ يُوحَى، فَهُوَ الَّذِي يَجِبُ تَصْدِيقُهُ فِي كُلِّ مَا أَخْبَرَ؛ وَطَاعَتُهُ فِي كُلِّ مَا أَمَرَ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْمَنْزِلَةُ لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ، بَلْ كُلُّ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إلَّا رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-. فَمَنْ جَعَلَ شَخْصًا مِنْ الْأَشْخَاصِ غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مَنْ أَحَبَّهُ وَوَافَقَهُ؛ كَانَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَمَنْ خَالَفَهُ؛ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبِدْعَةِ وَالْفُرْقَةِ – كَمَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي الطَّوَائِفِ مِنْ اتِّبَاعِ أَئِمَّةٍ فِي الْكَلَامِ فِي الدِّينِ وَغَيْرِ ذَلِكَ -؛ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ وَالتَّفَرُّقِ([154]).
وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِأَنْ تَكُونَ هِيَ الْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ: أَهْلُ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ؛ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ مَتْبُوعٌ يَتَعَصَّبُونَ لَهُ إلَّا رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهْم أَعْلَمُ النَّاسِ بِأَقْوَالِهِ وَأَحْوَالِهِ، وَأَعْظَمُهُمْ تَمْيِيزًا بَيْنَ صَحِيحِهَا وَسَقِيمِهَا، وَأَئِمَّتُهُمْ فُقَهَاءُ فِيهَا، وَأَهْلُ مَعْرِفَةٍ بِمَعَانِيهَا، وَاتِّبَاعٍ لَهَا: تَصْدِيقًا وَعَمَلًا وَحُبًّا وَمُوَالَاةً لِمَنْ وَالَاهَا، وَمُعَادَاةً لِمَنْ عَادَاهَا، الَّذِينَ يَرُدُّونَ الْمَقَالَاتِ الْمُجْمَلَةَ إلَى مَا جَاءَ بِهِ مِنْ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ؛ فَلَا يُنَصِّبُونَ مَقَالَةً وَيَجْعَلُونَهَا مِنْ أُصُولِ دِينِهِمْ وَجُمَلِ كَلَامِهِمْ، إنْ لَمْ تَكُنْ ثَابِتَةً فِيمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ؛ بَلْ يَجْعَلُونَ مَا بُعِثَ بِهِ الرَّسُولُ مِنْ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي يَعْتَقِدُونَهُ وَيَعْتَمِدُونَهُ». اهـ
وقال –ؒ– كما في «مجموع الفتاوى»([155]): «فَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ قَدْ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَأَفْعَالِهِ وَيُتْرَكُ إلَّا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَمَا مِنْ الْأَئِمَّةِ إلَّا مَنْ لَهُ أَقْوَالٌ وَأَفْعَالٌ لَا يُتَّبَعُ عَلَيْهَا، مَعَ أَنَّهُ لَا يُذَمُّ عَلَيْهَا، وَأَمَّا الْأَقْوَالُ وَالْأَفْعَالُ الَّتِي لَمْ يُعْلَمْ قَطْعًا مُخَالَفَتُهَا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، بَلْ هِيَ مِنْ مَوَارِدِ الِاجْتِهَادِ، الَّتِي تَنَازَعَ فِيهَا أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ؛ فَهَذِهِ الْأُمُورُ قَدْ تَكُونُ قَطْعِيَّةً عِنْدَ بَعْضِ مَنْ بَيَّنَ اللَّهُ لَهُ الْحَقَّ فِيهَا؛ لَكِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُلْزِمَ النَّاسَ بِمَا بَانَ لَهُ وَلَمْ يَبِنْ لَهُمْ؛ فَيَلْتَحِقُ مِنْ وَجْهٍ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَمِنْ وَجْهٍ بِالْقِسْمِ الثَّانِي، وَقَدْ تَكُونُ اجْتِهَادِيَّةً عِنْدَهُ أَيْضًا؛ فَهَذِهِ تُسَلَّمُ لِكُلِّ مُجْتَهِدٍ وَمَنْ قَلَّدَهُم طَرِيقَهُمْ تَسْلِيمًا نَوْعِيًّا، بِحَيْثُ لَا يُنْكَرُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، كَمَا سلِّمَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ تَسْلِيمًا شَخْصِيًّا». اهـ
وقال –ؒ– في([156]): «إن عُلَمَاءَ الْمُسْلِمِينَ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي الدُّنْيَا بِاجْتِهَادِهِمْ؛ لَا يَجُوزُ تَكْفِيرُ أَحَدِهِمْ بِمُجَرَّدِ خَطَأٍ أَخْطَأَهُ فِي كَلَامِهِ، وَهَذَا كَلَامٌ حَسَنٌ تَجِبُ مُوَافَقَتُهُ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ تَسْلِيطَ الْجُهَّالِ عَلَى تَكْفِيرِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَعْظَمِ الْمُنْكَرَاتِ؛ وَإِنَّمَا أَصْلُ هَذَا مِنْ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ أَئِمَّةَ الْمُسْلِمِينَ؛ لِمَا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ أَخْطَئُوا فِيهِ مِنْ الدِّينِ، وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّ عُلَمَاءَ الْمُسْلِمِينَ لَا يَجُوزُ تَكْفِيرُهُمْ بِمُجَرَّدِ الْخَطَأِ الْمَحْضِ؛ بَلْ كُلُّ أَحَدٍ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إلَّا رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ يُتْرَكُ بَعْضُ كَلَامِهِ لِخَطَأِ أَخَطَأَهُ يُكَفَّرُ ولا يُفَسَّقُ؛ بل ولا يَأْثَمُ؛ فإن الله تعالى قال في دُعَاءِ المؤمنين: ﴿ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﴾ {البقرة:286} وفي «الصَّحِيحِ» عن النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: «أن اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ».». اهـ
وقد اعْتَذَر شيخُ الاسلام -ؒ- لبعض أهل الفضل والصلاح، ممن شَهِدُوا سماعَ الصوفية ورَقْصَهم متأولين، قائلًا: «وَالَّذين شهدُوا هَذَا اللَّغْو متأولين من أهل الصدْق وَالْإِخْلَاص وَالصَّلَاح؛ غَمَرَتْ حسناتُهم مَا كَانَ لَهُم فِيهِ وَفِي غَيره من السَّيِّئَات، أَو الْخَطَأ فِي مواقع الاجتهاد، وَهَذَا سَبِيل كل صالحي هَذِه الْأمة فِي خطئهم وزلاتهم، قَالَ تَعَالَى: ﴿ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﴾ { الزمر:33-35 }». اهـ([157])
وذكر –ؒ– أنه يُعْذَر كثير من العلماء والعُبَّاد، بل والأمراء فيما أَحْدَثُوه لنوع اجتهاد([158]).
وذكر –ؒ– أيضًا: أن كثيرًا من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة، ولم يَعْلَمُوا أنه بدعة، إما لأحاديثَ ضعيفةٍ ظَنُّوها صحيحةً، وإما لآيات فَهِمُوا منها ما لم يُرَدْ منها، وإما لِرَأْيٍ رَأَوْه، وفي المسألة نصوصٌ لم تَبْلُغْهُم، وإذا اتَّقَى الرجلُ رَبَّهُ ما استطاع؛ دخل في قوله تعالى: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) (البقرة: 286)، وفي «الصحيح» أن الله قال: (قد فَعَلْتُ)». اهـ([159])
🕮 🕮 🕮
الأصل السادس:
- طريقةُ السَّلَفِ أَسْلَمُ وأَعْلَمُ وأَحْكَمُ، وقد قال تعالى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ … ﴾ {التوبة:100} وقال –جل شأنه-: ﴿ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﴾ {الأنعام:90}.
قال الشوكاني –ؒ-: «فَهُمْ -أي أهل الكلام- متفقون بينهم على أن طريقة السلف أَسْلَمُ، ولكن زعموا أن طريقة الخلف أَعْلَمُ، فكان غايةُ ما ظَفروا به من هذه الأَعْلَمِيّة لطريقة الخلف: أن يتمنى محقِّقُوهم وأذكياؤهم في آخر أَمْرِهم دينَ العجائز، وقالوا: هنيئًا للعامة،… فإن هذا ينادِي بأعلى صَوْتٍ، ويَدُلُّ بأفصح دلالة على أن هذه الأَعْلَمِيَّةَ التي طلبوها: الجهلُ خيرٌ منها بكثير، فما ظَنُّك بِعِلْمٍ يُقِرُّ صاحبُهُ على نفسه أن الجهل خير منه؟…ففي هذا عبرة للمعتبرين، وآية بينة للناظرين»([160]). اهـ
يشير الشوكاني -ؒ- بذلك إلى كلمات صدرتْ عن المنظِّرين لعلم الكلام:
ومن ذلك قولُ أبي المعالي الجويني –ؒ–: «لقد خالفتُ أهلَ الإسلام، وركِبْتُ البحرَ الأعظمَ، وغُصْتُ في الذي نَهَوْا عنه، كلُّ ذلك في طَلَب الحق، وهَرَبًا من التقليد، والآن قد رجعْتُ عن الكل إلى كلمة الحق: عليكم بدينِ العجائز؛ فإن لم يُدْرِكْني الحقُّ بلُطْفِ بِرِّهِ؛ فأموتَ على دين العجائز، ويَخْتِمْ عاقبةَ أَمْرِي عند الرحيل بكلمة الإخلاص؛ وإلا فالويلُ لابن الجويني»([161]) اهـ
وبنحوه قولُ الخونجي -ؒ، وهو من رؤوسهم، وصاحب كتاب «كشف الأسرار في المنطق» وهو عند كثير منهم غايةُ الفن- فقد قال عند موته: «أموتُ وما عَلِمْتُ شيئًا إلا أن الـمُمْكِنَ يَفْتَقِرُ إلى الواجب»، ثم قال: «والافتقارُ وَصْفٌ عَدَمِيٌّ، أموتُ وما عَلِمْتُ شيئًا»([162]) اهـ.
وقول الفخر الرازي -ؒ-([163]):
| نِهَايَةُ إقْدَامِ الْعُقُولِ عِقَالُ | وَأَكْثَرُ سَعْيِ الْعَالَمِينَ ضَلَالُ | |
| وَأَرْوَاحُنَا فِي وَحْشَةٍ مَنْ جُسُومِنَا | وَحَاصِلُ دُنْيَانَا أَذًى وَوَبَالُ | |
| وَلَمْ نَسْتَفِدْ مَنْ بَحْثَنَا طُولَ عُمْرِنَا | سِوَى أَنْ جَمَعْنَا فِيهِ قِيلَ وَقَالُوا |
وقول الشهرستاني -ؒ- يَصِفُ حال المتكلِّمين([164]):
| لَعَمْرِي لَقَدْ طُفْتُ الْمَعَاهِدَ كُلَّهَا | وَسَيَّرْت طَرْفِي بَيْنَ تِلْكَ الْمَعَالِمِ | |
| فَلَمْ أَرَ إلَّا وَاضِعًا كَفَّ حَائِرٍ | عَلَى ذَقَنٍ أَوْ قَارِعًا سِنَّ نَادِمِ |
ومن نظر في حال الفلاسفة والمتكلمين في الغالب، عَلِمَ أنهم في ﴿ﭗ ﭘ ﭙ ﴿ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﴾ {الذاريات:8-9}، ومَنْ عَلِمَ ذلك؛ عَلِمَ أن الذكيَّ والعاقلَ منهم أنه ليس هو فيما يقوله على بصيرة، وأن حجته ليست لها أركان تقوم عليها، وإنما هي كما قيل فيها([165]):
| حُجَجٌ تَهَافتُ كالزجاجِ تُخَالُها | حقًّا وكلُّ كاسِرٍ مَكْسُورُ |
ومع ذلك فهؤلاء المتكلمون قد يصل أمرهم إلى الإلحاد في أصل الأصول، وقد كانوا يتهمون أهل السنة والإثبات على طريقة السلف السَّنِيَّة بالغباء والبلادة، ورحم الله الحافظ الذهبي الذي قال في «سير أعلام النبلاء»([166]) في ترجمة ابن الراوندي الملحد: «وكان من أذكياء العالم،… لعن الله الذكاءَ بلا إيمان، ورضي الله عن البلادة مع التقوى». اهـ
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية –ؒ-: «ويَعْلَمُ العليمُ أنهم مِنْ وَجْهٍ مستحقون ما قاله الشافعي ـ رضي الله عنه ـ حيث قال: «حُكْمي في أهل الكلام: أن يُضْرَبوا بالجريد والنعال، ويُطافَ بهم في القبائل والعشائر، ويُقالَ: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأَقْبَلَ على الكلام».
ومن وجه آخر إذا نظرت إليهم بعين القَدَر ـ والحيرةُ مستوليةٌ عليهم، والشيطانُ مستحوذٌ عليهم ـ رحمتَهم، ورفقتَ عليهم، أُوتُوا ذكاءً، وما أُوتوا زكاءً، وأُعْطُوا فُهومًا وما أُعْطُوا علومًا، وأُعطوا سمعًا وأبصارًا وأفئدة {فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون} [الأحقاف: 26]». اهـ([167])
ومع ذلك فاستعمال الرجل السُّنِّي لبعض الحجج المنطقية العقلية، وبعض ِكلامِ المتكلمين في بعض الأحيان لنقْضِ شُبهاتِ المفتونين بالمنطق؛ عَمَلُ جماعةٍ من جِلّة السلف ومُحَقِّقِيهم.
منهج أهل السنة في عَرْض الأدلة العقلية:
1- ذِكْر الأدلة العقلية المستنبطة من الأدلة النقلية، أو التي تعارِضُ مُحْكَمَاتِ الأدلة النقلية:
لعل من أظهر أنواع الاستدلال العقلي ما كان متعلقًا ومبنيًا على الدليل النقلي، وهو أقوى أنواع الأدلة العقلية؛ لارتباطه بالدليل النقلي، الذي لا يستطيع أن يَقْدَحَ فيه أهلُ البدع، ولهذا أمثلة كثيرة، منها:
المثال الأول: كلام الإمام أحمد في «الرد على الجهمية»:
من حجج نفاة صفة الكلام عن الله أن قالوا: إن الكلام لا يكون إلا من جَوْفٍ ولسان، وفَمٍ وشَفَتين.
قال الإمام أحمد –ؒ-: «وأما قولهم: إن الكلام لا يكون إلا من جَوْفٍ وفَمٍ وشَفَتين ولسان وأدوات!! أليس الله قال للسموات والأرض: ﴿ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﴾ {فصلت:11}.
تراها أنها قالت بجوف وفم وشفتين ولسان وأدوات؟ وقال: ﴿ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﴾ {الأنبياء:79}.
أتراها سَبَّحَتْ بجوف وفم ولسان وشفتين؟ والجوارح إذ شَهِدَتْ على الكفار، فقالوا: ﴿ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﴾ {فصلت:21}.
أتراها أنها نطقت بجوف وفم ولسان؟ ولكن الله أنطقها كيف شاء». اهـ([168])
قلت: والمراد بذلك: أنه إذا كانت بعض المخلوقات تتكلم بدون أدوات، ولا يلزم ذلك في حقِّها: من فم، لسان، شفتين؛ فكيف بالخالق -جل وعلا-؟!
المثال الثاني: كلام الإمام الدارمي في «الرد على الجهمية»:
ومن الأدلة العقلية التي ذكرها الأئمة في الرد على الذين قالوا: إن الله في كـل مـكـان: ما ذكره الإمام الدارمي حيث استدل بآيات النزول والتنزيل، فقال – ؒ -: «وما يَصْنَعُ بالتنزيل من هو بنفسه في كل مكان؟ إنما يكون شبه مناولة، لا تَنْزِيلًا مـن فـوق السماء مع جبريل، إذ يقول سبحانه وتعالى: [ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ] {النحل:102}.
والرب بزعمكم الكاذب في البيت معه، وجبريل يأتيه من خارج، هذا واضح، ولكنكم تغالطون، فمن لم يقصد بإيمانه وعبادته إلى الله الذي استوى على العرش فوق سمواته، وبان من خلقه؛ فإنما يعبد غير الله، ولا يدري أين الله». اهـ([169])
2- استخدامهم -رحمهم الله- للأقيسة العقلية أحيانًا:
لقد تَفَنَن الأئمة – رحمهم الله – في استخدام الأقيسة العقلية، وهي طريقة قرآنية نبوية، وقد استعمل الأئمة القياس على النحو الآتي:
أ – استخدام قياس الأَوْلَى:
إن طريقة استخدام قياس الأَوْلَى لإقامة الحجة على المخالف، كدليلٍ عقليِّ واضحٍ يَفْهَمُهُ جميعُ العقلاء؛ هي طريقة القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وعليها كان سلف الأمة في مصنفاتهم، وهي طريقةٌ عقلية مستقيمة وصحيحة وقوية.
يقول شيخ الإسلام –ؒ– مُبينًا أن استخدام طريقة قياس الأَوْلَى هي طريقة السلف: وهذا النمط هو الذي كان عليه السلف والأئمة، كالإمام أحمد وغيره من السلف، يسلكونه من القياس العقلي في أمر الربوبية، وهو الذي جاء به القرآن» اهـ([170])
ثم عَقَّبَ – ؒ – مُبينًا سبب عزوف السلف عن استخدام الأنواع الأُخْرى من القياس في حق الله تعالى، حيث قال: «وذلك أن الله -سبحانه- لا يجوز أن يَدْخُلَ هو وغيره تحت قياس الشمول الذي تستوي أفرادُهُ، ولا تحت قياس التمثيل الذي يستوي فيه حكم الأصل والفرع؛ فإن الله تعالى ليس كمثله شيء، لا في نفسه المذكورة بأسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ولكن يُسْلَكُ في شأنه قياسُ الأَوْلَى، كما قال: ﴿ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﴾ {النحل:60}.
فإنه من المعلوم أن كلَّ كمالٍ ونَعْتٍ ممدوحٍ لنفسه لا نَقْصَ فيه، يكون لبعض الموجودات المخلوقة المحدثة؛ فالرب الخالق الصمد القيوم القديم الواجب الوجود بنفسه هو أَوْلَى به، وكل نَقْصٍ وعَيْبٍ يجب أن يُنَزَّهَ عنه بعضُ المخلوقات المحدثة الممكنة؛ فالرب الخالق القدوس السلام القديم الواجب وجوده بنفسه هو أَوْلَى بأن يُنَزَّهَ عنه». اهـ
المثال الأول لذلك: كلامُ الإمام أحمد في «الرد على الجهمية»:
أَكْثَر الإمام أحمد من الاستدلال العقلي، وخاصة طريقة قياس الأَوْلَى أثناء رده على الجهمية والزنادقة، فكان مما قاله -ؒ-: «فقالوا – أي الجهمية -: لا تكونوا موحِّدين أبدا حتى تقولوا: قد كان الله ولا شيء.
فقلنا: نحن نقول: قد كان الله ولا شيء، ولكن إذا قلنا: إن الله لم يَزَلْ بصفاته كلِّها؛ أليس إنما نَصِفُ إلها واحدا بجميع صفاته، وضربنا لهم في ذلك مثلا، فقلنا: أخبرونا عن هذه النخلة، أليس لها جذع، وكرب، وليف، وسعف، وخوص وجمَّار، واسمها اسم شيء واحد، وسُمِّيَتْ نخلةً بجميع صفاتها، فكذلك الله -وله المثل الأعلى- بجميع صفاته إله واحد، لا نقول: إنه قد كان في وقت من الأوقات ولا يَقْدِر حتى خَلَق له قُدْرَةً، والذي ليس له قدرة هو عاجز، ولا نقول: قد كان في وقت من الأوقات ولا يَعْلَمُ، حتى خَلَقَ له عِلْمًا فعَلِمَ، والذي لا يَعْلَم هو جاهل، ولكن نقول: لم يَزَل الله عالما قادرا، لا متى، ولا كيف، وقد سَمَّى الله رجلا كافرا، اسمه الوليد بن المغيرة المخزومي، فقال: ﴿ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﴾ {المدثر:11}، وقد كان هذا الذي سماه الله (وحيدا) له عينان وأذنان ولسان وشفتان ويدان ورجلان وجوارح كثيرة، فقد سماه الله وحيدا بجميع صفاته، فكذلك الله -وله المثل الأعلى- هو بجميع صفاته إله واحد». اهـ([171])
المثال الثاني: كلامُ الإمام أحمد أيضًا:
يستدل الإمام أحمد بدليل عقلي بطريقة قياس الأَوْلَى لإثبات المَعِيَّةِ، وإثبات العُلُو لله -سبحانه وتعالى- ويَرُدُّ على الحلولية نفاة العُلُوّ، فيقول – ؒ – في باب «بيان ما أَنْكَرَتْ الجهمية أن يكون الله على العرش»: «… ومن الاعتبار في ذلك: لو أن رجلًا كان في يديه قِدْحٌ من قوارير صافٍ، وفيه شرابٌ صافٍ، كان بَصَرُ ابنِ آدم قد أحاط بالقدح من غير أن يكون ابن آدم في القدح، فالله -وله المثل الأعلى- قد أحاط بجميع خَلْقِهِ، من غير أن يكون في شيء من خلقه.
وخَصْلَة أخرى: لو أن رجلًا بنى دارًا بجميع مرافقها، ثم أغلق بابها، وخرج منها؛ كان ابن آدم لا يخفى عليه كم بيتٌ في داره، وكم سَعَةُ كلِّ بيت من غير أن يكون صاحب الدار في جَوْفِ الدار، فالله -وله المثل الأعلى- قد أحاط بجميع خلقه، وعلم كيف هو، وما هو، من غير أن يكون في شيء مما خَلَقَ». اهـ([172])
ب – ضَرْبُ الأمثلة نَوْعٌ من القياس العقلي:
وهي طريقة القرآن لتقريب المعنى المراد، وبيانِ فساد المعنى إن كان فاسدًا، أو صِحَّتِهِ إن كان صحيحا، أو لإثبات قضية ينكرها المعاندون أعداء الرسل، كالمعاد والإحياء بعد الموت، ونحو ذلك.
يقول الإمام ابن القيم – ؒ -: «وقد أرشد الله تعالى عباده إليه (يعني القياس) في غير موضع من كتابه، فقاس النشأة الثانية على النشأة الأولى في الإمكان… وضَرَبَ الأمثالَ وصَرَفَها في الأنواع المختلفة، وكُلُّها أقيسة عقلية يُنَبِّهُ بها عبادَهُ على أن حُكْمَ الشيء حُكْمُ مِثْلِهِ، فإن الأمثالَ كلَّها قياسات، يُعْلَم منها حُكْمُ المُمَثَّل من المُمَثَّل به… فالقياس في ضرب الأمثال من خاصة العقل، وقد رَكَزَ الله في فِطَرِ الناس وعقولِهِم: التسويةَ بين المتماثلين، وإنكارَ التفريق بينهما، والفَرْقَ بين المختلفين، وإنكارَ الجَمْع بينهما…». اهـ بتصرف واختصار([173]).
والأئمة – رحمهم الله – استخدموا هذه الطريقة غالبًا عند إلزام المخالف، وبيان فساد قوله، وأنه يَلْزَمُ عليه لوازم باطلة من خلال ضربهم مِثْلَ هذه الأمثلة العقلية.
المثال على هذا النوع: كلام الإمام المروزي –ؒ– في «تعظيم قَدْر الصلاة»:
وذلك في أثناء رده على المرجئة، قال – ؒ -: «ويقال لهم: أرأيتم رجلًا زنديقًا، أو نصرانيًا كان جالسًا في سفينة، أو رأس جَرْفٍ، مُطِلًّا على الماء، فتدبَّر وتَفَكَّر في الخلق، فَعَرف أن الله واحد، لا شريك له، وأن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- جاء بالحق من عنده، علم الله صِدْقَ ذلك منه، فَزَلَّتْ قَدَمُهُ، فَغَرِقَ قبل أن يتشهد بلسان، هل يكون ذلك مؤمنًا؟
فإن قالوا: نعم، قيل لهم، مستكمل الإيمان؟ فإن قالوا: نعم، قيل لهم: فأين الإقرار؟ فإن قالوا: لم يَبْقَ إلى أن يُؤَدِّيَ الإقرارَ، قيل لهم: فقد شهدتم بأن التصديق بلا إقرار إيمانٌ كامل؛ فإن أمكنه الإقرار، فلم يُقِرَّ: أينقص الإيمان الكامل عندكم؟ فإن أَقَرَّ؛ كَمُلَ الإيمانُ، فشهدتم له بالكمال في وقت، ثم زعمتم أنه مُكَمَّلٌ في وقتٍ ثانٍ، فكيف يَكْمُل ما قد كَمُلَ؟…» اهـ([174])
3- بيانهم لفساد القياس والدليل العقلي الذي يستعمله أهلُ البدع:
وهذه الطريقة كثيرة جدًا في كتب الأئمة، خاصة في كتب الردود على أهل البدع؛ لأن أهل البدع يُكْثرون من الأدلة العقلية، فيضطر أهل السنة أن يبينوا فسادها، وهذا نوعٌ من إقامة الحجة العقلية عليهم، بأن يبينوا فساد استدلالهم ومسلكهم العقلي، والأمثلة على هذا النوع كثيرة:
منها: ما قال الإمام أحمد – ؒ – في معرض رده على الجهمية نفاة صفة الكلام عن الله: «قلنا فمن القائل: [ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ] {الأعراف:6، 7}، أليس الله هو الذي يسأل؟ قالوا: هذا كله إنما يكون شيئًا فيعبر عن الله، قلنا: قد أعظمتم على الله الفرية؛ حين زعمتم أنه لا يتكلم؛ فشبهتموه بالأصنام التي تُعْبَدُ من دون الله؛ لأن الأصنام لا تتكلم، ولا تتحرك، ولا تزول من مكان إلى مكان.
فلما ظهرتْ عليه الحجة؛ قال: إن الله يتكلم، ولكن كلامه مخلوق.
قلنا: وكذلك بنو آدم كلامهم مخلوق، فقد شبهتم الله بخلقه حين زعمتم أن كلامه مخلوق، ففي مذهبكم قد كان في وقت من الأوقات ألا يتكلم حتى خَلَقَ التكلم، وكذلك بنو آدم كانوا لا يتكلمون حتى خَلَقَ الله لهم كلامًا، وقد جمعتم بين كُفْرٍ وتشبيه، وتعالى الله عن هذه الصفة…» اهـ([175])
🕮 🕮 🕮
الأصل السابع:
- المراء في الدين مَذْموم، والمجادلةُ بالتي هي أَحْسَنُ محمودة، ولها قيودٌ، منها:
أ- أن يُقصَد من ورائها نُصْرةُ الحق لا الانتصار للنفس.
ب- لزوم منهج أهل العلم في ذلك، وعدم الاغترار بطُرُقِ القوم وزخارفهِمِ، وتَشَبُّعِهِمْ بأنهم أهلُ التحقيق واليقينيات!!!
جـ- عَدَمُ الاشتغالِ بأهل العنادِ واللَّجاجِ إلا لهَتْكِ أَسْتَارِهِمْ، وكَشْفِ عَوارِهِمْ.
د- أن يجادلهم مَنْ هُو أهلٌ لذلك، والمتمكِّنُ من منهج السلف؛ حتى لا يُشَكَّك في دينه، ويَقْوَى بضعفه أهلُ الأهواء.
هـ- التوقفُ عن المواصلة إذا دَعَتِ الحاجةُ لذلك، بل تَرْكُ ذلك بالكلية؛ إذا لم يَكُن المبتدعُ مُؤَثِّرًا في غيره، أو داعيًا إلى بدعته، وكان في إهماله إخْمادُ ذِكْرِهِ، وإطفاءُ نارِهِ.
و- أن لا يَجْعل السني جداله لأهل البدع شُغْلَهُ الشاغِلِ، لكن إذا عَرَضَ هذا له؛ فَعَلَه، وإلا سَلَكَ درْبه، واستمر في نشر الخير، وإلا فالمخالفون كُثُر، وشبهاتُهم لا تنتهي، فعليه أن ينتفع بما ذكره الإمام ابن القيم –ؒ- في «مدارج السالكين»([176]) في استمرارِ المسافرِ في طريقه، وعَدم تَتَبُّعِهِ أماكنَ الأفاعي وغيرها؛ حتى لا ينقطع عن سَفَرِهِ ومَقْصَدِهِ.
يقول الإمام الآجري ـ ؒ ـ في «الشريعة»([177]) في بيان متى يَشْرُعُ مناظرة المبتدع: «فإن قال قائل له: فإن اضطُّر المرء وقتًا من الأوقات إلى مناظرتهم وإثبات الحجة عليهم، ألا يناظرونهم؟ قيل: الاضطرار إنما يكون مع إمام له مذهبُ سوءٍ – فَيَمْتَحِنُ الناس، ويَدْعُوهم إلى مَذْهبه – تفعل كما مضى في وقت أحمد بن حنبل – ؒ – ثلاثة خلفاء امْتَحَنُوا الناس، ودَعَوْهم إلى مذهبهم السوء، فلم يجد العلماءُ بُدًّا من الذب عن الدين، وأرادوا بذلك معرفةَ العامة الحقَّ من الباطل، فناظروهم ضرورةً لا اختيارًا، فأثبت الله – – الحق مع أحمد بن حنبل». اهـ
ويقول الإمام ابن عبد البر ـ ؒ ـ في «جامع بيان العلم وفضله»([178]): «إلا أن يُضطَّر أحد إلى الكلام، فلا يسعه السكوتُ إذا طمع بِرَدِّ الباطل، وصَرْفِ صاحبه عن مذهبه، أو خشي ضلالَ عامَّةٍ، أو نحو هذا». اهـ
ويقول الإمام الشاطبي – ؒ – في «الاعتصام»([179]) مبينًا اختلاف الهجر بحسب نوع البدعة وحال صاحبها: «… إن القيام عليهم بالتثريب أو التنكيل أو الطرد والإبعاد أو الإنكار هو بحسب حال البدعة في نفسها، من كونها عظيمةَ المفسدة في الدين، أم لا؟ وكَوْنِ صاحبها مُشْتَهَرًا بها، أو لا؟ وداعيًا إليها أو لا؟ ومُسْتَظْهِرًا الأتباعَ، وخارجًا عن الناس، أو لا؟ وكَونِهِ عاملًا بها على جهة الجهل، أو لا؟ وكل من هذه الأقسام له حُكْم اجتهادي يخصه؛ إذ لم يأت في الشرع في البدعة حَدٌّ لا يُزَاد عليه، ولا يُنْقَص منه» ثم بَيَّنَ – ؒ – اختلاف اجتهاد الأئمة في مواقفهم من المبتدعة بحسب ذلك من الطرد والإبعاد، أو السجن والقتل، أو التجريح والتشهير، أو المناظرة والمداراة، إلخ.
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية –ؒ– كما في «مجموع الفتاوى»([180]) وهو يرد على ابن الجوزي، في كلامه على الحنابلة، فقال شيخ الإسلام: «إن هذا الكلام ليس فيه من الحُجَّة والدليل ما يستحقُّ أن يُخاطَبَ به أهلُ العلم؛ فإن الردَّ بمجرد الشَّتْم والتهويل لا يَعْجَزُ عنه أحد، والإنسانُ لو أنه يناظر المشركين وأهلَ الكتاب؛ لكان عليه أن يَذْكُر من الحجة ما يُبيِّن به الحقَّ الذي معه، والباطلَ الذي معهم، فقد قال الله — لنبيه -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: ﴿ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ﴾ {النحل:125}، والمجادلة بالتي هي أحسن: إنما تكون بالأدلة والبراهين، وقال -تعالى-: ﴿ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﴾ {العنكبوت:46} إلخ.
ولو كان الخَصْمُ مِمَّن يتكلم بهذا الكلام، سواءً كان المتكلِّم به أو غَيْرُه من أَشْهَر الطوائف بالبدع، كالرافضة؛ لكان ينبغي أن يَذْكَر الحجة، ويَعْدِل عما لا فائدة فيه؛ إذْ كان في مقام الرد عليهم». اهـ
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية –ؒ– في «درء التعارض»([181]): «فكل من لم يُنَاظِرْ أهلَ الإلحاد والبدع مناظرةً تَقْطَعُ دابرهم؛ لم يكن أَعْطَى الإسلام حَقَّه، ولا وَفَّى بمُوجَب العلم والإيمان، ولا حَصَل بكلامه شفاء الصدور، وطمأنينةُ النفوس، ولا أفاد كلامُه العلمَ واليقينَ». اهـ
ويقول الإمام ابن القيم –ؒ– في كتابه «زاد المعاد»([182]): «ومنها جوازُ مجادلة أهل الكتاب ومناظرتهم، بل استحبابُ ذلك، بل وجوبه إذا ظهرتْ مصلحتُهُ في إسلامِ مَنْ يُرْجَى إسلامُهُ منهم، وإقامة الحجة عليهم، ولا يَهْرَب من مجادلتهم إلا عاجز عن إقامة الحجة، فَلْيُوَلِّ ذلك إلى أهله، ولْيُخَلِّ بين المطية و حادِيها، والقوس وباريها، ولولا خشية الإطالة؛ لذكرنا من الحجج التي تُلْزِمْ أهلَ الكتابين الإقرارَ بأنه رسول الله بما في كتبهم، وبما يعتقدونه بما لا يُمْكِنُهُم دَفْعُهُ ما يزيد على مئة طريق، ونرجو من الله سبحانه إفرادها بمصنف مستقل». اهـ
ويقول –ؒ– بعدها: «والمقصود أن رسول الله لم يَزَلْ في جدال مع الكفار على اختلاف مِلَلهم و نِحَلهم إلى أن تُوُفِّيَ، و كذلك أصحابه من بعده، و قد أمره الله سبحانه بجدالهم بالتي هي أحسن في السورة المكية والمدنية، وأمره أن يدعُوهَم بعد ظهور الحجة إلى المباهلة، وبهذا قام الدين، وإنما جُعِلَ السيفُ ناصرًا للحجة، وأَعْدَلُ السيوف سَيْفٌ يَنْصُر حُجَجَ الله وبيناته، و هو سَيْفُ رسوله و أُمته». اهـ
وقال سماحة الشيخ ابن باز –ؒ– كما في «مجموع فتاوى ومقالات متنوعة»([183]): (سادسًا: وما وُجِدَ من اجتهاد لبعض العلماء وطلبة العلم فيما يسوغ فيه الاجتهاد؛ فإن صاحبه لا يُؤاخَذُ به، ولا يُثرَّبُ عليه إذا كان أهلا للاجتهاد، فإذا خالف غيره في ذلك؛ كان الأجدر أن يجادله بالتي هي أحسن؛ حرصًا على الوصول للحق من أقرب طريق، ودفعًا لوساوس الشيطان وتحريشه بين المؤمنين، فإذا لم يتيَّسر ذلك، ورأى أنه لابد من بيان المخالفة؛ فيكون ذلك بأحسن عبارة وألْطَف إشارة، ودون تَهَجُّم أو تجريحٍ أو شَطَطٍ في القول، وقد يدعو إلى رد القول أو الإعراض عنه، دون تَعَرُّضٍ للأشخاص، أو اتهام للنيات، أو زيادة في الكلام لا مُسَوِّغ لها، وقد كان النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول في مثل هذه الأمور: «ما بالُ أقوامٍ يَفْعَلون كذا وكذا»([184])). اهـ
🕮 🕮 🕮
الأصل الثامن:
- الحقُّ مَقْبولٌ من كل أَحَد، والباطلُ مَرْدودٌ على كل أحد، والباطلُ لا يُرَدُّ بمثله، ولكن يُرَدُّ بالحق، كما قال تعالى: ﴿ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﴾ {الإسراء:81}، وقال –سبحانه جل شأنه-: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﴾ {الفرقان:33} ومن ذلك عدمُ استدلال أهل السنة بالأحاديث الواهية التي تشهد متونُها بما هو ضد مخالفيهم، بل يكتفون في الردِّ عليهم بالمحكم من الكتاب، والثابت من الأحاديث، وفي ذلك ما يغني عن الأحاديث الواهية ونحوها، ولا بأس من الانتفاع للمتأهل بردود أهل الباطل على بعضهم؛ فإن البصير يستخلص من كلامهم ما ينقض كلامَهُم.
قال شيخ الإسلام –ؒ– في «منهاج السنة»([185]): «واللهُ قد أمرنا ألا نقول عليه إلا الحق، وألا نقول عليه إلا بعلم، وأمرنا بالعدل والقسط؛ فلا يجوز لنا إذا قال يهودي أو نصراني – فضلًا عن رافضي – قولًا فيه حق؛ أن نتركَهُ، أو نردَّهُ كُلَّهُ، بل لا نرد إلا ما فيه من الباطل، دون ما فيه من الحق…»، إلى أن قال: «ويرون – أي: أهل الكلام – أنه يجوز مقابلة الفاسد بالفاسد، لكنَّ أئمة السنة والسلف على خلاف هذا، وهم يذمون أهل الكلام المبتدع، الذين يردون باطلًا بباطل، وبدعة ببدعة، ويأمرون ألا يقول الإنسان إلا الحق، لا يَخْرُجُ عن السنة في حال من الأحوال، وهذا هو الصواب الذي أمر الله تعالى به ورسوله؛ ولهذا لم نَرُدَّ ما تقوله المعتزلة والرافضة من حق؛ بل قبلناه، لكنْ بيّنّا أن ما عابوا به مخالفيهم من الأقوال؛ ففي أقوالهم من العيب ما هو أشد من ذلك…»، إلى آخر ما قاله -ؒ-
وفي «المنهاج»([186]) أيضًا قال – ؒ -: «ونحن إنما نرد من أقوال هذا وغيره ما كان باطلًا، وأما الحق؛ فعلينا أن نقبله من كل قائل…». اهـ.
🕮 🕮 🕮
الأصل التاسع:
- يتفرع عن الإيمان بكل ما جاء عن الله -تعالى ذِكْرُه- ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- إثباتُ كلِّ ما أَخْبَر الله -تعالى ذِكْرُه- به عن نفسه، أو أَخْبَر به رسوله – صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم – الوقوف عند ما ورد من الأسماء والصفات والأفعال للرب -جل جلاله- دون التعبير بما يدل على معناه؛ فإنه غير مأمون العاقبة، ودون تَكْيِيف أو تَمْثِيل، وتنزيهُهُ –سبحانه- عن كل نَقْصٍ، أو تَوَهُّمٍ، أو خَيالٍ دون تحريفٍ أو تعطيلٍ، وبهذا الأصل -إثْباتًا ونَفْيًا- استراح أهلُ السنة مما ابْتُليَ به المخالفون لهم.
قال أبو سليمان الخطابي –ؒ-: «وَمِنْ عِلْمِ هَذَا البَابِ – أعني الأسماء والصفات- ومما يدخل في أحكامه، ويتعلق به من شرائط: أنه لا يتجاوزُ فيها التوقيفَ، ولا يَسْتَعْمِلُ فيها القياسَ، فيُلْحِقَ بالشيء نَظِيرَهُ في ظاهر وَضْع اللغة ومتعارِضِ الكلام: «فالجواد» لا يجوز أن يقاس عليه «السخي»، وإن كانا متقاربين في ظاهر الكلام، وذلك أن «السخِيَّ» لم يَرِدْ به التوقيفُ، كما ورد «بالجواد».
و «القويُّ» لا يقاس عليه «الجَلْدُ»، وإن كانا يتقاربان في نعوت الآدميين؛ لأن باب التجلُّد يَدْخُله التلفُ والاجتهاد، ولا يقاس على «القادر» «المطيق» ولا «المستطيع».
وفي أسمائه «العليم» ومن صفته العلم، فلا يجوز قياسا عليه أن يُسَمَّى «عارفًا»، لما تقتضيه المعرفة من تقديم الأسباب التي بها يُتَوَصَّلُ إلى عِلْمِ الشيء، وكذلك لا يُوصَف بالعاقل.
وهذا الباب يجب أن يُرَاعى ولا يُغْفَل؛ فإن عائدتَهُ عظيمة، والجهلَ به ضارٌّ، وبالله التوفيق». اهـ([187])
وقال السفاريني –ؒ– في منظومته: «لكنها في الحق توقيفيهْ لنا بذا أَدِلَّةٌ وَفَيَّهْ
ثم قال في شرحه: (لكنها- أي أسماء الله- في القول الحق المعتمد عند أهل الحق توقيفيةٌ بنص الشرع، وَوُرُود السمع بها، ومما يجب أن يُعْلَمَ أن علماء السنة اتفقوا على جواز إطلاق الأسماء الحسنى والصفات على البارئ -جل وعلا- إذا وَرَدَ بها الإذنُ من الشارع، وعلى امتناعه على ما ورد المنع عنه». اهـ([188])
🕮 🕮 🕮
الأصل العاشر:
- وكذلك يتفرع عن الإيمان بالكتاب والسنة: الإيمانُ بالمغَيَّبات: من العرش، والكرسي، والجنة، والنار، والملائكة، والكتب، والرسل، واليوم الآخر… وغير ذلك، فيجب الإيمانُ بما ورد من ذلك مُجْملًا على سبيل الإجمال، وبما وَرَدَ مُفَصَّلًا على سبيل التفصيل.
و«الغَيْبُ في كلام العرب: كل ما غاب عنك»([189]).
وقال الراغب الأصفهاني: «الغَيْبُ: مصدر غاب الشيء، بمعنى اسْتَتَر عن العيون، يقال: غاب عني كذا، واسْتُعْمِل في كل غائب عن الحاسَّة، وعما يغيب عن عِلْمِ الإنسان، بمعنى الغائب.
والغيب: هو ما لا يقع تحت الحواس، ولا تَقْتَضِيه بداهةُ العقول، بحيث لا يُدْرَكُ بواحد منهما ابتداء بطريق البداهة، وإنما يُعْلَم بخبر الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-»([190]).
والغَيْبِيَّة: كإحْدَى خصائص العقيدة الإسلامية، تعني: قيام العقيدة على التسليم بوجود الغيب، كما تعني وجوب الإيمان بكل ما ورد في النصوص الشرعية من أمور الغيب، وعدم رَدِّ شيء منها أو تأويلها.
قال قتادة –ؒ– في قوله تعالى: ﴿ﭝ ﭞ ﭟ ﴾ {البقرة:3}. «آمنوا بالجنة والنار، والبعث بعد الموت، وبيوم القيامة، وكُلُّ هذا غَيْبٌ»([191]).
وقال الربيع بن أنس –رضي الله عنه-: «الذين يؤمنون بالغيب: آمنوا بالله، وملائكته، ورسله، واليوم الآخر، وجنته، وناره، وآمنوا بالحياة بعد الموت، فهذا كله غيب»([192]).
وقال القرطبي –ؒ– في تفسير قوله تعالى: ﴿ﭝ ﭞ ﭟ ﴾ {البقرة:3}:
«اختلف المفسرون في تأويل الغيب هنا، فقالت فرقة: الغيب في هذه الآية: الله سبحانه، وضَعَّفَهُ ابنُ العربي، وقال آخرون: القضاء والقدر، وقال آخرون: القرآن: القرآن وما فيه من الغيوب، وقال آخرون: الغيب كل ما أخبر به الرسول -صلى الله عليه وسلم- مما لا تهتدي إليه العقول من أشراط الساعة، وعذاب القبر، والحشر، والنشر، والصراط، والميزان، والجنة، والنار، قال ابن عطية: وهذه الأقوال لا تتعارض؛ بل يقع الغيب على جميعها.
قال القرطبي –ؒ–: وهذا هو الإيمان الشرعي المشار إليه في حديث جبريل -♠، حين قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: فأَخْبِرْني عن الإيمان، قال: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره»، قال: صَدَقْتَ([193])… وذكر الحديث». اهـ([194])
مظاهر ودلائل الغَيْبِيَّةِ:
والغَيْبِيَّةُ واحدة من الركائز الكبرى، والخصائص العظمى في هذه العقيدة، حيث إن كثيرًا من مسائل العقيدة وقضاياها يقع في نطاق الغيب، ولذلك شواهد كثيرة في الشرع، فمن ذلك:
1- أن الباري -جلَّ ثناؤه، وتقدستْ أسماؤه- ابتدأ كتابه العزيز بذكر هذه الركيزة كخاصية من خواص المؤمنين اللازمة، وصفةٍ من صفاتهم البارزة.
قال تعالى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﴾ {البقرة:1-3}.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية –ؒ: «ولما كانت سورة البقرة سَنَامَ القرآن، ويقال: إنها أول سورة نزلت بالمدينة؛ افتتحها الله بأربع آيات في صفة المؤمنين، وآيتين في صفة الكافرين، وبضع عشرة آية في صفة المنافقين»([195]).
2- ما ورد في فضل المؤمنين بالغيب، وعِظَمِ أَجْرِهِم، وبيان أن الإيمان بالغيب هو أفضل الإيمان، وأعظم مقامات الدين.
فعن عبد الرحمن بن يزيد قال: ذَكَرُوا عِنْدَ عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، و رضي الله عنهم – وما سبقونا به، فقال عبد الله: «إن أمر محمد -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- كان بينا لمن رآه، والذي لا إله غيره، ما آمن أَحَدٌ قَطُّ إيمانًا أفضلَ من إيمانٍ بغيب»([196]).
وقال الإمام ابن القيم –ؒ– في تعليقه على قوله تعالى: ﴿ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ﴾ {آل عمران:179}: «فحَظُّكُم أنتم وسعادتُكُم في الإيمان بالغيب الذي يُطْلِع عليه رُسُلَه، فإن آمنتم به وأيقنتم؛ فلَكُمْ أعظم الأجر والكرامة»([197]).
وقال –ؒ-: «الإيمان بالغيب أَجَلُّ المقامات على الإطلاق»([198]).
وكما أن الإيمان بالغيب يقوم على أساس متين من الشرع؛ فهو يقوم كذلك على أساس متين من الفطرة والعقل.
وباستقراء استعمالات العرب لكلمة الغيب ومشتقاتها؛ نجد أنها تقابل الشهادة، وليست مقابِلَةً للشيء الموجود، أو الشيء المعقول، وقد جمع الله تعالى بين الكلمتين كثيرًا، كما في قوله تعالى: ﴿ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﴾ {الأنعام:73}، فكل منهما تقابِلُ الأخرى، كما أنها أيضًا ليست مقابِلَةً للشيء الواقع، كما يظن بعضُ الناس، حيث يكون عندهم الإيمان بالغيب إيمانًا بغير الواقع، فليس الغيب معدومًا، ولا هو الذي يَحْكُم العقل باستحالته، أو يكون غير واقعي.
ومن هنا يتبين خطأ الذين يعتبرون الإيمان بالغيب إيمانًا بشيء غير معقول، أي مخالفًا للعقل، أو مخالفًا للواقع، أو إيمانًا بشيء معدوم، وذلك؛ لأن الغيب ليس مقابِلًا للموجود في لغة العرب، ولا مقابِلًا للمعقول بمعنى ما يَقْبَلُه العقل، ولا مقابِلًا للشيء الواقع، وإنما هو مقابِلٌ للشهادة، أي الشيء الحاضر المشهود([199]).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية –ؒ: «والرسل جاءت بما يَعْجَزُ العَقْلُ عن دَرْكِهِ، ولم تأت بما يُعْلَمُ بالعقل امتناعُهُ، لكنْ المسرفون فيه -أي في العقل- قَضَوْا بوجوب أشياء وجوازها وامتناعها لحجج عقلية بزعمهم، اعتقدوها حقًّا، وهي باطل، وعارضوا بها النُّبُوَّاتِ وما جاءتْ به، والمُعْرِضُون عنه صَدَّقُوا بأشياء باطلة، ودَخَلُوا في أحوال وأعمال فاسدة، وخرجوا عن التمييز الذي فَضَّلَ الله به بني آدم على غيرهم»([200]).
وقال –ؒ-: «والمقصود أنه ليس كل شيء يمكن عِلْمُه بالقياس، ولا كل شيء يُحْتاج فيه إلى القياس؛ فلهذا قال الأئمة: ليس في المنصوصات النبوية قياس، ولا تُعارَضُ بالأمثال، ولا تُدْرَكُ بالعقول، وأما كونها لا تُعَارَضُ بالأمثال المضروبة؛ فهذا يعني أن النصوصَ لا يعارِضُها دليلٌ عقليٌّ صحيحٌ، وأما أنها لا تُدْرَكُ بالعقول؛ فإن نفس الغريزة العقلية التي تكون للشخص قد تعجز عن إدراك كثير من الأمور، لا سيما الغائبات، فمن رام بعقل نفسه أن يدرك كل شيء؛ كان جاهلًا، لا سيما إذا طَعَنَ في الطرق السمعية النبوية الخبرية، وهذا هو الذي يسلكه من يسلكه من الفلاسفة، ومن يُشْبِهُهم من أهل الكلام»([201])..
وقال الإمام ابن القيم –ؒ-: «الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم- لم يخبروا بما تحيله العقول، وتقطع باستحالته؛ بل أَخْبَارُهم قسمان: أحدهما: ما تشهد به العقول والفطر. الثاني: ما لا تُدْرِكُه العقولُ بمجردها، كالغيوب التي أخبروا بها عن تفاصيل البرزخ، واليوم الآخر، وتفاصيل الثواب والعقاب، ولا يكون خبرهم محالًا في العقول أصلًا، وكل خبر يُظَنُّ أن العقل يحيله؛ فلا يخلو من أحد أمرين: إما يكون الخبر كذبًا عليهم، أو يكون ذلك العقل فاسدًا، وهو شُبْهة خيالية، يَظُنُّ صاحِبُها أنها معقول صريح، قال تعالى: ﴿ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﴾ {سبأ:6}، وقال تعالى: ﴿ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﴾ {الرعد:19}»([202]).
وإذا كان الإيمان بالغيب من خصائص المؤمنين بصفة عامة؛ فإن أهل السنة تميزوا في هذا الباب بقبول كل ما ورد على لسان الرسل الكرام -عليهم الصلاة والسلام- من أمور الغيب إيمانًا وتصديقًا ويقينًا، وتجنبًا للشبهات والشكوك الناشئة عن إقحام العقول في مجال غير مجالها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية –ؒ-: «والإيمان بالغيب لا يتم إلا بالإيمان بجميع ما أنزله الله -تبارك وتعالى-»([203]).
وقال الإمام ابن القيم –ؒ-: «الثاني: قبول ما غاب للحق، وهو الإيمان بالغيب الذي أخبر به الحق سبحانه على لسان رُسُلِهِ: من أمور المعاد وتفصيله، والجنة والنار، وما قبل ذلك من الصراط والميزان والحساب، وما قبل ذلك من تَشَقُّق السماء وانفطارها، وانتثار الكواكب، ونَسْفِ الجبال، وطَيِّ العالم، وما قبل ذلك من أمور البرزخ ونعيمه وعذابه، فقبول هذا كله إيمانًا وتصديقًا وإيقانًا هو اليقين، بحيث لا يخالج القلبَ فيه شبهةٌ، ولا شكٌّ، ولا تَنَاسٍ، ولا غفلةٌ عنه؛ فإنه إن يَهْلِك يقينُهُ؛ أَفْسَدَهُ وأَضْعَفَه»([204]).
وإذا كان موقف أهل السنة هو التسليم الكامل، والإيمان التام بكل مسائل الغيب، كما ورد بها النقل، وذلك من خصائص عقيدتهم؛ فإن أهل البدع لم يقفوا من هذه المسائل، ولا من هذا الأصل موقفَ أهل السنة؛ بل عارَضَتْ طوائف منهم كثيرًا من أمور الغيب بعقولهم المريضة، وآرائهم الفاسدة، فردُّوا بعضَها، وأَوُّلُوا بعضَها.
وخَلَطتْ طوائفُ أخرى بين أمور الغيب والخرافات والأوهام التي لا يَقْبَلُهَا عَقْلٌ صحيح، ولا فطرة سليمة.
🕮 🕮 🕮
الأصل الحادي عشر:
- في كل أمة مُحَدَّثون مُلْهَمُون([205])، والرؤيا الصالحةُ حَقٌّ([206])، وهي جزءٌ من النبوة، والفِرَاسةُ الصادقَةُ حَقٌّ، وهي كراماتٌ ومُبَشِّراتٌ، وليس كل ذلك ونحوُه مصدرًا للأحكام في العقيدة وغيرها.
فالرؤيا الصالحة تَسُرُّ المؤمنَ وتُعْجِبُهُ ولا تَغُرُّه، فهي باعثُ خَيْرٍ وطمأنينةٍ وهدايةٍ، وذلك لا يُبَرِّرُ له أن يُعْمَل بها إذا كانت مخالفة للشرع، بل إذا خالفت الشرع؛ دل ذلك على عدم صلاحها، وضرورة تركها.
وعلى هذا سار الصحابة -رضي الله عنهم – فكانوا يرجعون إلى النبي – صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم – إذا رَأَوْا رؤيا.
وكذلك مَنْ بعدهم مِنْ سلف هذه الأمة الصالح، كانوا يرجعون إلى سنته – صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم – ولا يعتمدون على الرؤيا وحدها، إلا لمجرد الاستئناس بها، وعلى هذا يُحْمَلُ ما جاء عنهم في الأخذ بالرؤيا الصالحة عند ذِكْرِ أسباب تأليف بعض الكتب، أو ذِكْرِ أسباب هداية بعض الضالين المنحرفين.
فمن ذلك ما ثبت عن الإمام البخاري -ؒ- أنه أَلَّفَ كتاب «الجامع الصحيح» بسبب رؤيا رأى فيها النبيَّ – صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم – حيث قال: «رأيتُ النبي – صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم – وكأني واقف بين يديه، وبيدي مَرْوَحَةٌ، أَذُبُّ بها عنه، فسأَلْتُ بعضَ المُعَبِّرِين، فقال لي: أنت تَذُبُّ عنه الكذبَ؛ فهو الذي حَمَلَنِي على إخراج الجامع الصحيح».
وقد ذكرها الحافظ ابن حجر -ؒ- في «هدي الساري» (7)، وقال: «وروينا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس، قال: سمعت البخاري يقول: رأيت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-…». اهـ
ومن ذلك أن الرؤيا الصالحة كانت سببًا لهداية بعض المنحرفين عن الطريق المستقيم، ولهذا ذكرها الإمام ابن القيم -ؒ- في المرتبة العاشرة من مراتب الهداية العامة والخاصة.
وقال: «والذي هو من أسباب الهداية: هو الرؤيا التي من الله خاصة»([207]).
ومن أمثلة ذلك: أن سبب رجوع الإمام أبي الحسن الأشعري -ؒ- عن مذهب الاعتزال، أنه رأى النبي – صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم – في النوم حيث قال: وقع في صدري في بعض الليالي شيءٌ مما كُنْتُ فيه من العقائد؛ فَقُمْتُ وصَلَّيْتُ ركعتين، وسألتُ الله تعالى أن يهديني الطريق المستقيم، ونِمْتُ، فرأيتُ الرسول – صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم – في المنام، فشَكَوْتُ إليه بعض ما بي من الأمر، فقال لي رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم – عليك بسنتي؛ فانتبهت!! وعارَضْتُ مسائل الكلام بما وجدتُ في القرآن والأخبار؛ فَأَثْبَتُّهُ، ونَبَذْتُ ما سواه وراء ظهري([208]).
وإذا كان هذا هو موقف أهل الحق؛ فهناك من غلا في الرؤى: فطوائف غَلَتْ في الإفراط، وطوائف غَلَتْ في التفريط، وكل هؤلاء الغلاة خالفوا ما ذَكَرْتُه من المنهج الصحيح في الرؤى.
أما أصحاب الغلو في الإفراط؛ فهم الذين رفعوا الرؤى عن مكانتها، فاعتبروها مصدرًا للتلقي والتشريع؛ ينقضون بها شرع الله، فقد يُحَلِّل أحدُهم الحرامَ، أو يُحَرِّم الحلالَ بناء على رؤيا رآها، وقد يَدَّعِي بعضُهم عِلْمَ الغيب -الذي تفرد الله به- بسبب رؤيا رآها، أو رآها له غيره.
وهذا الغلو والإفراط في شأن الرؤى موجود في كل عصر، ففي جواب لشيخ الإسلام ابن تيمية -ؒ- حول ما يدعيه بعضُ المبتدعة من الرؤى والمنامات، قال: «وقد عرفنا في زماننا بمصر والشام والعراق من يدعي أنه رأى منامات تتعلق ببعض البقاع أنه قَبْرُ نبي، أو أنه فيه أَثَرُ نبي، ونحو ذلك، ويكون كاذبًا، وهذا شيء منتشر»([209]).
وما ذكره ابن الحاج –ؒ– حيث قال([210]): «ولْيُحْذَرْ مما يقع لبعض الناس في هذا الزمان، وهو أن يرى النبي – صلى الله عليه وسلم – في منامه، فيأمره بشيء، أو ينهاه عن شيء، فينتبه من نومه؛ فَيَقْدُم على فِعْلِهِ أو تَرْكِهِ بمجرد المنامة، دون أن يَعْرِضَهُ على كتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – وعلى قواعد السلف رضي الله عنهم ». اهـ
وقال النووي –ؒ-([211]): «حالة النوم ليست حالة ضبط وتحقيق لما يسمعه الرائي، وقد اتفقوا على أن مِنْ شَرْطِ مَنْ تُقْبَلُ روايتُهُ وشهادتُهُ: أن يكون مستيقظا، لا مغفلا، ولا سيئ الحفظ، ولا كثير الخطأ، ولا مختل الضبط، والنائم ليس بهذه الصفة؛ فلم تُقْبَلْ روايتُهُ؛ لاختلال ضبطه». اهـ
وقال العلامة المعلمي –ؒ– في «التنكيل»([212]): «اتفق أهل العلم على أن الرؤيا لا تَصْلُح للحجة، وإنما هي تبشير وتنبيه، وتَصْلُحُ للاستئناس بها إذا وافقت حُجَّةً شرعية». اهـ
وقال ابن أبي العز –ؒ-([213]): «ومِمَّا يَنْبَغِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ هَاهُنَا: أَنَّ الْفِرَاسَةَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ:
إِيمَانِيَّةٌ: وَسَبَبُهَا نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ فِي قَلْبِ عَبْدِهِ، وَحَقِيقَتُهَا: أَنَّهَا خَاطِرٌ يَهْجُمُ عَلَى الْقَلْبِ، يَثِبُ عَلَيْهِ كَوُثُوبِ الْأَسَدِ عَلَى الْفَرِيسَةِ، وَمِنْهَا اشْتِقَاقُهَا، وَهَذِهِ الْفِرَاسَةُ عَلَى حَسَبِ قُوَّةِ الْإِيمَانِ، فَمَنْ كَانَ أَقْوَى إِيمَانًا؛ أَخَذَ فِرَاسَتَهُ، قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ -ؒ-: الْفِرَاسَةُ مُكَاشَفَةُ النَّفْسِ، وَمُعَايَنَةُ الْغَيْبِ، وَهِيَ مِنْ مَقَامَاتِ الْإِيمَانِ. انْتَهَى.
وَفِرَاسَةٌ رِيَاضِيَّةٌ: وَهِيَ الَّتِي تَحْصُلُ بِالْجُوعِ وَالسَّهَرِ وَالتَّخَلِّي؛ فَإِنَّ النَّفْسَ إِذَا تَجَرَّدَتْ عَنِ الْعَوَائِقِ؛ صَارَ لَهَا مِنَ الْفِرَاسَةِ وَالْكَشْفِ بِحَسَبِ تَجَرُّدِهَا، وَهَذِهِ فِرَاسَةٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، وَلَا تَدُلُّ عَلَى إِيمَانٍ، وَلَا عَلَى وِلَايَةٍ، وَلَا تَكْشِفُ عَنْ حَقٍّ نَافِعٍ، وَلَا عَنْ طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ، بَلْ كَشْفُهَا مِنْ جِنْسِ فِرَاسَةِ الْوُلَاةِ، وَأَصْحَابِ عِبَارَةِ الرُّؤَيا، وَالْأَطِبَّاءِ، وَنَحْوِهِمْ.
وَفِرَاسَةٌ خَلْقِيَّةٌ: وَهِيَ الَّتِي صَنَّفَ فِيهَا الْأَطِبَّاءُ وَغَيْرُهُمْ، وَاسْتَدَلُّوا بِالْخَلْقِ عَلَى الْخُلُقِ، لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الِارْتِبَاطِ، الَّذِي اقْتَضَتْهُ حِكْمَةُ اللَّهِ، كَالِاسْتِدْلَالِ بِصِغَرِ الرَّأْسِ الْخَارِجِ عَنِ الْعَادَةِ عَلَى صِغَرِ الْعَقْلِ، وَبِكِبَرِهِ عَلَى كِبَرِهِ، وَسِعَةِ الصَّدْرِ عَلَى سِعَةِ الْخُلُقِ، وَبِضِيقِهِ عَلَى ضِيقِهِ، وَبِجُمُودِ الْعَيْنَيْنِ وَكَلَالِ نَظَرِهِمَا عَلَى بَلَادَةِ صَاحِبِهِمَا، وَضَعْفِ حَرَارَةِ قَلْبِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ». اهـ
قال شيخ الإسلام –ؒ– كما في «مجموع الفتاوى»([214]): «الْعِلْمُ بِالْكَائِنَاتِ وَكَشْفُهَا لَهُ طُرُقٌ مُتَعَدِّدَةٌ: حِسِّيَّةٌ وَعَقْلِيَّةٌ، وَكَشْفِيَّةٌ وَسَمْعِيَّةٌ، ضَرُورِيَّةٌ وَنَظَرِيَّةٌ، وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَيَنْقَسِمُ إلَى قَطْعِيٍّ وَظَنِّيٍّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَسَنَتَكَلَّمُ -إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى- عَلَى مَا يُتَّبَعُ مِنْهَا وَمَا لَا يُتَّبَعُ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ -أَعْنِي الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ عَلَى الْعِلْمِ بِالْكَائِنَاتِ مِنْ طَرِيقِ الْكَشْفِ يَقَظَةً وَمَنَامًا- كَمَا كَتَبْته فِي الْجِهَادِ.
أَمَّا الْعِلْمُ بِالدِّينِ وَكَشْفُهُ؛ فَالدِّينُ نَوْعَانِ: أُمُورٌ خَبَرِيَّةٌ اعْتِقَادِيَّةٌ، وَأُمُورٌ طَلَبِيَّةٌ عَمَلِيَّةٌ:
فَالْأَوَّلُ: كَالْعِلْمِ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ أَخْبَارُ الْأَنْبِيَاءِ وَأُمَمِهِمْ وَمَرَاتِبُهُمْ فِي الْفَضَائِلِ، وَأَحْوَالُ الْمَلَائِكَةِ، وَصِفَاتُهُمْ، وَأَعْمَالُهُمْ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ صِفَةُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَمَا فِي الْأَعْمَالِ مِنْ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَأَحْوَالِ الْأَوْلِيَاءِ، وَالصَّحَابَةِ وَفَضَائِلِهِمْ وَمَرَاتِبِهِمْ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ يُسَمَّى هَذَا النَّوْعُ أُصُولَ دِينٍ، وَيُسَمَّى الْعَقْدَ الْأَكْبَرَ، وَيُسَمَّى الْجِدَالُ فِيهِ بِالْعَقْلِ كَلَامًا، وَيُسَمَّى عَقَائِدَ وَاعْتِقَادَاتٍ، وَيُسَمَّى الْمَسَائِلَ الْعِلْمِيَّةَ، وَالْمَسَائِلَ الْخَبَرِيَّةَ، وَيُسَمَّى عِلْمَ الْمُكَاشَفَةِ.
وَالثَّانِي: الْأُمُورُ الْعَمَلِيَّةُ الطَّلَبِيَّةُ مِنْ أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ وَالْقَلْبِ، كَالْوَاجِبَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ، والمستحبات، وَالْمَكْرُوهَاتِ، وَالْمُبَاحَاتِ؛ فَإِنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ قَدْ يَكُونُ بِالْعِلْمِ وَالِاعْتِقَادِ، فَهُوَ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ عِلْمًا وَاعْتِقَادًا أَوْ خَبَرًا صَادِقًا أَوْ كَاذِبًا؛ يَدْخُلُ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَمِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ مَأْمُورًا بِهِ أَوْ مَنْهِيًّا عَنْهُ؛ يَدْخُلُ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي، مِثْلُ شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَهَذِهِ الشَّهَادَةُ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا صَادِقَةً مُطَابِقَةً لِمُخْبِرِهَا؛ فَهِيَ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَمِنْ جِهَةِ أَنَّهَا فَرْضٌ وَاجِبٌ، وَأَنَّ صَاحِبَهَا بِهَا يَصِيرُ مُؤْمِنًا، يَسْتَحِقُّ الثَّوَابَ، وَبِعَدَمِهَا يَصِيرُ كَافِرًا، يُحِلُّ دَمَهُ وَمَالَهُ؛ فَهِيَ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي. وَقَدْ يَتَّفِقُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى بَعْضِ الطُّرُقِ الْمُوصِلَةِ إلَى الْقِسْمَيْنِ، كَاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ دَلِيلٌ فِيهِمَا فِي الْجُمْلَةِ، وَقَدْ يَتَنَازَعُونَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ…
وَكَذَلِكَ الْأُمُورُ الْكَشْفِيَّةُ الَّتِي لِلْأَوْلِيَاءِ: مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ مَنْ يُنْكِرُهَا، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَغْلُو فِيهَا، وَخِيَارُ الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا، فَالطَّرِيقُ الْعَقْلِيَّةُ وَالنَّقْلِيَّةُ وَالْكَشْفِيَّةُ وَالْخَبَرِيَّةُ وَالنَّظَرِيَّةُ: طَرِيقَةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِ الْكَلَامِ وَأَهْلِ التَّصَوُّفِ؛ قَدْ تَجَاذَبَهَا النَّاسُ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا، فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُنْكِرُ مِنْهَا مَا لَا يَعْرِفُهُ، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَغْلُو فِيمَا يَعْرِفُهُ، فَيَرْفَعُهُ فَوْقَ قَدْرِهِ، وَيَنْفِي مَا سِوَاهُ، فَالْمُتَكَلِّمَةُ والمتفلسفة تُعَظِّمُ الطُّرُقَ الْعَقْلِيَّةَ، وَكَثِيرٌ مِنْهَا فَاسِدٌ مُتَنَاقِضٌ، وَهُمْ أَكْثَرُ خَلْقِ اللَّهِ تَنَاقُضًا وَاخْتِلَافًا، وَكُلُّ فَرِيقٍ يَرُدُّ عَلَى الْآخَرِ فِيمَا يَدَّعِيه قَطْعِيًّا». اهـ
وقال كما في «مجموع الفتاوى»([215]): «الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ، وَبِإِزَائِهِ لِقَوْمٍ آخَرِينَ: الْمَنَامَاتُ، وَالْإِسْرَائِيلِيَاتُ، وَالْحِكَايَاتُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْحَقَّ الَّذِي لَا بَاطِلَ فِيهِ: هُوَ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَنْ اللَّهِ، وَذَلِكَ فِي حَقِّنَا، وَيُعْرَفُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا مَا لَمْ تَجِئْ بِهِ الرُّسُلُ عَنْ اللَّهِ؛ أَوْ جَاءَتْ بِهِ، وَلَكِنْ لَيْسَ لَنَا طَرِيقٌ مُوَصِّلَةٌ إلَى الْعِلْمِ بِهِ؛ فَفِيهِ الْحَقُّ وَالْبَاطِلُ، فَلِهَذَا كَانَتْ الْحُجَّةُ الْوَاجِبَةُ الِاتِّبَاعِ: لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ؛ فَإِنَّ هَذَا حَقٌّ لَا بَاطِلَ فِيهِ، وَاجِبُ الِاتِّبَاعِ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ بِحَالِ، عَامُّ الْوُجُوبِ، لَا يَجُوزُ تَرْكُ شَيْءٍ مِمَّا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْأُصُولُ، وَلَيْسَ لِأَحَدِ الْخُرُوجُ عَنْ شَيْءٍ مِمَّا دَلَّتْ عَلَيْهِ…».
إلى أن قال –ؒ-: «وَأَمَّا الثَّانِي: فَمَا يُرْوَى عَنْ الْأَوَائِلِ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَنَحْوِهِمْ، وَمَا يُلْقَى فِي قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ يَقَظَةً وَمَنَامًا، وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَقْيِسَةُ الْأَصْلِيَّةُ أَوْ الْفَرْعِيَّةُ، وَمَا قَالَهُ الْأَكَابِرُ مِنْ هَذِهِ الْمِلَّةِ: عُلَمَائِهَا وَأُمَرَائِهَا؛ فَهَذَا التَّقْلِيدُ وَالْقِيَاسُ وَالْإِلْهَامُ فِيهِ الْحَقُّ وَالْبَاطِلُ، لَا يُرَدُّ كُلُّهُ، وَلَا يُقْبَلُ كُلُّهُ، وَأَضْعَفُهُ مَا كَانَ مَنْقُولًا عَمَّنْ لَيْسَ قَوْلُهُ حُجَّةً بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، مِثْلَ الْمَأْثُورِ عَنْ الْأَوَائِلِ، بِخِلَافِ الْمَأْثُورِ عَنْ بَعْضِ أُمَّتِنَا مِمَّا صَحَّ نَقْلُهُ؛ فَإِنَّ هَذَا نَقْلُهُ صَحِيحٌ؛ وَلَكِنَّ الْقَائِلَ قَدْ يُخْطِئُ وَقَدْ يُصِيبُ، وَمِنْ التَّقْلِيدِ تَقْلِيدُ أَفْعَالِ بَعْضِ النَّاسِ، وَهُوَ الْحِكَايَاتُ، ثُمَّ هَذِهِ الْأُمُورُ لَا تُرَدُّ رَدًّا مُطْلَقًا؛ لِمَا فِيهَا مِنْ حَقٍّ مُوَافِقٍ، وَلَا تُقْبَلُ قَبُولًا مُطْلَقًا؛ لِمَا فِيهَا مِنْ الْبَاطِلِ، بَلْ يُقْبَلُ مِنْهَا مَا وَافَقَ الْحَقَّ، وَيُرَدُّ مِنْهَا مَا كَانَ بَاطِلًا». اهـ
وقال الإمام ابن القيم – ؒ – في «مدارج السالكين»([216]): «الْقَاعِدَةُ الْأُولَى:
أَنَّ الذَّوْقَ وَالْحَالَ وَالْوَجْدَ: هَلْ هُوَ حَاكِمٌ أَوْ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ، فَيُحْكَمُ عَلَيْهِ بِحَاكِمٍ آخَرَ، وَيُتَحَاكَمُ إِلَيْهِ؟.
فَهَذَا مَنْشَأُ ضَلَالِ مَنْ ضَلَّ مِنَ الْمُفْسِدِينَ لِطَرِيقِ الْقَوْمِ الصَّحِيحَةِ، حَيْثُ جَعَلُوهُ حَاكِمًا، فَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِ فِيمَا يَسُوغُ وَيَمْتَنِعُ، وَفِيمَا هُوَ صَحِيحٌ وَفَاسِدٌ، وَجَعَلُوهُ مَحَكًّا لِلْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، فَنَبَذُوا لِذَلِكَ مُوجَبَ الْعِلْمِ وَالنُّصُوصِ، وَحَكَّمُوا فِيهَا الْأَذْوَاقَ وَالْأَحْوَالَ وَالْمَوَاجِيدَ، فَعَظُمَ الْأَمْرُ، وَتَفَاقَمَ الْفَسَادُ وَالشَّرُّ، وَطُمِسَتْ مَعَالِمُ الْإِيمَانِ وَالسُّلُوكِ الْمُسْتَقِيمِ، وَانْعَكَسَ السَّيْرُ، وَكَانَ إِلَى اللَّهِ، فَصَيَّرُوهُ إِلَى النُّفُوسِ، فَالنَّاسُ الْمَحْجُوبُونَ عَنْ أَذْوَاقِهِمْ يَعْبُدُونَ اللَّهَ، وَهَؤُلَاءِ يَعْبُدُونَ نُفُوسَهُمْ». اهـ
🕮 🕮 🕮
الأصل الثاني عشر:
- الوسائلُ لها حُكْم المقاصد، وسَدُّ ما يُتَذَرَّع به إلى المنكر قبل وقوعه؛ مما جاءت به الشريعة، ولا بد من شرعية المقْصَد والوسيلة، وقد لا يتحقق المَقْصَدُ الشرعي أو أكثره أو جزء منه إلا بارتكاب أدنى المفسدتين، أو تفويت أدنى المصلحتين؛ فالفقيه مَنْ عَلِمَ خَيْرَ الخيريْنِ فيتبعُهُ، وشَرَّ الشرّيْن فيجتنبُهُ.
قال العز بن عبد السلام – ؒ – في «قواعد الأحكام في مصالح الأنام»([217]): «وَلَوْ تَتَبَّعْنَا مَقَاصِدَ مَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ لِعِلْمِنَا أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِكُلِّ خَيْرٍ دِقَّهُ وَجِلَّهُ، وَزَجَرَ عَنْ كُلِّ شَرٍّ دِقَّهُ وَجِلَّهُ، فَإِنَّ الْخَيْرَ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ جَلْبِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ، وَالشَّرَّ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ جَلْبِ الْمَفَاسِدِ وَدَرْءِ الْمَصَالِحِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﴾ { الزلزلة:7-8} وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْخَيْرِ الْخَالِصِ وَالشَّرِّ الْمَحْضِ، وَإِنَّمَا الْإِشْكَالُ إذَا لَمْ يُعْرَفْ خَيْرُ الْخَيْرَيْنِ وَشَرُّ الشَّرَّيْنِ، أَوْ يُعْرَفْ تَرْجِيحُ الْمَصْلَحَةِ عَلَى الْمَفْسَدَةِ، أَوْ تَرْجِيحُ الْمَفْسَدَةِ عَلَى الْمَصْلَحَةِ، أَوْ جَهِلْنَا الْمَصْلَحَةَ وَالْمَفْسَدَةَ، وَمِنْ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ مَا لَا يَعْرِفُ إلَّا كُلُّ ذِي فَهْمٍ سَلِيمٍ وَطَبْعٍ مُسْتَقِيمٍ، يَعْرِفُ بِهِمَا دِقَّ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ وَجِلَّهُمَا، وَأَرْجَحَهُمَا مِنْ مَرْجُوحِهِمَا، وَتَفَاوُتُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ تَفَاوُتِهِمْ فِيمَا ذَكَرْته، وَقَدْ يَغْفُلُ الْحَاذِقُ الْأَفْضَلُ عَنْ بَعْضِ مَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الْأَخْرَقُ الْمَفْضُولُ، وَلَكِنَّهُ قَلِيلٌ.
وَأَجْمَعُ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ لِلْحَثِّ عَلَى الْمَصَالِحِ كُلِّهَا، وَالزَّجْرِ عَنْ الْمَفَاسِدِ بِأَسْرِهَا، قَوْله تَعَالَى: ﴿ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﴾ {النحل:90}، فَإِنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي الْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ لِلْعُمُومِ وَالِاسْتِغْرَاقِ، فَلَا يَبْقَى مِنْ دِقِّ الْعَدْلِ وَجلِّهِ شَيْءٌ إلَّا انْدَرَجَ فِي قَوْلِهِ ﴿ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﴾ {النحل:90} وَلَا يَبْقَى مِنْ دِقِّ الْإِحْسَانِ وَجِلِّهِ شَيْءٌ إلَّا انْدَرَجَ فِي أَمْرِهِ بِالْإِحْسَانِ، وَالْعَدْلُ: هُوَ التَّسْوِيَةُ وَالْإِنْصَافُ، وَالْإِحْسَانُ: إمَّا جَلْبُ مَصْلَحَةٍ أَوْ دَفْعُ مَفْسَدَةٍ، وَكَذَلِكَ الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ عَامَّةٌ مُسْتَغْرِقَةٌ لِأَنْوَاعِ الْفَوَاحِشِ، وَلِمَا يُذْكَرُ مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ، وَأَفْرَدَ الْبَغْيَ – وَهُوَ ظُلْمُ النَّاسِ – بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِرَاجِهِ فِي الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ؛ فَإِنَّ الْعَرَبَ إذَا اهْتَمُّوا؛ أَتَوْا بِمُسَمَّيَاتِ الْعَامِّ، وَلِهَذَا أَفْرَدَ الْبَغْيَ -وَهُوَ الظُّلْمُ- مَعَ انْدِرَاجِهِ فِي الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ؛ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ، كَمَا أَفْرَدَ إيتَاءَ ذِي الْقُرْبَى بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِرَاجِهِ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ». اهـ
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – ؒ – كما في «مجموع الفتاوى»([218]): «وَتَمَامُ «الْوَرَعِ» أَنْ يَعلم الْإِنْسَانُ خَيْرَ الْخَيْرَيْنِ وَشَرَّ الشَّرَّيْنِ، وَيَعْلَمَ أَنَّ الشَّرِيعَةَ مَبْنَاهَا عَلَى تَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَتَكْمِيلِهَا، وَتَعْطِيلِ الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا، وَإِلَّا فَمَنْ لَمْ يُوَازِنْ مَا فِي الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْمَفْسَدَةِ الشَّرْعِيَّةِ؛ فَقَدْ يَدَعُ وَاجِبَاتٍ، وَيَفْعَلُ مُحَرَّمَاتٍ، وَيَرَى ذَلِكَ مِنْ الْوَرَعِ، كَمَنْ يَدْعُ الْجِهَادَ مَعَ الْأُمَرَاءِ الظَّلَمَةِ، وَيَرَى ذَلِكَ وَرَعًا، وَيَدَعُ الْجُمْعَةَ وَالْجَمَاعَةَ خَلْفَ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ فِيهِمْ بِدْعَةٌ أَوْ فُجُورٌ، وَيَرَى ذَلِكَ مِنْ الْوَرَعِ، وَيَمْتَنِعُ عَنْ قَبُولِ شَهَادَةِ الصَّادِقِ، وَأَخْذِ عِلْمِ الْعَالِمِ، لِمَا فِي صَاحِبِهِ مِنْ بِدْعَةٍ خَفِيَّةٍ، وَيَرَى تَرْكَ قَبُولِ سَمَاعِ هَذَا الْحَقِّ الَّذِي يَجِبُ سَمَاعُهُ مِنْ الْوَرَعِ». اهـ
وَقَالَ –ؒ– كما في «مجموع الفتاوى»([219]): «فَصْلٌ: جَامِعٌ فِي تَعَارُضِ الْحَسَنَاتِ أَوْ السَّيِّئَاتِ، أَوْ هُمَا جَمِيعًا إذَا اجْتَمَعَا، وَلَمْ يُمْكِنْ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا، بَلْ الْمُمْكِنُ إمَّا فِعْلُهُمَا جَمِيعًا، وَإِمَّا تَرْكُهُمَا جَمِيعًا، وَقَدْ كَتَبْت مَا يُشْبِهُ هَذَا فِي «قَاعِدَةِ الْإِمَارَةِ وَالْخِلَافَةِ» وَفِي أَنَّ الشَّرِيعَةَ جَاءَتْ بِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَتَكْمِيلِهَا، وَتَعْطِيلِ الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا، وَأَنَّهَا تُرَجِّحُ خَيْرَ الْخَيْرَيْنِ وَشَرَّ الشَّرَّيْنِ، وَتَحْصِيلَ أَعْظَمِ الْمَصْلَحَتَيْنِ بِتَفْوِيتِ أَدْنَاهُمَا، وَتَدْفَعُ أَعْظَمَ الْمَفْسَدَتَيْنِ بِاحْتِمَالِ أَدْنَاهُمَا…
وقال ابن الوزير – ؒ – في «إيثار الحق على الخلق»([220]): «وَإِنَّمَا أجمع أهل الْعُقُول على مثل هَذَا؛ لما فِي فِطَرِ الْعُقُول من تَرْجِيح خير الخيرين، وَاحْتِمَال أَهْون الشرين عِنْد التَّعَارُض، كَمَا قيل: حَنَانَيْكَ بعضُ الشَّرّ أَهْونُ من بعض.
وَمن ذَلِك اسْتحْسنَ الْعُقَلَاء تَحَمُّلَ المضار الْعَظِيمَة فِي الحروب لدفع مَا هُوَ أَضَرّ مِنْهَا، وَقَالَت الْعَرَب:
| (بِسَفْكِ الدِّمَا يَا جَارَتِي تُحْقَنُ الدِّمَا | وبالقَتْلِ تَنْجُو كُلُّ نَفْسٍ من الْقَتْل)».اهـ |
وفي «مجمع الأمثال»([221]): «بَعْضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضٍ.
هذا من قول طَرَفة بن العبد حين أمَر النعمان بقتله، فقال:
| أبا مُنْذِرٍ أفْنَيْتَ فاسْتَبْقِ بَعْضَنَا | حَنَانَيْكَ بَعْضُ الشر أهْوَنُ من بَعْضِ |
يُضْرَبُ عند ظهور الشرَّيْنِ بينهما تفاوتٌ.
وهذا كقولهم «إنَّ من الشر خِيارًا»». اهـ
ولذلك فالاستدلال بقاعدة تزاحم المصالح والمفاسد، ومراعاة أَخَفِّ الضرريْن من أصول هذا المنهج الربَّاني.
يقول الرازي ـ ؒ ـ في «مفاتيح الغيب» أو «التفسير الكبير»([222]): «الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ شَتْمَ الْأَصْنَامِ مِنْ أُصُولِ الطَّاعَاتِ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَنْهَى عَنْهَا؟([223])
وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا الشَّتْمَ -وَإِنْ كَانَ طَاعَةً- إِلَّا أَنَّهُ إِذَا وَقَعَ عَلَى وَجْهٍ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ مُنْكَرٍ عَظِيمٍ؛ وَجَبَ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ، وَالْأَمْرُ هَاهُنَا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا الشَّتْمَ كَانَ يَسْتَلْزِمُ إِقْدَامَهُمْ عَلَى شَتْمِ اللَّهِ وَشَتْمِ رَسُولِهِ، وَعَلَى فَتْحِ بَابِ السَّفَاهَةِ، وعلى تنفيرهم عَنْ قَبُولِ الدِّينِ، وَإِدْخَالِ الْغَيْظِ وَالْغَضَبِ فِي قُلُوبِهِمْ، فَلِكَوْنِهِ مُسْتَلْزِمًا لِهَذِهِ الْمُنْكَرَاتِ؛ وَقَعَ النَّهْيُ عَنْهُ». اهـ
وقال –ؒ– أيضًا: «الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قَالُوا: هَذِهِ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأمِرَ بِالْمَعْرُوفِ قَدْ يُقَبَّحُ إِذَا أَدَّى إِلَى ارْتِكَابِ مُنْكَرٍ، وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ يُقَبَّحُ إِذَا أَدَّى إِلَى زِيَادَةِ مُنْكَرٍ، وَغَلَبَةُ الظَّنِّ قَائِمَةٌ مَقَامَ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَفِيهِ تَأْدِيبٌ لِمَنْ يَدْعُو إِلَى الدِّينِ؛ لِئَلَّا يَتَشَاغَلَ بِمَا لَا فَائِدَةَ لَهُ فِي الْمَطْلُوبِ؛ لِأَنَّ وَصْفَ الْأَوْثَانِ بِأَنَّهَا جَمَادَاتٌ لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ يَكْفِي فِي الْقَدْحِ فِي إِلَهِيَّتِهَا، فَلَا حَاجَةَ مَعَ ذَلِكَ إِلَى شَتْمِهَا». اهـ([224])
وقال القرطبي ـ ؒ ـ في «تفسيره»([225]): «في هذه الآية أيضا ضَرْبٌ مِنَ الموادعة، ودليلٌ على وجوب الحكم بِسَدِّ الذرائع، وفيها دليل على أن المحقَّ قد يَكُفُّ عن حَقٍّ له إذا أدى إلى ضرر يكون في الدين». اهـ
وقال أيضًا في «تفسيره»([226]): «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر متعين متى رُجِيَ القبولُ، أو رُجِيَ رَدُّ الظالم ولو بعنف، ما لم يَخَفْ الآمرُ ضررًا يَلْحَقُه في خاصَّته، أو فتنةً يُدخِلُها على المسلمين، إما بِشَقِّ عصا، وإما بضرر يَلْحَقُ طائفةً من الناس». اهـ
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ ؒ ـ في «الاستقامة»([227]): «وعَلى هَذَا إذا كَانَ الشَّخْص أو الطائفة جامِعَيْن بَين مَعْرُوف ومُنْكر، بِحَيْثُ لَا يُفَرِّقُون بَينهمَا، بل إما أن يفعلوهما جَمِيعًا، أوْ يتركوهما جَمِيعًا؛ لم يَجُزْ أن يُؤْمَروا بِمَعْرُوف وَلَا أن يُنْهَوا عَن مُنْكَر، بل يُنْظَر: فَإِن كَانَ الْمَعْرُوف أكثر؛ أُمِرَ بِهِ، وإن استلزم مَا هُوَ دونه من الْمُنكر، وَلم يُنْهَ عَن مُنكر يسْتَلْزم تَفْوِيتَ مَعْرُوف أعظَمَ مِنْهُ، بل يكون النَّهْي حِينَئِذٍ من بَاب الصَّدِّ عَن سَبِيل الله، وَالسَّعْي فِي زَوَال طَاعَته وَطَاعَة رَسُوله -صلى الله عليه وسلم- وَزَوَالُ فِعْلِ الْحَسَنَات، وإن كَانَ الْمُنْكَر أُغلَبَ؛ نُهِيَ عَنهُ، وإن استلزم فَوَات مَا هُوَ دونه من الْمَعْرُوف، وَيكون الأَمْرُ بذلك الْمَعْرُوف المستلزِمِ للْمُنكر الزَّائِد عَلَيْهِ أَمْرًا بمنكر، وسَعْيًا فِي مَعْصِيّة الله وَرَسُوله
وإن تكافأ الْمَعْرُوف وَالْمُنكر المتلازمان؛ لم يُؤْمَر بهما، وَلم يُنْهَ عَنْهُمَا، فَتَارَةً يَصْلُح الأَمْرُ، وَتارَةً يَصْلُح النَّهْيُ، وَتارَةً لَا يَصْلُح لَا أمْر وَلَا نَهْيٌ، حَيْثُ كَانَ الْمُنكر وَالْمَعْرُوف متلازمين، وَذَلِكَ فِي الأمور الْمعينَة الْوَاقِعَة.
وأما من جِهَة النَّوْع: فَيُؤْمَر بِالْمَعْرُوفِ مُطلقًا، وَيُنْهَى عَن الْمُنكر مُطلقًا، وَفِي الْفَاعِل الْوَاحِد والطائفة الْوَاحِدَة: يُؤْمَر بمعروفها، وَيُنْهَى عَن مُنْكَرها، ويُحْمَدُ مَحْمُودُها، ويُذَمُّ مَذْمُومُها، بِحَيْثُ لَا يتَضَمَّن الأَمْر بِمَعْرُوف فَوَاتَ مَعْرُوفٍ أكبر مِنْهُ، أوْ حُصُولَ مُنْكَرٍ فَوْقه، وَلَا يتَضَمَّن النَّهْيُ عَن الْمُنكر حُصُولَ مَا هُوَ أَنْكَرُ مِنْهُ، أوْ فَوَاتَ مَعْرُوفٍ أرجحَ مِنْهُ.
وإذا اشْتبهَ الْأَمْرُ؛ اسْتَثْبَتَ الْمُؤمنُ حَتَّى يتَبَيَّن لَهُ الْحق، فَلَا يَقْدُمُ على الطَّاعَة إلا بِعلم وَنِيَّة، وإذا تَركهَا؛ كَانَ عَاصِيا، فَتَرْكُ الأمرِ الْوَاجِبِ مَعْصِيّةٌ، وَفِعْلُ مَا نُهِىَ عَنهُ من الأمر مَعْصِيّة، وَهَذَا بَاب وَاسع، وَلَا حول وَلَا قُوَّة الا بِاللَّه». اهـ
وقال –ؒ– أيضًا([228]): «فَلَا بُدَّ مِنْ الْعِلْمِ بِالْمَعْرُوفِ وَالْمُنْكَرِ وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَهُمَا، وَلَا بُدَّ مِنْ الْعِلْمِ بِحَالِ الْمَأْمُورِ وَالْمَنْهِيِّ، وَمِنْ الصَّلَاحِ: أَنْ يَأْتِيَ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بِالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَهُوَ أَقْرَبُ الطُّرُقِ إلَى حُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَلَا بُدَّ فِي ذَلِكَ مِنْ الرِّفْقِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «مَا كَانَ الرِّفْقُ فِي شَيْءٍ إلَّا زَانَهُ، وَلَا كَانَ الْعُنْفُ فِي شَيْءٍ إلَّا شَانَهُ» وَقَالَ: «إنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ، وَيُعْطِي عَلَيْهِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ» وَلَا بُدَّ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ حَلِيمًا صَبُورًا عَلَى الْأَذَى؛ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ أَذًى؛ فَإِنْ لَمْ يَحْلُمْ وَيَصْبِرْ؛ كَانَ مَا يُفْسِدُ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُ، كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: ﴿ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﴾ {لقمان:17}، وَلِهَذَا أَمَرَ اللَّهُ الرُّسُلَ – وَهُمْ أَئِمَّةُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ – بِالصَّبْرِ، كَقَوْلِهِ لِخَاتَمِ الرُّسُلِ؛ بَلْ ذَلِكَ مَقْرُونٌ بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَا أُرْسِلَ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ ﴿ﮬ ﮭ ﮮ ﴾ {المدثر:1} بَعْدَ أَنْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ «اقْرَأْ» الَّتِي بِهَا نُبِّئَ؛ فَقَالَ: ﴿ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﴾ { المدثر:1-7} فَافْتَتَحَ آيَاتِ الْإِرْسَالِ إلَى الْخَلْقِ بِالْأَمْرِ بِالنِّذَارَةِ، وَخَتَمَهَا بِالْأَمْرِ بِالصَّبْرِ، وَنَفْسُ الْإِنْذَارِ أَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ يَجِبُ بَعْدَ ذَلِكَ الصَّبْرُ، وَقَالَ: ﴿ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﴾ {الطور:48}، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﴾ {المزمل:10}، ﴿ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﴾ {الأحقاف:35}، ﴿ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﴾ {القلم:48}، ﴿ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﴾ {النحل:127}، ﴿ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﴾ {هود:115}. فَلَا بُدَّ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ: الْعِلْمُ؛ وَالرِّفْقُ؛ وَالصَّبْرُ؛ الْعِلْمُ قَبْلَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيُ؛ وَالرِّفْقُ مَعَهُ، وَالصَّبْرُ بَعْدَهُ، وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْ الثَّلَاثَةِ مُسْتَصْحَبًا فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ؛ وَهَذَا كَمَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ، وَرَوَوْهُ مَرْفُوعًا؛ ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي «الْمُعْتَمَدِ»: «لَا يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ إلَّا مَنْ كَانَ فَقِيهًا فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ؛ فَقِيهًا فِيمَا يَنْهَى عَنْهُ؛ رَفِيقًا فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ؛ رَفِيقًا فِيمَا يَنْهَى عَنْهُ؛ حَلِيمًا فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ حَلِيمًا فِيمَا يَنْهَى عَنْهُ». اهـ
وقال أبو العباس القرطبي ـ ؒ ـ في «المفهم لما أُشْكِل من كتاب تلخيص مسلم»([229]):
«ولوجوبه ـ أي الأمر بالمعروف ـ شرطان:
أحدهما: العلمُ بكون ذلك الفعلِ مُنْكَرًا أو معروفًا.
والثاني: القدرةُ على التغيير.
فإذا كان ذلك؛ تعيَّن التغييرُ باليد إنْ كان ذلك المُنْكَرُ مما يَحْتَاجُ في تغييره إليها، مثلُ: كَسْرِ أواني الخمر، وآلاتِ اللهو؛ كالمزاميرِ والأوتارِ والكُبَرِ، وكمنعِ الظالمِ من الضَّرْبِ والقتلِ وغيرِ ذلك، فإنْ لم يَقْدِرْ بنفسه؛ استعان بغيره، فإنْ خاف من ذلك ثَوَرَانَ فتنةٍ، وإشهارَ سلاح؛ تعيَّن رفعُ ذلك إلى الإمام، فإنْ لم يَقْدِرْ على ذلك؛ غيَّر بالقولِ المُرْتَجَى نفعُهُ، مِن لينٍ أو إغلاظٍ؛ حسَبَ ما يكونُ أنفعَ، وقد يَبْلُغُ بالرِّفْقِ والسياسة، إلى ما لا يُبْلَغ بالسيف والرياسة.
فإنْ خاف من القول القتلَ أو الأذى؛ غيَّر بقلبه، ومعناه: أن يَكْرَهَ ذلك الفعلَ بقلبه، ويعزمَ على أنْ لو قدَرَ على التغيير لغيَّر». اهـ
وقال الإمام ابن القيم ـ ؒ ـ في «إعلام الموقعين عن رب العالمين»([230]): «هَذَا فَصْلٌ عَظِيمُ النَّفْعِ جِدًّا، وَقَعَ بِسَبَبِ الْجَهْلِ بِهِ غَلَطٌ عَظِيمٌ عَلَى الشَّرِيعَةِ، أَوْجَبَ مِنْ الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ وَتَكْلِيفِ مَا لَا سَبِيلَ إلَيْهِ مَا يُعْلَمُ أَنَّ الشَّرِيعَةَ الْبَاهِرَةَ الَّتِي فِي أَعْلَى رُتَبِ الْمَصَالِحِ لَا تَأْتِي بِهِ؛ فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ مَبْنَاهَا وَأَسَاسُهَا عَلَى الْحِكَمِ وَمَصَالِحِ الْعِبَادِ فِي الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ، وَهِيَ عَدْلٌ كُلُّهَا، وَرَحْمَةٌ كُلُّهَا، وَمَصَالِحُ كُلُّهَا، وَحِكْمَةٌ كُلُّهَا؛ فَكُلُّ مَسْأَلَةٍ خَرَجَتْ عَنْ الْعَدْلِ إلَى الْجَوْرِ، وَعَنْ الرَّحْمَةِ إلَى ضِدِّهَا، وَعَنْ الْمَصْلَحَةِ إلَى الْمَفْسَدَةِ، وَعَنْ الْحِكْمَةِ إلَى الْعَبَثِ؛ فَلَيْسَتْ مِنْ الشَّرِيعَةِ، وَإِنْ أُدْخِلَتْ فِيهَا بِالتَّأْوِيلِ؛ فَالشَّرِيعَةُ عَدْلُ اللَّهِ بَيْنَ عِبَادِهِ، وَرَحْمَتُهُ بَيْنَ خَلْقِهِ، وَظِلُّهُ فِي أَرْضِهِ، وَحِكْمَتُهُ الدَّالَّةُ عَلَيْهِ وَعَلَى صِدْقِ رَسُولِهِ – صلى الله عليه وسلم – أَتَمُّ دَلَالَةً وَأَصْدَقُهَا، وَهِيَ نُورُهُ الَّذِي بِهِ أَبْصَرَ الْمُبْصِرُونَ، وَهُدَاهُ الَّذِي بِهِ اهْتَدَى الْمُهْتَدُونَ، وَشِفَاؤُهُ التَّامُّ الَّذِي بِهِ دَوَاءُ كُلِّ عَلِيلٍ، وَطَرِيقُهُ الْمُسْتَقِيمُ الَّذِي مَنْ اسْتَقَامَ عَلَيْهِ؛ فَقَدْ اسْتَقَامَ عَلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ.
فَهِيَ قُرَّةُ الْعُيُونِ، وَحَيَاةُ الْقُلُوبِ، وَلَذَّةُ الْأَرْوَاحِ؛ فَهِيَ بِهَا الْحَيَاةُ وَالْغِذَاءُ وَالدَّوَاءُ وَالنُّورُ وَالشِّفَاءُ وَالْعِصْمَةُ، وَكُلُّ خَيْرٍ فِي الْوُجُودِ فَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْهَا، وَحَاصِلٌ بِهَا، وَكُلُّ نَقْصٍ فِي الْوُجُودِ فَسَبَبُهُ مِنْ إضَاعَتِهَا، وَلَوْلَا رُسُومٌ قَدْ بَقِيَتْ؛ لَخَرِبَتْ الدُّنْيَا وَطُوِيَ الْعَالَمُ، وَهِيَ الْعِصْمَةُ لِلنَّاسِ وَقِوَامُ الْعَالَمِ، وَبِهَا يُمْسِك اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- خَرَابَ الدُّنْيَا وَطَيَّ الْعَالَمِ؛ رَفَعَ إلَيْهِ مَا بَقِيَ مِنْ رُسُومِهَا؛ فَالشَّرِيعَةُ الَّتِي بَعَثَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ هِيَ عَمُودُ الْعَالَمِ، وَقُطْبُ الْفَلَاحِ وَالسَّعَادَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَنَحْنُ نَذْكُرُ تَفْصِيلَ مَا أَجْمَلْنَاهُ فِي هَذَا الْفَصْلِ بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ وَمَعُونَتِهِ بِأَمْثِلَةٍ صَحِيحَةٍ:
الْمِثَالُ الْأَوَّلُ: أَنَّ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – شَرَعَ لِأُمَّتِهِ إيجَابَ إنْكَارِ الْمُنْكَرِ؛ لِيَحْصُلَ بِإِنْكَارِهِ مِنْ الْمَعْرُوفِ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَإِذَا كَانَ إنْكَارُ الْمُنْكَرِ يَسْتَلْزِمُ مَا هُوَ أَنْكَرُ مِنْهُ وَأَبْغَضُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَسُوغُ إنْكَارُهُ، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ يُبْغِضُهُ وَيَمْقُتُ أَهْلَهُ، وَهَذَا كَالْإِنْكَارِ عَلَى الْمُلُوكِ وَالْوُلَاةِ بِالْخُرُوجِ عَلَيْهِمْ؛ فَإِنَّهُ أَسَاسُ كُلِّ شَرٍّ وَفِتْنَةٍ إلَى آخِرِ الدَّهْرِ، وَقَدْ اسْتَأْذَنَ الصَّحَابَةُ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – فِي قِتَالِ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا، وَقَالُوا: أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ؟ فَقَالَ: «لَا، مَا أَقَامُوا الصَّلَاةَ» وَقَالَ: «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ مَا يَكْرَهُهُ؛ فَلْيَصْبِرْ، وَلَا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَتِهِ» وَمَنْ تَأَمَّلَ مَا جَرَى عَلَى الْإِسْلَامِ فِي الْفِتَنِ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ؛ رَآهَا مِنْ إضَاعَةِ هَذَا الْأَصْلِ، وَعَدَمِ الصَّبْرِ عَلَى مُنْكَرٍ؛ فَطَلَبَ إزَالَتَهُ؛ فَتَوَلَّدَ مِنْهُ مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ؛ فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – يَرَى بِمَكَّةَ أَكْبَرَ الْمُنْكَرَاتِ، وَلَا يَسْتَطِيعُ تَغْيِيرَهَا، بَلْ لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ مَكَّةَ وَصَارَتْ دَارَ إسْلَامٍ، عَزَمَ عَلَى تَغْيِيرِ الْبَيْتِ وَرَدِّهِ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ، وَمَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ – مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ – خَشْيَةُ وُقُوعِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ: مِنْ عَدَمِ احْتِمَالِ قُرَيْشٍ لِذَلِكَ؛ لِقُرْبِ عَهْدِهِمْ بِالْإِسْلَامِ، وَكَوْنِهِمْ حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ، وَلِهَذَا لَمْ يَأْذَنْ فِي الْإِنْكَارِ عَلَى الْأُمَرَاءِ بِالْيَدِ؛ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ وُقُوعِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ، كَمَا وُجِدَ سَوَاءٌ.
فَإِنْكَارُ الْمُنْكَرِ أَرْبَعُ دَرَجَاتٍ؛ الْأُولَى: أَنْ يَزُولَ وَيَخْلُفَهُ ضِدُّهُ. الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقِلَّ وَإِنْ لَمْ يَزُلْ بِجُمْلَتِهِ. الثَّالِثَةُ: أَنْ يَخْلُفَهُ مَا هُوَ مِثْلُهُ. الرَّابِعَةُ: أَنْ يَخْلُفَهُ مَا هُوَ شَرٌّ مِنْهُ؛ فَالدَّرَجَتَانِ الْأُولَيَانِ مَشْرُوعَتَانِ، وَالثَّالِثَةُ مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ، وَالرَّابِعَةُ مُحَرَّمَةٌ؛ فَإِذَا رَأَيْت أَهْلَ الْفُجُورِ وَالْفُسُوقِ يَلْعَبُونَ بِالشِّطْرَنْجِ؛ كَانَ إنْكَارُك عَلَيْهِمْ مِنْ عَدَمِ الْفِقْهِ وَالْبَصِيرَةِ، إلَّا إذَا نَقَلْتَهُمْ مِنْهُ إلَى مَا هُوَ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ: كَرَمْيِ النُّشَّاب، وَسِبَاقِ الْخَيْلِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِذَا رَأَيْت الْفُسَّاقَ قَدْ اجْتَمَعُوا عَلَى لَهْوٍ وَلَعِبٍ أَوْ سَمَاعِ مُكَاءٍ وَتَصْدِيَةٍ؛ فَإِنْ نَقَلْتَهُمْ عَنْهُ إلَى طَاعَةِ اللَّهِ؛ فَهُوَ الْمُرَادُ، وَإِلَّا كَانَ تَرْكُهُمْ عَلَى ذَلِكَ خَيْرًا مِنْ أَنْ تُفْرِغَهُمْ لِمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، فَكَانَ مَا هُمْ فِيهِ شَاغِلًا لَهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَكَمَا إذَا كَانَ الرَّجُلُ مُشْتَغِلًا بِكُتُبِ الْمُجُونِ وَنَحْوِهَا، وَخِفْتَ مِنْ نَقْلِهِ عَنْهَا انْتِقَالَهُ إلَى كُتُبِ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ وَالسِّحْرِ؛ فَدَعْهُ وَكُتُبَهُ الْأُولَى، وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ؛ وَسَمِعْت شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ، وَنَوَّرَ ضَرِيحَهُ- يَقُولُ: مَرَرْتُ أَنَا وَبَعْضُ أَصْحَابِي فِي زَمَنِ التَّتَارِ بِقَوْمٍ مِنْهُمْ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ مَنْ كَانَ مَعِي؛ فَأَنْكَرْتُ عَلَيْهِ، وَقُلْت لَهُ: إنَّمَا حَرَّمَ اللَّهُ الْخَمْرَ؛ لِأَنَّهَا تَصُدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ، وَهَؤُلَاءِ يَصُدُّهُمْ الْخَمْرُ عَنْ قَتْلِ النُّفُوسِ، وَسَبْيِ الذُّرِّيَّةِ، وَأَخْذِ الْأَمْوَالِ؛ فَدَعْهُمْ». اهـ
🕮 🕮 🕮
الأصل الثالث عشر:
- حَمْلُ الناس على الجُمَل الثابتة والمتفق عليها، ولا يُمْتَحنون بمواضع الاجتهاد، أو الخفاء، أو الاشتباه، أو بما لا يتعين عليهم تَعَيُّنًا عامًّا.
قَالَ شيخ الإسلام كما في «مجموع الفتاوى»([231]): «وَكَذَلِكَ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْأُمَّةِ، وَامْتِحَانُهَا بِمَا لَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ بِهِ وَلَا رَسُولُهُ: مِثْلَ أَنْ يُقَالَ لِلرَّجُلِ: أَنْتَ شكيلي، أَوْ قرفندي؛ فَإِنَّ هَذِهِ أَسْمَاءٌ بَاطِلَةٌ، مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ، وَلَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا سُنَّةِ رَسُولِهِ -صلى الله عليه وسلم- وَلَا فِي الْآثَارِ الْمَعْرُوفَةِ عَنْ سَلَفِ الْأَئِمَّةِ: لَا شكيلي، وَلَا قرفندي،. وَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ إذَا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: لَا أَنَا شكيلي وَلَا قرفندي؛ بَلْ أَنَا مُسْلِمٌ مُتَّبِعٌ لِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ: أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- فَقَالَ: أَنْتَ عَلَى مِلَّةِ عَلِيٍّ أَوْ مِلَّةِ عُثْمَانَ؟ فَقَالَ: لَسْتُ عَلَى مِلَّةِ عَلِيٍّ وَلَا عَلَى مِلَّةِ عُثْمَانَ، بَلْ أَنَا عَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-([232])
وَكَذَلِكَ كَانَ كُلٌّ مِنْ السَّلَفِ يَقُولُونَ: كُلُّ هَذِهِ الْأَهْوَاءِ فِي النَّارِ: وَيَقُولُ أَحَدُهُمْ: مَا أُبَالِي أَيُّ النِّعْمَتَيْنِ أَعْظَمُ؟ عَلَى أَنْ هَدَانِي اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ، أَوْ أَنْ جَنَّبَنِي هَذِهِ الْأَهْوَاءَ». اهـ
وقَالَ أيضًا –ؒ– كما في «مجموع الفتاوى»([233]): «فكيف يجوز مع هذا لأمة محمد -صلى الله عليه وسلم- أن تَفْترق وتَخْتلف، حتى يُواليَ الرجلُ طائفةً ويُعاديَ أخرى بالظن والهوى، بلا برهان من الله تعالى، وقد برّأ الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- ممن كان هكذا، فهذا فِعْلُ أهل البدع: كالخوارج، الذين فارقوا المسلمين، واسْتَحَلُّوا دماء من خالفهم، وأما أهل السنة والجماعة فهم معتصمون بحبل الله، وأَقَلُّ ما في ذلك أن يُفَضِّل الرجلُ من يوافقه على هواه، وإن كان غيره أَتْقَى لله منه… وكيف يجوز التفريق بين الأمة بأسماء مبتدعة، لا أصل لها في كتاب الله ولا سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-؟ وهذا التفريق الذي حَصَل من الأمة: علمائها، ومشايخها، وأمرائها، وكبرائها، هو الذي أَوْجَبَ تَسَلُّطَ الأعداء عليها، وذلك بِتَرْكِهم العملَ بطاعة الله ورسوله، فمتى تَرَكَ الناسُ بعضَ ما أمرهم الله به؛ وَقَعَتْ بينهم العداوةُ والبغضاءُ، وإذا تَفَرَّقَ القومُ فَسَدُوا وهَلَكُوا، وإذا اجتمعوا صَلحوا ومَلَكُوا؛ فإن الجماعةَ رَحْمةٌ، والفُرْقَةَ عذابٌ». اهـ.
🕮 🕮 🕮
الأصل الرابع عشر:
- الولاء والبراء عند أهل السنة إنما يكونان على الجُمَل الثابتة، والمسائل المُحْكَمة المُجْمَع عليها، وبالقَدْر الشرعي، بلا إفراط ولا تفريط، ولا يقيمون الولاء والبراء، على مسائل الاجتهاد -ولها صُورٌ كثيرة-، وهذا منهج أهل الحق والهدى، لا أهل الزيغ والهوى.
قَالَ شيخ الإسلام –ؒ– كما في «مجموع الفتاوى»([234]): «وليس لأحد أن يَعَلِّق الحمدَ والذمَّ، والحبَّ والبغضَ، والموالاة والمعاداة، والصلاةَ واللعن بغير الأسماء التي عَلَّق الله بها ذلك: مثل أسماء القبائل، والمدائن، والمذاهب، والطرائق المضافة إلى الأئمة والمشايخ، ونحو ذلك مما يُراد به التعريف… فمن كان مؤمنا؛ وَجَبَتْ موالاتُه من أي صِنْفٍ كان، ومن كان كافرًا؛ وَجَبَتْ معاداتُه من أي صِنْفٍ كان… ومن كان فيه إيمان وفيه فجور؛ أُعْطِيَ من الولاء بحسب إيمانه، ومن البُغْض بحسب فجوره، ولا يخرج من الإيمان بالكلية بمجرد الذنوب والمعاصي، كما يقول الخوارج والمعتزلة، ولا يُجْعَلُ الأنبياء والصدِّيقون والشهداء والصالحون بمنزلة الفساق في الإيمان والدين والحب والبغض والموالاة والمعاداة» اهـ.
وقَالَ –ؒ– كما في «مجموع الفتاوى»([235]): «وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فَهُمْ مُعْتَصِمُونَ بِحَبْلِ اللَّهِ، وَأَقَلُّ مَا فِي ذَلِكَ -أي في مناهج أهل البدع والأهواء- أَنْ يُفَضِّلَ الرَّجُلُ مَنْ يُوَافِقُهُ عَلَى هَوَاهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَتْقَى لِلَّهِ مِنْهُ، وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ أَنْ يُقَدِّمَ مَنْ قَدَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَيُؤَخِّرَ مَنْ أَخَّرَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَيُحِبَّ مَا أَحَبَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَيُبْغِضَ مَا أَبْغَضَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَيَنْهَى عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنْ يَرْضَى بِمَا رَضِيَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ؛ وَأَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُونَ يَدًا وَاحِدَةً، فَكَيْفَ إذَا بَلَغَ الْأَمْرُ بِبَعْضِ النَّاسِ إلَى أَنْ يُضَلِّلَ غَيْرَهُ وَيُكَفِّرَهُ، وَقَدْ يَكُونُ الصَّوَابُ مَعَهُ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ وَلَوْ كَانَ أَخُوهُ الْمُسْلِمُ قَدْ أَخْطَأَ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ؛ فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ أَخْطَأَ يَكُونُ كَافِرًا وَلَا فَاسِقًا، بَلْ قَدْ عَفَا اللَّهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ فِي دُعَاءِ الرَّسُولِ -صلى الله عليه وسلم- وَالْمُؤْمِنِينَ: ﴿ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﴾ {البقرة:286} وَثَبَتَ فِي «الصَّحِيحِ» أَنَّ اللَّهَ قَالَ: «قَدْ فَعَلْت». اهـ.
وقَالَ –ؒ– أيضا في مَعْرِض ذمِّه لِظُلْم بعض من تأثر ببدعة لمن هو مثله أو أَشَدُّ، كما في «مجموع الفتاوى»([236]): «وَمَنْ لَمْ يَعْدِلْ فِي خُصُومِهِ وَمُنَازِعِيهِ، وَيَعْذُرْهُمْ بِالْخَطَأِ فِي الِاجْتِهَادِ، بَلْ ابْتَدَعَ بِدْعَةً وَعَادَى مَنْ خَالَفَهُ فِيهَا، أَوْ كَفَّرَهُ؛ فَإِنَّهُ هُوَ ظَلَمَ نَفْسَهُ، وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ يَعْلَمُونَ الْحَقَّ، وَيَرْحَمُونَ الْخَلْقَ؛ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ فَلَا يَبْتَدِعُونَ، وَمَنْ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ خَطَأً يَعْذُرُهُ فِيهِ الرَّسُولُ؛ عَذَرُوهُ، وَأَهْلُ الْبِدَعِ مِثْلُ الْخَوَارِجِ يَبْتَدِعُونَ بِدْعَةً وَيُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ، وَيَسْتَحِلُّونَ دَمَهُ، وَهَؤُلَاءِ كُلٌّ مِنْهُمْ يَرُدُّ بِدْعَةَ الْآخَرِينَ، وَلَكِنْ هُوَ أَيْضًا مُبْتَدِعٌ، فَيَرُدُّ بِدْعَةً بِبِدْعَةِ، وَبَاطِلًا بِبَاطِلِ». اهـ.
وقَالَ –ؒ– كما في «مجموع الفتاوى»([237]): «فهذا أصْلُ البدع التي ثَبَتَ بنص سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإجماع السلف أنها بدعة، وهو: جَعْلُ العَفْوِ سيئةً، وجَعْلُ السيئةِ كُفْرا، فينبغي للمسلم أن يَحْذَر من هذيْن الأصليْن الخبيثيْن، وما يتولّد عنهما من بُغْض المسلمين، وذمِّهم، ولَعْنِهِم، واستحلال دمائهم وأموالهم» اهـ.
وقَالَ أيضا –ؒ– كما في «مجموع الفتاوى»([238]): «فَمَنْ جَعَلَ طَرِيقَ أَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْفُقَهَاءِ، أَوْ طَرِيقَ أَحَدٍ مِنْ الْعُبَّادِ وَالنُّسَّاكِ، أَفْضَلَ مِنْ طَرِيقِ الصَّحَابَةِ؛ فَهُوَ مُخْطِئٌ ضَالٌّ مُبْتَدِعٌ، وَمَنْ جَعَلَ كُلَّ مُجْتَهِدٍ فِي طَاعَةٍ أَخْطَأَ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ مَذْمُومًا مَعِيبًا مَمْقُوتًا؛ فَهُوَ مُخْطِئٌ ضَالٌّ مُبْتَدِعٌ، ثُمَّ النَّاسُ فِي الْحُبِّ وَالْبُغْضِ وَالْمُوَالَاةِ وَالْمُعَادَاةِ هُمْ أَيْضًا مُجْتَهِدُونَ، يُصِيبُونَ تَارَةً، وَيُخْطِئُونَ تَارَةً، وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ إذَا عَلِمَ مِنْ الرَّجُلِ مَا يُحِبُّهُ؛ أَحَبَّ الرَّجُلَ مُطْلَقًا، وَأَعْرَضَ عَنْ سَيِّئَاتِهِ، وَإِذَا عَلِمَ مِنْهُ مَا يُبْغِضُهُ؛ أَبْغَضَهُ مُطْلَقًا، وَأَعْرَضَ عَنْ حَسَنَاتِهِ». اهـ.
وقَالَ –ؒ– في «رسالته إلى أهل البحرين» وَاخْتِلَافِهِمْ فِي صَلَاةِ الْجُمْعَةِ كما في «مجموع الفتاوى»([239]): «وَاَلَّذِي أَوْجَبَ هَذَا: أَنَّ وَفْدَكُمْ حَدَّثُونَا بِأَشْيَاءَ مِنْ الْفُرْقَةِ وَالِاخْتِلَافِ بَيْنَكُمْ، حَتَّى ذَكَرُوا أَنَّ الْأَمْرَ آلَ إلَى قَرِيبِ الْمُقَاتَلَةِ، وَذَكَرُوا أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ: الِاخْتِلَافُ فِي «رُؤْيَةِ الْكُفَّارِ رَبَّهُمْ»؛ وَمَا كُنَّا نَظُنُّ أَنَّ الْأَمْرَ يَبْلُغُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إلَى هَذَا الْحَدِّ؛ فَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ خَفِيفٌ، وَإِنَّمَا الْمُهِمُّ الَّذِي يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ اعْتِقَادُهُ: أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ فِي عَرْصَةِ الْقِيَامَةِ، وَبَعْدَ مَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، عَلَى مَا تَوَاتَرَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ عَنْ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- عِنْدَ الْعُلَمَاءِ بِالْحَدِيثِ؛ فَإِنَّهُ أَخْبَرَ -صلى الله عليه وسلم- «أَنَّا نَرَى رَبَّنَا كَمَا نَرَى الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالشَّمْسَ عِنْدَ الظَّهِيرَةِ، لَا يُضَامُ فِي رُؤْيَتِهِ»، وَرُؤْيَتُهُ سُبْحَانَهُ هِيَ أَعْلَى مَرَاتِبِ نَعِيمِ الْجَنَّةِ، وَغَايَةُ مَطْلُوبِ الَّذِينَ عَبَدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ؛ وَإِنْ كَانُوا فِي الرُّؤْيَةِ عَلَى دَرَجَاتٍ، عَلَى حَسَبِ قُرْبِهِمْ مِنْ اللَّهِ وَمَعْرِفَتِهِمْ بِهِ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ السَّلَفِ: أَنَّ مَنْ جَحَدَ رُؤْيَةَ اللَّهِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ؛ فَهُوَ كَافِرٌ؛ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الْعِلْمُ فِي ذَلِكَ؛ عُرِّفَ ذَلِكَ كَمَا يُعَرَّفُ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ شَرَائِعُ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى الْجُحُودِ بَعْدَ بُلُوغِ الْعِلْمِ لَهُ؛ فَهُوَ كَافِرٌ، وَالْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ، قَدْ دَوَّنَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا كُتُبًا مِثْلَ: «كِتَابِ الرُّؤْيَةِ» للدارقطني، وَلِأَبِي نُعَيْمٍ، وللآجري؛ وَذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُونَ فِي السُّنَّةِ، كَابْنِ بَطَّةَ، واللالكائي، وَابْنِ شَاهِينَ، وَقَبْلَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ، وَحَنْبَلُ بْنُ إسْحَاقَ، وَالْخَلَّالُ، والطَّبَرَانِي، وَغَيْرُهُمْ،. وَخَرَّجَهَا أَصْحَابُ الصَّحِيحِ وَالْمَسَانِدِ وَالسُّنَنِ وَغَيْرُهُمْ.
فَأَمَّا «مَسْأَلَةُ رُؤْيَةِ الْكُفَّارِ» فَأَوَّلُ مَا انْتَشَرَ الْكَلَامُ فِيهَا، وَتَنَازَعَ النَّاسُ فِيهَا – فِيمَا بَلَغَنَا – بَعْدَ ثَلَاثمِائَةِ سَنَةٍ مِنْ الْهِجْرَةِ، وَأَمْسَكَ عَنْ الْكَلَامِ فِي هَذَا قَوْمٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَتَكَلَّمَ فِيهَا آخَرُونَ، فَاخْتَلَفُوا فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، مَعَ أَنِّي مَا عَلِمْتُ أَنَّ أُولَئِكَ الْمُخْتَلِفِينَ فِيهَا تَلَاعَنُوا وَلَا تهاجروا فِيهَا؛ إذْ فِي الْفِرَقِ الثَّلَاثِ قَوْمٌ فِيهِمْ فَضْلٌ، وَهُمْ أَصْحَابُ سُنَّةٍ، وَالْكَلَامُ فِيهَا قَرِيبٌ مِنْ الْكَلَامِ فِي مَسْأَلَةِ مُحَاسَبَةِ الْكُفَّارِ، هَلْ يُحَاسَبُونَ أَمْ لَا؟ هِيَ مَسْأَلَةٌ لَا يُكَفَّرُ فِيهَا بِالِاتِّفَاقِ، وَالصَّحِيحُ أَيْضًا: أَنْ لَا يُضَيَّقَ فِيهَا وَلَا يُهْجَرَ، وَقَدْ حُكِيَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ بَشَّارٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُصَلَّى خَلْفَ مَنْ يَقُولُ: إنَّهُمْ يُحَاسَبُونَ، وَالصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ: أَنَّهُ يُصَلَّى خَلْفَ الْفَرِيقَيْنِ، بَلْ يَكَادُ الْخِلَافُ بَيْنَهُمْ يَرْتَفِعُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ؛ مَعَ أَنَّهُ قَدْ اخْتَلَفَ فِيهَا أَصْحَابُ الْإِمَامِ أَحْمَد، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُهُمْ يَقُولُونَ: لَا يُحَاسَبُونَ، وَاخْتَلَفَ فِيهَا غَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَأَهْلِ الْكَلَامِ.
وَذَلِكَ أَنَّ الْحِسَابَ قَدْ يُرَادُ بِهِ: الْإِحَاطَةُ بِالْأَعْمَالِ، وَكِتَابَتُهَا فِي الصُّحُفِ، وَعَرْضُهَا عَلَى الْكُفَّارِ، وَتَوْبِيخُهُمْ عَلَى مَا عَمِلُوهُ، وَزِيَادَةُ الْعَذَابِ وَنَقْصُهُ بِزِيَادَةِ الْكُفْرِ وَنَقْصِهِ، فَهَذَا الضَّرْبُ مِنْ الْحِسَابِ ثَابِتٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَقَدْ يُرَادُ بِالْحِسَابِ: وَزْنُ الْحَسَنَاتِ بِالسَّيِّئَاتِ؛ لِيَتَبَيَّنَ أَيُّهُمَا أَرْجَحُ: فَالْكَافِرُ لَا حَسَنَاتِ لَهُ تُوزَنُ بِسَيِّئَاتِهِ؛ إذْ أَعْمَالُهُ كُلُّهَا حَابِطَةٌ، وَإِنَّمَا تُوزَنُ لِتَظْهَرَ خِفَّةُ مَوَازِينِهِ، لَا لِيَتَبَيَّنَ رُجْحَانُ حَسَنَاتٍ لَهُ، وَقَدْ يُرَادُ بِالْحِسَابِ أَنَّ اللَّهَ: هَلْ هُوَ الَّذِي يُكَلِّمُهُمْ أَمْ لَا؟ فَالْقُرْآنُ وَالْحَدِيثُ يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يُكَلِّمُهُمْ تَكْلِيمَ تَوْبِيخٍ وَتَقْرِيعٍ وَتَبْكِيتٍ، لَا تَكْلِيمَ تَقْرِيبٍ وَتَكْرِيمٍ وَرَحْمَةٍ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ أَنْكَرَ تَكْلِيمَهُمْ جُمْلَةً».
قال –ؒ-: «وَهُنَا آدَابٌ تَجِبُ مُرَاعَاتُهَا:
1- مِنْهَا: أَنَّ مَنْ سَكَتَ عَنْ الْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَلَمْ يَدْعُ إلَى شَيْءٍ؛ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ هَجْرُهُ، وَإِنْ كَانَ يَعْتَقِدُ أَحَدَ الطَّرَفَيْنِ؛ فَإِنَّ الْبِدَعَ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ مِنْهَا لَا يُهْجَرُ فِيهَا إلَّا الدَّاعِيَةُ دُونَ السَّاكِتِ؛ فَهَذِهِ أَوْلَى
2- أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَجْعَلُوا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِحْنَةً وَشِعَارًا؛ يُفَضِّلُونَ بِهَا بَيْنَ إخْوَانِهِمْ وَأَضْدَادِهِمْ؛ فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا مِمَّا يَكْرَهُهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
3- لَا يُفَاتِحُوا فِيهَا عَوَامَّ الْمُسْلِمِينَ، الَّذِينَ هُمْ فِي عَافِيَةٍ وَسَلَامٍ عَنْ الْفِتَنِ، وَلَكِنْ إذَا سُئِلَ الرَّجُلُ عَنْهَا، أَوْ رَأَى مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِتَعْرِيفِهِ ذَلِكَ؛ أَلْقَى إلَيْهِ مِمَّا عِنْدَهُ مِنْ الْعِلْمِ مَا يَرْجُو النَّفْعَ بِهِ؛ بِخِلَافِ الْإِيمَانِ بِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ؛ فَإِنَّ الْإِيمَانَ بِذَلِكَ فَرْضٌ وَاجِبٌ؛ لِمَا قَدْ تَوَاتَرَ فِيهَا عَنْ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- وَصَحَابَتِهِ وَسَلَفِ الْأُمَّة.
4- تَرْكُ الإطلاق والتعميم في القول في موضع التخصيص.
5- لا يَخْرُجَنَّ أحد عن الألفاظ المأثورة.
6- إذا اشْتَبَهَ الأمرُ: هل هذا القول مما يعاقَبُ عليه أم لا؟ فَتُتْرَكُ العقوبة لحديث: «ادرءوا الحدود بالشبهات….»([240])، ولاسيما إذا آل الأمر إلى شَرٍّ طويل، وافتراق أهل السنة والجماعة؛ فإن الفسادَ الناشئَ في هذه الفُرقة أضعافُ الشرِّ الناشئ من خطأ نَفَرٍ قليلٍ في مسألة فرعية.
7- إذا اشْتَبَهَ الأمرُ على الإنسان؛ فَلْيَدْعُ بدعاء: «اللهم ربَّ جبرائيلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ، فاطِرَ السماوات والأرض، عالِمَ الغيب والشهادة، أنت تَحْكُم بين عبادِكَ فيما كانوا فيه يَخْتلفون؛ اهْدِني لما اخْتُلِفَ فيه مِنَ الحقِّ بإذنك؛ إنك تَهْدِي مَنْ تشاء إلى صراطٍ مستقيمٍ». اهـ
🕮 🕮 🕮
الأصل الخامس عشر:
- الأصْلُ حَمْلُ أقوالِ المسلم الصالح، ولاسيما السُّنًّي الصافي وأفعالِهِ على أحسن المحامل والمعاني، دون مبالغة وتجاوز في الحد، وعلى ما هو مشهور من حاله ومنهجه، إلا من عُرِفَ عِنادُه، أو سُوءُ قَصْدِهِ وفسادُهُ، أو قامتْ حوله شُبْهة أو أكثر تدلُّ على كَيْدِهِ ومكْره بالحق وأهله وعنادِهِ؛ فلا يجوز المبالغةُ والتعسفُ أو التكلّفُ في التماس الأعذار له، لاسيما إذا كان ضَررُ ذلك عامًّا أو فادحًا.
وقد جاء في «مسائل ابن هانئ»([241])، قال: وسئل -أي أحمد بن حنبل ؒ- عن قول شعبة: «إن هذا الحديث يَصُدَّكُم عن ذِكْرِ الله، وعن الصلاة فهل أنتم منتهون»؟ فقال: لَعَلَّ شعبة كان يصوم، فإذا طلب الحديث وسَعَى فيه؛ يَضْعُف فلا يصوم، أو يريد شيئًا من الأعمال، أعمالِ البر، فلا يَقْدِرُ أن يَفْعَلَهُ للطلب؛ فهذا معناه». اهـ.
فحمل الإمام أحمد – ؒ – كلام شعبة بن الحجاج – ؒ – على مَحْمَلٍ حسن، يتفق مع المعروف عنه من حبه للسنة والحديث، وكونه من أكابر أهل هذا العلم، ولم يؤاخذْهُ بظاهر الكلمة القبيحة؛ فأين موقف الإمام أحمد -ؒ- من موقف الغلاة في التفسيق والتبديع –وربما التكفير- في زماننا؟!
وقد ساق الخطيب –ؒ– سنده إلى ابن هانئ -ؒ، فذكر كلام أحمد السابق، ثم قال الخطيب: «قلت: وليس يجوز لأحد أن يقول: كان شعبة يثبِّط عن طلب الحديث، وكيف يكون كذلك؛ وقد بلغ قَدْرُهُ أن سُمِّي أمير المؤمنين في الحديث؟! كل ذلك لأجل طلبه له، واشتغاله به، ولم يَزَلْ طولَ عُمُره يطلبه حتى مات على غاية الحرص في جَمْعِهِ، لا يشتغل بشيء سواه، ويَكْتُبُ عمَّن دونه في السِّنِّ والإسناد، وكان من أشد أصحاب الحديث عناية بما سمع، وأحسنهم إتقانًا لما حَفِظَ». اهـ([242]).
ومما يدل على هذه الأصل: ما جاء في شرح ابن بطال لـ«صحيح البخاري»([243])، في حديث قصة الحديبية، وفيه: «…حتى إذا كان بالثنيّة، التي يُهْبَطُ عليهم منها؛ بَرَكَتْ به راحلته، فقال الناس: حَلْ حَلْ، فألحَّتْ، فقالوا: خَلَأَتْ القصواء، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ما خَلَأَتِ القصواء، وما ذاك لها بخُلُق، ولكن حَبَسَهَا حَابِسُ الفِيل…».
قال ابن بطال -ؒ-: «وقوله – ♠ – في الناقة: «ما خَلَأَتْ، وما هو لها بخلُق»، فالخَلأُ في النُّوق، مثل الحِرَانِ في الخيل، وفيه دليل على أن الأخلاق المعروفة من الحيوان، كُلَّها يُحكم بها على الطارئ الشاذ منها؛ ولذلك إذا نُسِبَ إنسانٌ إلى غير خُلُقِهِ المعلوم في هفوةٍ كانتْ منه؛ لم يُحْكَمْ بها». اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – ؒ – في «الجواب الصحيح، لمن بدَّل دين المسيح»([244]) في سياق بيان السبب الذي ضل من ضل به في تأويل كلام الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، قال -ؒ ـ: «فإنه يجب أن يُفسَّر كلامُ المتكلِّم بعضُهُ ببعض، ويُؤْخَذَ كلامُهُ هاهنا وهاهنا، وتُعرف ما عادته يعنيه ويريده بذلك اللفظ إذا تكلّم به، وتُعرف المعاني التي عُرف أنه أرادها في موضع آخر، فإذا عُرف عُرفُه وعادتُه في معانيه وألفاظه؛ كان هذا مما يستعان به على معرفة مراده، وأما إذا استَعْمَلَ لَفْظَهُ في معنى لم تَجْرِ عادتُه باستعماله فيه، وتَرَكَ استعماله في المعنى الذي جَرَتْ عادتُه باستعماله فيه، وحُمِلَ كلامه على خلاف المعنى الذي قد عُرف أنه يريده بذلك اللفظ، بِجَعْلِ كلامه متناقضًا، وتَرْكِ حَمْلِهِ على ما يناسب سَيْرَ كلامه؛ كان ذلك تحريفًا لكلامه عن موضعه، وتبديلًا لمقاصده، وكَذِبًا عليه؛ فهذا أَصْلُ من ضَلَّ في تأويل كلام الأنبياء على غير مرادهم…». اهـ.
وقال –ؒ– كما في «مجموع الفتاوى»([245]) في سياق الكلام على بعض أهل الحلول، الذين يستدلون بكلمات مجملة عن بعض المشايخ، قال -ؒ-: «وهؤلاء قد يجدون من كلام بعض المشايخ، كلماتٍ مُشْتبهةً مُجْملة، فيَحْمِلونها على المعاني الفاسدة، كما فَعَلَت النصارى فيما نُقل لهم عن الأنبياء؛ فيَدَعُون المُحْكَمَ، ويَتَّبِعُون المشَابِهَ». اهـ.
قَالَ الإمام ابن القيم – ؒ – في «مدارج السالكين»([246]) وهو يعلِّق عن بعض كلام ظاهره سيِّئٌ لأبي إسماعيل الهروي: شَيْخُ الْإِسْلَامِ حَبِيبٌ إِلَيْنَا، وَالْحَقُّ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْهُ، وَكُلُّ مَنْ عَدَا الْمَعْصُومِ -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- فَمَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ وَمَتْرُوكٌ، وَنَحْنُ نَحْمِلُ كَلَامَهُ عَلَى أَحْسَنِ مَحَامِلِهِ، ثُمَّ نُبَيِّنُ مَا فِيهِ». اهـ
قلت: وقد أفردْتُ الكلام عن هذا الأصل برسالة خاصة، اسميتها: «الجواب الأكمل على من أنكر حَمْلَ المُجْمل على المُفَصَّل» نفع الله بها وبغيرها.
🕮 🕮 🕮
الأصل السادس عشر:
- تَقْسِيمُ الدين إلى حقيقة وشريعة، ومن بلغ الحقيقةَ؛ سَقَطَتْ في حَقِّه الأحكامُ؛ حماقةٌ، وضلالةٌ، وفتنةٌ في الدين، وكذا من قال: الدين يَنْقَسِم إلى قُشُور ولُباب، ويرى التَّمسُّكَ باللُّباب، وتَرْكَ ما يُسَمِّيه: «القشور» فهذا القول فتنة في الدين، والله — يقول: ﴿ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﴾ {الأعراف:171}، وكذا تقسيمه الدينَ إلى شريعة وشعيرة، فَتُفْصَلُ الشريعة عن الشعيرة بدعوى: أنه لا سياسة في الدين، ولا دين في السياسة؛ كل ذلك من القول على الله — وعلى دينه بغير عِلْمٍ، ولا هُدًى ولا كتابٍ منير، وكلا الأمرين باب واسع للمروق من الدين، فتاريخ المسلمين حافل بسياسة الأمم والشعوب بالدين، لكن الناظرين في ذلك هذه الأيام –في الغالب- بين إفراطٍ وتفريط، أو غُلُوٍّ وجفاء، والحقُّ وسَطٌ بين طرفيْن، وهُدىً بين ضلالتين، ووادٍ بين جَبَلين، ومَنْ مَنَّ الله عليه بالاعتدال والتوسط في أَمْرِهِ كُلِّه؛ فاز ورشَد.
يقول الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد –ؒ– في «معجم المناهي اللفظية»([247]):
«قولهم: هذا قُشور، وذلك لُباب، ويعنون بالقشور: المسائل الفقهية الدائرة في محيط الاستحباب، أو الكراهة، ونحو ذلك من أُمور التحسينات، والحاجيات، وهذا النبزُ إحياء لما لدى المتصوفة، من تسميتهم أهلَ الفقه باسم: أهلِ القشور، وأهلَ الرقص من الصوفية: أهلِ الحقيقة، فانظر كيف أن الأهواء يَجُرُّ بعضُها بعضًا
ونجد الإمام ابن القيم -ؒ- في «إعلام الموقعين» يسوق العتاب على لسان السلف لهؤلاء الذين إذا سُئِل الواحد منهم عن حكم فقهي قال: هذا سَهْلٌ، يقصد به تخفيف شأنه، والله تعالى يقول: ﴿ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﴾ {المزمل:5} فتنبه. والله أعلم.
وقال –ؒ– في «معجم المناهي اللفظية»([248]): «تسمية فروع الديِّن: قشورًا. وأركانه: لبابًا، وهذا من فاسد الاصطلاح، وأعْظَمِهِ خطرًا؛ فتوقَّهْ…
«ولولا القِشْرُ؛ لفَسَدَ اللُّباب». ومِثْلُهُ في المنع في عبارات المعاصرين: «هذه أُمور سطحية، أو فروعية، أو هامشية ليست ذاتَ بالٍ…». اهـ
ومن ذلك تقسيمُ الدين إلى شريعة وحقيقة عند الصوفية:
يقول عبد الكريم الجيلي، وهو من أهل وحدة الوجود، والقائلين بوحدة الأديان:
| وأَسْلَمْتُ نفسي حيث أَسْلَمَني الهوى | وما لي عن حُكْم الحبيب تنازعُ | |
| فطورًا تراني في المساجد راكعًا | وأَنِّيَ طَوْرًا في الكنائس راتعُ | |
| إذا كنتُ في حُكْم الشريعة عاصيًا | فإنيَ في حُكْم الحقيقة طائع([249]) |
يقول: إذا كانت الشريعةُ تَحْظُر عليَّ أن أَجْمَعَ بين تلك الأديان -على تَبَايُنِهَا- فإنَّ حُكْمَ الحقيقة عليَّ: هو أَنِّي طائعٌ غير عاصٍ.
وتقسيم الدين إلى حقيقة وشريعة تقسيم فاسد؛ لأن الحقيقة عند أهلها: هي السلوك الذي لا يتقيد صاحبه بأمر الشارع ونهيه، ولكن بما يراه ويَذُوقُهُ ويَجِدُهُ، ونحو ذلك([250]).
وفي قوله تعالى: [ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ] الآية {البقرة:208}، يقول الحافظ ابن كثير -ؒ-: «يقول تعالى آمرا عبادَهُ المؤمنين به، المصدقين برسوله- أن يأخذوا بجميع عُرَى الإسلام وشرائعه، والعملِ بجميع أوامره، وتَرْكِ جميع زواجره ما استطاعوا من ذلك. اهـ([251]).
ثم نقل عن ابن عباس وغيره أنهم قالوا: (ادخلوا في السلم) يعني: الإسلام، (كافة) يعني: جميعا، وقال مجاهد: أي اعملوا بجميع الأعمال ووجوه البر.
وقال الألوسي –ؒ-: والمعنى: ادْخُلُوا في الإسلام بكليتكم، ولا تَدَعُوا شيئا من ظاهركم وباطنكم إلا والإسلام يستوعبه، بحيث لا يَبْقَى مكانٌ لغيره اهـ.
وقال –ؒ– أيضا: وقيل: الخطاب للمسلمين الخُلَّص، والمراد من (السلم) شُعَب الإسلام، و (كافة) حالٌ منه، والمعنى (ادخلوا) أيها المسلمون المؤمنون بمحمد -صلى الله عليه وسلم- في شُعَب الإيمان كُلِّها، ولا تُخِلُّوا بشيء من أحكامه اهـ([252]).
وقد تقرر عند العلماء المحققين: أن هناك ارتباطا وثيقا بين الظاهر والباطن، وأن لكل منهما تأثيرا في الآخر: إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، وإن كان ذلك مما قد لا يشعر به الإنسان في نفسه، ولكن قد يراه في غيره.
وقال شيخ الإسلام –ؒ، وجزاه عن الإسلام وأهله خير الجزاء-: «وهذا أَمْرٌ يَشْهَدُ به الحِسُّ والتجربة، حتى إن الرجلين إذا كانا من بلد واحد، ثم اجتمعا في دار غربة؛ كان بينهما من المودة والمولاة والائتلاف أمر عظيم، وإن كانا في مَصْرِهما لم يكونا متعارِفَيْنِ، أو كانا متهاجِرَيْنِ، وذلك لأن الاشتراك في البلد نوع وَصْفٍ اختصَّا به عن بلد الغُربة، بل لو اجتمع رجلان في سفر أو بلد غريب، وكانت بينهما مشابهة في العمامة أو الثياب أو الشَّعْر أو المركوب ونحو ذلك من الائتلاف أكثر مما بين غيرهما، كذلك تجد أرباب الصناعات الدنيوية يأْلَفُ بعضُهم بعضا، لا يَأْلَفُون غيرهم، حتى إن ذلك يكون مع المعاداة والمحاربة، إما على المُلْك وإما على الدين، وتجد الملوك ونحوهم من الرؤساء -وإن تباعدت ديارهم وممالكهم- بينهم مناسبة تورث مشابهة ورعاية من بعضهم لبعض، وهذا كله بموجَب الطباع ومقتضاها، إلا أن يمنع من ذلك دِينٌ أو غَرَضٌ خَاصٌّ، فإذا كانت المشابهة في أمور دنيوية تورث المحبة والموالاة؛ فكيف بالمشابهة في أمور دينية؟ فإن إفضاءها إلى نوع من الموالاة أكثر وأشد، والمحبة والموالاة لهم تنافي الإيمان، قال تعالى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﴾ {المجادلة:22}.
فأخبر -سبحانه وتعالى- أن لا يوجد مؤمن يوادُّ كافرا، فمن وادَّ الكفار؛ فليس بمؤمن، فالمشابهة الظاهرة مظنة المودة؛ فتكون محرمة» اهـ.
وهذا كله يؤيد أن مخالفة الكفار ليست أمرا تعبديا مَحْضًا، بل هو معقولُ المعنى، واضحُ الحكمة التي وضَّحها شيخ الإسلام -ؒ-.
وقال شيخ الإسلام –ؒ– في موضع آخر: «وهذه الأمور الباطنة والظاهرة بينهما ولا بد ارتباط ومناسبة، فإن ما يقوم بالقلب من الشعور والحال؛ يوجب أمورا ظاهرة، وما يقوم بالظاهر من سائر الأعمال؛ يوجب للقلب شعورا وأحوالا، وقد بعث الله محمدا -صلى الله عليه وسلم- بالحكمة التي هي سنته، وهي الشرع والمنهاج الذي شَرَعَهُ له، فكان من هذه الحكمة: أَنْ شَرَعَ له من الأعمال والأقوال ما يُبايِنُ سبيلَ المغضوب عليهم والضالين، وأمر بمخالفتهم في الهَدْىِ الظاهر – وإنْ لم يَظْهَر لكثير من الخَلْق في ذلك مفسدة -… إلى آخر كلامه -ؒ-.
وقد نَبَغَ في هذا العصر أقوامٌ تَلَقَّوْا هُدَى الإسلام من واقع حياتهم أولا، ولم يَحْيَوْا في جَوٍّ علمي يتأثرون به في حكمهم على الأمور، فراحوا يحتجون ببعض النصوص لإثبات عكس ما وُضِعَتْ له، ويُسَمُّون الأشياء بغير اسمها.
ويتضح هذا جليا فيمن لا يهتمون ببعض الشرائع الظاهرة التي يُسَمُّونها شَكْلِيَّاتٍ، أو سَطْحِيَّاتٍ، أو قُشُورا, ويدندنون فقط حول التمسك باللُّباب، ثم بعد ذلك يتركون كثيرا مما كانوا يسمّونه بـ «اللُّباب» بزعم أن المصلحة تقتضي ذلك، أو لدرء شرٍّ أكبر… ونحو ذلك!!
وتقسيم الدين إلى قِشْرٍ ولُبٍّ تقسيم غير مقبول، بل هو مُحْدَثٌ ودخيل على الفهم الصحيح للكتاب والسنة، ولم يعرفه سلفنا الصالح، الذين كُلُّ الخير والنجاة في اتباعهم واقتفاء آثارهم ﴿ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﴾ {النجم:23}، وهذه القسمة إلى قِشْرٍ ولُبٍّ، وظاهر وباطن: يَتْبَعُها بعد ذلك المناداةُ بإهمال الظاهر؛ احتجاجا بصلاح الباطن؛ فَتَلْقَى رواجا عند المستهترين والمخدوعين، حينما يَرَوْنَ علماءَهم يُسَمُّون المعاصِيَ بغير اسمها، فيقولون لهم -مثلا-: إن إعفاء اللحية من سُنَن العادة([253]).
🕮 🕮 🕮
الأصل السابع عشر:
- أحكام الوعيد: كالكُفْر، والشِّرْك، والنفاق، والفِسْق، والذَّنْبِ، والمعصية، والضلالة، والبدعة،… إلخ، قد تُطْلَقُ، ويُراد بها القسم الـمُخْرِجُ من الملّة -وهو أنواع- وقد يُراد بها ما هو دون ذلك، والأَصْلُ في إطلاق الكفر والشرك والنفاق هو: الـمُخْرِج من الملة، ولا يُصْرف عن ذلك إلا بقرينة، والأصْل فيما دونها من ألفاظ ما هو دون الشرك إلا بقرينة، وهذا من حيث الحكم العام، أما تنزيله على الأعيان؛ فله تفصيل مشهور في موضعه.
قال شيخ الإسلام –ؒ– في «شرح العمدة» كتاب الصلاة([254]): «الكُفْرُ المُطْلَقُ لا يجوز أن يُراد به إلا الكُفر الذي هو خلاف الإيمان؛ لأن هذا هو المعنى الشرعي، ولا سيما إذا قُوبِلَ بالإيمان؛ فإنه يجب حَمْلُه على ذلك».
وقال –ؒ-([255]): «الكُفْر المُطْلَق هو الكُفْر الأعظمُ المخرجُ عن الملة، فينصرف الإطلاق إليه، وإنما صُرِفَ في تلك المواضع إلى غير ذلك لقرائن انضمت إلى الكلام، ومن تأمل سياق كل حديثٍ؛ وجده معه». اهـ
وقال الحافظ ابن حجر –ؒ– في «فتح الباري»([256]): «عُرْفُ الشارع إذا أطلق الشرك: إنما يريد به ما يقابِلُ التوحيدَ». اهـ
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية –ؒ– في «الإيمان الأوسط»([257]): «ولهذا كثيرًا ما يقال: كفر ينقل عن الملة، وكفر لا ينقل، ونفاق أكبر، ونفاق أصغر كما يقال: الشرك شركان: شرك أكبر وأصغر.
وفي «صحيح أبي حاتم» -أي ابن حبان- وغيره عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «الشركُ في هذه الأمة أَخْفَى من دبيب النمل»، فقال أبو بكر: يا رسول الله، كيف ننجو منه، وهو أَخْفَى من دبيب النمل؟ فقال: «ألا أُعَلِّمُك كلمةً إذا قُلْتَهَا؛ نَجَوْتَ من دِقِّه وجِلِّه؟ قُلْ: اللهُمَّ إني أَعُوذُ بك أن أُشْرِكَ بك وأنا أَعْلَمُ، وأَسْتَغْفِرُكَ لما لا أَعْلَمُ»([258]).
وفي الترمذي وغيره عن النبي – صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم – أنَّه قال: «مَنْ حَلَفَ بغير الله؛ فقد أَشْرَكَ»([259]). قال الترمذي: حديث حسن». اهـ
وقال الإمام ابن القيم – ؒ – في «مدارج السالكين»([260]): «فَأَمَّا الْكُفْرُ فَنَوْعَانِ: كُفْرٌ أَكْبَرُ، وَكُفْرٌ أَصْغَرُ.
فَالْكَفْرُ الْأَكْبَرُ هُوَ الْمُوجِبُ لِلْخُلُودِ فِي النَّارِ.
وَالْأَصْغَرُ مُوجِبٌ لِاسْتِحْقَاقِ الْوَعِيدِ دُونَ الْخُلُودِ».
ثم قال –ؒ-([261]): «فَصْلٌ: وَأَمَّا الْكُفْرُ الْأَكْبَرُ، فَخَمْسَةُ أَنْوَاعٍ: كُفْرُ تَكْذِيبٍ، وَكُفْرُ اسْتِكْبَارٍ وَإِبَاءٍ مَعَ التَّصْدِيقِ، وَكُفْرُ إِعْرَاضٍ، وَكُفْرُ شَكٍّ، وَكُفْرُ نِفَاقٍ.
فَأَمَّا كُفْرُ التَّكْذِيبِ: فَهُوَ اعْتِقَادُ كَذِبِ الرُّسُلِ، وَهَذَا الْقِسْمُ قَلِيلٌ فِي الْكُفَّارِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَيَّدَ رُسُلَهُ، وَأَعْطَاهُمْ مِنَ الْبَرَاهِينِ وَالْآيَاتِ عَلَى صِدْقِهِمْ مَا أَقَامَ بِهِ الْحُجَّةَ، وَأَزَالَ بِهِ الْمَعْذِرَةَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﴾ {النمل:14}، وَقَالَ لِرَسُولِهِ -صلى الله عليه وسلم-: ﴿ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﴾ {الأنعام:33}.
وَإِنْ سُمِّيَ هَذَا كُفْرَ تَكْذِيبٍ أَيْضًا فَصَحِيحٌ؛ إِذْ هُوَ تَكْذِيبٌ بِاللِّسَانِ.
وَأَمَّا كُفْرُ الْإِبَاءِ وَالِاسْتِكْبَارِ: فَنَحْوُ كُفْرِ إِبْلِيسَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَجْحَدْ أَمْرَ اللَّهِ وَلَا قَابَلَهُ بِالْإِنْكَارِ، وَإِنَّمَا تَلَقَّاهُ بِالْإِبَاءِ وَالِاسْتِكْبَارِ، وَمِنْ هَذَا كُفْرُ مَنْ عَرَفَ صِدْقَ الرَّسُولِ، وَأَنَّهُ جَاءَ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَلَمْ يَنْقَدْ لَهُ إِبَاءً وَاسْتِكْبَارًا، وَهُوَ الْغَالِبُ عَلَى كُفْرِ أَعْدَاءِ الرُّسُلِ، كَمَا حَكَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ: ﴿ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﴾ {المؤمنون:47}، وَقَوْلِ الْأُمَمِ لِرُسُلِهِمْ: ﴿ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﴾ {إبراهيم:10}، وَقَوْلِهِ: ﴿ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﴾ {الشمس:11}، وَهُوَ كُفْرُ الْيَهُودِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﴾ {البقرة:89}، وَقَالَ: ﴿ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﴾ {البقرة:146}، وَهُوَ كُفْرُ أَبِي طَالِبٍ أَيْضًا، فَإِنَّهُ صَدَّقَهُ، وَلَمْ يَشُكَّ فِي صِدْقِهِ، وَلَكِنْ أَخَذَتْهُ الْحَمِيَّةُ، وَتَعْظِيمُ آبَائِهِ أَنْ يَرْغَبَ عَنْ مِلَّتِهِمْ، وَيَشْهَدَ عَلَيْهِمْ بِالْكُفْرِ.
وَأَمَّا كُفْرُ الْإِعْرَاضِ: فَأَنْ يُعْرِضَ بِسَمْعِهِ وَقَلْبِهِ عَنِ الرَّسُولِ، لَا يُصَدِّقُهُ وَلَا يُكَذِّبُهُ، وَلَا يُوَالِيهِ وَلَا يُعَادِيهِ، وَلَا يُصْغِي إِلَى مَا جَاءَ بِهِ الْبَتَّةَ، كَمَا قَالَ أَحَدُ بَنِي عَبْدِ يَالِيلَ لِلنَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: وَاللَّهِ، أَقُولُ لَكَ كَلِمَةً، إِنْ كُنْتَ صَادِقًا؛ فَأَنْتَ أَجَلُّ فِي عَيْنِي مِنْ أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ، وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا؛ فَأَنْتَ أَحْقَرُ مِنْ أَنْ أُكَلِّمَكَ([262]).
وَأَمَّا كُفْرُ الشَّكِّ: فَإِنَّهُ لَا يَجْزِمُ بِصِدْقِهِ وَلَا يُكَذِّبُهُ، بَلْ يَشُكُّ فِي أَمْرِهِ، وَهَذَا لَا يَسْتَمِرُّ شَكُّهُ إِلَّا إِذَا أَلْزَمَ نَفْسَهُ الْإِعْرَاضَ عَنِ النَّظَرِ فِي آيَاتِ صِدْقِ الرَّسُولِ -صلى الله عليه وسلم- جُمْلَةً، فَلَا يَسْمَعُهَا، وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، وَأَمَّا مَعَ الْتِفَاتِهِ إِلَيْهَا، وَنَظَرِهِ فِيهَا؛ فَإِنَّهُ لَا يَبْقَى مَعَهُ شَكٌّ؛ لِأَنَّهَا مُسْتَلْزِمَةٌ لِلصِّدْقِ، وَلَا سِيَّمَا بِمَجْمُوعِهَا؛ فَإِنَّ دَلَالَتَهَا عَلَى الصِّدْقِ كَدَلَالَةِ الشَّمْسِ عَلَى النَّهَارِ.
وَأَمَّا كُفْرُ النِّفَاقِ: فَهُوَ أَنْ يُظْهِرَ بِلِسَانِهِ الْإِيمَانَ، وَيَنْطَوِيَ بِقَلْبِهِ عَلَى التَّكْذِيبِ؛ فَهَذَا هُوَ النِّفَاقُ الْأَكْبَرُ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ أَقْسَامِهِ -إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى-.
فَصْلٌ: وَكُفْرُ الْجَحُودِ نَوْعَانِ: كُفْرٌ مُطَلَقٌ عَامٌّ، وَكُفْرٌ مُقَيَّدٌ خَاصٌّ.
فَالْمُطْلَقُ: أَنْ يَجْحَدَ جُمْلَةَ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ، وَإِرْسَالَهُ الرَّسُولَ.
وَالْخَاصُّ الْمُقَيَّدُ: أَنْ يَجْحَدَ فَرْضًا مِنْ فُرُوضِ الْإِسْلَامِ، أَوْ تَحْرِيمَ مُحَرَّمٍ مِنْ مُحَرَّمَاتِهِ، أَوْ صِفَةً وَصَفَ اللَّهُ بِهَا نَفْسَهُ، أَوْ خَبَرًا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ: عَمْدًا، أَوْ تَقْدِيمًا لِقَوْلِ مَنْ خَالَفَهُ عَلَيْهِ؛ لِغَرَضٍ مِنَ الْأَغْرَاضِ.
وَأَمَّا جَحْدُ ذَلِكَ جَهْلًا، أَوْ تَأْوِيلًا يُعْذَرُ فِيهِ صَاحِبُهُ؛ فَلَا يُكَفَّرُ صَاحِبُهُ بِهِ، كَحَدِيثِ الَّذِي جَحَدَ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يَحْرِقُوهُ، وَيَذْرُوهُ فِي الرِّيحِ، وَمَعَ هَذَا فَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، وَرَحِمَهُ لِجَهْلِهِ؛ إِذْ كَانَ ذَلِكَ الَّذِي فَعَلَهُ مَبْلَغَ عِلْمِهِ، وَلَمْ يَجْحَدْ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَى إِعَادَتِهِ عِنَادًا أَوْ تَكْذِيبًا». اهـ
وقال حامد بن محمد بن حسين بن محسن –ؒ– في «فتح الله الحميد المجيد في شرح كتاب التوحيد»([263]): «اعْلَمْ أن الشرك نوعان: خَفِيٌّ وظاهرٌ، والثاني: قَوْلِيٌّ وفِعْلِيٌّ، وكل منهما أَصْغَرُ وأَكْبَرُ.
فأما الخفي: فَكَيَسِير الرياء والسُّمْعة، عن جُندب بن عبد الله، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من سمَّع؛ سمَّع الله به، ومن راءَى؛ راءَى الله به»([264]) أخرجه الشيخان، قيل: معنى «سمَّع الله به» و«راءى الله به» يُظْهِر سريرتَهُ، فَيُعْرَفُ المرائي والمسَمِّع. وفي «الصحيح» عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «يقول الله: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عَمِلَ عملًا أشرك فيه غيري؛ فأنا منه بريء، وهو كُلُّه للذي أَشْرَكَ»([265])، وفي «الصحيح»: «أول من تُسَعَّر بهم النار: القارِئُ المرائي، والمجاهِدُ المرائي، والمُتَصَدِّقُ المرائي»([266]) الحديث.
وأما القولي الأصغر: كالحلف، وروى الإمام أحمد وأبو داود عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ حَلَفَ بغير الله؛ فقد أَشْرَكَ»([267])،صححه الحاكم وابن حبان، ومنه قول القائل: «ما شاء اللهُ وشِئْتَ» وقوله: «لولا اللهُ وفلان» و«أعوذ بالله وبكَ»، و«لولا البَطُّ في الدار؛ لأتانا اللُّصُوصُ»، و«أنا في حَسَب اللهِ وحَسَبِكَ»، و «ذا من بَرَكَةِ الله وبَرَكَتِكَ»، و «لِيَ اللهُ في السماءِ، وأنت في الأرض» وأمثال ذلك من الأقوال التي يجمع فيها بين الله وخَلْقِهِ بالواو، وذلك لأن حرف الواو يُفيد الجَمْعِيَّةَ، تقول: جاء زيد وعمرو، أي جميعًا معًا.
وأما الفِعْلِيُّ الأصغَرُ: كلُبْس الحلَقَةِ للواهنة، والخيط للحُمَّى، وتَقْبِيلِ حَجَرٍ غيرِ الحَجَرِ الأَسْوَدِ، وتقبيل القبور واسْتِلامها من دون قَصْدٍ شرعي، فإن قَصَدَ جَلْبَ نَفْعٍ، أو دَفْعَ ضَرَرٍ منها؛ فذلك شِرْكٌ أَكْبَرُ، يُخِرْجُهُ من الإسلام، ويَرْتَدُّ عن الإسلام بذلك، وأمثالِ ذلك من الأفعال.
وأما القَوْليُّ الأَكْبرُ: فَكَدَعْوة غير الله، والاستعانة بغيره، كقوله: أَغِثْني يا فلان. والاستعانة بغيره كقوله: أَسْتَعِينُ بك في أَمْرِي أو في حاجَتي، معتقدًا أنه يَقْضِي حاجته دون الله تعالى([268])، والاستعاذة بغير الله تعالى كقول المشركين إذا نزلوا بوادٍ: إنا نعوذ بكبراء هذا الوادي من سفهائهم، وأمثال ذلك من الأقوال التي يريدون بها دون الله تعالى كَشْفَ الكُربات، ودَفْعَ المُلِمَّات، وإغاثَةَ اللهفان، وشفاءَ الأَمْراض.
وأما الفِعْلِيُّ الأَكْبرُ: كالسجود لغير الله، والركوع والنذر والذبح لغيره، والخوف والرجاء من غيره، كخوفه من الله تعالى، وحب غير الله كحب الله، والتوكل على غيره، والخشية من غيره، وهنا نوع آخر من الشرك؛ لعموم البلاء، وكثرة وقوعه في الناس؛ ذكرته منفردًا، فَأَصْغِ إليه سَمْعَكَ، وحاسِبْ نَفْسَك قبل أن تُحَاسَب، هل أنت معافى أم لا؟ وهو: الشركُ في الإراداتِ والنياتِ». اهـ
🕮 🕮 🕮
الأصل الثامن عشر:
- المسلمُ لا يَكْفُر بارتكاب ما هو دون الكُفْر قولا كان أو فعلا أو اعتقادا، وتحديدُ الكفرِ وما دونه راجعٌ للأدلة الشرعية، بفهم كبار أئمة السنة -الصحابة ومن سلك مسلكهم ممن بعدهم-، والتكفيرُ من الأحكام الشرعية، ومَرَدُّ ذلك إلى الأدلة السمعية المحكمة، فلا يجوز الإعراضُ بالكلية عن إطلاق هذا الحكم فيمن يستحقه كتابًا أو سنّة أو إجماعًا، سواءً كان مطلقًا، أو في الأعيان بشرطه المفصَّل في عدة مواضع، بزعم أن أمر التكفير شديد!! نعم، هو شديد لكن إنزاله على أعداء الإسلام ورسوله
-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- لا تردُّدَ فيه، كما لا يجوز لأحدٍ غيرِ متأهلٍ لهذا المقام أن يَدُسَّ فيه أَنْفَهُ، ويَطِيشَ لسانه أو قلمه بِجَهْلٍ وهَوىً في الأحكام الجائرة على عباد الله، كما لا يجوز التهوُّرُ في ذلك إلا بعد النظر في كَوْنِ الفِعْل أو القولِ أو الاعتقاد هو صريحُ الكفر، وثُبوتِ ذلك عن الشخص ثبوتا لاشك فيه، وعدمِ الحكم عليه بذلك بمجرد التلازم، ولا بد من استيفاء شروط التكفير في حَقِّهِ، وانتفاء موانعه عنه، وهو المراد بإزالة الشبهة وبقيام الحجة الرسالية، التي يُحْكَم على مخالفها بعد وضوحها له أو المعاند لها بالكُفر.
وشُروط التكفير التي لابد من ثبوتها في حق المعيَّن كثيرة، وهي:
أ- أن يكون الفِعْلُ أو القولُ كُفْرًا صريحًا، لا خلاف فيه بين علماء السنة.
ب- أن يكون المسلم الذي طَرَأَ عليه الكُفر -قولًا أو فِعْلًا أو اعتقادًا- بالغًا عاقلًا.
جـ- أن لا يُؤْخَذَ بلازم قوله؛ إلا إذا عُرِضَ عليه فأقرّه والْتَزَمهُ، وإلا فهو متناقض إن لم يَلْتَزِمْه، وفَرْقٌ بين التناقض والكفر، ولا يَكْفُر بمجرد وقوعه في التناقض.
د- العِلْمُ بأن هذا الفعلَ أو ذاك القولَ كُفْرٌ، فلو كان جاهلًا؛ لانتفى هذا الشرط، ولا يُكَفَّر الجاهل المنتمي للإسلام، المُحِبِّ له بجهل أو تأويل أو تقليد سائِغَيْن، على تفسير أهل العلم لمعنى: «سائغين».
هـ- قَصْدُهُ الفعلَ المكفِّرَ، وإرادتُهُ إياه أو اصْرَاره عليه بعد عِلْمِهِ بأن الأدلة تَقْضِي بِكُفْر مَنْ فَعَلَهُ، وبأن العلماء يُكَفِّرون مَنْ فَعَلَه، أو قَصَدُ المعْنى المكَفِّر، أو القول أو الفعل الذي بانَ له أن حُكمَه في الشرع الكفر، وليس المشْتَرَطُ في تكفيره قَصْدَ الوقوع في الكفر؛ لأن أكثر الكفار ما قصدوا فِعْلَ الكُفر، بل ضَلُّوا وهم يَحْسَبون أنهم يُحْسِنون صُنْعا، كما قال تعالى: ﴿ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ﴾ {الكهف:103-104} وكما قال –جل وعلا-: ﴿ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ﴾ {الأعراف:30}، وكما حَكى -سبحانه- عن الكفار أنهم قالوا في عبادتهم الطواغيتَ والآلهةَ من دون الله: ﴿ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ﴾ {الزمر:3}، والشرط في التكفير أن يقصد الفعل الذي عَلِمَ أن العلماء يحْكُمون على فاعله بالكفر، وليس عند مخالفهم حُجَّةٌ في نَظَرِهِ تَدْفَعُ أدلةَ من كفَّر الفاعل أو القائل، وإن لم يَقْنَعْ هو بذلك.
و- اختيار الفعل المكفِّر دون إكراه، كما قال تعالى: ﴿ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﴾ {النحل:106}، وفي الحديث: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه»([269]).
ز- بلوغُ الحجة الرسالية الثابتة المُبَيِّنَةِ للحق، والمزيلةِ للشبهة، والقاطعةِ للأعذار من عالم مُتَأَهِّل لذلك، وليس عند فاعِلِ الكفر حجةٌ تَدْفَع قوله، أو قولُ عالم يتشبَّثُ به، ولا يبقى على قوله أو فعله المكفِّر إلا لمجرد العناد، أو الإعراض، والإصرار، أو الاستهزاء بمقيم الحجة، أو الاستهزاء بأدلته وحُجَّتِه.
فمن مات من المسلمين الذين يفعلون الشرك بجهل أو تأويل فاسد أو تقليد لمن يظنه عالما شرعيا قبل قيام هذه الحجة الرسالية عليه؛ فَحُكْمُهُ عندنا الإسلام، ويُعامل معاملة موتى المسلمين، وأَمْرُه إلى ربه ومولاه؛ لأن الأصل أنه مسلم، ولا يخرج من الإسلام إلا بيقين، ومن لم تُقم عليه الحجة، ولا زال حيًّا؛ فهو مسلم، ويلزم تعليمُهُ ونصْحُهُ، والأخْذُ بيده إلى طريق الحق والهداية، والأصلُ إبقاءُ ما كان على ما كان، وحُكْمُ الأصلِ هو الإسلامُ حتى تُقام عليه الحجة، ومن أقيمت عليه الحجة، لكن لم تنقطع شبهته، ولم يَزُلْ عُذْرُهُ -مع بحثه عن الحق- ولم تظهر عليه عند أهل العلم علاماتُ العناد والإعراض والاستهزاء والاستخفاف… ونحو ذلك؛ فلا زال مسلمًا، والخطأ في العفو خيرٌ من الخطأ في العقوبة، وادْرءوا الحدود بالشبهات، وأما من أقيمت عليه الحجة، وانقطع عُذْرُه، وظَهَر لجاجُهُ وعِناده؛ فيُحْكَمُ عليه بالكفر أو الشرك أو الفسق -كل ذلك حسب قوله أو فعله- ولا نتحرج -بعد مراعاة هذه الضوابط- من الحكم عليه بما أَنْزَلَ الله، وقد قال تعالى: ﴿ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﴾ {الكهف:49} لكن المهم أن يُؤْتَى البيتُ مِنْ بابه، وأن نحذر من الغلو والجفاء في هذا الباب الخطير، والمآل المُبير، والمرجع في ذلك إلى العلماء الصادقين، والفقهاء المدركين، وليس للأحداث والمارقة المتهورين، ولا للمجاملين اللاهثين.
وموانع التكفير التي لابد من انتفائها في حق المعيَّن كثيرة، وهي عكس الشروط ومنها:
أ- الجهل: المنافي لاشتراط العلم، والمراد الجهل بحكم الفعل أو القول، وإن كان المرء عالمًا في شيء آخر، وليس ذلك محصورًا فيمن نشأ ببادية، أو كان حديثَ عَهْدٍ بإسلامٍ، إنما هذان مثالان للجهل فقط، ويُلْحق بهما كل جاهل دون إعراضٍ منه عن تحصيل العلم مع قدرته عليه، وتقديرُ ذلك راجع إلى العلماء الذين يَعْرفون واقع وحال المعيَّن، لا إلى من يُطلقون الأحكام جزافًا.
ب- الخطأ: سواء كان عن جَهْلٍ، أو غَضَبٍ شديدٍ، يغلب على عقله وتأمُّلِه وتدبُّرِه، وكذلك الخوفُ الشديد، أو الفَرحُ الشديد، أو وقع في ذلك عن تأويل للدليل لمعارِضٍ عنده، وإن لم يكن معارِضًا معتبرًا عند غيره، أو لعدمِ ثُبوتِ الدليل عنده من الأصل، وإن كان ثابتا عند غيره.
جـ- الإكراه: فإن هذا ينافي اشتراط وجود القَصْد والإرادة والاختيار، وتختلف أحواله وصُوَرُهُ باختلاف المكْرَهِ والمكْرِهِ والمسألةِ المُكْرَهِ عليها، فَيُفَرَّقُ بين الإكراه على الكفر من الإكراه على غيره، وقد يَتَحَمَّلُ بعضُ الناس المكرهين ما لا يَتَحَمَّلُه الآخر، وقد يَتَعَيَّن على العالم ما لا يَتَعَيَّنُ على الجاهل، ويُراعَى في ذلك قدرةُ المكْرِه على تَنْفِيذ ما يُهَدِّدُ به غيره وعدم قدرته على ذلك.
د- العجز: فقد قال تعالى: ﴿ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﴾ {البقرة:286}، وقال سبحانه: ﴿ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﴾ {الطلاق:7}، وقال –جل شأنه-: ﴿ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﴾ {النساء:98}، وقال -تعالى ذِكْره-: ﴿ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﴾ {الحج:78}، وتكليفُ العاجز غايةٌ في الحرج، كالكافر إذا أسلم، وعجز عن الهجرة إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- فلا يُكَلَّفُ بذلك، فَعَدَمُ التمكُّنِ من العِلْمِ أو العَمَلِ -مع الحرص عليهما- عَجْز ومانع من عقوبة المعيَّن، وقد فات النجاشيَّ العلمُ بكثيرٍ من الشرائع، بسبب عدم هجرته إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- لعجزه عن ذلك، ولم يهاجر بعض المؤمنين من مكة، قال تعالى: (وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) فأَخَّر الله -جل شأنه- فتح مكة لتأخر هؤلاء عن الهجرة إلى المدينة.
هـ- عدم بلوغ سِنِّ التكليف.
و- الجنون المنافي للعقل.
وفَرْقٌ بين الحُكْم العامِّ والحُكْمِ على المعيَّنِ، فيُطْلَقُ الأولُ، فيقال: مَنْ فَعَلَ كذا، أو قال كذا؛ فقد كَفَر؛ وذلك لبيانِ الحُكْم الشرعي، وإشاعَتِهِ في الناس، وللترهيب من الوقوع في المحظور، والترغيب في فعْل المأمور به، أما تنزيل الحكم العام على المُعَيَّنِ؛ فلا بد فيه من التأكد من توافر شروطه في المعين، وانتفاء موانعه عنه، وإلا فلا يُنَزَّل الحكم العام عليه، ويقوم بذلك أهل العلم المتأهلون لذلك، وهناك شروط فرعية تختلف من مسألة إلى أخرى، فيشترط في السرقة شروط لا تُشترط في الزنا، أو الحرابة، ونحو ذلك.
وهذه الأحكام فيمن أسلم ووقع في مكَفِّر، لا من كَفَر برسول الله
-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- أصلا، وبَقِيَ على دين غير دين الإسلام؛ فإن هذا يُطْلَقُ عليه الكُفْر بعينه، وقبل قيام الحجة عليه، ويُدْعَى إلى الخروج من الكُفْر والدخول في الإسلام؛ لاستبعاد أن أحدًا لم يَسْمع أصلًا بذِكْر رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- والدين الإسلامي في هذا العصر، ولو فُرِض وجود ذلك في حق شخص بعينه؛ فلا تكفير له بعينه بمجرد فعله؛ حتى يُبَيَّنَ له، أما من سمع بالنبي -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- وتقاعس، أو أعرض، أو ركن إلى دنياه، أو إلى ما عليه قومه، أو أخذته العصبية، أو الكراهية، أو الحسد؛ فلم يبحث عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- ودينه؛ فليس بمسلم، لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: «والذي نَفْسِي بيده، لا يَسْمع بي أحد من هذه الأمة، فلم يُؤْمِن بي؛ إلا أَكَبَّه الله على وجهه في النار» – أخرجه مسلم (153) – وهذا كله في أحكام الدنيا، أما في الآخرة؛ فالله هو العليم بذات الصدور، ولا يَعْزُب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا هو في كتاب مبين، والله -سبحانه وتعالى- يقول: ﴿ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﴾ {الكهف:49}.
والكلام في التفسيق والتضليل والتبديع في حق المسلم العدل أو السني، كالكلام في التكفير أو الحكم بالشرك أو النفاق في حق المسلم، إلا أن الحكم بهذه الأحكام الكفرية أشد من الحكم بتلك الأحكام، وأما من كان على مقالة أهل البدع، وانحاز إلى صَفِّهم، وحذَّر من منهج أهل السنة، وتبرأ منه، وأظهر عدم الانتساب إليه، والتزم مُجْمَل مُعتقد أهل البدع والضلالة؛ فالأصل أنه منهم، سواء كان من العلماء فيهم أو العوام منهم، ولا يقال: تُقَام عليه الحجة قبل تبديعه، فإذا تَسَنَّنَ وإلا فمُبتدع؛ لأنه لا يرضى بمنهج أهل السنة أصلًا، ويُظهر البراءة منه ومن أهله، ومن الأصولِ التي يرجعون إليها، كالرافضي، إنما يقال ذلك فيمن ينتمي إلى أهل السنة، ويتشبث بالانتساب إليهم، ويُنْكِر نسبته إلى الفرق المبتدعة -وإن انحرف- كما هو الحال فيمن ينتمي إلى الإسلام، ويتشبث بالانتساب إليه، وإلى كتابه، ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- وإن انحرف، بخلاف من لم يؤمن بالإسلام أصلًا، وبالجملة: فكل من انحرفَ وهو يَظُن -مع بحثه عن الحق- أن ما هو عليه هو ما جاء به رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- فلا يُخْرَجُ من الإسلام أو السنة اللذْيِن ينتمي إليهما، ويدافِعُ عنهما –في ظنه واعتقاده- إلا بوقوعه في مُكَفِّر أو مُبَدِّع، وبعد استيفائه الشروطَ، وانتفاء الموانع في حقه، والله أعلم.
وإليك طَرفًا من كلام أهل العلم الأكابر -رحمة الله عليهم- في هذا الباب:
قال أبو عُمر ابن عبد البر ـ ؒ ـ في «التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد»([270]): «فَالْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ يَنْهَيَانِ عَنْ تَفْسِيقِ الْمُسْلِمِ وَتَكْفِيرِهِ بِبَيَانٍ لَا إِشْكَالَ فِيهِ، وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ الصَّحِيحِ الَّذِي لَا مَدْفَعَ لَهُ: أَنَّ كُلَّ مَنْ ثَبَتَ لَهُ عَقْدُ الْإِسْلَامَ فِي وَقْتٍ بِإِجْمَاعٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا، أَوْ تَأَوَّلَ تَأْوِيلًا، فَاخْتَلَفُوا بَعْدُ فِي خُرُوجِهِ مِنَ الْإِسْلَامِ؛ لَمْ يَكُنْ لِاخْتِلَافِهِمْ بَعْدَ إِجْمَاعِهِمْ مَعْنًى يُوجِبُ حُجَّةً، وَلَا يَخْرُجُ مِنَ الْإِسْلَامِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ إِلَّا بِاتِّفَاقٍ آخَرَ، أَوْ سُنَّةٍ ثَابِتَةٍ لَا مُعَارِضَ لَهَا، وَقَدِ اتَّفَقَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةُ -وَهُمْ أَهْلُ الْفِقْهِ وَالْأَثَرِ- عَلَى أَنَّ أَحَدًا لَا يُخْرِجُهُ ذَنْبُهُ، وَإِنْ عَظُمَ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَخَالَفَهُمْ أَهْلُ الْبِدَعِ؛ فَالْوَاجِبُ فِي النَّظَرِ أَنْ لَا يُكَفَّرَ إلا إن اتفق الجميعُ على تكفيره، أو قام عَلَى تَكْفِيرِهِ دَلِيلٌ لَا مَدْفَعَ لَهُ مِنْ كِتَابٍ أَوَسُنَّةٍ». اهـ
وقال أبو محمد ابن حزم ـ ؒ ـ في «الفصل في الملل والأهواء والنحل»([271]): «وَالْحق: هُوَ أَن كل من ثَبت لَهُ عَقْدُ الْإِسْلَام؛ فَإِنَّهُ لَا يَزُول عَنهُ إِلَّا بِنَصّ أَو إِجْمَاع، وَأما بِالدَّعْوَى والافتراء؛ فَلَا». اهـ
وقال الغزالي ـ ؒ ـ في «الاقتصاد في الاعتقاد»([272]): «والذي ينبغي أن يميل المُحَصِّلُ إليه: الاحترازُ مِن التكفير ما وَجَدَ إليه سبيلًا؛ فإن استباحة الدماء والأموال من المُصَلِّين إلى القبلة، المُصَرِّحين بقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله؛ خطأٌ، والخطأُ في تَرْكِ أَلْفِ كافرٍ في الحياة؛ أَهْوَنُ مِن الخطأ في سَفْكِ مِحْجَمَةٍ مِنْ دَمِ مسلم». اهـ
ويقول –ؒ– في «فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة»([273]): «الوصية: أن تَكُفَّ لسانَكَ عن أهل القبلة ما أَمْكَنَكَ، ما داموا قائلين: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)، غَيْرَ مُنَاقضين لها….؛ فإنَّ التكفير فيه خَطَرٌ، والسكوتَ لا خَطَر فيه».
وقال الإمام النووي ـ ؒ ـ في «شرحه على صحيح مسلم»([274]): «فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ تَأَوَّلْتَ أَمْرَ الطَّائِفَةِ الَّتِي مَنَعَتِ الزَّكَاةَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبْتَ إِلَيْهِ، وَجَعَلْتَهُمْ أَهْلَ بَغْيٍ، وَهَلْ إِذَا أَنْكَرَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي زَمَانِنَا فَرْضَ الزَّكَاةِ، وَامْتَنَعُوا مِنْ أَدَائِهَا؛ يَكُونُ حُكْمُهُمْ حُكْمَ أَهْلِ الْبَغْيِ؟ قُلْنَا: لَا؛ فَإِنَّ مَنْ أَنْكَرَ فَرْضَ الزَّكَاةِ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ؛ كَانَ كَافِرًا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَأُولَئِكَ: أَنَّهُمْ إِنَّمَا عُذِرُوا لِأَسْبَابٍ وَأُمُورٍ لَا يَحْدُثُ مِثْلُهَا فِي هَذَا الزَّمَانِ: مِنْهَا: قُرْبُ الْعَهْدِ بِزَمَانِ الشَّرِيعَةِ الَّذِي كَانَ يَقَعُ فِيهِ تَبْدِيلُ الْأَحْكَامِ بِالنَّسْخِ، وَمِنْهَا: أَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا جُهَّالًا بِأُمُورِ الدِّينِ، وَكَانَ عَهْدُهُمْ بِالْإِسْلَامِ قَرِيبًا، فَدَخَلَتْهُمُ الشُّبْهَةُ؛ فَعُذِرُوا، فَأَمَّا الْيَوْمَ -وَقَدْ شَاعَ دِينُ الْإِسْلَامِ، وَاسْتَفَاضَ فِي الْمُسْلِمِينَ عِلْمُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، حَتَّى عَرَفَهَا الْخَاصُّ وَالْعَامُّ، وَاشْتَرَكَ فِيهِ الْعَالِمُ وَالْجَاهِلُ-؛ فَلَا يُعْذَرُ أَحَدٌ بِتَأْوِيلٍ يَتَأَوَّلُهُ فِي إِنْكَارِهَا، وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ فِي كُلِّ مَنْ أَنْكَرَ شَيْئًا مِمَّا أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَيْهِ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، إِذَا كَانَ عِلْمُهُ مُنْتَشِرًا: كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَصَوْمِ شَهْرِ رمضان، والاغتسال من الجنابة، وتحريم الزنى وَالْخَمْرِ، وَنِكَاحِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ، وَنَحْوِهَا مِنَ الْأَحْكَامِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلًا حَدِيثَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ، وَلَا يَعْرِفُ حُدُودَهُ، فَإِنَّهُ إِذَا أَنْكَرَ شَيْئًا مِنْهَا جَهْلًا بِهِ؛ لَمْ يَكْفُرْ، وَكَانَ سَبِيلُهُ سَبِيلَ أُولَئِكَ الْقَوْمِ فِي بَقَاءِ اسْمِ الدِّينِ عَلَيْهِ، فَأَمَّا مَا كَانَ الْإِجْمَاعُ فِيهِ مَعْلُومًا مِنْ طَرِيقِ عِلْمِ الْخَاصَّةِ: كَتَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا، وَأَنَّ الْقَاتِلَ عَمْدًا لَا يَرِثُ، وَأَنَّ لِلْجَدَّةِ السُّدُسَ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ؛ فَإِنَّ مَنْ أَنْكَرَهَا لَا يَكْفُرُ؛ بَلْ يُعْذَرُ فِيهَا لِعَدَمِ اسْتِفَاضَةِ عِلْمِهَا فِي الْعَامَّةِ». اهـ
قلت: وإذا جاء زمانٌ شاع فيه الجهل بأحكام الدين، حتى أصبحوا لا يعرفون من الدين صلاة ولا زكاة… إلخ، ولا يعرفون منه إلا شهادة: «لا إله إلا الله، محمد رسول الله»؛ عُذِروا بجهلهم، ويشهد لهذا حديث حذيفة
-رضي الله عنه-([275]).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ ؒ ـ كما في «مجموع الفتاوى»([276]): «وَالْإِنْسَانُ مَتَى حَلَّلَ الْحَرَامَ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ، أَوْ حَرَّمَ الْحَلَالَ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ، أَوْ بَدَّلَ الشَّرْعَ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ؛ كَانَ كَافِرًا مُرْتَدًّا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ». اهـ
وقال –ؒ– في «منهاج السنة النبوية»([277]): «وَأَهْلُ السُّنَّةِ لَا يَبْتَدِعُونَ قَوْلًا، وَلَا يُكَفِّرُونَ مَنِ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لَهُمْ، مُكَفِّرًا لَهُمْ، مُسْتَحِلًّا لِدِمَائِهِمْ، كَمَا لَمْ تُكَفِّرِ الصَّحَابَةُ الْخَوَارِجَ، مَعَ تَكْفِيرِهِمْ لِعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَمَنْ وَالَاهُمَا، وَاسْتِحْلَالِهِمْ لِدِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ الْمُخَالِفِينَ لَهُمْ». اهـ
وقال –ؒ– كما في «مجموع الفتاوى»([278]): «وَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يُكَفِّرَ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ -وَإِنْ أَخْطَأَ وَغَلِطَ- حَتَّى تُقَامَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ، وَتُبَيَّنَ لَهُ الْمَحَجَّةُ، وَمَنْ ثَبَتَ إسْلَامُهُ بِيَقِينِ؛ لَمْ يَزُلْ ذَلِكَ عَنْهُ بِالشَّكِّ؛ بَلْ لَا يَزُولُ إلَّا بَعْدَ إقَامَةِ الْحُجَّةِ، وَإِزَالَةِ الشُّبْهَةِ». اهـ
أما مَنْ تَجَرَّأَ على التكفير من غير أن يَمْلِكَ مِثْلَ ذلك الدليل الساطع على قوله؛ فإنه مُسْتَحِقٌّ للعقوبة الغليظة بما اجْتَرَأَ عليه:
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية –ؒ– كما في «مجموع الفتاوى»([279]) في سياق الحديث عن خلاف المسلمين في بعض مسائل التوسل: «وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ: إنَّ مَنْ قَالَ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ؛ فَقَدْ كَفَرَ، وَلَا وَجْهَ لِتَكْفِيرِهِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ خَفِيَّةٌ، لَيْسَتْ أَدِلَّتُهَا جَلِيَّةً ظَاهِرَةً، وَالْكُفْرُ إنَّمَا يَكُونُ بِإِنْكَارِ مَا عُلِمَ مِنْ الدِّينِ ضَرُورَةً، أَوْ بِإِنْكَارِ الْأَحْكَامِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَالْمُجْمَعِ عَلَيْهَا، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَاخْتِلَافُ النَّاسِ فِيمَا يُشْرَعُ مِنْ الدُّعَاءِ وَمَا لَا يُشْرَعُ، كَاخْتِلَافِهِمْ: هَلْ تُشْرَعُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ عِنْدَ الذَّبْحِ؛ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ مَسَائِلِ السَّبِّ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّ مَنْ نَفَى التَّوَسُّلَ الَّذِي سَمَّاهُ اسْتِغَاثَةً بِغَيْرِهِ كَفَرَ، وَتَكْفِيرُ مَنْ قَالَ بِقَوْلِ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ وَأَمْثَالِهِ؛ فَأَظْهَرُ مِنْ أَنْ يَحْتَاجَ إلَى جَوَابٍ؛ بَلْ الْمُكَفِّرُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ يَسْتَحِقُّ مِنْ غَلِيظِ الْعُقُوبَةِ وَالتَّعْزِيرِ مَا يَسْتَحِقُّهُ أَمْثَالُهُ مِنْ الْمُفْتَرِينَ عَلَى الدِّينِ، لَا سِيَّمَا مَعَ قَوْلِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ قَالَ لِأَخِيهِ: كَافِرٌ؛ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا». اهـ
وقال ابن الوزير ـ ؒ ـ في «إيثار الحق على الخلق»([280]): «فَكُلَّمَا كَانَ أقربَ إِلَى الِاجْتِمَاع؛ كَانَ أرجح، وَكُلَّما كَانَ أقربَ إِلَى التَّفَرُّق، وَدعا إليه وَإِلَى إثارته؛ كَانَ أَفْسَدَ وأَبْطَلَ، وَكَمْ بَين إِخْرَاج عوام فِرَقِ الاسلام أَجْمَعِينَ، وجماهير الْعلمَاء المنتسبين إِلَى الاسلام من الْملَّة الإسلامية، وتكثير الْعدَد بهم، وَبَين إدخالهم فِي الاسلام ونصرته بهم، وتكثير أَهله، وتقوية أمره، فَلَا يحل الْجَهْدُ فِي التَّفَرُّق بتكلُّف التَّكْفِير لَهُم بالأدلة الْمُعَارَضَةِ بِمَا هُوَ أقوى مِنْهَا أَو مِثْلِهَا، مِمَّا يَجْمَعُ الْكَلِمَة، وَيُقَوِّي الإسلامَ، ويَحْقِنُ الدِّمَاءَ، ويُسَكِّن الدهماءَ؛ حَتَّى يَتَّضِحَ كُفْرُ المبتدع اتضاحَ الصُّبْح الصَّادِق، وتجتمعَ عَلَيْهِ الْكَلِمَةُ، وَتحقِّقَ إِلَيْهِ الضَّرُورَةُ: مثل كُفر الزَّنَادِقَة والملاحدة، الَّذين أَنْكَرُوا الْبَعْثَ وَالْجَزَاءَ، وَالْجنَّةَ وَالنَّارَ، وتأَوَّلوا الربَّ -جلّ جَلَاله- وَجَمِيعَ أَسْمَائِهِ بإمام الزَّمَان، وسَمَّوْهُ باسم الله تَعَالَى، وفَسَّروا «لَا إِلَه إِلَّا الله»: أَي لَا إِمَام إِلَّا إِمَام الزَّمَان فِي زعمهم -خَذَلَهم الله تَعَالَى- وتلاعبوا بِجَمِيعِ آيَات كتاب الله — فِي تَأْوِيلهَا جَمِيعًا بالبواطن، الَّتِي لم يَدُلَّ على شَيْء مِنْهَا دَلَالَةٌ وَلَا أَمارةٌ، وَلَا لَهَا فِي عَصْر السّلف الصَّالح إشارةٌ، وَكَذَلِكَ مَنْ بَلَغَ مَبْلَغَهم من غَيرهم فِي تعفية آثَار الشَّرِيعَة، ورَدِّ الْعُلُوم الضرورية، الَّتِي نَقَلَتْهَا الأمةُ: خَلَفُهَا عَن سَلَفِهَا، وَالله يحب الإنْصَافَ قَطْعًا». اهـ
وقال –ؒ-([281]): «إن فِي الحكم بتكفير الْمُخْتَلفِ فِي كُفرهم مفْسدَةً بَيِّنَةً تخَالف الِاحْتِيَاط، وَذَلِكَ إسقاطُ الْعِبَادَات عَنْهُم إِذا تَابُوا، وَإِسْقَاطُ جَمِيع حُقُوق المخلوقين من الْأَمْوَال والدماء وَغَيرهمَا، وَإِبَاحَةُ فروج نِسَائِهِم إِذا لم يتوبوا، وَسَفك دِمَائِهِمْ مَعَ قيام الِاحْتِمَال بِشَهَادَة وجود الْمُخَالفين الجِلَّةَ من أَئِمَّة الْملَّة، وَوُجُود المعارَضَات الراجحةِ الْوَاضِحَةِ الأدلة…
إلى أن قال –ؒ-: الْخَطَأ فِي الْعَفو خيرٌ من الْخَطَأ فِي الْعقُوبَة، نَعُوذ بِاللَّه من الْخَطَأ فِي الْجَمِيع، ونسأله الإصابة والسلامة والتوفيق وَالْهِدَايَة». اهـ
وقال ابن نجيم الحنفي ـ ؒ ـ في «البحر الرائق شرح كنز الدقائق»: «رَوَى الطَّحَاوِيُّ عَنْ أَصْحَابِنَا: لَا يُخْرِجُ الرَّجُلَ مِنْ الْإِيمَانِ إلَّا جُحُودُ مَا أَدْخَلَهُ فِيهِ، مَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ رِدَّةٌ يَحْكُمُ بِهَا..، وَمَا يَشُكُّ أَنَّهُ رِدَّةٌ لَا يَحْكُمُ بِهَا؛ إذْ الْإِسْلَامُ الثَّابِتُ لَا يَزُولُ بِشَكٍّ، مَعَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو، وَيَنْبَغِي لِلْعَالِمِ إذَا رُفِعَ إلَيْهِ هَذَا؛ أَنْ لَا يُبَادِرَ بِتَكْفِيرِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ…([282]).
وَفِي «الْفَتَاوَى الصُّغْرَى»: الْكُفْرُ شَيْءٌ عَظِيمٌ، فَلَا أَجْعَلُ الْمُؤْمِنَ كَافِرًا مَتَى وَجَدْتُ رِوَايَةً أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ». اهـ…
وَفِي «الْخُلَاصَةِ» وَغَيْرِهَا: «إذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ وُجُوهٌ تُوجِبُ التَّكْفِيرَ، وَوَجْهٌ وَاحِدٌ يَمْنَعُ التَّكْفِيرَ؛ فَعَلَى الْمُفْتِي أَنْ يَمِيلَ إلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَمْنَعُ التَّكْفِيرَ؛ تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِالْمُسْلِمِ…». اهـ([283])
وقال الشوكاني ـ ؒ ـ في «السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار»([284]): «اعلم أن الحُكْم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام ودخوله في الكفر؛ لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يَقْدُم عليه إلا ببرهان أَوْضَحَ من شمس النهار؛ فإنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة المروية من طريق جماعة من الصحابة: «أن من قال لأخيه: يا كافر؛ فقد باء بها أحدهما» هكذا في «الصحيح»، وفي لفظ آخر في «الصحيحين» وغيرهما: «من دعا رجلا بالكُفر، أو قال: عَدُوُّ الله، وليس كذلك؛ إلا حَارَ عليه»، أي رجع، وفي لفظ في «الصحيح»: «فقد كَفَرَ أحدُهما»، ففي هذه الأحاديثِ، وما وَرَدَ مَوْرِدَها أَعْظَمُ زاجِرٍ، وأَكْبَرُ واعِظٍ عن التَّسَرُّع في التكفير…
إلى أن قال –ؒ-: «فحينئذ تَنْجُو من مَعَرَّة الخَطَر، وتَسْلَمُ من الوقوع في المحنة؛ فإن الإقدام على ما فيه بعضُ البأس لا يَفْعَلُه مَنْ يَشِحُّ على دينه، ولا يَسْمَحُ به فيما لا فائدة فيه ولا عائدة».
قال -ؒ-: فكيف إذا كان على نفسه – إذا أخطأ – أن يكون في عداد من سماه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كافرا؟ أفهذا يقود إليه العَقْلُ؛ فضلا عن الشَّرْعِ؟!». اهـ
وقال ابن حجر الهيتمفي الشافعي ـ ؒ ـ في «تحفة المحتاج في شرح المنهاج»([285]): «ينبغي للمفتي أن يحتاط في التكفير ما أمكنه؛ لعظيم خَطَره، وغَلَبَة عَدَمِ قَصْده -يعني من فاعله-، سيما من العوام، وما زال أئمتنا على ذلك قديما وحديثا، بخلاف أئمة الحنفية؛ فإنهم توسَّعوا بالحكم بمكَفِّرات كثيرة مع قَبُولها التأويلَ، بل مع تبادُرِه منها، ثم رأيت الزركشيَّ قال عما توسَّع به الحنفية: إن غالبه في كتب الفتاوى نقلا عن مشايخهم، وكان المتورعون من متأخري الحنفية يُنْكِرون أَكْثَرَها، ويخالفونهم، ويقولون: هؤلاء لا يجوز تقليدُهم؛ لأنهم غير معروفين بالاجتهاد، ولم يُخَرِّجُوها على أَصْل أبي حنيفة؛ لأنه خلافُ عقيدته؛ إذْ منها أن معنا أَصْلا مُحَقَّقًا هو الإيمان؛ فلا نرفعه إلا بيقين، فَلْيُتَنَبَّهْ لهذا، وَلْيُحْذَر ممن يُبادر إلى التكفير في هذه المسائل مِنَّا ومِنْهُم، فيُخَاف عليه أن يَكْفُر؛ لأنه كَفَّرَ مسلما اهـ مُلَخَّصا.
قال بعض المحققين: «منا ومنهم» وهو كلام نفيس». اهـ
ويقول الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ـ رحمهما الله ـ كما في «الدرر السنية في الكتب النجدية»([286]): «وبالجملة: فيجب على من نَصَحَ نفسه؛ ألا يتكلم في هذه المسألة إلا بعلم وبرهان من الله؛ ولْيَحْذَر من إخراج رجل من الإسلام بمجرد فَهْمِهِ واسْتِحْسان عَقْله؛ فإن إخراجَ رجل من الإسلام أو إدخالَهُ فيه، أعظمُ أمور الدين; وقد كُفِينَا بيانَ هذه المسألة كغيرها؛ بل حُكْمُها في الجملة أَظْهَرُ أحكام الدين؛ فالواجب علينا: الاتباعُ وتركُ الابتداع، كما قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: «اتَّبِعُوا ولا تَبْتَدِعُوا فقد كُفِيتُم».
وأيضا: فما تنازع العلماء في كونه كُفرا؛ فالاحتياط للدين التوقفُ وعدمُ الإقدام، ما لم يكُن في المسألة نَصٌّ صريحٌ عن المعصوم -صلى الله عليه وسلم-. وقد اسْتَزَلَّ الشيطانُ أَكْثَرَ الناس في هذه المسألة، فقصَّر بطائفة؛ فَحَكَمُوا بإسلام من دَلَّت نصوصُ الكتاب والسنة والإجماع على كُفره، وتعدَّى بآخرين؛ فَكَفَّروا من حَكَم الكتابُ والسنةُ مع الإجماع بأنه مسلم.
ومن العَجَبِ: أن أحد هؤلاء لو سُئِلَ عن مسألة في الطهارة، أو البيع ونحوهما؛ لم يُفْتِ بمجرد فَهْمِهِ واستحسان عَقْلِهِ، بل يَبْحَث عن كلام العلماء، ويُفْتِي بما قالوه؛ فكيف يَعْتَمِدُ في هذا الأمر العظيم، الذي هو أَعْظَمُ أمور الدين، وأَشَدُّ خَطَرا على مُجرد فَهْمِه واستحسانه؟ فيا مصيبةَ الإسلام من هاتين الطائفتين، ومِحْنَتَهُ من تَيْنِكِ البَلِيَّتَيْنِ!!». اهـ
فهذا كلام جماعة من أهل العلم من جميع المذاهب، وكُلهم ينسب هذا الأصل إلى علماء الأمة وسلفها، فلينظر المتهوِّرون في الأحكام من قدوتهم في هذا الحال الذي هُمْ عليه؟!
🕮 🕮 🕮
الأصل التاسع عشر:
- فِرَقُ أَهْلِ القِبْلةِ الأَصْلُ فيهم أنهم مسلمون، وغير المجتهدين منهم أو المقَلِّدُون من عوامّهم -تقليدا سائغًا يُعْذَرون به- مُعَرَّضُون للوعيد، وأمْرهم إلى الله -جل شأنه- وليسوا كفارًا، إلا من كان كافرًا في الباطن؛ فالأمر بينه وبين الله — ومن أُقِيمت عليه الحجة الصحيحة المُزِيلة للشُّبُهات والتأويلات الفاسدة، وخالفها؛ فَيُحْكَم عليه بما يستحق من أهل العلم المتأهلين لذلك.
وعندما يذكر العلماءُ الفِرقَةَ الناجية من الفرق المنتسبة لملة الإسلام، فمرادُهم بالفرقة الناجية: أنها تكون كذلك إذا تَمَسَّكَتْ بما كان عليه الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- والصحابة -رضي الله عنهم – وأئمة القرون المفضلة، أي: أن منهجها سببٌ مَضْمُونٌ في النجاة إذا تَمَسَّكَتْ به، وأفرادها المنتسبون إليها يكونون كذلك بِقَدْر تمسّكهم بهذا المنهج قلْبًا وقالبا، وأما مناهجُ الفِرَقِ الأخرى؛ فَلَيْسَتْ سببًا مضمونًا في النجاة، بل من تمسك بها، وهو على عِلْم بانحرافها؛ فهو مُنْحَرِف بقدر انحراف منهجها عن الحق، ومن جهل ذلك؛ فقد سبق بيان حُكمه، والتفصيلُ في أمره من حيث: هل تَمكَّن من إزالة الجهل عن نفسه، ثم أَعْرَضَ عن ذلك، أم لا؟!
قال شيخ الإسلام ابن تيمية –ؒ– في «النبوات»([287]): «فالبدع نوعان: نوعٌ كان قَصْدُ أهلها متابعةَ النصّ والرّسول، لكن غَلِطُوا في فَهْمِ النصوص، وكذّبوا بما يُخالف ظنّهم من الحديث ومعاني الآيات؛ كالخوارج، وكذلك الشيعةِ المسلمين، بخلاف من كان منافقًا زنديقًا، يُظهر التشيّع، وهو في الباطن لا يعتقد الإسلام، وكذلك المرجئة قَصَدوا اتباعَ الأمر والنهي، وتصديقَ الوعيد مع الوعد.
ولهذا قال عبد الله بن المبارك، ويوسف بن أسباط، وغيرهما: إنّ الثنتين وسبعين فرقة أصولها أربعة: الشيعة، والخوارج، والمرجئة، والقدريّة الجهمية، أَصْلُ دينهم المعقول.
وأمّا الجهميّة النافية للصفات؛ فلم يكُن أَصْلُ دينهم اتباعَ الكتاب والرسول؛ فإنّه ليس في الكتاب والسنّة نصّ واحدٌ يدلّ على قولهم، بل نصوص الكتاب والسنّة متظاهرة بخلاف قولهم، وإنّما يدّعون التمسّك بالرأي المعقول، وقد بُسط القول على بيان فساد حججهم العقليّة، وما يدّعيه بعضهم من السمعيّات، وبُيِّن أنّ المعقول الصريح موافق للمنقول الصحيح في بطلان قولهم، لا مخالف له». اهـ
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية –ؒ– كما في «مجموع الفتاوى»([288]):
«وأما تعيين الفرق الهالكة؛ فأقدم من بلغنا أنه تكلم في تضليلهم: يوسف بن أسباط، ثم عبدالله بن المبارك، وهما إمامان جليلان من أجلاء أئمة المسلمين، قالا: أصول البدع أربعة: الروافض، والخوارج، والقدرية، والمرجئة، فقيل لابن المبارك: والجهمية؟ فأجاب بأن أولئك ليسوا من أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- وكان يقول: إنا لَنَحْكِي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نَحْكِيَ كلام الجهمية، وهذا الذي قاله اتبعه عليه طائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم، قالوا:
«إن الجهمية كُفَّار لا يَدْخُلون في الاثنتين والسبعين فرقة، كما لا يَدْخُل فيهم المنافقون الذين يُبْطِنون الكفر ويُظْهِرون الإسلام، وهم الزنادقة».
وقال آخرون من أصحاب أحمد وغيرهم: بل الجهمية داخلون في الاثنتين والسبعين فرقة، وجعلوا أصول البدع خمسة، فعلى قول هؤلاء: يكون كل طائفة من (المبتدعة الخمسة) اثنا عشر فرقة([289]).
وهذا يُبْنَى على أصل آخر، وهو (تكفير أهل البدع) فمن أخرج الجهمية منهم لم يُكَفِّرهم -أي لم يكفر جميع الفرق-؛ فإنه لا يُكَفِّر سائرَ أهلِ البدع، بل يجعلهم من أهل الوعيد بمنزلة الفساق والعصاة، ويجعل قوله: «هو في النار»، مثل ما جاء في سائر الذنوب، مثل أكل مال اليتيم وغيره، كما قال تعالى: ﴿ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﴾ {النساء:10}.
ومن أدخلهم فيهم؛ فهم على قولين:
منهم من يُكَفِّرهم كلَّهم -أي أهل الفرق-، وهذا إنما قاله بعض المتأخرين المُنْسَبين إلى الأئمة أو المتكلمين.
وأما السلف والأئمة فلم يتنازعوا في عدم تكفير (المرجئة) (والشيعة) المفَضِّلة
ومنهم من لم يكفر أحدًا من هؤلاء، إلحاقًا لأهل البدع بأهل المعاصي، قالوا: فكما أن من أصول أهل السنة والجماعة: أنهم لا يُكَفِّرون أحدًا بذنب؛ فكذلك لا يُكَفِّرون أحدًا ببدعة.
والمأثور عن السلف والأئمة إطلاق أقوال بتكفير (الجهمية المحضة) الذين ينكرون الصفات، وحقيقةُ قولهم: أن الله لا يَتَكَلَّم ولا يُرَى، ولا يُبايِنُ الخَلْقَ، ولا له عِلْمٌ ولا قدرة، ولا سَمْعٌ ولا بَصَرٌ، ولا حياة، بل القرآن مخلوق، وأهل الجنة لا يَرَوْنَهُ كما لا يراه أهلُ النار، وأمثالُ هذه المقالات.
وأما الخوارج والروافض: ففي تكفيرهم نزاع وتردد عند أحمد وغيره، وأما القدرية الذين ينفون (الكتابة) والعلم؛ فَكَفَّرَوهم (أي من ينفي أن يكون الله قد عَلِمَ أفعال الخلق قبل أن يَخْلُقَهم، أو يَنْفي كتابة المقادير قبل الخلق)، ولم يُكَفِّروا من أَثْبَتَ العلم، ولم يُثْبِتْ خَلْقَ الأفعال». اهـ
وقال شيخ الإسلام –ؒ– أيضا كما في «مجموع الفتاوى»([290]) في سياق رده على مخالفيه في اعتقاده: «ثم قلت لهم: وليس كل من خالف في شيء من هذا الاعتقاد يجب أن يكون هالكًا؛ فإن المنازِعَ قد يكون مجتهدًا مخطئا، يُغْفَرُ الله خطأُه، وقد لا يكون بَلَغَهُ من العلم ما تقوم به عليه الحجة، وقد يكون له من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته، وإذا كانت ألفاظُ الوعيد المتناولةُ له لا يجب أن يَدْخُل فيها المتأولُ، والقانِتُ، وذو الحسنات الماحية، والمغفورةُ له، وغير ذلك؛ فهذا أَوْلَى، بل موجَبُ هذا الكلام: أن من اعتقد ذلك؛ نجا في هذا الاعتقاد، ومن اعتقد ضِدَّهُ؛ فقد يكون ناجيًا، وقد لا يكون ناجيًا، كما يقال: من صَمَتَ نَجَا. اهـ
🕮 🕮 🕮
الأصل العشرون:
- الجماعةُ التي أُمِرْنا بلزومها: هم الرسولُ -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- وأصحابُهُ –رضي الله عنهم – فمن سار على ما كانوا عليه -وإن كان وحده- فقد نجا، وإلا فهو هالك بِقَدْر ما عنده من أسباب الهلكة والمخالفة، وهو مُعَرَّضٌ للهلاك إن كان عنده أَصْلُ التوحيد باقيا، ولا يَلْزَمُ من ذلك هَلَكَتُهُ؛ فقد تُدْرِكُه رحمةُ الله، أو يُغْفر له بسببٍ من الأسباب([291]).
الأصل الحادي والعشرون:
- هدايةُ العباد وإضلالُهم كُلُّ ذلك بيد الله — فمنهم مَنْ هداه الله رحمةً وفَضْلا، ومنهم من كَتَب عليه الشِّقْوةَ والضلالة حِكْمَةً وعَدْلًا.
قال أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني –رضي الله عنه وأرضاه- في «مقدمته»([292]):
«الحمد لله الذي ابتدأ الإنسان بنعمته، وصَوَّرَه في الأرحام بحكمته، وأبرزه إلى رِفْقِه، وما يَسَّره له من رِزْقِه، وعَلَّمَهُ ما لم يكن يَعْلَم، وكان فضل الله عليه عظيمًا، ونَبَّهَ بآثار صِنْعَتِهِ، وأعذر إليه على ألسنة المرسلين الخِيرة مِنْ خَلْقه، فهَدَى من وَفَّقَهُ بفضله، وأَضَلَّ من خَذَلَه بِعَدْله، ويَسَّرَ المؤمنين لليُسْرى، وشَرَحَ صُدورَهُم للذِّكْرى، فآمنوا بالله بألسنتهم ناطقين، وبقلوبهم مُخْلِصين، وبما أَتَتْهُم به رسلْه وكُتُبه عاملين، وتَعَلَّمُوا ما عَلَّمَهُم، وَوُفِّقُوا عند ما حَدَّ لهم، واسْتَغْنَوا بما أَحَلَّ لهم عما حَرَّمَ عليهم». اهـ
قال الشيخ حافظ الحكمي – ؒ – في «معارج القبول بشرح سُلَّم الوصول»([293]):
| فَمَنْ يَشَأْ وَفَّقَهُ بِفَضْلِهِ | وَمَنْ يَشَأْ أَضَلَّهُ بِعَدْلِهِ | |
| فَمِنْهُمُ الشَّقِيُّ وَالسَّعِيدُ | وَذَا مُقَرَّبٌ وَذَا طَرِيدُ |
قَالَ اللَّهُ –: مَنْ يَشَأِ ﴿ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﴾ {الأنعام:39}، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ﴾ {الأعراف:178}، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﴾ {الأعراف:186}، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ﴾ {الإسراء:97}، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﴾ {الكهف:17}، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﴾ {فاطر:8}، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﴾ {الأنعام:125}، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﴾ {الرعد:27}، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ﴾ {القصص:56}، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ﴾ {البقرة:272}، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﴾ {يونس:35}، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﴾ {البقرة:120}، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﴾ {آل عمران:73}، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﴾ {الشمس:7-8} وَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- فِي خُطْبَتِهِ: «مَنْ يَهْدِ اللَّهُ؛ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ؛ فَلَا هَادِيَ لَهُ» وَقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: «اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا, زَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا, إِنَّكَ أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا».
«فَمِنْهُمْ» أَيْ: مِنْ عِبَادِهِ «الشَّقِيُّ» وَهُوَ مَنْ أَضَلَّهُ بِعَدْلِهِ «وَ» مِنْهُمْ «السَّعِيدُ» وَهُوَ مَنْ وَفَّقَهُ وَهَدَاهُ بِفَضْلِهِ, فَالسَّعِيدُ مَنْ سَعِدَ بِقَضَاءِ اللَّهِ، وَالشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ بِقَضَاءِ اللَّهِ, فَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى فَضْلِهِ وَعَدْلِهِ «وَذَا مُقَرَّبٌ» بِتَقْرِيبِ الله إياه إليه، وَهُوَ السَّعِيدُ «وَذَا طَرِيدُ» بِإِبْعَادِ اللَّهِ إِيَّاهُ، وَهُوَ الشَّقِيُّ الْبَعِيدُ, فَبِيَدِهِ تَعَالَى الْهِدَايَةُ وَالْإِضْلَالُ، وَالْإِشْقَاءُ وَالْإِسْعَادُ, فَهِدَايَتُهُ الْعَبْدَ وَإِسْعَادُهُ؛ فَضْلٌ وَرَحْمَةٌ, وَإِضْلَالُهُ وَإِبْعَادُهُ؛ عَدْلٌ مِنْهُ وَحِكْمَةٌ, وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَوَاقِعِ فَضْلِهِ وَعَدْلِهِ, وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ الَّذِي يَضَعُ الْأَشْيَاءَ مَوَاضِعَهَا, وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ مَحَلُّ الْهِدَايَةِ؛ فَيَهْدِيهِ, وَمَنْ هُوَ مَحَلُّ الْإِضْلَالِ؛ فَيُضِلُّهُ, وَهُوَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ, وَهُوَ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ, وَعَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ, وَعَلِيمٌ بِالْمُهْتَدِينَ, وَهُوَ أَعْلَمُ بِالشَّاكِرِينَ، وَأَعْلَمُ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ, وَهُوَ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ, وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ, وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى, وَلَهُ فِي ذَلِكَ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ، وَالْحُجَّةُ الدَّامِغَةُ». اهـ
وكلام العلماء في هذا الأصل كثير في كتب العقيدة.
🕮 🕮 🕮
الأصل الثاني والعشرون:
- العِبَادُ وأفعالُهُم من مخلوقات الله — فلا خالق سواه، وهم فاعلون لها على الحقيقة، كما قال تعالى: ﴿ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﴾ {النحل:32}، وقال -جل ذِكْرُه-: ﴿ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﴾ {الشورى:30}، وقال سبحانه: ﴿ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﴾ {الصافات:96}، ولكن كل ذلك بمشيئة الله –جل وعلا- كما قال سبحانه: ﴿ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﴾ {الإنسان:30}.
قال أبو الحسن الأشعري – ؒ – في «رسالة إلى أهل الثغر بباب الأبواب»([294]): «الإجماعُ الثامنُ والعشرون: إثباتُ أن جميع أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، ولا يَخْرُجُ شيء في مُلْكِهِ عن عِلْمِهِ وإرادته». اهـ
وقال أبو بكر الإسماعيلي – ؒ – في «اعتقاد أئمة الحديث»([295]): «ويقولون: إنه لا خالق على الحقيقة إلا الله –، وأن أكساب العباد كلَّها مخلوقة لله، وأن الله يَهْدِي من يشاء، ويُضِلُّ من يشاء، لا حجة لمن أضله الله –، ولا عُذْر، كما قاله الله –: ﴿ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﴾ {الأنعام:149}، وقال: ﴿ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ﴾ {الأعراف:29-30}». اهـ
ويقول الإمام الصابوني –ؒ– في «عقيدة السلف أصحاب الحديث»([296]): «ومن قول أهل السنة والجماعة في أكساب العباد: أنها مخلوقة لله تعالى، لا يَمْتَرُون فيه، ولا يَعُدُّون من أَهْلِ الهُدَى وديِنِ الحقِّ مَنْ يُنْكِر هذا القولَ ويَنْفِيه». اهـ
وعَقَدَ الإمامُ اللالكائي –ؒ– بابًا في سياق ما نَقَلَ من إجماع الصحابة والتابعين والخالفِين لهم من علماء الأمة: «أن أفعال العباد مخلوقة لله — وطاعاتِهَا ومعاصِيَها»([297]).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمة الله عليه- في «منهاج السنة»([298]): «وأما جمهور أهل السنة المُتَّبِعون للسلف والأئمة فيقولون: إن فِعْلَ العبد فِعْلٌ له حقيقةً؛ ولكنه مخلوقٌ لله ومَفْعُولٌ لله، لا يقولون هو نَفْسُ فِعْلِ الله، ويُفَرِّقُون بين الخَلْقِ والمَخْلُوق والفِعْلِ والمَفْعُول». اهـ
وقال –ؒ– في «منهاج السنة»([299]): «وأما سائر أهل السنة فيقولون: إن أفعال العباد فِعْلٌ لهم حقيقةً، ويقول جمهورهم الذين يُفَرِّقُون بين الخلق والمخلوق: إنها مخلوقة لله ومفعولة له، ليست هي نَفْسَ فِعْلِهِ وخَلْقِهِ الذي هو صفته القائمة به». اهـ
وقال الإمام ابن القيم –ؒ: «وهم متفقون على أن الفعل غير المفعول، كما حكاه عنهم البغوي وغيره، فحركاتُهم واعتقاداتُهم أفعالٌ لهم حقيقةً، وهي مفعولةٌ لله -سبحانه- مخلوقةٌ له حقيقةً، والذي قام بالرب — عِلْمُهُ وقدرتُهُ ومشيئتُهُ وتكوينُهُ، والذي قام بهم هو فِعْلُهُم وكَسْبُهم وحركاتُهم وسكناتُهم، فهم المسلمون المُصَلُّون القائمون القاعدون حقيقةً، وهو -سبحانه- هو المُقَدِّر لهم على ذلك، القادِرُ عليه الذي شاءَهُ منهم، وخَلَقَه لهم». اهـ([300])
ويقول ابن أبي العز في «شرح الطحاوية»([301])- بعد أن ذكر قولَ الجبرية والقدرية في ذلك -: «وقال أهل الحق: أفعال العباد بها صاروا مطيعين وعصاة، وهي مخلوقة لله تعالى، والحقُّ -سبحانه وتعالى- مُنْفَرِدٌ بخَلْقِ المخلوقات، لا خالق لها سواه». اهـ
🕮 🕮 🕮
الأصل الثالث والعشرون:
- الاحتجاجُ بالقَدَر يكون عند وقوع المصائب والآلام، لا عند ارتكاب المعايب والآثام.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية –ؒ– في «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان»([302]): «وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ «الْقَدَرَ» حُجَّةٌ لِأَهْلِ الذُّنُوبِ؛ فَهُوَ مِنْ جِنْسِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ: ﴿ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﴾ {الأنعام:148}، وقَالَ اللَّهُ تَعَالَى رَادًّا عَلَيْهِمْ: ﴿ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ﴾ { الأنعام:148-149}. وَلَوْ كَانَ «الْقَدَرُ» حُجَّةً لِأَحَدِ؛ لَمْ يُعَذِّبْ اللَّهُ الْمُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ: كَقَوْمِ نُوحٍ، وَعَادٍ، وَثَمُودَ، وَالْمُؤْتَفِكَاتِ، وَقَوْمِ فِرْعَوْنَ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَى الْمُعْتَدِينَ.
وَلَا يَحْتَجُّ أَحَدٌ بِالْقَدَرِ إلَّا إذَا كَانَ مُتَّبِعًا لِهَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ، وَمَنْ رَأَى الْقَدَرَ حُجَّةً لِأَهْلِ الذُّنُوبِ، يَرْفَعُ عَنْهُمْ الذَّمَّ وَالْعِقَابَ؛ فَعَلَيْهِ أَنْ لَا يَذُمَّ أَحَدًا وَلَا يُعَاقِبَهُ إذَا اعْتَدَى عَلَيْهِ؛ بَلْ يَسْتَوِي عِنْدَهُ مَا يُوجِبُ اللَّذَّةَ وَمَا يُوجِبُ الْأَلَمَ، فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ مَنْ يَفْعَلُ مَعَهُ خَيْرًا وَبَيْنَ مَنْ يَفْعَلُ مَعَهُ شَرًّا، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ طَبْعًا وَعَقْلًا وَشَرْعًا.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﴾ {ص:28}؟، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﴾ {القلم:35}؟، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﴾ {الجاثية:21}، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﴾ {المؤمنون:115}، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ﴾ {القيامة:36} أَيْ مُهْمَلًا، لَا يُؤْمَرُ وَلَا يُنْهَى.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» عَنْ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: «احْتَجَّ آدَمَ وَمُوسَى، قَالَ مُوسَى: يَا آدَمَ، أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ، خَلَقَك اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيك مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَك مَلَائِكَتَهُ، لِمَاذَا أَخْرَجْتنَا وَنَفْسَك مِنْ الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ لَهُ آدَمَ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاك اللَّهُ بِكَلَامِهِ، وَكَتَبَ لَك التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ، فَبِكَمْ وَجَدْت مَكْتُوبًا عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ ﴿ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﴾ {طه:121}؟ قَالَ: بِأَرْبَعِينَ سَنَةٍ، قَالَ: فَلِمَ تَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ بِأَرْبَعِينَ سَنَةٍ؟ قَالَ: فَحَجَّ آدَمَ مُوسَى» أَيْ: غَلَبَهُ بِالْحُجَّةِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ ضَلَّتْ فِيهِ طَائِفَتَانِ: «طَائِفَةٌ» كَذَّبَتْ بِهِ؛ لَمَّا ظَنُّوا أَنَّهُ يَقْتَضِي رَفْعَ الذَّمِّ وَالْعِقَابِ عَمَّنْ عَصَى اللَّهَ لِأَجْلِ الْقَدَرِ.
وَ «طَائِفَةٌ» شَرٌّ مِنْ هَؤُلَاءِ، جَعَلُوهُ حُجَّةً، وَقَدْ يَقُولُونَ: الْقَدَرُ حُجَّةٌ لِأَهْلِ الْحَقِيقَةِ الَّذِينَ شَهِدُوهُ، أَوْ الَّذِينَ لَا يَرَوْنَ أَنَّ لَهُمْ فِعْلًا.
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ: إنَّمَا حَجَّ آدَمُ مُوسَى؛ لِأَنَّهُ أَبُوهُ، أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ تَابَ، أَوْ لِأَنَّ الذَّنْبَ كَانَ فِي شَرِيعَةٍ، وَاللَّوْمَ فِي أُخْرَى، أَوْ لِأَنَّ هَذَا يَكُونُ فِي الدُّنْيَا دُونَ الْأُخْرَى.
وَكُلُّ هَذَا بَاطِلٌ.
وَلَكِنَّ وَجْهَ الْحَدِيثِ: أَنَّ مُوسَى -♠- لَمْ يَلُمْ أَبَاهُ إلَّا لِأَجْلِ الْمُصِيبَةِ الَّتِي لَحِقَتْهُمْ مِنْ أَجْلِ أَكْلِهِ مِنْ الشَّجَرَةِ، فَقَالَ لَهُ: لِمَاذَا أَخْرَجْتنَا وَنَفْسَك مِنْ الْجَنَّةِ؟ لَمْ يَلُمْهُ لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ أَذْنَبَ ذَنْبًا وَتَابَ مِنْهُ؛ فَإِنَّ مُوسَى يَعْلَمُ أَنَّ التَّائِبَ مِنْ الذَّنْبِ لَا يُلَامُ، وَهُوَ قَدْ تَابَ مِنْهُ أَيْضًا، وَلَوْ كَانَ آدَمُ يَعْتَقِدُ رَفْعَ الْمَلَامِ عَنْهُ لِأَجْلِ الْقَدَرِ؛ لَمْ يَقُلْ: ﴿ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﴾ {الأعراف:23}». اهـ
🕮 🕮 🕮
الأصل الرابع والعشرون:
- الانقطاعُ والاعتماد على الأسباب شِرْكٌ في التوحيد، والإعراضُ عن الأسباب بالكلية قَدْحٌ في الشَّرْع، ونَفْيُ تأثير الأسباب في المسبَّبات مخالفٌ للشَّرْع والعَقْل، والتوكُّلُ لا يُنافي الأخْذَ بالأسباب.
قال ابن أبي العز –ؒ– في «شرح الطحاوية»([303]): «وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ: مَا قَالَهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ: أَنَّ الِالْتِفَاتَ إِلَى الْأَسْبَابِ شِرْكٌ فِي التَّوْحِيدِ! وَمَحْوَ الْأَسْبَابِ أَنْ تَكُونَ أَسْبَابًا؛ نَقْصٌ فِي الْعَقْلِ، وَالْإِعْرَاضَ عَنِ الْأَسْبَابِ بِالْكُلِّيَّةِ قَدْحٌ فِي الشَّرْعِ، وَمَعْنَى التَّوَكُّلِ وَالرَّجَاءِ يَتَأَلَّفُ مِنْ وُجُوبِ التَّوْحِيدِ وَالْعَقْلِ وَالشَّرْعِ.
وَبَيَانُ ذَلِكَ: أَنَّ الِالْتِفَاتَ إِلَى السَّبَبِ هُوَ اعْتِمَادُ الْقَلْبِ عَلَيْهِ، وَرَجَاؤُهُ وَالِاسْتِنَادُ إِلَيْهِ، وَلَيْسَ فِي الْمَخْلُوقَاتِ مَا يَسْتَحِقُّ هَذَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَقِلٍّ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ شُرَكَاءَ وَأَضْدَادٍ مَعَ هَذَا كُلِّهِ، فَإِنْ لَمْ يُسَخِّرْهُ مُسَبِّبُ الْأَسْبَابِ؛ لَمْ يُسَخَّرْ». اهـ
🕮 🕮 🕮
الأصل الخامس والعشرون:
- الاعتصامُ بالكتابِ والسنةِ والإجماعِ المتيقَّنِ، والحذرُ من التفرُّق في الدين، وردُّ ما اخْتُلِفَ فيه إلى الكتاب والسنة بفهم سَلَفَ الأمة، وعدم الخروج عن أقوالهم.
قال تعالى: ﴿ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﴾ {آل عمران:103}.
قال الإمام ابن جرير الطبري –ؒ– في «تفسيره»([304]): «يريد بذلك -تعالى ذِكْرُه-: وتَمَسَّكُوا بدين الله الذي أَمَرَكُم به، وعَهْدِه الذي عَهِدَهُ إليكم في كتابه إليكم، من الأُلْفَةِ، والاجتماعِ على كلمة الحق، والتسليمِ لأمر الله». اهـ
وروى ابن جرير –ؒ– بأسانيده إلى ابن مسعود –رضي الله عنه– أنه قال في تفسير (حبل الله) في قوله تعالى: ﴿ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﴾ {آل عمران:103}: «الجماعة».
ومِثْلُ هذا نَقَلَهُ القرطبيُّ -ؒ- عنه في «التفسير».
وذَكَر ابن جرير -ؒ- أقوالًا أخرى عن السلف في تفسير معنى «حبل الله»، منها: القرآن، والإخلاص لله وحده، والإسلام.
وقال الشوكاني –ؒ– في نفس الآية([305]): «أمرهم الله أن يجتمعوا على التمسك بدين الإسلام، أو بالقرآن، ونهاهم عن التفرق الناشئ عن الاختلاف في الدين». اهـ
وقال الإمام ابن القيم –ؒ– في حقيقة هذا الاعتصام([306]): «وهو تحكيمه دون آراء الرجال، ومقاييسهم، ومعقولاتهم، وأذواقهم، وكُشُوفاتهم، ومَوَاجِيدهم، فمن لم يكن كذلك؛ فهو مُنْسَلٌّ من الاعتصام، فالدين كله في الاعتصام به وبحبله: عِلْمًا وعملًا، وإخلاصًا واستعانة، ومتابعة، واستمرارًا على ذلك إلى يوم القيامة». اهـ
وقال الإمام ابن المبارك-ؒ–: إن الجماعة حَبْلٌ الله فاعتصموا… منه بعروته الوثقى لمن دانا([307])
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية –ؒ– كما في «مجموع الفتاوى»([308]): «إن سبب الاجتماع والأُلفة: جَمْعُ الدين والعملُ به كلِّه، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، كما أَمَرَ به باطنًا وظاهرًا… ونتيجةُ الجماعة: رحمةُ الله ورضوانُه، وسعادةُ الدنيا والآخرة، وبياضُ الوجوه». اهـ
وقال شيخ الإسلام –ؒ– أيضا([309]): «فمتى ترك الناسُ بعضَ ما أَمرهم الله به؛ وقعتْ بينهم العداوةُ والبغضاءُ، وإذا تَفَرَّقَ القومُ؛ فَسَدُوا وهَلَكُوا، وإذا اجتمعوا؛ صَلَحُوا ومَلَكُوا؛ فإن الجماعة رحمةٌ، والفرقَةَ عذابٌ». اهـ
وقال –ؒ– أيضًا([310]): «فإنهم إذا اجتمعوا كانوا مطيعين لله بذلك مرحومين، فلا تكون طاعة الله بفعلٍ لم يَأْمُر الله به: من اعتقادٍ أو قولٍ أو عملٍ، فلو كان القول أو العمل الذي اجتمعوا عليه لم يأمر الله به؛ لم يكن ذلك طاعة لله ولا سببا لرحمته». اهـ
وقال أيضًا –ؒ– في «الاستقامة»([311]): «والبدعة مَقْرُونَةٌ بالفُرْقة، كما أن السنة مَقْرونة بالجماعة، فيقال: «أهل السنة والجماعة»، كما يقال: «أهل البدعة والفُرقة». اهـ
🕮 🕮 🕮
الأصل السادس والعشرون:
- الإمامةُ الكبرى تَنْعَقِدُ بالإجماع، أو بجمهور أهل الشوكة، أو بالتغَلُّب عليها، درءً للفتن واستمرارِها واشتعالِها في الأمة، ولا يجوز الخروج على الوالي المسلم -وإن كان ظالما جائرا-للأدلةِ الواردةِ في ذلك، وإجماعِ أهل السنة، واستقرارِ أَمْرِهم على ذلك أيضا، وأصولُ السلف وقواعدهم معقولة المعنى: ونظرًا لأن هذا الباب قد أَقْحَمَ نَفْسَه فيه من ليس أهلا لذلك، ولا من يُحْسِن تقديرَ الحال والمآل، ولا معرفة الظروف العامة والخاصة: الدولية والإقليمية، ومن يَنْطَلِق من دوافِعَ حزبيةٍ: علنيّةً كانتْ أو سِرِّيَّةً، ومن يعمل لجهات مَشْبوهة: خارجيةٍ وداخليةٍ، ونظرًا لما حَلَّ بالمسلمين من آثارٍ سيئةٍ، ومصائبَ وكوارثَ مدمرةٍ أكثر وأشد مما أرادوا تغييرها في العديد من البلدان من قديم الزمان إلى الآن، وغير ذلك من عواقبَ وخيمةٍ، وبلايا جسيمةٍ؛ فالمتعيَّنُ إغلاقُ هذا الباب بالكلية، والإقبالُ على الطاعة –ما أَمْكَنَ- وإن أَفْضَى الأمر إلى أن يُغْلق المرءُ بابَه، ويَبْكِي على خطيئته، ويجتهد في تربية مَنْ يَعُولُ بِقَدْر استطاعته، ويدعو للمسلمين وحكامهم وبطانتهم وبلادهم بالعافية من كل شر، والسلامة من كل إثم، والهداية والصلاح حتى يَلْقَى ربه، وهذا منهج السلف الذين لم يشتغلوا بالثورات، ولا الانقلابات، ولا المظاهرات، ولا الاعتصامات… ونحو ذلك، واهتموا بِنَشْرِ العلم النافع، فبقيتْ للناس علومُهم وآثارُهم، وسَلِمَتْ أيديهم من الدماء والخوض فيها، وبايعوا حُكَّامَ زمانهم على السمع والطاعة في المعروف، ولم يَلْهَثُوا وراء دنياهم، وأَفْتَوْا الناس بالاجتماع على أمرائهم -وإن كانوا جوَرةً ظلمةً-، وإبقاءِ هيبة البلاد والعباد ما أمكن، وما لا يُدْرَك كُلُّه؛ لا يُتْرك جُلُّه أو أَقَلُّه، و ﴿ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﴾ {البقرة:286} كل هذا مع مراعاة تزاحم المصالح والمفاسد، ومعرفة ذلك بالطريقة الموثوق بها؛ تكون بالرجوع إلى كبار العلماء المجتهدين الربانيين، الذين تشرَّبوا منهج السلف في دمائهم، ويجري في عروقهم، لا إلى أهل الإفراط والتفريط، من المتهورين أو اللاهثين وراء شهواتهم.
وقد استدل العلماء -قديمًا وحديثًا- على ذلك بالكتاب، والسنة، والإجماع، والقواعد الشرعية.
أما من الكتاب الكريم:
فقال تعالى: ﴿ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﴾ {النساء:59}.
وأما من السنة:
فقد جاءت أحاديث واردة في الأَمْرِ بالطاعةِ، وعدمِ نَكْثِ البيعةِ، والأَمْرِ بالصبرِ على جَوْرِهم، وإن رَأَى الإنسانُ ما يَكْرَهُ.
وهي أحاديث كثيرة بَلَغَتْ حَدَّ التواتر المعنوي، كما ذكر ذلك الشوكاني -ؒ- وقد ذكرتُ هذا كلَّه أو جُلَّه في كتابي: «سبل السلام بتحريم الخروج على الحكام».
قال الشوكاني –ؒ -في «نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار شرح منتقى الأخبار»([312]): «الأحاديث التي ذكرها المصنف في هذا الباب وذكرناها… متواترة المعنى، كما يَعْرِفُ ذلك من له أُنَسَةٌ بعلم السنة». اهـ
ومن هذه الأحاديث:
1 – عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَهُوَ مَرِيضٌ، قُلْنَا: أَصْلَحَكَ اللَّهُ، حَدِّثْ بِحَدِيثٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِ، سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِيِّ
-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، قَالَ: دَعَانَا النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: «أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا، عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ»([313]).
وفي رواية: «وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، وَأَنْ نَقُومَ أَوْ نَقُولَ بِالحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا، لاَ نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ»([314]).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ؒ – في «منهاج السنة»([315]) بعد ذكره لهذا الحديث: «فهذا أَمْرٌ بِالطَّاعَةِ مَعَ اسْتِئْثَارِ وَلِيِّ الْأَمْرِ، وَذَلِكَ ظُلْمٌ مِنْهُ، وَنَهْيٌ عَنْ مُنَازَعَةِ الْأَمْرِ أَهْلَهُ، وَذَلِكَ نَهْيٌ عَنِ الْخُرُوجِ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ أَهْلَهُ هُمْ أُولُو الْأَمْرِ الَّذِينَ أُمِرَ بِطَاعَتِهِمْ، وَهُمُ الَّذِينَ لَهُمْ سُلْطَانٌ يَأْمُرُونَ بِهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُوَلَّى وَلَا سُلْطَانَ لَهُ، وَلَا الْمُتَوَلِّيَ الْعَادِلَ ; لِأَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ أَنَّهُمْ يَسْتَأْثِرُونَ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ نَهْيٌ عَنْ مُنَازَعَةِ وَلِيِّ الْأَمْرِ وَإِنْ كَانَ مُسْتَأْثِرًا، وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ». اهـ
2- وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ –صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ورضي الله عنها -، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ، فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ؛ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ؛ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا نُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ: «لَا، مَا صَلَّوْا»، أَيْ مَنْ كَرِهَ بِقَلْبِهِ، أوْ أَنْكَرَ بِقَلْبِهِ([316]).
3 -وعنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ –رضي الله عنه– عَنْ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- قَالَ: «خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ بِالسَّيْفِ؟ فَقَالَ: «لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْ وُلَاتِكُمْ شَيْئًا تَكْرَهُونَهُ؛ فَاكْرَهُوا عَمَلَهُ، وَلَا تَنْزِعُوا يَدًا مِنْ طَاعَةٍ»([317]).
قال الشوكاني –ؒ– في «نيل الأوطار»([318]): قَوْلُهُ: (خِيَارُ أَئِمَّتِكُمْ... إلَخْ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ مَحَبَّةِ الْأَئِمَّةِ، وَالدُّعَاءِ لَهُمْ، وَأَنَّ مَنْ كَانَ مِنْ الْأَئِمَّةِ مُحِبًّا لِلرَّعِيَّةِ، وَمَحْبُوبًا لَدَيْهِمْ، وَدَاعِيًا لَهُمْ، وَمَدْعُوًّا لَهُ مِنْهُمْ؛ فَهُوَ مِنْ خِيَارِ الْأَئِمَّةِ، وَمَنْ كَانَ بَاغِضًا لِرَعِيَّتِهِ، مَبْغُوضًا عِنْدَهُمْ، يَسُبُّهُمْ وَيَسُبُّونَهُ؛ فَهُوَ مِنْ شِرَارِهِمْ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا عَدَلَ فِيهِمْ، وَأَحْسَنَ الْقَوْلَ لَهُمْ؛ أَطَاعُوهُ، وَانْقَادُوا لَهُ، وَأَثْنَوْا عَلَيْهِ، فَلَمَّا كَانَ هُوَ الَّذِي يَتَسَبَّبُ بِالْعَدْلِ وَحُسْنِ الْقَوْلِ إلَى الْمَحَبَّةِ وَالطَّاعَةِ وَالثَّنَاءِ مِنْهُمْ؛ كَانَ مِنْ خِيَارِ الْأَئِمَّةِ، وَلَمَّا كَانَ هُوَ الَّذِي يَتَسَبَّبُ أَيْضًا بِالْجَوْرِ وَالشَّتْمِ لِلرَّعِيَّةِ إلَى مَعْصِيَتِهِمْ لَهُ، وَسُوءِ الْقَالَةِ مِنْهُمْ فِيهِ؛ كَانَ مِنْ شِرَارِ الْأَئِمَّةِ.
قَوْلُهُ: (لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمْ الصَّلَاةَ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ مُنَابَذَةُ الْأَئِمَّةِ بِالسَّيْفِ مَا كَانُوا مُقِيمِينَ لِلصَّلَاةِ، وَيَدُلُّ ذَلِكَ بِمَفْهُومِهِ عَلَى جَوَازِ الْمُنَابَذَةِ عِنْدَ تَرْكِهِمْ لِلصَّلَاةِ، وَحَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ الْمَذْكُورُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَا تَجُوزُ الْمُنَابَذَةُ إلَّا عِنْدَ ظُهُورِ الْكُفْرِ الْبَوَاحِ، وَهُوَ بِمُوَحَّدَةٍ فَمُهْمَلَةٍ. قَالَ الْخَطَّابِيِّ: مَعْنَى قَوْلِهِ: «بَوَاحًا» يُرِيدُ ظَاهِرًا بَادِيًا مِنْ قَوْلِهِمْ: بَاحَ الشَّيْءُ يَبُوحُ بِهِ بَوْحًا وَبَوَاحًا: إذَا ادَّعَاهُ وَأَظْهَرَهُ. قَالَ: وَيَجُوزُ بَوْحًا بِسُكُونِ الْوَاوِ، وَيَجُوزُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ ثُمَّ هَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ، قَالَ: وَمَنْ رَوَاهُ بِالرَّاءِ؛ فَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى، وَأَصْلُ الْبَرَاحِ: الْأَرْضُ الْقَفْرُ الَّتِي لَا أَنِيسَ فِيهَا وَلَا بِنَاءَ، وَقِيلَ: الْبَرَاحُ: الْبَيَانُ، يُقَالُ: بَرِحَ الْخَفَاءُ: إذَا ظَهَرَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: هِيَ فِي مُعْظَمِ النُّسَخِ مِنْ مُسْلِمٍ بِالْوَاوِ وَفِي بَعْضِهَا بِالرَّاءِ. قَالَ الْحَافِظُ: وَوَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ «كُفْرًا صُرَاحًا» بِصَادٍ مُهْمَلَةٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ رَاءٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ «إلَّا أَنْ تَكُونَ مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ بَوَاحًا».
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ: «مَا لَمْ يَأْمُرْك بِإِثْمٍ بَوَاحًا» وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ وَلِلطَّبَرَانِيِّ عَنْ عُبَادَةَ: «سَيَلِي أُمُورَكُمْ مِنْ بَعْدِي رِجَالٌ يُعَرِّفُونَكُمْ مَا تُنْكِرُونَ، وَيُنْكِرُونَ عَلَيْكُمْ مَا تَعْرِفُونَ، فَلَا طَاعَةَ لِمَنْ عَصَى اللَّهَ». وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ: «سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يَأْمُرُونَكُمْ بِمَا لَا تَعْرِفُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا تُنْكِرُونَ؛ فَلَيْسَ لِأُولَئِكَ عَلَيْكُمْ طَاعَةٌ».
قوله: «وَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْ وُلَاتِكُمْ شَيْئًا تَكْرَهُونَهُ؛ فَاكْرَهُوا عَمَلَهُ، وَلَا تَنْزِعُوا يَدًا مِنْ طَاعَةٍ» فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ كَرِهَ بِقَلْبِهِ مَا يَفْعَلُهُ السُّلْطَانُ مِنْ الْمَعَاصِي؛ كَفَاهُ ذَلِكَ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ زِيَادَةٌ عَلَيْهِ. وَفِي الصَّحِيحِ: «فَمَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا؛ فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؛ فَبِقَلْبِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؛ فَبِلِسَانِهِ» وَيُمْكِنُ حَمْلُ حَدِيثِ الْبَابِ وَمَا وَرَدَ فِي مَعْنَاهُ عَلَى عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّغْيِيرِ بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ مُخْتَصًّا بِالْأُمَرَاءِ إذَا فَعَلُوا مُنْكَرًا؛ لِمَا فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مِنْ تَحْرِيمِ مَعْصِيَتِهِمْ وَمُنَابَذَتِهِمْ، فَكَفَى فِي الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ مُجَرَّدُ الْكَرَاهَةِ بِالْقَلْبِ؛ لِأَنَّ فِي إنْكَارِ الْمُنْكَرِ عَلَيْهِ بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ تَظَهُّرًا بِالْعِصْيَانِ، وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ وَسِيلَةً إلَى الْمُنَابَذَةِ بِالسَّيْفِ.
قَوْلُهُ: (فِي جُثْمَانِ إنْسٍ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ: أَيْ لَهُمْ قُلُوبٌ كَقُلُوبِ الشَّيَاطِينِ، وَأَجْسَامٌ كَأَجْسَامِ الْإِنْسِ«.
4- وعن حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمَانِ –رضي الله عنه– قال: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنِ الخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ» قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: «قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ» قُلْتُ: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، دُعَاةٌ إِلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا؛ قَذَفُوهُ فِيهَا» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا؟ فَقَالَ: «هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا» قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: «تَلْزَمُ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ»، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلاَ إِمَامٌ؟ قَالَ: «فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الفِرَقَ كُلَّهَا؛ وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ؛ حَتَّى يُدْرِكَكَ المَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ».
وفي رواية لمسلم: قَالَ: «يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ، وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ»، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قَالَ: «تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ»([319]).
قَوْلُهُ: (وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُك وَأُخِذَ مَالُك؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ طَاعَةِ الْأُمَرَاءِ وَإِنْ بَلَغُوا فِي الْعَسْفِ وَالْجَوْرِ إلَى ضَرْبِ الرَّعِيَّةِ وَأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ، فَيَكُونُ هَذَا مُخَصِّصًا لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﴾ {البقرة:194}، وَقَوْلِهِ: ﴿ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﴾ {الشورى:40}([320]).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ؒ – في «منهاج السنة النبوية»([321]): «وَقَدْ قِيلَ لِلشَّعْبِيِّ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الْأَشْعَثِ: أَيْنَ كُنْتَ يَا عَامِرُ؟ قَالَ: كُنْتُ حَيْثُ يَقُولُ الشَّاعِرُ:
| عَوَى الذِّئْبُ فَاسْتَأْنَسْتُ بِالذِّئْبِ إِذْ عَوَى | وَصَوَّتَ إِنْسَانٌ فَكِدْتُ أَطِيرُ |
أَصَابَتْنَا فِتْنَةٌ لَمْ نَكُنْ فِيهَا بَرَرَةً أَتْقِيَاءَ، وَلَا فَجَرَةً أَقْوِيَاءَ.
وَكَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يَقُولُ: إِنَّ الْحَجَّاجَ عَذَابُ اللَّهِ؛ فَلَا تَدْفَعُوا عَذَابَ اللَّهِ بِأَيْدِيكُمْ، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِالِاسْتِكَانَةِ وَالتَّضَرُّعِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﴾ {المؤمنون:76}.
وَكَانَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ يَقُولُ: «اتَّقَوُا الْفِتْنَةَ بِالتَّقْوَى، فَقِيلَ لَهُ: أَجْمِلْ لَنَا التَّقْوَى، فَقَالَ: أَنْ تَعْمَلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ، عَلَى نُورٍ مِنَ اللَّهِ، تَرْجُو رَحْمَةَ اللَّهِ، وَأَنْ تَتْرُكَ مَعْصِيَةَ اللَّهِ، عَلَى نُورٍ مِنَ اللَّهِ، تَخَافُ عَذَابَ اللَّهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا.
وَكَانَ أَفَاضِلُ الْمُسْلِمِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْخُرُوجِ وَالْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ، كَمَا كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ وَغَيْرُهُمْ يَنْهَوْنَ عَامَ الْحَرَّةِ عَنِ الْخُرُوجِ عَلَى يَزِيدَ، وَكَمَا كَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُمَا يَنْهَوْنَ عَنِ الْخُرُوجِ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الْأَشْعَثِ.
وَلِهَذَا اسْتَقَرَّ أَمْرُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ؛ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الثَّابِتَةِ عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – وَصَارُوا يَذْكُرُونَ هَذَا فِي عَقَائِدِهِمْ، وَيَأْمُرُونَ بِالصَّبْرِ عَلَى جَوْرِ الْأَئِمَّةِ، وَتَرْكِ قِتَالِهِمْ، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَاتَلَ فِي الْفِتْنَةِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ.
وَبَابُ قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ يَشْتَبِهُ بِالْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِهِ، وَمَنْ تَأَمَّلَ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ الثَّابِتَةِ عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – فِي هَذَا الْبَابِ، وَاعْتَبَرَ أَيْضًا اعْتِبَارَ أُولِي الْأَبْصَارِ؛ عَلِمَ أَنَّ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ النَّبَوِيَّةُ خَيْرُ الْأُمُورِ». اهـ
ولا يكاد أحد من علماء السلف يَذْكُر عقيدته إلا ويَنُصُّ على هذه المسألة ذاتها، ومن الأمثلة على ذلك: ما ذكره الإمام أحمد في عقيدته في أكثر من رواية، وبنحو كلام الإمام أحمد هذا نص على ذلك أبو زرعة، وابن أبي حاتم الرازيان، وعلي بن المديني، وغيرهم كثير: كالطحاوي، وأبي عثمان الصابوني، وغيرهم.
ومن الأدلة على النهي عن الخروج على الأئمة: صلاةُ الصحابة -رضوان الله عليهم- وعلماءِ السنة خَلْفَ أئمةِ الجَوْر والمبتدعة، وهذا يَقْتَضِي الإقرارَ بإمامتهم، ولا يدل على الرضا عن ظُلْمهم:
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – ؒ– كما في «جامع الرسائل»([322]): «وَتَمام «الْوَرع» أَن يَعْلَم الْإِنْسَانُ خَيْرَ الخَيْرين وَشَرَّ الشَرَّيْن، وَيَعْلَمَ أَن الشَّرِيعَة مَبْناها على تَحْصِيل الْمصَالح وتكميلها، وتعطيل الْمَفَاسِد وتقليلها، وَإِلَّا فَمنْ لم يوازِنْ مَا فِي الْفِعْل وَالتّرْك من الْمصلحَة الشَّرْعِيَّة والمفسدة الشَّرْعِيَّة؛ فقد يَدَعُ وَاجِبَاتٍ، وَيفْعلُ مُحرمَاتٍ، وَيرى ذَلِك من الْوَرع، كمن يَدَعُ الْجِهَاد مَعَ الْأُمَرَاء الظلمَة، وَيرى ذَلِك وَرَعًا، ويَدَعُ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ خلف الْأَئِمَّة الَّذين فيهم بِدعَة أَو فجور، وَيرى ذَلِك من الْوَرع، وَيمْتَنع عَن قبُول شَهَادَة الصَّادِق، وَأَخْذِ عِلْمِ الْعَالم لما فِي صَاحبه من بِدعَة خَفِيَّةٍ، وَيرى تَرْكَ قبُولِ سَماع هَذَا الْحق الَّذِي يجب سَمَاعُه من الْوَرع». اهـ
وقال الشوكاني – ؒ – في «نيل الأوطار»([323]): «قَدْ ثَبَتَ إجْمَاعُ أَهْلِ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ مِنْ بَقِيَّة الصَّحَابَةِ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنْ التَّابِعِينَ إجْمَاعًا فِعْلِيًّا، وَلَا يَبْعُد أَنْ يَكُونَ قَوْلِيًّا، عَلَى الصَّلَاةِ خَلْفَ الْجَائِرِينَ؛ لِأَنَّ الْأُمَرَاءَ فِي تِلْكَ الْأَعْصَارِ كَانُوا أَئِمَّةَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، فَكَانَ النَّاسُ لَا يَؤُمُّهُمْ إلَّا أُمَرَاؤُهُمْ فِي كُلّ بَلْدَةٍ فِيهَا أَمِيرٌ، وَكَانَتْ الدَّوْلَةُ إذْ ذَاكَ لِبَنِي أُمَيَّةَ، وَحَالُهُمْ وَحَالُ أُمَرَائِهِمْ لَا يَخْفَى، وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي خَلْفَ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَأَهْلُ السُّنَنِ: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ صَلَّى خَلْفَ مَرْوَانَ صَلَاةَ الْعِيدِ، فِي قِصَّةِ تَقْدِيمِهِ الْخُطْبَةَ عَلَى الصَّلَاةِ، وَإِخْرَاجِ مِنْبَرِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – وَإِنْكَارِ بَعْضِ الْحَاضِرِينَ. وَأَيْضًا قَدْ ثَبَتَ تَوَاتُرًا: أَنَّهُ – صلى الله عليه وسلم – أَخْبَرَ «بِأَنَّهُ يَكُونُ عَلَى الْأُمَّةِ أُمَرَاءُ يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ مِيتَةَ الْأَبَدَانِ، وَيُصَلُّونَ لِغَيْرِ وَقْتِهَا»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِمَ تَأْمُرُنَا؟ فَقَالَ: «صَلُّوا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، وَاجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَ الْقَوْمِ نَافِلَةً» – أخرج نحوه مسلم في «صحيحه» (648) – وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ أَمَاتَ الصَّلَاةَ، وَفَعَلَهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا غَيْرُ عَدْلٍ، وَقَدْ أَذِنَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – بِالصَّلَاةِ خَلْفَهُ نَافِلَةً، وَلَا فَرْق بَيْنهَا وَبَيْنَ الْفَرِيضَةِ فِي ذَلِكَ». اهـ
ومن الأدلة على عدم جواز الخروج على الأئمة: أننا عند استعراضنا للفتن التي قامت في التاريخ الإسلامي الأَوَّل؛ نجد أنها لم تُؤْتِ الثمارَ المَرْجُوَّةَ من قيامها، بل بالعكس قد أَدَّتْ إلى فتن وفُرقة بين المسلمين، لا يَعْلَمُ عِظَمَ فسادها إلا الله -تعالى ذِكْرُه-.
يقول العلامة المعلمي –ؒ-: «ومن كان يَكْرَهُهُ يرى أنه شَقٌّ لعصا المسلمين، وتفريقٌ لكلمتهم، وتشتيتٌ لجماعتهم، وتمزيقٌ لوحدتهم، وشَغْلٌ لهم بِقَتْلِ بعضِهم بعضًا؛ فَتَهِنُ قوتُهم، وتَقْوَى شَوْكَةُ عَدُوِّهِم، وتتعطَلُ ثُغُورُهُم؛ فيستولي عليها الكفار، ويَقْتُلُون من فيها من المسلمين، ويُذِلُّونَهم، وقد يَسْتَحْكِمُ التنازعُ بين المسلمين؛ فتكون نتيجته الفشل المُخْزِي لهم جميعًا.
وقد جرَّب المسلمون الخروج فلم يروا منه إلا الشر:
1- خَرَجَ الناسُ على عثمان، يَروْن أنهم يريدون الحق.
2- ثم خرج أهلُ الجَمَلِ، يرى رؤساؤهم ومُعْظَمُهم أنهم إنما يَطْلُبُون الحق، فكانت ثمرةَ ذلك بعد اللُّتَيَّا والتي: أن انقطعتْ خلافةُ النبوة، وتأَسَّسَتْ دولةُ بني أمية.
3- ثم اضْطُّر الحسينُ بن علي إلى ما اضْطُّرَّ إليه؛ فكانت تلك المأساة.
4- ثم خَرَجَ أهلُ المدينة؛ فكانت وَقْعَةُ الحرَّة.
5- ثم خَرَجَ القرَّاء مع ابن الأشعث؛ فماذا كان؟!!
6- ثم كانت قضيةُ زيد بن علي، وعَرَضَ عليه الروافضُ أن ينصروه على أن يتبرأ من أبي بكر وعمر؛ فخذلوه، فكان ما كان». اهـ([324])
وذكر المعلمي -ؒ- «أن أَوْلَى الناس بالصواب: مَنِ اعْتَبَرَ بالتاريخ، وكان كثير المخالطة للناس، والمباشرة للحروب، والمعرفة بأحوال الثغور». اهـ
ما نُقِلَ من الإجماع على حُرْمَةِ الخروج على الأئمة وإن جاروا:
فقد أَجْمَعَ أهلُ السنة والجماعة على حُرْمَة الخروج عن طاعة ولي الأمر، وأَمَروا بالصبرِ على جَوْرِهِ وفِسْقِهِ؛ توقِّيًا للفتن وإراقة الدماء، إلا إن دعا إلى كُفْرٍ بواحٍ؛ فلا تجوز طاعته في ذلك، بل تجب مجاهدته لمن قَدَر عليها، دون مفسدة أكبر.
ولقد ذَكَر هذا الإجماعَ في عدم الخروج على الإمام الظالم الجائر الفاسق جَمْعٌ من العلماء:
فقد قال أبو الحسن الأشعري – ؒ – في «رسالة إلى أهل الثغر بباب الأبواب»([325]):«وأجمعوا على السمع والطاعة لأئمة المسلمين، وعلى أن كُلَّ من وَلِيَ شيئًا من أمورهم عن رَضًى أو غَلَبَةٍ، وامتدتْ طاعَتُهُ مِنْ بَرٍّ وفَاجِرٍ؛ لا يَلْزَمُ الخروجُ عليهم بالسيف: جار أو عَدَلَ، وعلى أن يَغْزوا معهم العدوَّ، ويَحُجَّ معهم البيتَ، وتُدْفَعَ إليهم الصدقاتُ إذا طلبوها، ويُصَلَّى خلفهم الجُمَعُ والأعيادُ». اهـ
وقال ابن بطة –ؒ– في «الإبانة الصغرى»([326]): «وقد أجمعتْ العلماءُ من أهل الفقه والعلم والنُّسَّاك والعُبَّاد والزُهَّاد من أول هذه الأمة إلى وقتنا هذا: أن صلاة الجمعة والعيدين ومنى وعرفات والغزو مع كل أمير بر وفاجر…والسمع والطاعة لمن ولَّوْهُ وإن كان عبدًا حبشيًا إلا في معصية -الله تعالى-؛ فليس لمخلوق فيها طاعة». اهـ
وقال الحافظ ابن عبد البر- ؒ– في «الاستذكار»([327]): «و أما جماعةُ أهل السنة و أئمتُهُم فقالوا: هذا هو الاختيار: أن يكون الإمام فاضلًا عالمًا عادلًا محسنًا قويًا على القيام بما يلزمه في الإمامة، فإن لم يَكُنْ: فالصبر على طاعة الإمام الجائر أَوْلَى من الخروج عليه؛ لأن في منازعته من الخروج عليه استبدالَ الأمن، و إراقةَ الدماء، و انطلاقَ أيدي الدهماء، و تَبْيِيتَ الغارات على المسلمين، و الفسادَ في الأرض، و هذا أَعْظَمُ من الصبر على جور الأئمة». اهـ.
وقال الإمام النووي –ؒ– (676 هـ)([328]): «وأما الخروجُ عليهم _ يعني الولاة _ وقتالُهم؛ فحرامٌ بإجماع المسلمين، وإن كانوا فَسَقَةً ظالمين، وقد تَظَاهَرَتْ الأحاديثُ بمعنى ما ذكرتُه، وأَجْمَعَ أهلُ السنةِ أنه لا يَنْعَزِل السلطانُ بالفسق، ثم قال: وسببُ عدمِ انعزالهِ وتحريمِ الخروجِ عليه؛ ما يَتَرَتَّبُ على ذلك: من الفِتَن، وإراقةِ الدماء، وفسادِ ذاتِ البين، فتكون المَفْسَدَةُ في عَزْلِهِ أَكْثَرَ منها في بقائه».
ونَقَلَ –ؒ– عن القاضي عياض –ؒ– قولَهُ: «وقال جماهير أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين: لا يَنْعَزِلُ بالفسق والظلم، وتعطيل الحقوق، ولا يُخْلَعُ، ولا يجوز الخروجُ عليه بذلك، بل يجب وَعْظُهُ وتخويفُه للأحاديث الواردة في ذلك، وقد ادعى أبو بكر بن مجاهد في هذا الإجماعَ، وقد رَدَّ عليه بعضُهم هذا بقيام الحسين وابن الزبير وأهل المدينة على بني أمية، وبقيام جماعةٍ عظيمة من التابعين والصدرِ الأولِ على الحجاج مع ابن الأشعث.
وحُجَّةُ الجمهورِ: أن قيامهم على الحجاج ليس بمجرد الفسق، بل لما غَيَّرَ مِنَ الشرع، وظَاهَرَ من الكفر، وقيل: إن هذا الخلاف كان أولًا، ثم حَصَلَ الإجماع على منع الخروج». اهـ([329])
🕮 🕮 🕮
الأصل السابع والعشرون:
- الصحابةُ – رضي الله عنهم – كلُّهم عدول، ومراتبهم متفاوتة في السَّبْق والفَضْل، بحَسَب الأدلة الشرعية، لا بحَسَب الهوى والتعصب والحمية الجاهلية، والأصلُ الكَفُّ عما شَجَر بينهم، وأن كثيرًا مما عَمِلُوه لهم فيه أعذارٌ، تَجْعَلُهُم لا يُحْرَمُون من الأَجْر، وما ليس فيه عُذْر –إن سَلَّمْنا به- فمغمور في كثرة حسناتهم، ومُكَفِّراتُ الذنوب كثيرةٌ، منها الحسنات الغالبة، والمصائب المُكَفِّرة، والتوبةُ الماحية، وغير ذلك.
- وعلى ذلك فأهل السنة مُجْمِعون على قبولِ أخبارهم، والتَّلَقِّي عنهم، والاستدلالِ بما رَوَوْهُ ونَقَلُوه، ونَشْر مناقبهم، والتَّرَضِّي عنهم، وكذلك فهم مُجْمِعُون على عدم الخروج عن أقوالهم واجتهاداتهم، وكل هذا يدل على رفيع مكانتهم، وعظيم منزلتهم عند أهل السنة.
🕮 🕮 🕮
الأصل الثامن والعشرون:
- من الدين محبةُ الصحابة وصالحي القرابة، واعتقادُ فَضْلِهِم وسَبْقِهِم وجهادهم، وقد ضَلَّ مَنْ عادى أي طائفة منهم، كالروافض والنواصب وغيرهما.
ومن الدين -أيضا- حُبُّ علماء السنة، الذَّابِّين عن منهج الصحابة ومن سلك مسلكهم من التابعين لهم بإحسان والثناءُ عليهم، والدفاعُ عنهم بالحق، دون تَعَصُّب أو إفراط أو تفريط، وهم أَوْلَى الناس -بعد الصحابة والقرون المفضَّلة- بسلامة الصدور عليهم؛ عملًا بقوله تعالى: ﴿ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﴾ {الحشر:10}.
يقول الخطيب البغدادي – ؒ – في «الكفاية في علم الرواية»([330]) بعد أن ذكر الأدلة على عدالة الصحابة: «والأخبار في هذا المعنى تتسع، وكلها مطابقة لما ورد في نَصِّ القرآن، وجميع ذلك يقتضى طهارةَ الصحابة، والقطعَ على تعديلهم ونزاهتهم، فلا يحتاج واحد منهم مع تعديل الله تعالى لهم المُطَّلِعِ على بواطنهم إلى تعديل أحد من الخلق….
إلى أن قال –ؒ–: هذا مذهب كافة العلماء، ومن يُعْتَدُّ بقوله من الفقهاء». اهـ
وقال النووي – ؒ -: «الصحابة كلهم عدول، من لابَسَ الفِتَنَ وغيرُهُم بإجماع من يُعْتَدُّ به». اهـ([331])
وقال الحافظ ابن كثير –ؒ– في «اختصار علوم الحديث» كما في «الباعث الحثيث»([332]): «والصحابةُ كُلُّهم عدولٌ عند أهل السنة والجماعة؛ لِما أَثْنَى الله عليهم في كتابه العزيز، وبما نَطَقَتْ به السنةُ النبويةُ في المدح لهم في جميع أخلاقهم وأفعالهم، وما بذلوه من الأموال والأرواح بين يدي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – رغبةً فيما عند الله من الثواب الجزيل، والجزاء الجميل». اهـ.
وقال ابن الملقن –ؒ– في «المقنع في علوم الحديث»([333]): «للصحابة بأَسْرِهِم خَصِيصَةٌ، وهي: أنه لا يُسْأَل عن عدالة أحد منهم، بل ذلك أَمْرٌ مفروغ ٌمنه؛ لكونهم على الإطلاق مُعَدَّلين بنصوص الكتاب والسنة، وإجماع من يُعْتَدُّ به…
إلى أن قال -ؒ- بعد أن ساق بعض النصوص في الثناء عليهم-: «ثم إن الأمة مُجْمِعَةٌ على تعديل جميع الصحابة، ومن لابَسَ الفتن منهم كذلك، بإجماع العلماء الذين يُعْتَدّ بهم في الإجماع؛ إحسانًا للظن بهم، ونظرًا إلى ما تَمهّدَ لهم من المآثر، وكأنَّ الله تعالى أتاح الإجماعَ على ذلك؛ لكونهم نَقَلَةَ الشريعة». اهـ
ولهذا عَدَّ العلماء قديمًا أن الطعن في أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ورضي الله عنهم – علامةُ أَهْلِ البدع والزنادقة، الذين يريدون إبطال الشريعة بِجَرْحِ رُواتها.
قال الإمام أبو زرعة الرازي –ؒ-: «إذا رأيتَ الرجلَ ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم -؛ فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – عندنا حق، والقرآنَ حق، وإنما أَدَّى إلينا هذا القرآنَ والسننَ أصحابُ رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وإنما يريدون أن يَجْرَحُوا شُهُودَنا؛ لِيُبْطِلُوا الكتابَ والسنةَ، والجرحُ بهم أَوْلَى، وهم زنادقة»([334]).
وعن الإمام أحمد –ؒ– أنه قال: «إذا رأيت رجلًا يَذْكُر أحدًا من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بسوء؛ فَاتَّهِمْه على الإسلام»([335]).
وقال الإمام البربهاري –ؒ– في «شرح السنة»([336]): «واعلم أن من تناول أحدًا من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم -؛ فاعلم أنه إنما أراد محمدًا، وقد آذاه في قبره».
🕮 🕮 🕮
الأصل التاسع والعشرون:
- لا نَسْخَ في الأخبار، ولا في أصول الدين؛ فالشريعة خَبَرٌ وأَمْرٌ أو خَبَرُ طَلَبٌ، والخبر ما يَقْبل التصديق وغيره، ويكون في الماضي والمستقبل، فالواجب تصديقُ ما أخبرتْ به الشريعةُ مطلقًا، ومن ذلك: ما أخبر الله –جلّ شأنه وتعالى وتقدّس- به عن ذاته وصفاته وأفعاله، ومن ذلك أيضا: أخبارُ الأممِ الماضية، وما سيأتي في آخر الزمان، وفي يوم القيامة، وحالُ أهل الجنة في الجنة، وأهلِ النار في النار، والوعدُ والوعيدُ، إلا أن الله — يَعْفُو عن بعض مَنْ حَقَّ عليهم الوعيد تفضُّلًا منه ورحمةً، لا أن ذلك من باب النسخ، وأما الطلبُ فيشمل الأمرَ والنهيَ، والواجبُ الإتيانُ بما أَمَرتْ به الشريعة، والانتهاءُ عما نَهَتْ عنه، والنسخُ إنما يَدْخُل في ذلك، إلا ما تَعَلَّق منه بأُصول الدين، والكليات العامة؛ فلا نَسْخَ فيها؛ فإن النَّسْخَ إنما يكون في الجزئيات المتوسَّل بها إلى تحقيق المقاصد، وجائزٌ تبديلُ وسيلةٍ بأخرى بما يناسب حالَ المسلمين –قُوةً وضعفًا، وتَشْدِيدًا وتَخْفِيفًا- عند نزول الوحْي، وأما الكليات والمقاصد فثابتة مستقرة.
قال شيخ الإسلام –ؒ– في «درء تعارض العقل والنقل»([337]): «وكتاب الله نوعان: خبر وأمر، كما تقدم.
أما الخبر فلا يجوز أن يتناقَضَ، ولكن قد يُفَسِّرُ أحدُ الخبريْن الآخرَ، ويُبَيِّنُ معناه.
وأما الأمر فيدخله النسخ، ولا يُنْسَخُ ما أَنْزَلَ الله إلا بما أَنْزَلَ الله، فمن أراد أن يَنْسَخَ شرع الله، الذي أنزله برأيه وهواه؛ كان مُلْحِدًا، وكذلك من دَفَعَ خبر الله برأيه ونظره؛ كان مُلْحِدًا». اهـ
وقال الإمام ابن القيم –ؒ– في «أحكام أهل الذمة»([338]): «مَنْ أَخْبَرَ عَنْ شَيْءٍ، ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْهُ بِخِلَافِ ذَلِكَ؛ كَانَ مُكَذِّبًا لِنَفْسِهِ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا عَلَى رَسُولِهِ – صلى الله عليه وسلم -؛ لِأَنَّ مَنْ قَالَ: «سَمِعْتُ كَذَا، أَوْ رَأَيْتُ كَذَا»، ثُمَّ قَالَ بَعْدُ: لَمْ يَكُنْ مَا أَخْبَرْتُ أَنِّي سَمِعْتُهُ وَرَأَيْتُهُ، أَوْ أَخْبَرَ أَنَّ شَيْئًا سَيَكُونُ، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ؛ فَقَدْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ فِيمَا أَخْبَرَ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَخْبَرَ بِمَا لَا يَعْلَمُهُ، أَوْ تَعَمَّدَ الْكَذِبَ، أَوْ قَالَ بِالظَّنِّ، وَكَانَ جَاهِلًا، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ظَنِّهِ.
وَلَا يُعْلَمُ أَحَدٌ يُجَوِّزُ النَّاسِخَ فِي أَخْبَارِ اللَّهِ غَيْرُ صِنْفٍ مِنَ الرَّوَافِضِ، يَصِفُونَهُ بِالْبَدَاءِ -تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا!- فَلَمْ يَزَلِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَالِمًا بِمَا يَكُونُ، وَمُرِيدًا لِمَا عَلِمَ أَنَّهُ سَيَكُونُ، لَمْ يَسْتَحْدِثْ عِلْمًا لَمْ يَكُنْ، وَلَا إِرَادَةً لَمْ تَكُنْ، فَإِذَا أَخْبَرَ عَنْ شَيْءٍ أَنَّهُ كَائِنٌ؛ فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُخْبِرَ أَبَدًا عَنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ أَنَّهُ كَائِنٌ إِلَّا وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ كَائِنٌ، وَأَرَادَ أَنْ يَكُونَ، وَهُوَ الْفَاعِلُ لِمَا يُرِيدُ، الْعَالِمُ بِعَوَاقِبِ الْأُمُورِ، لَا تَبْدُو لَهُ الْبَدَوَاتُ، وَلَا تَحِلُّ بِهِ الْحَوَادِثُ، وَلَا تَعْتَقِبُهُ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ». اهـ
🕮 🕮 🕮
الأصل الثلاثون:
- ظواهرُ النصوصِ مطابقةٌ لمراد الشارع، والألفاظُ قوالبُ المعاني، والأَصْلُ أن مراد المُتَكَلِّم يُؤْخَذُ من ظاهر كلامه، إلا لدليل يَصْرِفه، فعند ذلك يقال: ظاهره غير مراد، أو عامٌّ مَخْصُوصٌ، أو عامٌّ أُريد به الخُصُوصُ، أو غير ذلك، بخلاف الفلاسفة والمتكلمين الذين يَصْرِفُون الكلام الـمُحْكَم عن ظاهره المُجْمَعِ عليه بلا دليل يُعْتَمد عليه؛ بل لوسَاوِسَ يزعمون أنها عقليات، والأصلُ العملُ بالظاهر والمعنى المتبادَرِ من اللفظ؛ لأن الأصل توافُقُهما.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية –ؒ –: «لم يكن في الصحابة مَنْ تَأَوَّل شيئًا من نصوصه -أي نصوص الوحي -على خلاف ما دَلَّ عليه، لا فيما أخبر به الله عن أسمائه وصفاته، ولا فيما أخبر به عما بعد الموت -يعني الأمور الغيبية-..». اهـ([339])
وقال –ؒ– كما في «مجموع الفتاوى»([340]): «إن الصحابة والتابعين لم يمتنع أحد منهم عن تفسير آية من كتاب الله، ولا قال: هذه من المتشابه الذي لا يُعْلَم معناه، ولا قال قط أحد من سلف الأمة، ولا من الأئمة المَتْبُوعين: إن في القرآن آياتٍ لا يُعْلَم معناها، ولا يَفْهَمُها رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- ولا أهلُ العلم والإيمان جميعُهم، وإنما قد يَنْفُون عِلْمَ بعضِ ذلك عن بعض الناس، وهذا لا ريب فيه». اهـ
وقال الحافظ الذهبي –ؒ– في «العلو»([341]): «قال سفيان وغيره: قراءتها -أي آيات الصفات- تفسيرها، يعني أنها بَيِّنَةٌ واضحةٌ في اللغة، لا يُبْتَغَى بها مضايقُ التأويل والتحريف».
وقال ابن الوزير –ؒ– في «إيثار الحق»([342]): «من النَّقْصِ في الدين: رَدُّ النصوص والظواهر، ورَدُّ حقائقها إلى المجاز، من غير طريق قاطعة تدل على ثبوت الموجِب للتأويل..». اهـ
وقال العلامة ابن عثيمين –ؒ– في «القواعد المُثْلى»([343]): «وهذه القاعدة تفيد بطلان مذهب المُفَوِّضَة في الصفات، الذين يُفَوِّضُون معانيَ النصوص إلى الله، مُدَّعِين أن هذا هو مذهبُ السلف، وقد عُلِمَ براءةُ مذهب السلف من هذا المذهب؛ بتواتر الأخبار عنهم بإثبات معاني هذه النصوص على الإجمال والتفصيل، وإنما فَوَّضُوا العِلْم بكيفيتها، لا العلم بمعانيها».
والناس في ذلك على ثلاثة أصناف:
أ- من يوافق في اللفظ والمعنى، وهم أَسْعَدُ الناس بالنصوص: وهم أهلُ السنة والجماعة.
ب- من يوافق في اللفظ ويخالف في المعنى: كالباطنية، وغلاة الرافضة في تفسيرهم القرآن والأحاديث، والحقيقة أنهم يتظاهرون بالموافقة لأهل السنة في اللفظ، وإلا فأئمتهم ومُؤَسِّسُو مذهبهم، لا يَرَوْنَ صِحَّةَ هذا كُلِّه، إنما يستدلون بما يظنونه مُؤَيِّدًا لِبِدْعَتِهِم؛ ليشغّبوا بها على أهل السنة.
جـ- من يوافق في المعنى ويخالف في اللفظ، كنفاة الجسم والحيِّزِ والجهة، فقد يكون لهم مَقْصَد حَسَنٌ، لكن يستعملون في ذلك عباراتٍ مُحْدَثَةً ومُجْمَلَةً ومُحْتَمَلَةً.
🕮 🕮 🕮
الأصل الحادي والثلاثون:
- إن كنتَ ناقلًا فالصِّحَّةَ، أي الْزَمْ النقلَ الصحيح، وكما قيل: ثَبِّتِ العرشَ ثم انْقُشْ، وإذا كنتَ مدّعيًا فالدليل، أي فأبرزْ دليلك على دعواك، كما قال –جلّ ذِكْره-: ﴿ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﴾ {البقرة:111}، فهذا عام في كل دعوى، لابد من تصديقها بالدليل، وقال -سبحانه وتعالى-: ﴿ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﴾ {الأحقاف:4} فطالَبَهُم بالدليل العقلي ثم النقلي([344]).
فكل دعوى لابد فيها من إقامة الدليل عليها، وإلا كانت مجرد دعوى خَلِيَّةً عن البرهان، والدليل إما أن يكون نقليًا أو عقليًا، والمطلوب في النقلي تحرير صحته، وفي العقلي إظهارُ صراحَتِهِ، وبيانُ حُجَّتِهِ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية –ؒ-: ««فالكتاب» هو الكتاب – أي: جنس الكُتب المنزلة من عند الله – «والأثارةُ» كما قال من قال من السلف: هي الرواية والإسناد. وقالوا: هي الخط أيضًا، إذ الرواية والإسناد يُكْتَبُ بالخط، وذلك لأن «الأثارة» من الأثر، فالعلم الذي يقوله من يُقْبَل قولُهُ يُؤْثَرُ بالإسناد, ويُقَيَّد ذلك بالخَطِّ، فيكون ذلك كله من آثاره». اهـ([345])
ومن هنا قال علماء أدب البحث والمناظرة: «إن كنت ناقلًا فالصحة، أو مُدَّعِيًا فالدليل»([346]).
ولهذا تجد كثيرًا من أهل البدع يستدل على بدعته: إمَّا بِنَقْلٍ ضعيفٍ أو موضوعٍ، أو دلالةٍ ضعيفة، أو بعقلٍ فاسد.
فالشيعة الرافضة يَكْثُر عندهم الاستدلال بالنقول الموضوعة والمنكرة الباطلة، وكذلك الدلالة الضعيفة، ويشاركهم في ذلك طوائف من غلاة المتصوفة.
أما أهل الفلسفة والكلام: فيَكْثُر عندهم الاستدلالُ بالأقيسة العقلية الفاسدة، أو الاحتمالات والتجْويزات([347]).
🕮 🕮 🕮
الأصل الثاني والثلاثون:
- أَهْلُ السنة أَهْلُ بَحْثٍ عن الحق، وإنصاف له ولأهله، ويَظْهَر ذلك منهم في أمور كثيرة، منها: إظهارُ أهلِ السنة ما لَهُمْ، وما ظاهِرُهُ أنه ضِدُّهم وعليهم من أدلة، دون كتمان ما ظاهِرُهُ أنه عليهم، ومنها: التوفيقُ بين الأدلة الصحيحة، ومنها: أنهم لا يُجيزون بَتْرَ الدليل والاستدلالَ بجزئه، أو إهمالَ السياق، والسِّياق واللِّحاق، فقد روى الآجُرِّيُّ وغيره عن أبي مودود أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ قَالَ: «لَا تُخَاصِمُوا هَذِهِ الْقَدَرِيَّةَ، وَلَا تُجَالِسُوهُمْ؛ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يُجَالِسُهُمْ رَجُلٌ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ فِقْهًا فِي دِينِهِ، وَلَا عِلْمًا فِي كِتَابِهِ؛ إِلَّا أَمْرَضُوهُ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوَدِدْتُ أَنَّ يَمِينِي هَذِهِ تُقْطَعُ عَلَى كِبَرِ سِنِّي، وَأَنَّهُمْ أَتَّمُّوا آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَكِنَّهُمْ يَأْخُذُونَ بِأَوَّلِهَا وَيَتْرُكُونَ آخِرَهَا، وَيَأْخُذُونَ بِآخِرِهَا وَيَتْرُكُونَ أَوَّلَهَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَإِبْلِيسُ أَعْلَمُ بِاللَّهِ تَعَالَى مِنْهُمْ؛ يَعْلَمُ مَنْ أَغْوَاهُ – يعني قوله لله جل شأنه: ﴿ﮅ ﮆ ﮇ﴾ {الحجر:39}-، وَهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُغْوُونَ أَنْفُسَهُمْ وَيُرْشِدُونَهَا»([348])..
ولما قرأ غيلان القدري الدمشقي قوله تعالى: ﴿ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ﴾ { الإنسان:2-3} قال عمر بن عبد العزيز: اقرأ آخر السورة ﴿ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ﴾ {الإنسان:31}، ثم قال عمر: ما تقول يا غيلان؟ قال: قد كنتُ أَعْمَى فَبَصَّرْتَني، وأَصَمَّ فَأَسْمَعْتَني، وضالًّا فَهَدَيْتَني، فتاب، ثم رجع إلى مقالته في عهد هشام بن عبد الملك؛ فَصَلَبه([349]). اهـ.
🕮 🕮 🕮
الأصل الثالث والثلاثون:
- الحَقُّ عند الرجل من أهل السنة الصافية يُقْبَلُ من أي جهة جاء أو جِيءَ به؛ لأن الحق ضَالَّةُ المؤمن، فَيقْبَلُه من العدو والصديق؛ إذْ محبتُهُ للحق مَقْصَدٌ، وبُغْضُهُ للمخالف وسيلةٌ، والمقاصد أهم من الوسائل، كما قال تعالى: ﴿ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﴾ {المائدة:8}، وقد قال تعالى حاكيًا عن مَلِكَةَ سبأ: ﴿ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﴾ {النمل:34} فقال –جلّ شأنه- مُصَدِّقًا ذلك: ﴿ﯼ ﯽ ﯾ ﴾ {النمل:34} وفي الحديث: «صَدَقَكَ، وهو كَذُوبٌ».
أما من يَقْبَلُ من مُوَافِقِهِ كلَّ شيء، ويَرُدُّ على مخالِفِهِ كلَّ شيء؛ فقد سَلَكَ مَسْلَكَ أهل البدع والحزبية والحميَّة الجاهلية.
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ، فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ؛ فَأَخَذْتُهُ، وَقُلْتُ: وَاللَّهِ، لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، قَالَ: إِنِّي مُحْتَاجٌ، وَعَلَيَّ عِيَالٌ، وَلِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ، قَالَ: فَخَلَّيْتُ عَنْهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ البَارِحَةَ؟»، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً، وَعِيَالًا؛ فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ، وَسَيَعُودُ»، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- إِنَّهُ سَيَعُودُ؛ فَرَصَدْتُهُ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ؛ فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، قَالَ: دَعْنِي؛ فَإِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ، لاَ أَعُودُ، فَرَحِمْتُهُ؛ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً، وَعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ؛ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ، وَسَيَعُودُ»، فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ؛ فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَهَذَا آخِرُ ثَلاَثِ مَرَّاتٍ، أَنَّكَ تَزْعُمُ لاَ تَعُودُ؛ ثُمَّ تَعُودُ، قَالَ: دَعْنِي أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ؛ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهَا، قُلْتُ: مَا هُوَ؟ قَالَ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ؛ فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ: ﴿ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﴾ {البقرة:255}، حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ؛ فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلاَ يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ؛ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: «مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ البَارِحَةَ؟»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهَا؛ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: «مَا هِيَ»؟، قُلْتُ: قَالَ لِي: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ؛ فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ: ﴿ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﴾ {البقرة:255}، وَقَالَ لِي: لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلاَ يَقْرَبَكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ – وَكَانُوا أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الخَيْرِ، – فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: «أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ، وَهُوَ كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلاَثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ»؟، قَالَ: لاَ، قَالَ: «ذَاكَ شَيْطَانٌ»([350]).
وهذه أقوال لبعض علماء السنة، تدل على النظر إلى القول ودليله، لا إلى قائله وقَبِيلِهِ الذي ينتمي إليه، فيُقْبَلُ من الأقوال ما كان حقًّا، ويُرَدُّ منها ما كان باطلا، فالحقُّ ضالةُ المؤمن، أينما وجدها أخَذَها:
[1] قال شيخ الإسلام ابن تيمية –ؒ– في «منهاج السنة»([351]): «واللهُ قد أَمَرَنا ألا نَقُولَ عليه إلا الحقَّ، وألا نَقُولَ عليه إلا بِعِلْمٍ، وأَمَرَنا بالعَدْلِ والقِسطِ؛ فلا يجوز لنا إذا قال يهوديٌّ أو نصرانيٌّ -فضلًا عن رافضيٍّ- قولًا فيه حَقٌّ؛ أن نَتْركَه، أو نَردَّه كُلَّه، بل لا نَرُدُّ إلا ما فيه من الباطل، دون ما فيه من الحق…..»
إلى أن قال –ؒ–: «ويَرَوْنَ -أي أهل الكلام والبدع- أنه يجوز مقابلةُ الفاسدِ بالفاسدِ، لكن أئمةَ السنةِ والسلفِ على خلاف هذا، وهم يَذُمُّون أهلَ الكلامِ الْمُبْتَدَعِ، الذين يَرُدُّون باطلًا بباطل، وبدعةً ببدعةٍ، ويَأْمُرون -أي أهل السنة- ألا يقولَ الإنسانُ إلا الحقَّ؛ لا يَخْرُجَ عن السنة في حال من الأحوال، وهذا هو الصواب الذي أَمَرَ اللهُ تعالى به ورسولُهُ، ولهذا لم نَرُدَّ ما تقولُهُ المعتزلة والرافضةُ مِنْ حَقٍّ؛ بل قَبِلْنَاه؛ لكنْ بَيَّنَّا أن ما عابوا به مخالفيهم من الأقوال؛ ففي أقوالهم من العيب ما هو أَشَدُّ من ذلك……» إلى آخر ما قاله -ؒ-.
فتأمل -أخي القارئ- نقْل هذا الإمام الهُمامِ عن أئمة السنة والسلف قبولَهُم الحقَّ من أي رجلٍ كان، فهل تجد بعد ذلك ارتيابًا في أن منهج أئمة السلف في هذا الأمر على خلاف ما عليه كثير ممن ينتمون إلى السلفية اليوم، وهم بين إفراط وتفريط، فإن أحبُّوا رجلًا؛ أخَذُوا قولَه كلَّهُ-بل تعصَّبوا له- وضيّعوا في سبيل ذلك حقوقَ الآخرين المخالفين لهم من أهل الهدى والسداد، وإذا كرَهِوُا رجلًا -وقد يكونون ظالمين له في كراهيتهم إياه؛ بل هذا هو الغالب عليهم-؛ ردُّوا كلَّ ما يقولُ، وغَاصُوا في نِيَّتِهِ وضَميرِهِ وقَصْدِهِ، وقالوا: لا تُصَدِّقوه وإن قال هذا القول؛ فما يريد من وراء ذلك إلا إفسادَ الدين، والتمويهَ والتضليلَ… إلى غير ذلك من التقوّل على عباد الله بغير علْم ولا هُدًى ولا كتاب منير!!
وإذا كانوا كذلك؛ فلا تَغْتَرَّ بقولهم: نحن نَتَّبِعُ الدليلَ، ولا نَتَعَصَّبُ للرجال، وكُلٌّ يُؤْخَذُ من قوله ويُرَدُّ إلا رسولُ الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- فو الله، لقد رأينا من حال بعضِهم حزْبيّة وعصبيّةً أشَدَّ مما ينكرونه على كثير من المخالفين من حزبيات، وأما نحن فَنَرُدُّ التعصبَ والتحزبَ المخالِفَيْن للحق من هؤلاء وأولئك، ونسأل الله البصيرة والثبات على الحق حتى الممات.
وقال شيخ الإسلام –ؒ– أيضًا([352]): «ونحن إنما نَرُدُّ من أقوال هذا وغيره ما كان باطلًا، وأما الحق؛ فعلينا أن نَقْبَلَه من كل قائلٍ…..» اهـ.
.. وفي «مجموع الفتاوى»([353]) ذكر -ؒ- بعضَ شطحاتِ الصوفيةِ، والمرادُ بالصوفية في هذا المقام: الذين اشتغلوا برياضةِ نفوسِهِم وتهذيبِهَا، ولم يَسْلُكوا في ذلك الْمَسْلَكَ الصافي، الذي كان عليه الصحابةُ وأئمةُ السلف، بل بعضُهم وَصَلَ به الأمر إلى أنْ قال بمقالة الاتحادية!!! فَضَلّوا في ذلك، وهم يَحْسَبُون أنهم يُحْسِنُون صُنْعًا، وليس الكلام هنا على الصوفية القبورية الوثنية، وإن كان كثير من ذلك يقع منهم عن جَهْل، فذكر -ؒ- أن الناس فيهم ثلاثةُ أصناف: صِنْفٌ ردُّوا كل ما عندهم مِنْ حَقٍّ وباطلٍ، وصِنْفٌ قَبِلُوا كُلَّ ما عندهم، والصِّنْفُ الثالثُ فَصَّلوا في أَمْرِهِم، ثم قال -ؒ-: «والصواب: إنما هو الإقرارُ بما فيها -أي في طريقتهم وأقوالهم- وفي غيرها من موافقة الكتاب والسنة، والإنكارُ لما فيها وفي غيرها من مخالفة الكتاب والسنة…..» اهـ([354]).
وقال شيخ الإسلام –ؒ– أيضا في «الحموية»([355]): «ولْيَعْلَم السائل: أن الغرض من هذا الجواب: ذِكْرُ ألفاظِ بعضِ أئمةِ العلماءِ، الذين نَقَلُوا مذهبَ السلفِ في هذا الباب، وليس كُلُّ مَنْ ذَكَرْنا شيئًا من قولِهِ من المتكلمين وغيرهم؛ نقول بجميع ما يقوله في هذا وغيره، ولكن الحَقَّ يُقْبَلُ مِنْ كل مَنْ تَكَلَّم به….» اهـ.
وقال شيخ الإسلام –ؒ– أيضًا كما في «مجموع الفتاوى»([356]): «والصوابُ: الإقرارُ بما فيها -يعني طريقة بعض المنتسبين للتصوف- وفي غيرها من موافقة الكتاب والسنة، والإنكارُ لما فيها وفي غيرها من مخالفة الكتاب والسنة…». اﻫ
[2] وقال الإمام ابن القيم -رحمة الله عليه- في «مدارج السالكين»([357]) بعد أن ذَكَرَ بعضَ شطحات المخالفين: «وهذه الشطحاتُ أَوْجَبَتْ فتنةً على طائفتين من الناس: إحداهما: حُجِبَتْ بها عن محاسنِ هذه الطائفة، ولُطْفِ نُفُوسِهِم، وصِدْقِ معامَلَتِهِم؛ فَأَهْدَرُوها لأجل هذه الشطحات، وأنكروها غايةَ الإنكارِ، وأساؤوا الظنَّ بهم مُطْلقًا، وهذا عدوانٌ وإسرافٌ، فلو كان كُلُّ من أخطأ أو غَلِطَ، تُرِكَ جملةً، وأُهْدِرَتْ محاسِنُهُ؛ لَفَسَدَتْ العلومُ والصناعاتُ والحِكَمُ، وتَعَطَّلَتْ مَعَالِمُها….ثم ذَكَرَ -ؒ- الطائفَةَ التي قَبِلَتْ كُلَّ ما عند المخالفين، وسَمَّاهم مُعْتَدِين مُفَرِّطين، ثم قال-ؒ-: «والطائفةُ الثالثةُ: وهم أهلُ العدلِ والإنصافِ، والذين أَعْطَوْا كُلَّ ذي حقِّ حَقَّهُ، وأَنْزَلُوا كُلَّ ذي منْزلةٍ منْزلتَهُ؛ فلم يَحْكُمُوا للصحيحِ بحُكْم السقيمِ الْمَعْلُولِ، ولا للمَعْلُول السقيمِ بحُكْمِ الصحيح، بل قَبِلُوا ما يُقْبَل، وردُّوا ما يُرَدُّ…» اهـ.
وفي «الصواعق المرسلة»([358]) قال –ؒ-: «الفصل الثاني والعشرون: في أنواعِ الاختلافِ الناشئةِ عن التأويل، وانقسامِ الاختلافِ إلى محمودٍ ومذمومٍ: الاختلافُ في كتابِ الله نوعان:
أحدهما: أن يكون المختلفون كُلُّهم مذمومين، وهم الذين اختلفوا بالتأويل، وهم الذين نهانا الله سبحانه عن التشبه بهم في قوله: ﴿ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﴾ {آل عمران:105} وهم الذين تَسْوَدُّ وجوهُهُم يومَ القيامة، وهم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﴾ {البقرة:176} فَجَعَل المختلفين كُلَّهم في شِقاقٍ بعيدٍ، وهذا النوعُ هو الذي وَصَفَ الله أَهْلَهُ بالبَغْي، وهو الذي يُوجِبُ الفُرْقَةَ والاختلافَ، وفسادَ ذاتِ الْبَيْنِ، ويُوقِعُ التحزُّبَ والتبايُنَ.
والنوع الثاني: اختلافٌ يَنْقَسِمُ أَهْلُهُ إلى محمودٍ ومذمومٍ: فَمَنْ أصابَ الحقَّ؛ فهو مَحْمودٌ، ومَنْ أخطأه -مع اجتهاده في الوصول إليه- فاسْمُ الذمِّ موضوعٌ عنه، وهو مَحْمُودٌ في اجتهادِهِ، مَعْفُوٌّ عن خَطَئِهِ، وإن أَخْطَأَه مع تفريطِهِ وعدوانه؛ فهو مَذْمُومٌ.
ومن هذا النوع المنقسم قوله تعالى: ﴿ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ﴾ {البقرة:253}، وقال تعالى: ﴿ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﴾ {الشورى:10}.
والاختلاف المذموم: كثيرًا ما يكونُ مع كُلِّ فِرْقَةٍ من أهله بعضُ الحقِّ، فلا يُقِرُّ له خَصْمُهُ به، بل يَجْحَدُه إياه بغْيًا ومنافَسَةً، فَيَحْمِلُه ذلك على تسليطِ التأويلِ الباطلِ على النصوصِ التي مع خَصْمِهِ، وهذا شأنُ جميعِ المختلفين بخلاف أهل الحق؛ فإنهم يَقْبَلُون الحقَّ مِنْ كُلِّ مَنْ جاء به، فيأخذون حَقَّ جميعِ الطوائف، ويردُّون باطِلَهُم، فهؤلاء الذين قال الله فيهم:
﴿ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ﴾ {البقرة:213} فأخبر سبحانه أنه هَدَى عبادَهُ لما اخْتَلَفَ فيه الْمُخْتَلِفُون، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول في دعائه: «اللهمَّ ربَّ جبريلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ، فاطرَ السمواتِ والأرضِ، عالِمَ الغيبِ والشهادةِ، أَنْتَ تَحْكُم بين عبادِكَ فيما كانوا فيه يختلفون؛ اهْدِني لما اخْتُلِفَ فيه مِنَ الحقِّ بإِذْنِكَ؛ إنَّك تَهْدِي من تشاءُ إلى صراطٍ مستقيمٍ».
فمن هداه الله سبحانه إلى الأَخْذِ بالحق حيث كان، ومع من كان -ولو كان مع من يُبْغِضهُ ويعَادِيهِ-، ورَدِّ الباطلِ مع مَنْ كان -ولو كان مع من يحبه ويواليه- فهو ممن هُدِيَ لِمَا اخْتُلِفَ فيه من الحقِّ، فهذا أعْلَمُ الناس وأهداهم سبيلا، وأقْوَمُهم قيلا، وأهْلُ هذا الْمَسْلَكِ إذا اختلفوا؛ فاختلافُهُم اختلافُ رحمةٍ وهدًى، يُقِرُّ بعضُهم بعضًا عليه ويواليه ويناصره، وهو داخِلٌ في بابِ التعاونِ والتناظُرِ، الذي لا يَسْتَغْني عنه الناسُ في أمور دينهم ودنياهم، بالتناظر والتشاور، وإعْمَالِهِم الرأْيَ، وإِجَالَتِهِم الفِكْرَ في الأسبابِ الموصِّلةِ إلى دَرَكِ الصواب، فيأتي كل منهم بما قَدَحَهُ زِنادُ فِكْرِه، وأَدْرَكه قوةُ بصيرتِهِ، فإذا قُوبِل بين الآراءِ المختلِفة، والأقاويلِ المتباينةِ، وعُرِضَتْ على الحَاكِمِ الذي لا يَجُورُ، وهو كتابُ الله وسنةُ رسوله، وتَجَرَّد الناظرُ عن التعصُّب والحَمِيّة، واسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ، وقَصَدَ طاعةَ اللهِ ورسولِهِ؛ فَقَلَّ أن يَخْفَى عليه الصوابُ من تِلْكَ الأقوالِ وما هو أَقْرَبُ إليه، والخطأُ وما هو أَقْرَبُ إليه؛ فإن الأقوالَ المختلفةَ لا تَخْرُجُ عن الصوابِ وما هو أَقْرَبُ إليه، والخطأ وما هو أَقْرَبُ إليه؛ ومراتبُ القُرْبِ والبُعْدِ متفاوتَةٌ.
وهذا النوع من الاختلاف: لا يُوجِبُ معاداةً، ولا افتراقًا في الكلمة، ولا تبديدًا للشَّمْلِ؛ فإن الصحابة -رضي الله عنهم – اختلفوا في مسائل كثيرة من مسائل الفروع: كالجَدِّ مع الإخوة….«وذكر -ؒ- أمثلة كثيرة لما اخْتَلَفَ فيه الصحابةُ من مسائل الفروع، ثم قال: «فلم يَنْصِبْ بعضُهم لبعضٍ عداوةً، ولا قَطَع بينه وبينه عِصْمةً، بل كانوا كلٌّ منهم يجتهد في نَصْرِ قولِهِ بأقْصَى ما يَقْدِرُ عليه، ثم يرجعون بعد المناظرة إلى الأُلْفَةِ والمحبةِ والمصافاةِ والموالاةِ، من غير أن يُضْمِرَ بعضُهم لبعضٍ ضَغْنًا، ولا يَنْطَوِي له على مَعْتَبةٍ ولا ذَمٍّ، بل يَدُلُّ المستفتيَ عليه مع مخالفته له، ويَشْهَدُ له بأنه خَيْرٌ منه، وأَعْلَمُ منه، فهذا الاختلاف أصحابهُ بين الأجرين والأجر، وكُلٌّ منهم مُطِيعٌ لله بحسب نِيَّتِهِ واجتهادِهِ وتَحَرِّيهِ الحقَّ.
وهنا نوعٌ آخر من الاختلاف، وهو وِفَاقٌ في الحقيقة، وهو اختلاف في الاختيار والأَوْلَى، بعد الاتفاق على جواز الجميع، كالاختلاف في أنواع الأذان والإقامة…..» وذكر -ؒ- أمثلة لذلك، ثم قال: «فهذا وإنْ كان صُورتُهُ صُورَةَ اختلافٍ؛ فهو اتفاقٌ في الحقيقة».
وقال الإمام ابن القيم –ؒ– في «طريق الهجرتين»([359]): «ولولا أن المقصود ذِكْرُ الطبقات؛ لذكَرْنا ما لهذه المذاهب وما عليها، وبيَّنَّا تناقُضَ أَهْلِهَا، وما وافقوا فيه الحق، وما خالفوه، بالعلم والعدل، لا بالجهل والظلم، فإن كُلَّ طائفة منها؛ معها حَقٌّ وباطِلٌ، فالواجبُ موافَقَتُهُم فيما قالوه من الحق، ورَدُّ ما قالوه من الباطل، ومَنْ فَتَحَ اللهُ له بهذه الطريق؛ فقد فُتِحَ له من العلم والدين كُلُّ بابٍ، ويُسِّرَ عليه فيهما الأسبابُ، والله المستعان» اهـ.
وصَدَقَ الإمام ابن القيم –ؒ– فيما قال، فلقد رَأَيْنا البُؤْسَ والشقاءَ في أحوال من لم يفتح الله له بهذه الطريق -وهي قبولُ الحق من كل أحد، وردُّ الباطل على كل أحد- فأَلْقَتْ بهم السُبُلُ إلى كل مَضِيقٍ، وحُرِموا بسبب ذلك السعادةَ والتوفيقَ، الموجودَيْن في لزوم منهج أهل العلم والتحقيق -وهذا حال المتعصبين والمتحزبين لغير الحق حيثما كانوا-: فتراهم يحاربون اليوم فردًا أو طائفة، ويُشنِّعون عليهم، ويردّون كُلَّ أقوالهم، ثم ما يَلْبثون أن يختلفوا فيما بينهم، ويَرْمِي بعضُهم بعضًا بأَقْذَع الكلمات!! وهذا بسبب حرمانِهِم الفهمَ السديدَ، وعدمِ توطينِهِم أنْفُسَهم على قبول الحق من قائله، وترْك باطله؛ لأنهم إما أن يَقْبَلُوا كُلَّ قوله، أو يردُّوه كلَّه، وما من شخصٍ أو جماعةٍ إلا وعندهم حَقٌّ وباطل، وليس بعد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- رجل معصوم في كل ما يقول، وإذا كان الشيطان قد يَصْدُق في بعض ما يقول، وهو -أو قبيله- الكذوبُ الذي لعنه الله؛ فكيف بمن هو دونه؟!
إلا أن تمييز الحق من الباطل لا يتم إلا لمن له أهليةُ ذلك، ولذا فأنصح -بل يجب على كل من لا يُحْسن-: أن يَلْزَم أهلَ الحقِّ الصافي، حتى تَقْوَى شوكَتُهُ، وتَتِّسِعَ مدارِكُه، ويَسْتَبْصِرَ الطريقَ؛ كيْ لا يَنْطَلِي عليه باطلُ المنْحَرِفين، فإذا وفّقه الله — ومَنَّ عليه بهذه المنزلة، وأصبح آمنًا على نفسه من الشبهات الخطّافة؛ فَليُجَالِسْ من شاء، أو يقرأ له -إذا كان لذلك حاجةٌ شرعيةٌ، وكان ذلك أنفعَ للإسلام والمسلمين- فقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية -ؒ- يقرأ لكل الطوائف، بل كان أعلم بكلام الفِرَق وأهلها من المنتمين إليها، بل حكى -ؒ- أنه يَعْرِفُ خَطَّ الجنِّ وكتابَتَهُم، وإياك أن تَغْتَرَّ بنفسك، وتُحسِنَ بها الظَّنَّ، وترى أنك قد بَلَغْتَ هذه الرُّتبَ السَّنيةَ، وأنت لسْتَ كذلك، فَتَتَزبَّب قبل أن تَتَحَصْرَم؛ فَتَهْلِكَ مع الهالكين، وهذا حَالُ كثير من أهل زماننا، والله المستعان!!
[3] وممن صرّح بقبول الحق من قائله -وإن كان منحرفًا- الحافظُ الذهبي، فقد قال –ؒ– في «الميزان»([360]) في ترجمة أبان بن تغلب الكوفي: «شيعيٌّ جَلْد، لكنه صدوق؛ فَلَنا صِدْقُهُ، وعليه بِدْعَتُهُ» اهـ
أي نقْبل منه ما أَتْقَنَ حِفْظَه، وتَثبّتَ في نَقْله، وأما بِدْعتُه فَعَلَى نفسه، وهكذا موقف أئمة الحديث وأصحاب الصحاح والسنن والمسانيد والأجزاء، الذين يَقْبَلُون كثيرًا من روايات أهل البدع، إذا توفَّر صِدْقهم فيما رَوَوْه، ولم يرْوُوا ما يؤيِّد بِدْعَتَهم، وروايات هؤلاء مشهورة في كتب الصحاح والسنن والمسانيد والمعجمات والأجزاء بما يشقُّ حَصْرُها، مما يدل على أن منهج أهل السنة قائم على قَبولِ الحق ممن كان، وردِّ الباطلِ على من كان، لا كحال أهل العصبية والحزبية الممقوتة قبولا وردَّا، والله المستعان.
[4] وهذا المنهج قد قرره أيضًا العلامةُ السِّعْدي في تفسير سورة المائدة الآية (8) فقد قال -ؒ- في قوله تعالى: ﴿ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﴾ {المائدة:8} «أي: لا يَحْمِلَنَّكم بُغْضُ قومٍ على أن لا تَعْدِلُوا، كما يَفْعَلُه مَنْ لا عَدْلَ عنده ولا قِسْط، بل كما تَشْهَدون لِوَلِيِّكُم؛ فاشْهدوا عليه، وكما تَشْهدون على عَدُوِّكم؛ فاشْهَدوا له، ولو كان كافرًا أو مبتدعًا، فإنه يَجِبُ العدلُ فيه، وقبولُ ما يأتي به من الحق؛ لأنه حَقٌّ، لا لأنه قاله، ولا يُرَدُّ الحقُّ لأجلِ قولِهِ، فإن هذا ظُلْمٌ للحقِّ». ا ﻫـ. من «تيسير الكريم الرحمن».
(تنبيه): كثيرًا ما يكون الحقُّ الموجودُ في كلامِ أهلِ البدعِ الشنيعةِ مَشُوبًا بباطلٍ، ممتزجًا بشبهاتٍ تُزَعْزِعُ الإيمانَ في القلوب، ولا يكاد يَهْتَدِي إلى معرفتها والتمييز بينها إلا الجهابذةُ-والله أعلم بضعفنا وقِلّة تحقيقنا- ففي هذه الحالة على الضعيف أن يَحْذَر من النظر في كلامهم، والاغتراف من كتبهم أصلا، وأما القَوِيُّ فإن احْتاج إلى أَخْذ ما عندهم -بعد تمييزه- فعَل، وإذا تيسَّر له أن يأخذ الحق من السنِّي الصافي؛ فلا حاجة له في الالتفات إلى غيره، والله أعلم.
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية –ؒ– في «الاستقامة»([361]) في مَعْرِض كلامه على شطحاتِ الحسين بن منصور الحلاج الذي قُتل في الزندقة: «وهذا الكلامُ المحكيُّ عن الحلاج فيه ما هو باطلٌ، وفيه ما هو مُجْمَلٌ محتمل، وفيه ما لا يَتَحَصَّلُ له معنىً صحيحٌ، بل هو مضْطَرِبٌ، وفيه ما ليس في معناه فائدةٌ، وفيه ما هو حقٌّ، لكنَّ اتباعَ ذلك الحقِّ من غير طريقِ الحلاجِ أحسنُ، (وأسَدُّ) وأَنْفَعُ…» اهـ
🕮 🕮 🕮
الأصل الرابع والثلاثون:
- السُّكُوتُ عما سَكَتَ الله –سبحانه وتعالى- عنه، وكذا ما سَكَتَ عنه رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، وكذلك السُّكوتُ عما سَكَتَ عنه الصحابة –رضي الله عنهم – مما يُنسَب إلى أصول الدين؛ لأنهم –رضي الله عنهم – وأئمةَ التابعين وتابعيهم بعلِمٍ نَطَقُوا، وبِفِقْهٍ صَمَتُوا، فَهُم أَبَرُّ الأمة قلوبًا، وأَعْمَقُها فَهْمًا وإدْراكًا، ولو كان الكلام فيما سَكَتُوا عن الخَوْضِ فيه من أمور الدين خيرًا؛ لما سَكَتُوا عنه، فإن الدواعي متوافرة على صَدْعِهم بذلك، وصِياحِهِم به، وإن صُمَّتْ آذانُ المخالفين.
فكل مسألة من المسائل الشرعية – ولاسيما مسائل الاعتقاد- لا يُحْكَمُ فيها نَفْيًا أو إِثْبَاتًا إلا بدليل، فما وَرَدَ الدليلُ بإثباته؛ أُثْبِتَ، وما وَرَدَ بنفيه؛ نُفِيَ، وما لم يَرِدْ بإثباته ولا بنفيه دليل؛ تَوَقَّفْنَا وسَكَتْنا، ولم نَحْكُم فيه بشيء؛ لا إثباتًا ولا نَفْيًا، ولا يعني هذا أن المسألة خالية عن الدليل، بل قد يكون فيها دليل، لكن لا نعلمه، فالواجبُ التوقُّفُ: إما مطلقًا، أو لحين يوجَد الدليل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية –ؒ-: «ما لم يَرِدْ به الخبر: إن عُلِمَ انتفاؤه؛ نفيناه، وإلا سَكَتْنَا عنه، فلا نُثْبِتُ إلا بعلم، ولا نَنْفِيَ إلا بعلم… فالأقسام ثلاثة: ما عُلِمَ ثُبُوتُهُ؛ أُثْبِتَ، وما عُلِمَ انتفاؤُهُ؛ نُفِيَ، وما لم يُعْلَم نَفْيُهُ ولا إثباتُهُ؛ سُكِتَ عنه، هذا هو الواجب، والسكوت عن الشيء غير الجزم بنفيه أو ثبوته»([362]).
وقد وردت كثير من نصوص الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة والتابعين، وأئمة السلف وأهل السنة بالأمر بالكَفِّ عما لم يَرِدْ في الشرع، والسكوتِ عما سَكَتَ عنه الله ورسوله، وأَمْسَكَ عنه السلف، وتَرْكِ الخوضَ فيما لا عَلْمَ للإنسان به من دليل أو أثر.
كما قال الربُّ –تبارك وتعالى-: ﴿ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﴾ {الإسراء:36}.
قال قتادة: لا تَقُلْ: رأيتُ ولم تَرَ، وسَمِعْتُ ولم تَسْمَع، وعَلِمْتُ ولم تَعْلَم؛ فإن الله سائلك عن ذلك كله([363]).
وعن أبي هريرة –رضي الله عنه– أن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- قال: «ذَرُونِي ما تَرَكْتُكُم؛ فإنما هَلَكَ من كان قَبْلَكُم بكَثْرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أَمَرْتُكُم بشيء؛ فَأْتُوا منه ما اسْتَطَعْتُم، وإذا نَهَيْتُكُم عن شيء؛ فَدَعُوه»([364]).
وقال ابن مسعود –رضي الله عنه-: «مَنْ عَلِمَ؛ فَلْيَقُلْ، ومَنْ لم يَعْلَمْ؛ فَلْيَقُلْ: الله أعلم؛ فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: لا أعلم؛ فإن الله قال لنبيه -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: [ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ] {ص:86}»([365]).
وتَرْجَمَ الإمام البخاري –ؒ– في كتاب الاعتصام من (صحيحه): باب: ما يُكْرَهُ من كثرة السؤال، ومِنْ تَكَلُّف ما لا يَعْنِيه، وقوله تعالى: ([ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ] {المائدة:101}، وباب: ما يُذْكَر من ذم الرأي، وتَكَلُّف القياس، [ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ] {الإسراء:36}([366]).
وسأل رجل أبا حنيفة –ؒ-: ما تقول فيما أحدثه الناس في الكلام في الأعراض والأجسام؟ فقال: مقالاتُ الفلاسفة؛ عليك بالأثر وطريق السلف، وإياك وكلَّ محدثةٍ؛ فإنها بدعة([367]).
وعن أبي إسحاق قال: سألت الأوزاعي -ؒ- فقال: «اصْبِرْ نَفْسَك على السنة، وقِفْ حيث وَقَفَ القومُ، وقُلْ بما قالوا، وكُفَّ عما كَفُّوا عنه، واسْلُكْ سبيل سلفك الصالح؛ فإنه يَسَعُكَ ما وَسِعَهُم»([368]).
وقال الشعبي –ؒ-: «عليك بآثار مَنْ سَلَفَ وإنْ رَفَضَك الناسُ، وإياك وآراءَ الرجال وإن زَخْرَفوها لك بالقَوْل»([369]).
وقال أيضا –ؒ-: «ما حَدَّثُوك به عن أصحاب محمد -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- فَخُذْهُ، وما حَدَّثُوك به عن رأيهم؛ فانْبُذْه في الحُش»([370]). قلت: أي: عن رأْي أهل زمانه، أي فَخُذْ ما روَوْا لك عن الصحابة – رضي الله عنهم – ولا تأخذ بآراء من بعدهم إذا خلَتْ عن الدليل.
وقال ابن عبد الهادي –ؒ-: «ولا يجوز إِحْداثُ تأويلٍ في آية أو سُنَّة، لم يَكُنْ على عَهْدِ السلف، ولا عرفوه ولا بَيَّنوه للأمة؛ فإن هذا يتضمن أنهم -أي السلف رحمهم الله- جَهِلُوا الحَقَّ في هذا، وضَلَّوْا عنه، واهْتَدَى إليه هذا المُعْتَرِضُ المُسْتَأْخِرُ»([371]).
وقال الحافظ ابن رجب –ؒ-: «فالعلم النافع من هذه العلوم كلها: ضَبْطُ نصوص الكتاب والسنة، وفَهْمُ معانيها، والتَّقَيُّدُ في ذلك بالمأثور عن الصحابة وتابعيهم في معاني القرآن والحديث، وفيما وَرَدَ عنهم من الكلام في مسائل الحلال والحرام، والزهد والرقاق، والمعارف، وغير ذلك، والاجتهاد على تمييز صحيحه من سقيمه أولا، ثم الاجتهاد على الوقوف على معانيه، وتَفَهُّمِهِ ثانيا، وفي ذلك كِفايةٌ لمن عَقَلَ، وشُغْلٌ لمن بالعلم النافع عُنِيَ واشْتَغَل»([372]).
🕮 🕮 🕮
الأصل الخامس والثلاثون:
- عَدَمُ العلم بالدليل؛ ليس عِلْمًا بعدم وجوده، وهذا بخلاف حال الجُرآء المتهورين، الذين يُنْكِرون كل ما لا يَعْلَمُون، ومن جَهِلَ شيئًا؛ عاداه، وقد قال –سبحانه وتعالى-: ﴿ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﴾ {يونس:39}، وقال –جلّ ذِكْره-: ﴿ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﴾ {يوسف:76}.
وقد قَرَّرَ شيخُ الإسلام ابن تيمية -ؒ- هذه القاعدةَ في عددٍ من كُتبه، أثناء ردوده على المخالفين.
فمن ذلك قوله –ؒ- كما في «مجموع الفتاوى»([373]): «وَلِهَذَا كَانَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ عَرَفُوا مَا عَرَفَتْهُ الْفَلَاسِفَةُ، إذَا سَمِعُوا إخْبَارَ الْأَنْبِيَاءِ بِالْمَلَائِكَةِ وَالْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنْ لَا مَوْجُودَ إلَّا مَا عَلِمُوهُ هُمْ وَالْفَلَاسِفَةُ؛ يَصِيرُونَ حَائِرِينَ مُتَأَوِّلِينَ لِكَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى مَا عَرَفُوهُ، وَإِنْ كَانَ هَذَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لَهُمْ بِهَذَا النَّفْيِ عِلْمٌ؛ فَإِنَّ عَدَمَ الْعِلْمِ لَيْسَ عِلْمًا بِالْعَدَمِ، لَكِنَّ نَفْيَهُمْ هَذَا كَنَفْيِ الطَّبِيبِ لِلْجِنِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي صِنَاعَةِ الطِّبّ مَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْجِنِّ، وَإِلَّا فَلَيْسَ فِي عِلْمِ الطِّبِّ مَا يَنْفِي وُجُودَ الْجِنِّ، وَهَكَذَا تَجِدُ مَنْ عَرَفَ نَوْعًا مِنْ الْعِلْمِ، وَامْتَازَ بِهِ عَلَى الْعَامَّةِ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَهُ؛ فَيَبْقَى بِجَهْلِهِ نَافِيًا لِمَا لَمْ يَعْلَمْهُ، وَبَنُو آدَمَ ضَلَالُهُمْ فِيمَا جَحَدُوهُ وَنَفَوْهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَكْثَرُ مِنْ ظِلَالِهِمْ فِيمَا أَثْبَتُوهُ وَصَدَّقُوا بِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﴾ {يونس:39}». اهـ([374])
وقال –ؒ– كما في «مجموع الفتاوى»([375]): «وَإِذَا نَقَلَ عَالِمُ الْإِجْمَاعَ، وَنَقَلَ آخَرُ النِّزَاعَ: إمَّا نَقْلًا سُمِّيَ قَائِلُهُ؛ وَإِمَّا نَقْلًا بِخِلَافٍ مُطْلَقًا، وَلَمْ يُسَمَّ قَائِلُهُ؛ فَلَيْسَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ -نَقْلًا لِخِلَافٍ لَمْ يَثْبُتْ-:؛ فَإِنَّهُ مُقَابَلٌ بِأَنْ يُقَالَ: وَلَا يَثْبُتُ نَقْلُ الْإِجْمَاعِ، بَلْ نَاقِلُ الْإِجْمَاعِ نَافٍ لِلْخِلَافِ، وَهَذَا مُثْبِتٌ لَهُ، وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي، وَإِذَا قِيلَ: يَجُوزُ فِي نَاقِلِ النِّزَاعِ أَنْ يَكُونَ قَدْ غَلِطَ فِيمَا أَثْبَتَهُ مِنْ الْخِلَافِ: إمَّا لِضَعْفِ الْإِسْنَادِ؛ أَوْ لِعَدَمِ الدَّلَالَةِ؛ قِيلَ لَهُ: وَنَافِي النِّزَاعِ غَلَطُهُ أَجْوَزُ؛ فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالٌ لَمْ تَبْلُغْهُ، أَوْ بَلَغَتْهُ وَظَنَّ ضَعْفَ إسْنَادِهَا، وَكَانَتْ صَحِيحَةً عِنْدَ غَيْرِهِ؛ أَوْ ظَنَّ عَدَمَ الدَّلَالَةِ، وَكَانَتْ دَالَّةً، فَكُلُّ مَا يَجُوزُ عَلَى الْمُثْبِتِ مِنْ الْغَلَطِ؛ يَجُوزُ عَلَى النَّافِي مَعَ زِيَادَةِ عَدَمِ الْعِلْمِ بِالْخِلَافِ، وَهَذَا يَشْتَرِكُ فِيهِ عَامَّةُ الْخِلَافِ؛ فَإِنَّ عَدَمَ الْعِلْمِ لَيْسَ عِلْمًا بِالْعَدَمِ، لَا سِيَّمَا فِي أَقْوَالِ عُلَمَاءِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم- الَّتِي لَا يُحْصِيهَا إلَّا رَبُّ الْعَالَمِينَ». اهـ
🕮 🕮 🕮
الأصل السادس والثلاثون:
- الاستدلالُ القاطعُ لحجة الخصم يكون بمواضع الإجماع –نَقْلًا أو عَقْلًا- لا بموارد النزاع؛ فإن الدليلَ المتنازَعَ فيه ليس حجةً على الخَصْم، لكن إذا كان مُسَفْسِطًا يُشَكِّكُ في المُسَلَّمات؛ وكان ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﴾ {الأنفال:6} فيقال لهؤلاء المعاندين: ﴿ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﴾ {الكهف:29}، وإلا فالاستدلالُ بدليلٍ غيرِ مُجْمَعٍ عليه، أو راجحٍ –نَقْلًا أو عَقْلًا- على موضع النزاع؛ ليس له عند أهل التحقيق قَبُولٌ ولا اسْتِماع.
قال الشاطبي – ؒ – في «الموافقات»([376]): «وَوَجْهٌ خَامِسٌ: وَهُوَ أَنَّ الْقُرْآنَ قَدِ احْتَجَّ عَلَى الْكُفَّارِ بِالْعُمُومَاتِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْعُمُومَاتِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﴾ {المؤمنون:84-89 }.
فَاحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِإِقْرَارِهِمْ بِأَنَّ ذَلِكَ لِلَّهِ عَلَى الْعُمُومِ، وَجَعَلَهُمْ إِذْ أَقَرُّوا بِالرُّبُوبِيَّةِ لِلَّهِ فِي الْكُلِّ؛ ثُمَّ دَعْوَاهُمُ الْخُصُوصَ مَسْحُورِينَ لَا عُقَلَاءَ.
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﴾ {العنكبوت:61}، يَعْنِي: كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الْإِقْرَارِ بِأَنَّ الرَّبَّ هُوَ اللَّهُ بعد ما أَقَرُّوا؛ فَيَدَّعُونَ لِلَّهِ شَرِيكًا.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﴾ {الزمر:5-6}.
وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا أَلْزَمُوا أَنْفُسَهُمْ فِيهِ الْإِقْرَارَ بِعُمُومِهِ، وَجَعَلَ خِلَافَ ظَاهِرِهِ عَلَى خِلَافِ الْمَعْقُولِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْعَرَبِ الظَّاهِرُ حُجَّةً غَيْرَ مُعْتَرَضٍ عَلَيْهَا؛ لَمْ يَكُنْ فِي إِقْرَارِهِمْ بمقتضى العموم حجةٌ عليهم، لكن الأمر عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ.
وَإِلَى هَذَا؛ فَأَنْتَ تَرَى مَا يَنْشَأُ بَيْنَ الْخُصُومِ وَأَرْبَابِ الْمَذَاهِبِ مِنْ تَشَعُّبِ الِاسْتِدْلَالَاتِ، وَإِيرَادِ الْإِشْكَالَاتِ عَلَيْهَا بِتَطْرِيقِ الِاحْتِمَالَاتِ؛ حتى لا تجد عندهم بسبب ذلك دليلًا يُعْتَمَدُ: لَا قُرْآنِيًّا وَلَا سُنِّيًّا، بَلِ انْجَرَّ هَذَا الْأَمْرُ إِلَى الْمَسَائِلِ الِاعْتِقَادِيَّةِ؛ فاطَّرحوا فِيهَا الْأَدِلَّةَ الْقُرْآنِيَّةَ وَالسُّنِّيَّةَ لِبِنَاءِ كَثِيرٍ مِنْهَا عَلَى أُمُورٍ عَادِيَّةٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﴾ الْآيَةَ {الروم:28} ، وَقَوْلِهِ: ﴿ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﴾ {الأعراف:195}، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ.
وَاعْتَمَدُوا عَلَى مقدمات عقلية غير بديهيَّة وَلَا قَرِيبَةٍ مِنَ البديهيَّة، هَرَبًا مِنَ احْتِمَالٍ يَتَطَرَّقُ فِي الْعَقْلِ لِلْأُمُورِ الْعَادِيَّةِ؛ فَدَخَلُوا فِي أَشَدَّ مِمَّا مِنْهُ فرُّوا، وَنَشَأَتْ مَبَاحِثُ لَا عَهْدَ لِلْعَرَبِ بِهَا، وَهُمُ الْمُخَاطَبُونَ أَوَّلًا بِالشَّرِيعَةِ؛ فَخَالَطُوا الْفَلَاسِفَةَ فِي أَنْظَارِهِمْ، وَبَاحَثُوهُمْ فِي مَطَالِبِهِمُ الَّتِي لَا يَعُودُ الْجَهْلُ بِهَا عَلَى الدِّينِ بِفَسَادٍ، وَلَا يَزِيدُ الْبَحْثُ فِيهَا إِلَّا خَبَالًا، وَأَصْلُ ذَلِكَ كُلِّهِ الْإِعْرَاضُ عَنْ مَجَارِي الْعَادَاتِ فِي الْعِبَارَاتِ وَمَعَانِيهَا الْجَارِيَةِ فِي الْوُجُودِ.
وَقَدْ مَرَّ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ مَجَارِيَ الْعَادَاتِ قَطْعِيَّةٌ فِي الْجُمْلَةِ، وإنْ طَرَّق الْعَقْلُ إِلَيْهَا احْتِمَالًا؛ فَكَذَلِكَ الْعِبَارَاتُ؛ لِأَنَّهَا فِي الْوَضْعِ الْخِطَابِيِّ تُمَاثِلُهَا أو تُقَارِبُها». اهـ
🕮 🕮 🕮
الأصل السابع والثلاثون:
- عَدَمُ التناقض عند أهل السنة في أصول دينهم، وقواعِدِ استدلالهم؛ وذلك لِعَمَلِهِم بالشرع المُنَزَّهِ عن ذلك، والقائمِ على الجَمْعِ بين المسائل المتماثلات في المعاني، والتفرقة بين المسائل المختلفات؛ فإن الشريعة مُنَزَّهةٌ عن الجمع بين الضِّدَّيْنِ، أو التفريق بين المتماثِلَيْنِ من جميع الوجوه، بخلاف الرافضة الذين يدَّعون أنهم أَحَبُّوا القرابَةَ، وأَبْغَضُوا الصحابة، فَفَرَّقُوا بين من أوجب الله موالاتِهِم بدون مُوجِب، بل صادَمُوا الأدلَّةَ التي على خلاف ما ذهبوا إليه، وكالنواصب الذين أَحَبُّوا الصحابةَ، وأَبْغَضُوا القرابة بدون دليل، وكالخوارج الذين ساوَوْا في موجِبِ التكفير بين الكُفر والكبائر، وقد فرّق الله بينهما.
فمِمَّا ميَّز أَهْلَ السنة والجماعة: الجَمْعُ بين المتماثلات، والتفريقُ بين المختلفات، وهي خاصَّةُ العقلِ الصحيحِ, وصِفَةُ الفطرة السليمة، وعليها قامَتْ أحكامُ الشرع، فالشيء يُعْطَى حُكْمَ نظيره، ويُنْفَى عنه حُكْمُ مُخَالِفِهِ، ولا يجوز العكس بحال: وهو أن يُفَرَّقَ بين متماثلين، أو يُجْمَعَ بين مختلفين:
قال الله تعالى في ذمِّ اليهود: ﴿ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﴾ {البقرة:85}، وذلك أنهم أغفلوا حُكْم التوراة في سَفْكِ الدماء، وإخراج أنْفُسِهم من ديارهم، وأقاموه -أي حكم التوراة- في مفاداة الأسرى([377])،وكان الواجبُ عليهم إقامَتَهُ في شأنهم كله.
وقال تعالى في شأنهم -أيضًا-: ﴿ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ﴾ {البقرة:91} فكفروا برسالة محمد -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- مع ما فيها من التصديق لما معهم من التوراة والإنجيل، والجميعُ يَخْرُج من مِشْكَاةً واحدة؛ فكان الكُفر ببعض ذلك كُفرًا بالجميع، وجحدًا له([378]).
هذا في جانب التفريق بين المتماثلات، أما في جانب الجمع بين المختلفات، فقد قاس اليهودُ الربَّ -جَلَّ جلالُه- على المخلوق الضعيف القاصر العاجز، فوصفوه -سبحانه- بصفات المخلوقين، فقالوا: ﴿ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﴾ {المائدة:64}، وقالوا: ﴿ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﴾ {آل عمران:181}، وقالوا: ﴿ﮝ ﮞ ﮟ ﴾ {التوبة:30}، وفيه إثبات الصاحبة والولد، وهذا من صفات المخلوقات، ويَشْرُكُهم في ذلك النصارى القائلون: ﴿ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﴾ {التوبة:30}.
فكل من فَرَّقَ بين متماثلين، أو جَمَعَ بين مختلفين من مبتدعة المسلمين؛ يكون فيه شَبَهٌ من اليهود والنصارى، وهم أَئِمتهُ وسَلَفُهُ في ذلك:
فنفاة الصفات بعضِها أو جميعِها، أو الصفات دون الأسماء، أو الصفات والأسماء جميعًا: فَرَّقُوا بين المتماثلات؛ إذِ القولُ في بعض الصفات كالقولِ في البعض الآخر نفيًا وإثباتًا، وكذلك القولُ في الصفات كالقولِ في الأسماء، وكذلك القول في الصفات والأسماء فَرْعٌ عن القول في الذات([379]).
وهم -أيضًا- قد جمعوا بين المختلفات؛ لأنهم لم يعتقدوا التعطيلَ إلا بعد أن قامَتْ عندهم شُبْهَةُ التشبيه، ولهذا كان كل مُعَطِّلٍ مُشَبِّهًا.
ونفاةُ القَدَرِ فَرَّقُوا -أيضا- بين المتشابهات والمتماثلات مِنْ وَجْهٍ؛ حيث اعتمدوا النصوص التي تُثْبِتُ قُدْرَةَ العبد ومَشِيئَتَهُ، وأنكروا النصوصَ التي تُثْبِتُ قُدْرَةَ الخالق, ومشيئتَهُ, وخَلْقَه, وسابِقَ عِلْمِهِ، وجمعوا بين المختلفات من وَجْهٍ؛ حيث قاسوا المخلوق بالخالق, وجعلوهما سواء فيما يجوز, ويجب, ويمتنع.
قال ابن قتيبة –ؒ-: «ألا ترى أن أهل القدر حين نظروا في قَدَر الله -الذي هو سِرُّهُ- بآرائهم, وحَمَلُوه على مقاييسهم؛ أَرَتْهُم أَنْفُسُهُم قياسًا على ما جُعِلَ في تركيب المخلوق من معرفة العدل من الخَلْق على الخلق، أن يجعلوا ذلك حُكْمًا بين الله وبين العبد، فقالوا بالتخلية والإهمال، وجعلوا العباد فاعلين لما لا يشاء، وقادرين على ما لا يريد, كأنهم لم يسمعوا بإجماع الناس على: ما يشاء الله كان، وما لا يشاء لا يكون»([380]).
والوعيدية من الخوارج والمعتزلة فَرَّقُوا بين نصوص الوعْد والوعيد: فآمنوا بنصوص الوعيد، ولم يؤمنوا بنصوص الوعد؛ فكفروا بها، والجميع يَخْرُج من مشكاة واحدة، وفي المقابل؛ المرجئة: آمنوا بنصوص الوعد, وكَفَرُوا بنصوص الوعيد.
والشيعة: فَرَّقُوا بين الصحابة -رضوان الله عليهم- فتولَّوْا آل البيت منهم، وعادَوْا غيرهم، والواجب موالاتُهم جميعًا، وجَمَعُوا بين الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- وبين غيره في إثبات العصمة، حيث ساقوها في أئمتهم، والواجبُ التفريقُ في ذلك بين الرسُل وغيرهم من الناس.
وممن خالف هذه القاعدة – أيضًا -: من فرق بين الكتاب والسنة؛ فاعتمد الكتاب دون السنة، وكذلك من فَرَّقَ بين نصوص الأحكام؛ فاعتمدها، وبين نصوص العقائد؛ فأَعْرَضَ عنها بتأويلٍ بلا موجبٍ، أو تفويض للمعنى، أو تكذيبٍ للأحاديث إن كانت أحاديثَ آحاد، وكذلك مَنْ فَرَّقَ بين السنة المتواترة وسنة الآحاد في باب العقائد أو الأحكام.
فكل هؤلاء واقعون في التناقض والاضطراب، والواجب عليهم الجَمْعُ بين المتماثلات، والتفريقُ بين المختلِفَات، حتى يَسْلَمُوا مما هم فيه.
🕮 🕮 🕮
الأصل الثامن والثلاثون:
- المسائلُ المعلومةُ من الدين بالضرورة، كونُها قَطْعِيِّةَ أو ظنِّيَّةَ الثبوتِ أو الدلالةِ، أو بَدِيهِيَّةً أو نَظَرِيَّةً، كلُّ هذا من الأمور النسبية الإضافية، أي تَخْتَلِفُ من شَخْصٍ لآخر حَسَب عِلْمِه ومعرفته وإدراكه وذكائه وسَعَة اطلاعه، وقد يختلف بعضُها في الظهور والخفاء مِنْ زَمَنٍ إلى زَمَنٍ، إلا على الخاصة، كما في حديث حذيفة – رضي الله عنهم – عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: «يَدْرُسُ الإسلامُ كما يَدْرُسُ وَشْيُ الثوبِ؛ حتى لا يُدْرَى ما صيامٌ؛ ولا صلاةٌ، ولا نُسُكٌ، ولا صَدَقةٌ، ولَيُسْرَى على كتاب الله — في ليلة؛ فلا يَبْقَى منه آية، وتَبْقَى طوائفُ من الناس: الشيخُ الكبيرُ، والعجوزُ؛ يقولون: أَدْرَكْنَا آباءنا على هذه الكلمة: «لا إله إلا الله»، فنحن نقولها»([381]) فكثير من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة عند من كان قبلهم؛ أَصْبَحَ عند هذه الطوائف نَسْيًا مَنْسِيًّا! فلابد من مراعاة الحال والزمان والمكان عند اطلاق الأحكام على الناس؛ فيُعامَلُ كل إنسان بما يستحق حسب حاله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية –ؒ– في «الرد على المنطقيين»([382]): «كَوْنُ العلم بديهيا أو نظريا، هو من الأمور النسبية الإضافية، مثل كَوْنِ القضية يقينيةً أو ظنيةً؛ إذ قد يتيقَّنُ زَيْدٌ ما يَظُنُّه عَمْرو، وقد يَبْدَهُ زيدا من المعاني ما لا يَعْرِفُهُ غيره إلا بالنظر، وقد يكون حِسِّيًّا لزيد من العلوم ما هو خَبَرِيٌّ عند عمرو، وإن كان كثير من الناس يَحْسَب أن كَوْنَ العِلْم المعيَّن ضروريًّا أو كَسْبيًّا أو بديهيًّا أو نظريًّا هو من الأمور اللازمة له، بحيث يَشْتَرِكُ في ذلك جميعُ الناس، وهذا غَلَطٌ عظيم، وهو مخالف للواقع». اهـ
هذا مع أن الأركان الخمسة قد عُلمتْ من الدين بالضرورة عبر قرون متعددة، بل كثير من الأحكام دونها كذلك، كل هذا معلوم من الدين بالضرورة، ونعوذ بالله من إدراك ذلك الزمان، الذي يَتَفَشَّى فيه الجَهْلُ؛ حتى يُجْهَلَ الكثير من هذه القواعدِ والأركانِ الأصيلةِ.
🕮 🕮 🕮
الأصل التاسع والثلاثون:
- مَدْحُ أو ذَمُّ مقالةٍ ما لا يُغَيِّرُ من حقيقتها الثابتة بالأدلة شيئًا، فالزخارِفُ والبهارِجُ لا تَجْعَلُ الزيْف حقًّا، وأهلُ الكلام يُسَمُّون كلامَهُم: عَقْلِيَّاتٍ وقَطْعِيَّاتٍ ويقينياتٍ!! والمعطلةُ يُسَمُّون تعطيلَهُم تقديسًا وتنزيها!! ويُسَمُّون إثبات أهل السنة: تجسيمًا وتشبيهًا، والصوفية يُسَمُّون خيالاتهم: حقائقَ ومعارفَ يقينيةً وأحوالًا، ويُسَمُّون ما عند أهل السنة: ظواهِرَ ورُسُوما وعوائِقَ وحُجُبا!! فالعبرة بالدليل لا بالأقاويل، والعَمَلُ بالحجة الدامغة، لا بمجرد الجعْجعة الفارغة.
🕮 🕮 🕮
الأصل الأربعون:
- الحِيَدَةُ عن الجواب ضَرْبٌ من الانقطاع، وسلوكُ ذلك مذموم، والحِيَدَةُ: هي جوابُ السائل بغير ما سَأَلَ عنه السائل، كما في قول إبراهيم
-عليه الصلاة السلام- لقومه الكفار: ﴿ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﴾ {الشعراء:72-73}، فلم يقولوا: نعم أوْ لا، إنما قالوا: ﴿ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﴾ {الشعراء:74}، وهذا دليل على سقوط حُجَّتهم، ومَنْ وَلَجَ هذا البابَ، وَلَجَّ وعَانَدَ؛ تُرِكَتْ مناظرتُهُ، وأُشْهِرَ انقطاعُهُ، وفسادُ رَأْيِهِ.
🕮 🕮 🕮
الأصل الحادي والأربعون:
- كان الأئمةُ -رحمهم الله- يعرفون أَهْلَ الباطل بما وَصَفُوا به أَهْلَ الحقِّ بالأوصاف الشنيعة؛ فعند ذلك يعرفون إلى أي طائفة ضالةٍ ينتمون.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية –ؒ– في «بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية»([383]): «ومعلوم أن كل من نَفَى شيئًا من الصفات؛ سَمَّى المُثْبِتَ لها مُشَبِّهًا، فمن نَفَى الأسماءَ من الملاحدة الفلاسفة والقرامطة وغيرهم؛ يَجْعَلُ من سَمَّى الله تعالى: عليمًا وقديرًا وحيًّا ونحو ذلك؛ مُشَبِّهًا؛ وكذلك من نَفَى الأَحْكَام يُسَمِّي من يقول: إن الله يَعْلَم ويَقْدِر ويَسْمَع ويُبْصِر؛ مُشَبِّهًا، ومن نَفَى الصفات من الجهمية والمعتزلة وغيرهم يُسَمُّون من يقول: إن لله عِلْمًا وقُدْرَةً، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الله تعالى يُرَى في الآخرة؛ مُشَبِّهًا، وهم من أكثر الطوائف لَهَجًا بهذا الاسم وذَمِّ أصحابه؛ ولهذا كان السلف إذا رَأَوْا رَجُلًا يُكْثِر مِنْ ذَمِّ المُشَبِّهة؛ عَرَفُوا أنه جهمي مُعَطِّل؛ لعِلْمِهِم بأن هذا الاسْم قد أَدْخَلتْ الجهميةُ فيه كلَّ من آمن بأسماء الله تعالى وصفاته، ومن نَفَى عُلُوَّ الله على عَرْشِهِ؛ يُسَمِّي المُثْبِتَ لذلك مُشَبِّهًا، ومن نَفَى الصفاتِ الخبريةَ)[384]) والعينيةَ)[385])؛ يَجْعَلُ من أثبتها مُشَبِّهًا،. وإذا كان هذا اللفظُ فيه عُموم وخُصوص بحسب اعتقاد المتكلمين به واصطلاحهم، وقد عُلِمَ أن الرازي وأشباهَه تُسَمِّيهم المعتزلةُ وغيرهم مُشَبِّهةً، فإن كان يَنْفِي عن نَفْسِهِ هذا الاسْمَ بما يقولُهُ من التنزيه؛ فكذلك حالُ غيرِهِ سواءٌ؛ مع أن هذا الاسْمَ ليس له ذَمٌّ بلفظه في الكتاب والسنة.
وقد صَنَّفَ أبو إسحاق إبراهيم بن عثمان بن عيسى الماراني مُصَنَّفًا سماه: «تنزيه أئمة الشريعة عن الألقاب الشنيعة» ذَكَر فيه من كلام السلف والأئمة في هذا الباب كلامًا كثيرًا، لا يَحْضُرُني الساعة، قال أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب «السنة»: «حكى إسماعيل بن زرارة، قال: سمعت أبا زرعة الرازي يقول: «المعطلة النافية الذين ينكرون صفات الله، التي وَصَفَ بها نَفْسَه في كتابه، وعلى لِسَان نبيه -صلى الله عليه وسلم- ويُكَذِّبُون بالأخبار الصحيحة، التي جاءتْ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الصفات، ويتأَوَّلُونها بآرائهم المَنْكُوسَة على موافقة ما اعتقدوا من الضلالة، ويَنْسبون رواتِهَا إلى التَّشْبيه، فمن نَسَبَ الواصفين ربَّهم -تبارك وتعالى-، بما وَصَفَ به نَفْسَه في كتابه، وعلى لسان نبيه -صلى الله عليه وسلم-، من غير تمثيل ولا تشبيه إلى التشبيه؛ فهو مُعَطِّلٌ نافٍ، ويُسْتَدَلُّ عليهم بِنِسْبَتَهِمِ إياهم إلى التشبيه أنهم مُعَطِّلَةٌ نافيةٌ، كذلك كان أهل العلم يقولون، منهم عبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح» وذكر أيضًا أبو القاسم التيمي في كتابه «الحجة في بيان المحجة».
وقال شيخ الإسلام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني في اعتقاده المشهور: «وعلامةُ أهلِ البدع: شِدَّةُ معاداتهم لِحَمَلَةِ أخبار النبي -صلى الله عليه وسلم-، واحتقارُهُم لهم، وتَسْمِيَتُهُم إياهم حَشْوِيةً، وجَهَلَةً، وظاهريةً، ومُشَبِّهَةً: اعتقادًا منهم في أخبار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنها بِمَعْزِلٍ من العِلْم، وأن العِلْمَ ما يُلْقِيه الشيطانُ إليهم من نتائج عُقولهم الفاسدة، ووساوِسِ صُدورِهِم المُظْلِمَة، وهَواجِسِ قُلوبهم الخالية عن الخير العاطلة، وحُجَجِهِم -بل شُبَهُهُم- الداحضةِ الباطلةِ، ﴿ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﴾ {محمد:23}، ﴿ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﴾ {الحج:18}». اهـ
🕮 🕮 🕮
الأصل الثاني والأربعون:
- إبطالُ الحِيَل في الدين، فقد قال تعالى: ﴿ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﴾ {البقرة:235} ومن اسْتَعْجَلَ الشيءَ قَبْل أَوَانِهِ؛ عُوقِبَ بحرمانه، والتوصُّلُ إلى تحليلِ الحرامِ، وحَلِّ عُقْدةِ الدين بالحِيَلِ الباطلة؛ عَمَلُ المغضوبِ عليهم، ومن لا خَلاقَ لهم.
🕮 🕮 🕮
الأصل الثالث والأربعون:
- الحُكْمُ على العِبَادِ بحسَب الظاهر، والله يتولى السرائر، إلا مَنْ ظَهَرَ خُبْثُه وتلاعُبُه؛ واستخدامُه الظاهر المقبولَ للتوصّل به إلى الكيد بالدين وأهله، وببلاد المسلمين، وأمْنها، واستقرارها… ونحو ذلك؛ فله حُكْمٌ آخْرُ، بحسب مخالفته لأصول السنة، وبحسَب ما يَؤُولُ إليه أَمْرُه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ؒ – في «الفتاوى الكبرى»([386]): «… فصار المُلْزِمُون بالطلاق في هذه المواضع المتنازَعِ فيها حِزْبَّين:
حِزْبًا: اتَّبَعُوا ما جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- والصحابة في تحريم التحليل؛ فحَرَّمُوا هذا مع تحريمهم لما لم يُحَرِّمْه الرسول -صلى الله عليه وسلم- من تلك الصور، فصار في قولهم من الأغلال والآصار والحَرَجِ العظيم المُفْضِي إلى مفاسد عظيمة في الدين والدنيا أمور:
منها: رِدَّةُ بعض الناس عن الإسلام لَمَّا أَفْتِىَ بلزوم ما التزمه -أي الطلاق البائن-، ومنها: سَفْكُ الدم المعصوم.
ومنها: زوالُ العقل، ومنها: العداوةُ بين الناس، ومنها: تَنْقِيصُ شرعية الإسلام إلى كثير من الآثام، إلى غير ذلك من الأمور العظام
وحِزْبًا: رَأَوْا أن يُزيلوا ذلك الحَرَجَ العظيمَ بأنواع من الحِيَلِ التي بها تَعُودُ المرأةُ إلى زوجها.
وكان مما أُحْدِثَ أولا نكاح التحليل، ورأى طائفة من العلماء أن فاعِلَهُ يُثاب؛ لِمَا رَأَى في ذلك من إزالة تلك المفاسد، بإعادة المرأة إلى زوجها، وكان هذا حيلةً في جميع الصُّور لِرَفْعِ وقوع الطلاق، ثم أُحْدِث في الأيمان حِيَلٌ أخرى، فَأُحْدِثَ أولا الاحتيالُ في لفظ اليمين، ثم أُحْدِثَ الاحتيالُ بخلع اليمين، ثم أُحْدِثَ الاحتيالُ بدور الطلاق، ثم أُحْدِثَ الاحتيالُ بطلب إفساد النكاح، وقد أنكر جمهور السلف والعلماء وأئمتهم هذه الحيل وأمثالها، ورأَوْا أن في ذلك إبطالَ حِكْمةِ الشريعة، وإبطالَ حقائق الإيمان المودَعةِ في آيات الله، وجَعَل ذلك من جنس المخادعة والاستهزاء بآيات الله، حتى قال أيوب السختياني في مثل هؤلاء: يخادعون الله كأنما يخادعون الصِّبْيان، لو أَتَوْا الأَمْرَ على وجهه؛ لكان أَهْونَ عَلَيَّ! ثم تَسَلَّطَ الكفارُ والمنافقون بهذه الأمور على القدح في الرسول -صلى الله عليه وسلم- وجعلوا ذلك من أعظم ما يحتجون به على من آمن به ونَصَرَهُ وعَزَّرَهُ، ومِنْ أعظم ما يَصُدُّون به عن سبيل الله، ويمنعون من أراد الإيمان به، ومن أعظم ما يمتنع الواحد منهم به عن الإيمان، كما أخبر من آمن منهم بذلك عن نفسه، وذكر أنه كان يتبين له محاسن الإسلام، إلا ما كان من جنس التحليل؛ فإنه الذي لا يَجِدُ فيه ما يَشْفِي الغليل». اهـ
وقال –ؒ– في «الرسالة القبرصية»([387]): «وكانت بنو إسرائيل أُمةً قاسيةً عاصيةً، تارة يَعْبُدُون الأصنام والأوثان، وتارة يعبدون الله، وتارة يَقْتُلُون النبيين بغير الحق، وتارة يَسْتَحِلُّون محارم الله بأدنى الحِيَل، فَلُعِنُوا أولا على لسان داود، وكان من خراب بيت المقدس ما هو معروف عند أهل الملل كلهم». اهـ
🕮 🕮 🕮
الأصل الرابع والأربعون:
- ومن علامَةِ أهل البدع والأهواء المُضِلَّةِ: الوقَيعةُ في أَهْلِ الأثر، وبُغْضُهم، وليس شيءٌ أَثْقلَ عليهم من الحديث ونَقَلَةِ الآثار المُقْتَدِين بالنبي -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- المُهْتَدِين بسُنَّتِهِ، فلا يُغْتَّر بكلامهم على أهل الحديث، ولا يَنْخَدعُ أحدٌ بزخارفهم وشَقاشِقِهم، وتُعْتَزَلُ مجالسُهم؛ فإنها فتنةٌ للمفتونين، وفي مجالسهم تَبِيضُ الشُّبَهُ وتُفَرِّخ، والشُّبُهات خطّافَةٌ، والقلوبُ ضعيفةٌ.
روى اللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة»([388]) عن أَبي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حَاتِمٍ -رحمهما الله- , قَالَ: سَأَلْتُ أَبِي وَأَبَا زُرْعَةَ عَنْ مَذَاهِبِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي أُصُولِ الدِّينِ , وَمَا أَدْرَكَا عَلَيْهِ الْعُلَمَاءَ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ , وَمَا يَعْتَقِدَانِ مِنْ ذَلِكَ…
– إلى أن قال -ؒ-: «وَسَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: «وَعَلَامَةُ أَهْلِ الْبِدَعِ: الْوَقِيعَةُ فِي أَهْلِ الْأَثَرِ , وَعَلَامَةُ الزَّنَادِقَةِ: تَسْمِيَتُهُمْ أَهْلَ السُّنَّةِ حَشْوِيَّةً، يُرِيدُونَ إِبْطَالَ الْآثَارِ، وَعَلَامَةُ الْجَهْمِيَّةِ: تَسْمِيَتُهُمْ أَهْلَ السُّنَّةِ مُشَبِّهَةً , وَعَلَامَةُ الْقَدَرِيَّةِ: تَسْمِيَتُهُمْ أَهْلَ الْأَثَرِ مُجْبِّرَةً، وَعَلَامَةُ الْمُرْجِئَةِ: تَسْمِيَتُهُمْ أَهْلَ السُّنَّةِ مُخَالِفَةً وَنُقْصَانِيَّةً، وَعَلَامَةُ الرَّافِضَةِ: تَسْمِيَتُهُمْ أَهْلَ السُّنَّةِ نَاصِبَةً، وَلَا يَلْحَقُ أَهْلَ السُّنَّةِ إِلَّا اسْمٌ وَاحِدٌ، وَيَسْتَحِيلُ أَنْ تَجْمَعَهُمْ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ». اهـ
أما الجهمية: فقد روى الإمام اللالكائي – ؒ – في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة»([389]) عن إِسْحَاقَ بن راهوية، يَقُولُ: «عَلَامَةُ جَهْمٍ وَأَصْحَابِهِ: دَعْوَاهُمْ عَلَى أَهْلِ الْجَمَاعَةِ , وَمَا أُولِعُوا بِهِ مِنَ الْكَذِبِ: أنَّهُمْ مُشَبِّهَةٌ، بَلْ هُمُ الْمُعَطِّلَةُ، وَلَوْ جَازَ أَنْ يُقَالَ لَهُمْ: هُمُ الْمُشَبِّهَةُ؛ لَاحْتُمَلَ ذَلِكَ , وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ الرَّبَّ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي كُلِّ مَكَانٍ بِكَمَالِهِ، فِي أَسْفَلِ الْأَرَضِينَ وَأَعْلَى السَّمَاوَاتِ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، وَكَذَبُوا فِي ذَلِكَ، وَلَزِمَهُمُ الْكُفْرُ»([390]).
وما أورده الإمام أحمد بن حنبل –ؒ– في كتابه القيم: «الرد على الجهمية والزنادقة»([391]) عن الجهم بن صفوان: «أنه زعم أن مَنْ وَصَفَ الله بشيء مما وَصَفَ به نفسه في كتابه، أو حَدَّثَ عنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ كان كافرًا، وكان من المُشَبِّهَة». اهـ
وأما المعتزلة: فهم ورثةُ الجهمية الذين وَرِثُوا عنهم القولَ بنفْي الصفات، ونَبْزِ من أَثْبَتَها بالتشبيه؛ فهذا أبو موسى المردار، (ت 336 هـ)، والذي يُعَدُّ من علماء المعتزلة ومُقَدَّميهم ينقل عنه الخياط، (ت بعد 300هـ) أنه: «كان يزعم أن من قال: إن الله يُرَى بالأبصار على أي وَجْهٍ؛ قال: فَمُشَبِّهٌ لله بخلقه، والمُشَبِّهُ عنده كافر»([392]).
ويقول القاضي عبد الجبار، (ت 415 هـ) بعد أن أَوَّلَ الاستواء، وذكر استعمالات كلمة «استوى» في اللغة، قال: «وإذا كانت اللفظة تُسْتَعْمَل على هذه الجهات؛ فكيف يَصِحُّ للمشبهة التَّعَلُّقُ بها؟». اهـ([393])
يَقْصد من يُثْبِتُ الاستواء لله — على عرشه.
ويَذْكُر الإمام الرازي: «أن جماعة من المعتزلة يَنْسِبُون التشبيهَ إلى الإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهوية، ويحيى بن معين – قال: وهذا خطأ منهم؛ فإنهم مُنَزَّهُون في اعتقادهم عن التشبيه والتعطيل»([394]).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – ؒ – كما في «مجموع الفتاوى»([395]): «فَإِنَّ الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةَ إلَى الْيَوْمِ يُسَمُّونَ مَنْ أَثْبَتَ شَيْئًا مِنْ الصِّفَاتِ مُشَبِّهًا – كَذِبًا مِنْهُمْ وَافْتِرَاءً – حَتَّى إنَّ مِنْهُمْ مَنْ غَلَا وَرَمَى الْأَنْبِيَاءَ -صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ- بِذَلِكَ، حَتَّى قَالَ ثُمَامَةُ بْنُ الْأَشْرَسِ مِنْ رُؤَسَاءَ الْجَهْمِيَّة: ثَلَاثَةٌ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ مُشَبِّهَةٌ؛ مُوسَى حَيْثُ قَالَ: ﴿ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﴾ {الأعراف:155} وَعِيسَى حَيْثُ قَالَ: ﴿ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﴾ {المائدة:116} وَمُحَمَّدٌ -صلى الله عليه وسلم- حَيْثُ قَالَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا» وَحَتَّى إنَّ جُلَّ الْمُعْتَزِلَةِ تُدْخِلُ عَامَّةَ الْأَئِمَّةِ: مِثْلَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، وَالثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابِهِ، وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَصْحَابِهِ، وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ، وَأَحْمَد وَأَصْحَابِهِ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْه، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَغَيْرِهِمْ فِي قِسْمِ الْمُشَبِّهَةِ.
وَقَدْ صَنَّفَ أَبُو إسْحَاقَ إبْرَاهِيمُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ دِرْبَاسٍ الشَّافِعِيُّ جُزْءًا سَمَّاهُ: «تَنْزِيهُ أَئِمَّةِ الشَّرِيعَةِ عَنْ الْأَلْقَابِ الشَّنِيعَةِ» ذَكَرَ فِيهِ كَلَامَ السَّلَفِ وَغَيْرِهِمْ فِي مَعَانِي هَذَا الْبَابِ، وَذَكَرَ أَنَّ أَهْلَ الْبِدَعِ كُلُّ صِنْفٍ مِنْهُمْ يُلَقِّبُ «أَهْلَ السُّنَّةِ» بِلَقَبِ افْتَرَاهُ – يَزْعُمُ أَنَّهُ صَحِيحٌ عَلَى رَأْيِهِ الْفَاسِدِ – كَمَا أَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يُلَقِّبُونَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- بِأَلْقَابِ افْتَرَوْهَا، فَالرَّوَافِضُ: تُسَمِّيهِمْ نَوَاصِبَ، وَالْقَدَرِيَّةُ: يُسَمُّونَهُمْ مُجْبِرَةً، وَالْمُرْجِئَةُ: تُسَمِّيهِمْ شُكَّاكًا، وَالْجَهْمِيَّة: تُسَمِّيهِمْ مُشَبِّهَةً، وَأَهْلُ الْكَلَامِ: يُسَمُّونَهُمْ حَشْوِيَّةً وَنَوَابِتَ وَغُثَاءً وَغُثْرًا، إلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ، كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تُسَمِّي النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- تَارَةً مَجْنُونًا، وَتَارَةً شَاعِرًا، وَتَارَةً كَاهِنًا، وَتَارَةً مُفْتَرِيًا، قَالُوا: فَهَذِهِ عَلَامَةُ الْإِرْثِ الصَّحِيحِ، وَالْمُتَابَعَةِ التَّامَّةِ؛ فَإِنَّ السُّنَّةَ هِيَ مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَأَصْحَابُهُ اعْتِقَادًا وَاقْتِصَادًا وَقَوْلًا وَعَمَلًا؛ فَكَمَا أَنَّ الْمُنْحَرِفِينَ عَنْهُ يُسَمُّونَهُمْ بِأَسْمَاءِ مَذْمُومَةٍ مَكْذُوبَةٍ – وَإِنْ اعْتَقَدُوا صِدْقَهَا بِنَاءً عَلَى عَقِيدَتِهِمْ الْفَاسِدَةِ – فَكَذَلِكَ التَّابِعُونَ لَهُ عَلَى بَصِيرَةٍ، الَّذِينَ هُمْ أَوْلَى النَّاسِ بِهِ فِي الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ؛ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، وَأَمَّا الَّذِينَ وَافَقُوهُ بِبَوَاطِنِهِمْ، وَعَجَزُوا عَنْ إقَامَةِ الظَّوَاهِرِ، وَاَلَّذِينَ وَافَقُوهُ بِظَوَاهِرِهِمْ، وَعَجَزُوا عَنْ تَحْقِيقِ الْبَوَاطِنِ، وَاَلَّذِينَ وَافَقُوهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ: فَلَا بُدَّ لِلْمُنْحَرِفِينَ عَنْ سُنَّتِهِ أَنْ يَعْتَقِدُوا فِيهِمْ نَقْصًا يَذُمُّونَهُمْ بِهِ، وَيُسَمُّونَهُمْ بِأَسْمَاءِ مَكْذُوبَةٍ – وَإِنْ اعْتَقَدُوا صِدْقَهَا – كَقَوْلِ الرافضي: مَنْ لَمْ يُبْغِضْ أَبَا بَكْرٍ – رضي الله عنه – وَعُمَرَ؛ فَقَدْ أَبْغَضَ عَلِيًّا؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِعَلِيِّ إلَّا بِالْبَرَاءَةِ مِنْهُمَا، ثُمَّ يَجْعَلُ مَنْ أَحَبَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ناصبيًّا؛ بِنَاءً عَلَى هَذِهِ الْمُلَازَمَةِ الْبَاطِلَةِ الَّتِي اعْتَقَدَهَا صَحِيحَةً، أَوْ عَانَدَ فِيهَا، وَهُوَ الْغَالِبُ، وَكَقَوْلِ الْقَدَرِيِّ: مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ أَرَادَ الْكَائِنَاتِ، وَخَلَقَ أَفْعَالَ الْعِبَادِ؛ فَقَدْ سَلَبَ مِنْ الْعِبَادِ الِاخْتِيَارَ وَالْقُدْرَةَ، وَجَعَلَهُمْ مَجْبُورِينَ كَالْجَمَادَاتِ الَّتِي لَا إرَادَةَ لَهَا وَلَا قُدْرَةَ، وَكَقَوْلِ الجهمي: مَنْ قَالَ إنَّ اللَّهَ فَوْقَ الْعَرْشِ؛ فَقَدْ زَعَمَ أَنَّهُ مَحْصُورٌ، وَأَنَّهُ جِسْمٌ مُرَكَّبٌ مَحْدُودٌ، وَأَنَّهُ مُشَابِهٌ لِخَلْقِهِ، وَكَقَوْلِ الْجَهْمِيَّة الْمُعْتَزِلَةِ: مَنْ قَالَ: إنَّ لِلَّهِ عِلْمًا وَقُدْرَةً؛ فَقَدْ زَعَمَ أَنَّهُ جِسْمٌ مُرَكَّبٌ، وَأَنَّهُ مُشَبِّهٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ أَعْرَاضٌ، وَالْعَرَضُ لَا يَقُومُ إلَّا بِجَوْهَرِ مُتَحَيِّزٍ، وَكُلُّ مُتَحَيِّزٍ جِسْمٌ مُرَكَّبٌ، أَوْ جَوْهَرٌ فَرْدٌ، وَمَنْ قَالَ ذَلِكَ؛ فَهُوَ مُشَبِّهٌ؛ لِأَنَّ الْأَجْسَامَ مُتَمَاثِلَةٌ، وَمَنْ حَكَى عَنْ النَّاسِ الْمَقَالَاتِ، وَسَمَّاهُمْ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ الْمَكْذُوبَةِ – بِنَاءً عَلَى عَقِيدَتِهِ الَّتِي هُمْ مُخَالِفُونَ لَهُ فِيهَا – فَهُوَ وَرَبُّهُ، وَاَللَّهُ مِنْ وَرَائِهِ بِالْمِرْصَادِ، وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إلَّا بِأَهْلِهِ». اهـ
وأما الأشاعرة: فإنهم لما كانوا لا يُثْبِتُون إلا بعض الصفات، ويُؤَوِّلُون البعضَ الآخر؛ فقد نبزوا مَنْ يُثْبِتُ لله جميع ما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله -صلى الله عليه وسلم- بالتشبيه.
فيقول الجويني في «الشامل»([396]): «واعلموا أن مذهب أهل الحق: أن الرب -سبحانه وتعالى- يتقدس عن شُغْل حَيِّزٍ، ويَتَنَزَّه عن الاختصاص بجهةٍ، وذهب المشبهةُ إلى أنه -تعالى عن قولهم – مُخْتَصٌّ بجهةِ فَوْقَ». اهـ
🕮 🕮 🕮
الأصل الخامس والأربعون:
- لا يَصْلُح آخرُ هذه الأمة إلا بما صَلُح به أولُها، فاتَّبِعْ ولا تَبْتَدِعْ؛ فقد كُفِيتَ.
وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ -ؒ- عَنْ رَجُلٍ أَحْرَمَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ؟ فَقَالَ: «أَخَافُ عَلَيْهِ مِنْ الْفِتْنَةِ»، فَقَالَ: «قَالَ تَعَالَى: ﴿ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﴾ {النور:63}» فَقَالَ السَّائِلُ: وَأَيُّ فِتْنَةٍ فِي ذَلِكَ؟ وَإِنَّمَا هِيَ زِيَادَةُ امْتِثَالٍ فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى؟ قَالَ: «وَأَيُّ فِتْنَةٍ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَظُنَّ أَنَّك خُصِصْتَ بِفِعْلِ لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-؟» أَوْ كَمَا قَالَ.
وَكَانَ يَقُولُ: «لَنْ يُصْلِحَ آخِرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ إلَّا مَا أَصْلَحَ أَوَّلَهَا، أَوْ كُلَّمَا جَاءَنَا رَجُلٌ أَجْدَلُ مِنْ رَجُلٍ؛ تَرَكْنَا مَا جَاءَ بِهِ جِبْرِيلُ إلَى مُحَمَّدٍ بِجَدَلِ هَذَا؟»([397]).
وفي «إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان»([398]): «وما أَحْسَنَ ما قال مالك بن أنس ؒ: «لن يُصْلِحَ آخِرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ إلَّا مَا أَصْلَحَ أَوَّلَهَا، ولكن كُلَّما ضَعُفَ تَمَسُّكُ الأمم بعهود أنبيائهم، ونَقُصَ إيمانُهم؛ عَوَّضُوا عن ذلك بما أَحْدَثُوه من البدع والشرك». اهـ
🕮 🕮 🕮
الأصل السادس والأربعون:
- اختلافُ العلماء لا يُنْزِلُ من قدْرِهِمْ، ويجب الاستفادةُ منهم جميعًا، فمن أصاب منهم؛ قبِلْنا قَوْلَهُ، وشَكَرْناه، ومن أخطأ منهم؛ رَدَدْنَا قَوْلَهُ، وعَذَرْناه، وهم بين أَجْرٍ وأَجْرَيْنِ، وفَضْلُ الله واسعٌ، وهم رجالٌ، ونحن عليهم عِيالٌ، ولا بأس للمتأهِّل –حَقًّا، لا من يَسْتَسْمِنُ الورَم- أن يَنْظُر في كلامهم؛ فيأْخُذَ ما رَجَّحَهُ الدليلُ دون غيره، فكُلٌّ يُؤْخَذُ من قوله ويُرَدُّ، إلا رسول الله –صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم– المعصومُ من الخطأ، وكذا الإجماعُ المتَيقَّن.
قال شيخ الإسلام –ؒ– في «الفتاوى الكبرى»([399]): «وَهَذَا الْمَقْصُودُ يَتَلَخَّصُ بِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الرَّجُلَ الْجَلِيلَ الَّذِي لَهُ فِي الْإِسْلَامِ قَدَمٌ صَالِحٌ وَآثَارٌ حَسَنَةٌ، وَهُوَ مِنْ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ بِمَكَانَةٍ عُلْيَا؛ قَدْ تَكُونُ مِنْهُ الْهَفْوَةُ وَالزَّلَّةُ هُوَ فِيهَا مَعْذُورٌ، بَلْ مَأْجُورٌ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُتَّبَعَ فِيهَا، مَعَ بَقَاءِ مَكَانَتِهِ وَمَنْزِلَتِهِ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، وَاعْتَبِرْ ذَلِكَ بِمُنَاظَرَةِ الْإِمَامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: كُنَّا بِالْكُوفَةِ، فَنَاظَرُونِي فِي ذَلِكَ -يَعْنِي النَّبِيذَ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ- فَقُلْت لَهُمْ: تَعَالَوْا؛ فَلْيَحْتَجَّ الْمُحْتَجُّ مِنْكُمْ عَنْ مَنْ يَشَاءُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – بِالرُّخْصَةِ، فَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ الرَّدُّ عَلَيْهِ عَنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ بِشِدَّةٍ؛ صَحَّتْ عَنْهُ، فَاحْتَجُّوا، فَمَا جَاءُوا عَنْ أَحَدٍ بِرُخْصَةٍ إلَّا جِئْنَاهُمْ بِشِدَّةٍ، فَلَمَّا لَمْ يَبْقَ فِي يَدِ أَحَدٍ مِنْهُمْ إلَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَلَيْسَ احْتِجَاجُهُمْ عَنْهُ فِي شِدَّةِ النَّبِيذِ بِشَيْءٍ يَصِحُّ عَنْهُ، إنَّمَا يَصِحُّ عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَنْبِذْ لَهُ فِي الْجَرِّ إلَّا حَذِرًا، قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: فَقُلْت لِلْمُحْتَجِّ عَنْهُ فِي الرُّخْصَةِ: يَا أَحْمَقُ، عُدَّ إنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ لَوْ كَانَ هَاهُنَا جَالِسًا، فَقَالَ: هُوَ لَك حَلَالٌ، وَمَا وَصَفْنَا عَنْ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – وَأَصْحَابِهِ فِي الشِّدَّةِ؛ كَانَ يَنْبَغِي لَك أَنْ تَحْذَرَ، أَوْ تَجُرَّ، أَوْ تَخْشَى؟ فَقَالَ قَائِلُهُمْ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَالنَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ، وَسَمَّى عِدَّةً مَعَهُمَا، كَانُوا يَشْرَبُونَ الْحَرَامَ؟ فَقُلْت لَهُمْ: دَعُوا عِنْدَ الِاحْتِجَاجِ تَسْمِيَةَ الرِّجَالِ؛ فرُبَّ رَجُلٍ فِي الْإِسْلَامِ مَنَاقِبُهُ كَذَا وَكَذَا، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنْهُ زَلَّةٌ؛ أَفَلِأَحَدِ أَنْ يَحْتَجَّ بِهَا؟ فَإِنْ أَبَيْتُمْ؛ فَمَا قَوْلُكُمْ فِي عَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةَ؟ قَالُوا: كَانُوا خِيَارًا، قُلْت: فَمَا قَوْلُكُمْ فِي الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ يَدًا بِيَدٍ؟ فَقَالُوا: حَرَامٌ، فَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: إنَّ هَؤُلَاءِ رَأَوْهُ حَلَالًا؛ فَمَاتُوا وَهُمْ يَأْكُلُونَ الْحَرَامَ.؟، فَبَقُوا، وَانْقَطَعَتْ حُجَّتُهُمْ، قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: وَلَقَدْ أَخْبَرَنِي الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: رَآنِي أَبِي وَأَنَا أُنْشِدُ الشِّعْرَ، فَقَالَ: لَا، يَا بُنَيَّ، لَا تُنْشِدْ الشِّعْرَ، فَقُلْت لَهُ: يَا أَبَتِ، كَانَ الْحَسَنُ يُنْشِدُ، وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يُنْشِدُ، فَقَالَ لِي: أَيْ بُنَيَّ، إنْ أَخَذْتَ بِشَرِّ مَا فِي الْحَسَنِ وَبِشَرِّ مَا فِي ابْنِ سِيرِينَ؛ اجْتَمَعَ فِيك الشَّرُّ كُلُّهُ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ؛ فَإِنَّهُ مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَعْيَانِ الْأُمَّةِ مِنْ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إلَّا لَهُمْ أَقْوَالٌ وَأَفْعَالٌ خَفِيَ عَلَيْهِمْ فِيهَا السُّنَّةُ، وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ لَا يُحْصَى، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَغُضُّ مِنْ أَقْدَارِهِمْ، وَلَا يُسَوِّغُ اتِّبَاعَهُمْ فِيهَا، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﴾ {النساء:59}». اهـ
ـ وقال الإمام ابن القيم ـ ؒ ـ في «إعلام الموقعين عن رب العالمين»([400]): «وَلَا بُدَّ مِنْ أَمْرَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنْ الْآخَرِ: وَهُوَ النَّصِيحَةُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَكِتَابِهِ وَدِينِهِ، وَتَنْزِيهُهُ عَنْ الْأَقْوَالِ الْبَاطِلَةِ الْمُنَاقِضَةِ لِمَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ مِنْ الْهُدَى وَالْبَيِّنَاتِ، الَّتِي هِيَ خِلَافُ الْحِكْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْعَدْلِ، وَبَيَانُ نَفْيِهَا عَنْ الدِّينِ، وَإِخْرَاجِهَا مِنْهُ، وَإِنْ أَدْخَلَهَا فِيهِ مَنْ أَدْخَلَهَا بِنَوْعِ تَأْوِيلٍ.
وَالثَّانِي: مَعْرِفَةُ فَضْلِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ وَمَقَادِيرِهِمْ وَحُقُوقِهِمْ وَمَرَاتِبِهِمْ، وَأَنَّ فَضْلَهُمْ وَعِلْمَهُمْ وَنُصْحَهُمْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ لَا يُوجِبُ قَبُولَ كُلِّ مَا قَالُوهُ، وَمَا وَقَعَ فِي فَتَاوِيهِمْ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي خَفِيَ عَلَيْهِمْ فِيهَا مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، فَقَالُوا بِمَبْلَغِ عِلْمِهِمْ، وَالْحَقُّ فِي خِلَافِهَا؛ لَا يُوجِبُ إطِّرَاحَ أَقْوَالِهِمْ جُمْلَةً، وَتَنَقُّصَهُمْ وَالْوَقِيعَةَ فِيهِمْ؛ فَهَذَانِ طَرَفَانِ جَائِرَانِ عَنْ الْقَصْدِ، وَقَصْدُ السَّبِيلِ بَيْنَهُمَا، فَلَا نُؤَثِّمُ وَلَا نَعْصِمُ، وَلَا نَسْلُكُ بِهِمْ مَسْلَكَ الرَّافِضَةِ فِي عَلِيٍّ، وَلَا مَسْلَكَهُمْ فِي الشَّيْخَيْنِ، بَلْ نَسْلُكُ مَسْلَكَهُمْ أَنْفُسِهِمْ فِيمَنْ قَبْلَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ؛ فَإِنَّهُمْ لَا يُؤَثِّمُونَهُمْ وَلَا يَعْصِمُونَهُمْ، وَلَا يَقْبَلُونَ كُلَّ أَقْوَالِهِمْ، وَلَا يُهْدِرُونَهَا». اهـ
ـ وقال الحافظ الذهبي –ؒ– في «السير»([401]): «ثم إنَّ الكبير من أئمة العلم إذا كَثُرَ صوابه، وعُلِمَ تَحَرِّيهِ للحقِ، واتَّسَعَ عِلْمُه، وظَهَر ذكاؤه، وعُرِفَ صلاحُهُ وورعُه واتّباعُه؛ يُغفَرُ له زَلَلُهُ، ولا نُضَلِّله، ونَطَّرِحه، ونَنْسَى محاسِنَهُ، نعم: ولا نَقْتَدِي به في بدعته وخطئه، ونرجو التَّوبة من ذلك».
الأصل السابع والأربعون:
- من كان من طلبة العلم قادرًا على النظر في الأدلة، ومعرفة الراجح منها؛ فلا يقلِّد أحدا بعينه، وإلا اجتهد في معرفة أَقْرَبِ العلماء إلى الحق، وأَكْثَرِهم تحرّيًا للصواب؛ وقَلَّدهُ، فإن ظَهَرَ له الدليلُ على خلافِهِ؛ تَرَكَ قَوْلَهُ، ولا يجوز التعصُّب له مُطْلقًا، أو الولاء والبراء على قول أحدٍ كائنًا من كان إلا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- سواء كان شيخًا، أو أمير جماعة، أو مدرسة فقهية أو علمية، أو مذهبًا، أو طائفة، أو سُلالة،… أو غير ذلك.
قال الإمام ابن القيم –ؒ– في «إعلام الموقعين»([402]): «وقد سمعْتُ شيخنا -ؒ- يقول: جاءني بعض الفقهاء من الحنفية، فقال: أَسْتَشِيرك في أمر، قلتُ: وما هو؟ قال: أريد أن انتقل عن مذهبي، قلت له: ولِمَ؟ قال: لأني أرى الأحاديث الصحيحة كثيرًا تخالفه، واسْتَشَرْتُ في هذا بعضَ أئمة أصحاب الشافعي، فقال لي: ولو رَجَعْتَ عن مذهبك لم يرتفع ذلك من المذهب، وقد تقرَّرت المذاهب، ورجُوعُك غير مفيد، وأشار علىَّ بعضُ مشايخ التصوف بالافتقار إلى الله، والتضرُّع إليه، وسؤال الهداية لما يحبه ويرضاه؛ فماذا تشير به أنتَ عليَّ؟
قال: فقلت له: اجعل المذهب ثلاثة أقسام:
قِسْمٌ الحقُّ فيه ظاهِرٌ بيِّنٌ مُوافِقٌ للكتاب والسنة؛ فاقْضِ به، وأنت طَيِّبُ النفس، مُنْشَرِحُ الصدر.
وقِسْمٌ مَرْجُوحٌ، ومخالِفُهُ معه الدلُيل؛ فلا تُفْتِ به، ولا تَحْكُم به، وادْفَعْهُ عنك.
وقِسْمٌ من مسائل الاجتهاد، التي الأدلةُ فيها متجاذِبةٌ؛ فإن شئتَ أن تُفْتِيَ به، وإن شِئْتَ أن تَدْفَعَه عنك، فقال: جزاك الله خيرًا، أو كما قال».
🕮 🕮 🕮
الأصل الثامن والأربعون:
- «أنَّ الله يَبْعَثُ لهذه الأمة على رأس كل مائة عام من يُجَدِّدُ لها أَمْر دينها»([403]) وقد يكون فردًا أو عددًا، وقد يُجَدِّد المجدّدُ في عِلم دون آخر، ومع ذلك فليس المجدِّد معصومًا، والمجدِّدون يعيدون للدين نضارتَه، وقد يكون في داخل القرن من يُحيي الله به علومًا وسُننًا قد نُسيَتْ.
قال في «عون المعبود»([404]): «قد عرفتَ مما سبق أن المراد من التجديد إحياءُ ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة، والأَمْرُ بمقتضاهما، وإماتَةُ ما ظَهَر من البدع والمحدثات».
وقال في «مجالس الأبرار»: والمراد من تجديد الدين للأمة: إحياءُ ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة والأَمْرُ بمقتضاهما، وقال فيه: ولا يُعْلَم ذلك المجددُ إلا بغلبة الظن ممن عاصره من العلماء بقرائن أحواله، والانتفاع بعلمه؛ إذ المجدد للدين لا بد أن يكون عالمًا بالعلوم الدينية الظاهرة والباطنة، ناصرًا للسنة، قامعًا للبدعة، وأن يَعُمَّ عِلْمُهُ أهلَ زمانه، وإنما كان التجديد على رأس كل مائة سنة؛ لانخرام العلماء فيه غالبا، واندراس السنن وظهور البدع، فَيُحْتَاج حينئذ إلى تجديد الدين، فيأتي الله تعالى من الخلف بِعِوَض من السلف، إما واحدًا أو متعددًا. انتهى
وقال القاري في «المرقاة»: أي يُبَيِّن السنةَ من البدعة، ويُكَثِّرُ العِلْم، ويُعِزُّ أهلَه، ويَقْمَعُ البدعةَ، ويَكْسِرُ أهْلَهَا. انتهى([405])
فظهر أن المجدد لا يكون إلا من كان عالمًا بالعلوم الدينية، ومع ذلك: فمن كان عزمه وهمته آناء الليل والنهار إحياءَ السنن ونَشْرَها، ونَصْرَ أهلها، وإماتةَ البدع ومحدثات الأمور، ومَحْوَهَا، وكَسْرَ شوكة أهلها باللسان، أو تصنيفِ الكُتب والتدريسِ، أو غير ذلك، – وهو على رأس القرن؛ فهو مجدِّد بقدر ما أصلح في مجاله -، ومن لا يكون كذلك؛ لا يُسَمَّى مُجَدِّدًا، وإن كان عالما بالعلوم، مشهورا بين الناس، مَرْجِعًا لهم، ويُجدِّد الله -جل وعلا- به ما انْدرسَ من العلوم.
فالعجبُ كلُّ العجبِ من صاحب «جامع الأصول» أنه عَدَّ أبا جعفر الإماميَّ الشيعيَّ، والمرتضى أخا الرضا الإماميَّ الشيعيَّ من المجددين، حيث قال: الحديث إشارة إلى جماعة من الأكابر على رأس كل مائة، ففي رأس الأولى عمر بن عبد العزيز، إلى أن قال: وعلى الثالثة المقتدر، وأبو جعفر الطحاوي الحنفي، وأبو جعفر الإماميُّ وأبو الحسن الأشعريُّ والنسائيُّ، وعلى الرابعة القادر بالله، وأبو حامد الإسفرائيني، وأبو بكر محمد الخوارزمي الحنفي، والمرتضى أخو الرضا الإمامي. إلخ
وقد ذكره العلامة محمد طاهر في «مجمع البحار» ولم يتعرض بذكر مسامحته، ولم يُنَبِّهْ على خطئه، ولا شُبْهَةَ في أن عَدَّهُما من المجددين خطأٌ فاحشٌ، وغَلَطٌ بَيِّنٌ؛ لأن علماء الشيعة وإن وصلوا إلى مرتبة الاجتهاد، وبلغوا أقصى المراتب من أنواع العلوم، واشتهروا غاية الاشتهار؛ لكنهم لا يَسْتَأْهِلُون المُجَدِّدِيَّة!!
كيف وهم يُخَرِّبُون الدين؛ فكيف يُجَدِّدُونه، وهم يميتون السننَ؛ فكيف يُحْيُونها، ويُرَوِّجُون البدعَ؛ فكيف يَمْحُونها، وليسوا إلا من الغالين المبطلين الجاهلين، وجُلُّ صناعتهم التحريفُ والانتحالُ والتأويلُ، لا تجديدَ الدين، ولا إحياءَ ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة، هداهم الله تعالى إلى سواء السبيل.
(تنبيه آخر) واعلم: أنه لا يَلْزَمُ أن يكون على رأس كل مائة سنة مُجَدِّدٌ واحد فقط، بل يمكن أن يكون أكثر من واحد، – فإن قوله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: «من يجدد…» اسم موصول ينطبق على الواحد والعدد، – وقد يكونون متفرقين في الأمصار، وكلٌّ منهم يجدد في جانب ما -.
قال الحافظ ابن حجر –ؒ– في «توالي التأسيس»: «حمل بعض الأئمة «من» في الحديث على أكثر من الواحد، وهو ممكن بالنسبة للفظ الحديث الذي سُقْتُه، وكذا لَفْظُه عند من أَشَرْتُ إلى أنه أخرجه، لكن الرواية عن أحمد تقدمت بلفظ «رجل»، وهو أصرح في رواية الواحد «من» الرواية التي جاءت بلفظ «مَنْ» لصلاحية «مَنْ» للواحد وما فوقه، ولكن الذي يتعين في «مَنْ» تَأَخُّرُ الحَمْلِ على أكثر من الواحد؛ لأن في الحديث إشارةً إلى أن المجدد المذكور يكون تجديده عاما في جميع أهل ذلك العصر، وهذا ممكن في حق عمر بن عبد العزيز جدا، ثم الشافعي، أما من جاء بعد ذلك؛ فلا يُعْدَمُ مَنْ يشارِكه في ذلك. انتهى([406])
وقال –ؒ– في «فتح الباري»: وهو (أي حَمْلُ الحديث على أكثر من واحد) مُتَّجِهٌ؛ فإن اجتماع الصفات المحتاج إلى تجديدها لا ينحصر في نوع من أنواع الخير، ولا يَلْزَم أن جميعَ خصالِ الخير كلِّها في شخص واحد، إلا أن يُدَّعَى ذلك في عمر بن عبد العزيز؛ فإنه كان القائمَ بالأمر على رأس المائة الأولى، باتصافه بجميع صفات الخير، وتَقَدُّمِهِ فيها.
- ومِنْ ثَمَّ أطلق أحمد أنهم كانوا يَحْمِلُون الحديث عليه، وأما من جاء بعده؛ فالشافعي وإن كان متصفا بالصفات الجميلة؛ إلا أنه لم يكن القائمَ بأمر الجهاد والحُكْم بالعدل، فعلى هذا كل من كان متصفا بشيء من ذلك عند رأس المائة؛ هو المراد، سواء تَعَدَّدَ أم لا، انتهى«([407]).انتهى ما نقله العظيم ابادي في عون المعبود.
🕮 🕮 🕮
الأصل التاسع والأربعون:
- الحديثُ عن بني إسرائيل لا حَرَجَ فيه إذا كان موافقًا لِشَرْعِنَا، أو مَسْكُوتًا عنه، ما لم يَكُنْ مخالفًا للكتاب والسنة، والبيانُ عند التحديث أَوْلَى من إهماله، فيقال: هذا من أخبار بني إسرائيل، فإن كان العامة سيعتقدون أنَّه من كلام رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- فالكَفُّ عن ذِكْرِهِ أمامهم– درءًا للمفسدة- أَوْلَى، وهو الذي تَشْهَد له القواعد الشرعية؛ ولأننا نُهينا عن تصديقهم وتكذيبهم، فيما لا نصَّ عليه بذلك، ولكنْ حَصَلَ تساهُلٌ وتوسُّعٌ من بعض العلماء غيرُ مَرّضِيَّيْن في ذلك.
قال ابن العربي – ؒ – في «أحكام القرآن»([408]): «فِي الْحَدِيثِ عَنْ بَنِي إسْرَائِيلَ:
كَثُرَ اسْتِرْسَالُ الْعُلَمَاءِ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُمْ فِي كُلِّ طَرِيقٍ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – أَنَّهُ قَالَ: «حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ».
وَمَعْنَى هَذَا الْخَبَرِ: الْحَدِيثُ عَنْهُمْ بِمَا يُخْبِرُونَ بِهِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَقَصَصِهِمْ، لَا بِمَا يُخْبِرُونَ بِهِ عَنْ غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ أَخْبَارَهُمْ عَنْ غَيْرِهِمْ مُفْتَقِرَةٌ إلَى الْعَدَالَةِ وَالثُّبُوتِ إلَى مُنْتَهَى الْخَبَرِ، وَمَا يُخْبِرُونَ بِهِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ؛ فَيَكُونُ مِنْ بَابِ إقْرَارِ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ قَوْمِهِ؛ فَهُوَ أَعْلَمُ بِذَلِكَ.
وَإِذَا أَخْبَرُوا عَنْ شَرْعٍ؛ لَمْ يَلْزَمْ قَبوْلُهُ؛ فَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ، عَنْ عُمَرَ – رضي الله عنه – أَنَّهُ قَالَ: رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – وَأَنَا أُمْسِكُ مُصْحَفًا، قَدْ تَشَرَّمَتْ حَوَاشِيهِ، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟» قُلْت: جُزْءٌ مِنْ التَّوْرَاةِ؛ فَغَضِبَ، وَقَالَ: «وَاَللَّهِ، لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا؛ مَا وَسِعَهُ إلَّا اتِّبَاعِي». اهـ
قال الحافظ ابن كثير – ؒ – في «تفسيره»([409]): «وقد صح الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إذا حَدَّثَكُم أهلُ الكتاب؛ فلا تُصَدِّقوهم ولا تُكَذِّبوهم»، ثم أخبارهم على ثلاثة أقسام:
فمنها: ما عَلِمْنَا صِحَّتَهُ بما دل عليه الدليل من كتاب الله أو سنة رسوله.
ومنها: ما عَلِمْنَا كَذِبَهُ بما دل على خلافه من الكتاب والسنة أيضا.
ومنها: ما هو مَسْكُوتٌ عنه، فهو المأذون في روايته، بقوله -♠-: «حَدِّثُوا عن بني إسرائيل ولا حَرَجَ» وهو الذي لا يُصَدَّقُ ولا يُكَذَّبُ، لقوله: «فلا تُصَدِّقُوهم ولا تُكَذِّبُوهم». اهـ
وقال الشيخ السعدي – ؒ – في «تيسير الكريم الرحمن»([410]): «واعلم أن كثيرًا من المفسرين -رحمهم الله- قد أكثروا في حَشْوِ تفاسيرهم من قصص بني إسرائيل، ونَزَّلُوا عليها الآياتِ القرآنيةَ، وجعلوها تفسيرا لكتاب الله، محتجين بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «حَدِّثُوا عن بني إسرائيل ولا حَرَج».
والذي أَرَى: أنه وإن جاز نَقْلُ أحاديثهم على وَجْهٍ تكون مفردةً غيرَ مقرونةٍ، ولا مُنَزَّلَةٍ على كتاب الله؛ فإنه لا يجوز جَعْلُها تفسيرا لكتاب الله قَطْعًا؛ إذا لم تَصِحَّ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وذلك أن مرتبتها كما قال -صلى الله عليه وسلم-: «لا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الكتاب ولا تُكَذِّبُوهم»، فإذا كانت مرتبتها أن تكون مشكوكًا فيها، وكان من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن القرآن يجب الإيمانُ به، والقطعُ بألفاظه ومعانيه؛ فلا يجوز أن تُجْعَلَ تلك القَصَصُ المنقولةُ بالروايات المجهولة -التي يغلب على الظن كَذِبُها أو كَذِبُ أكثرها- معانِيَ لكتاب الله، مقطوعا بها، ولا يستريب بهذا أحد، ولكن بسبب الغفلة عن هذا حَصَلَ ما حَصَلَ، والله الموفق». اهـ
وقال أبو شهْبَة – ؒ – في «الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير»([411]): «أخبار بني إسرائيل، وأقاويلهم على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما عَلِمْنا صِحَّتَه مما بأيدينا من القرآن والسنة، والقرآن هو: الكتاب المهيمن، والشاهد على الكتب السماوية قبله، فما وافقه؛ فهو حَقٌّ وصِدْقٌ، وما خالفه؛ فهو باطلٌ وكَذِبٌ، قال تعالى: ﴿ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ﴾ {المائدة:49}.
وهذا القسم صحيح، وفيما عندنا غُنْيَةٌ عنه، ولكن يجوز ذِكْرُهُ وروايتُهُ للاستشهاد به، ولإقامة الحجة عليهم من كُتبهم، وذلك مثل: ما ذُكِر في صاحب موسى -♠-، وأنه الخضر، فقد ورد في الحديث الصحيح، ومِثْلُ ما يَتَعَلَّق بالبشارة بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وبرسالته، وأن التوحيدَ هو دين جميع الأنبياء، مما غَفَلُوا عن تحريفه، أو حرفوه، ولكن بقي شُعاعٌ منه يدل على الحق.
وفي هذا القسم ورد قوله: -صلى الله عليه وسلم-: «بَلِّغُوا عني ولو آية، وحَدِّثُوا عن بني إسرائيل ولا حَرَجَ، ومَنْ كَذَبَ عليَّ مُتَعَمِّدًا؛ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَه من النار».
قال الحافظ ابن حجر -ؒ- في «فتح الباري»([412]) -: «أي: لا ضِيقَ عليكم في الحديث عنهم؛ لأنه كان تقدم منه -صلى الله عليه وسلم- الزجْرُ عن الأخذِ عنهم، والنظرِ في كتبهم، ثم حَصَل التوسُّعُ في ذلك، وكان النهيُ وقع قبل استقرار الأحكام الإسلامية، والقواعد الدينية؛ خشية الفتنة، ثم لما زال المحذور؛ وقع الإذنُ في ذلك، لما في سماع الأخبار التي كانت في زمنهم من الاعتبار».
ثم قال أبو شهْبَة – ؒ – القسم الثاني: ما عَلِمْنا كَذِبَهُ مما عندنا مما يخالفه، وذلك مِثْلُ: ما ذكروه في قصص الأنبياء، من أخبار تطعن في عصمة الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- كقصة يوسف، وداود، وسليمان ومثل: ما ذكروه في توراتهم: من أن الذبيح إسحاق، لا إسماعيل، فهذا لا تجوز روايتُه وذِكْرُه إلا مقترنا ببيان كَذِبِهِ، وأنه مما حَرَّفُوه، وبدَّلوه، قال تعالى: ﴿ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﴾ {المائدة:41}.
وفي هذا القسم: وَرَدَ النهيُ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- للصحابة عن روايته، والزجْرُ عن أَخْذِهِ عنهم، وسؤالِهِم عنه، قال الإمام مالك -ؒ- في حديث: «حَدِّثُوا عن بني إسرائيل ولا حَرَج»: المراد جواز التحدث عنهم بما كان مِنْ أَمْرٍ حَسَنٍ: أما ما عُلِم كَذِبُه؛ فلا…
القسم الثالث: ما هو مَسْكُوتٌ عنه، لا من هذا، ولا من ذاك، فلا نؤمن به، ولا نُكَذِّبه؛ لاحتمال أن يكون حَقًّا فَنُكَذِّبَهُ، أو باطلا فَنُصَدِّقَهُ، ويجوز حكايته لما تقدم من الإذن في الرواية عنهم، ولعل هذا القسم هو المراد بما رواه أبو هريرة، قال: كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تُصَدِّقُوا أهلَ الكتاب، ولا تُكَذِّبُوهم، وقولوا: آمنا بالله، وما أُنْزِلَ إلينا، وما أُنْزِلَ إليكم» الآية، ومع هذا: فالأَوْلَى عَدَمُ ذِكْرِه، وأن لا نضيع الوقت في الاشتغال به، وفي هذا المعنى: ورد حديثٌ أخرجه الإمام أحمد، وابن أبي شيبة، والبزار، من حديث جابر: أن عُمَرَ أتى النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه عليه؛ فغضب، قال: «لقد جئتُكُم بها بيضاءَ نقيةً، لا تسألوهم عن شيء؛ فيخبروكم بحق؛ فتكذبوا به، أو بباطل؛ فَتُصَدِّقُوا به، والذي نفسي بيده، لو أن موسى حَيٌّ ما وسَعَه إلا أن يتبعني» ورجاله موثقون؛ إلا أن في مجالد -أحد رواته- ضعفًا، وأخرج البزار أيضا من طريق عبد الله بن ثابت الأنصاري: أن عمر نَسَخَ صحيفةً من التوراة، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء»، وفي سنده جابر الجعفي؛ وهو ضعيف، قال الحافظ في «الفتح»: واستعمله -يعني البخاري- في الترجمة: يعني عنوان الباب، لورود ما يشهد بصحته من الحديث الصحيح.
قال ابن بطال عن المهلب: «هذا النهي في سؤالهم عما لا نَصَّ فيه؛ لأن شَرْعَنا مُكْتَفٍ بنفسه، فإذا لم يوجد فيه نَصٌّ؛ ففي النظر والاستدلال غِنىً عن سؤالهم، ولا يَدْخُل في النهي سؤالُهم عن الأخبارِ المصدِّقة لشرعنا، والأخبارِ عن الأمم السالفة». اهـ([413])
🕮 🕮 🕮
الأصل الخمسون:
- لا بأس بالأخذِ بقول الصحابي ما لم يخالف الدليل، أو يخالف غيره من الصحابة، واجتهادُهم أحبُّ إلينا من اجتهادنا لأنفسنا، -لأنهم أبرُّ قلوبًا، وأَعْمَقُ عِلْمًا، وأَسَدُّ فهما- لاسيما إذا اشتهر هذا القول بينهم، ولم يُنْكَر من أحد الصحابة، واسْتَدَلَّ به العلماءُ بعد ذلك، فإن اختلفوا؛ رجَّحْنا بينهم بحسب ما تقتضيه الأدلةُ والقواعدُ الشرعية، بما لا يُخْرِجُنا عن مجموع أقوالهم.
وقد أورد الزركشيُّ – ؒ – مسألةَ الاحتجاج بقول الصحابي في «البحر المحيط في أصول الفقه»([414])، وأورد مواضع الاتفاق والاختلاف فيها، فكان مما قال:
«اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى صَحَابِيٍّ آخَرَ مُجْتَهِدٍ: إمَامًا، أَوْ حَاكِمًا، أَوْ مُفْتِيًا، نَقَلَهُ الْقَاضِي، وَتَبِعَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ، مِنْهُمْ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمَا». اهـ
وقال –ؒ–([415]): «الْخِلَافُ الْمَشْهُورُ فِي أَنَّهُ: هَلْ هُوَ حُجَّةٌ عَلَى التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ؟ وَفِيهِ أَقْوَالٌ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ مُطْلَقًا، كَغَيْرِهِ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْأُصُولِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَالْمُعْتَزِلَةُ، ويُومِئُ إلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ مِنْ أَصْحَابِهِ.
وَزَعَمَ عَبْدُ الْوَهَّابِ أَنَّهُ الصَّحِيحُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَى وُجُوبِ الِاجْتِهَادِ وَاتِّبَاعِ مَا يُؤَدِّي إلَيْهِ صَحِيحُ النَّظَرِ، فَقَالَ: وَلَيْسَ فِي اخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ سَعَةٌ، إنَّمَا هُوَ خَطَأٌ أَوْ صَوَابٌ.
الثَّانِي: أَنَّهُ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْقِيَاسِ، وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ. وَنُقِلَ عَنْ مَالِكٍ وَأَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ».
ثم نقل الزركشيُّ –ؒ– كلام الإمام الشافعي –ؒ– في مذهبه القديم، فقال -: «وَمِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ، لَمَّا ذَكَرَ الصَّحَابَةَ – رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -: وَهُمْ فَوْقَنَا: فِي كُلِّ عِلْمٍ وَاجْتِهَادٍ وَوَرَعٍ، وَعَقْلٍ، وَأَمْرٍ اُسْتُدْرِكَ فِيهِ عِلْمٌ أَوْ اُسْتُنْبِطَ، وَآرَاؤُهُمْ لَنَا أَجْمَلُ وَأَوْلَى بِنَا مِنْ آرَائِنَا عِنْدَنَا لِأَنْفُسِنَا، وَمَنْ أَدْرَكْنَا مِمَّنْ يُرْضَى، أَوْ حُكِيَ لَنَا عَنْهُ بِبَلَدِنَا؛ صَارُوا فِيمَا لَمْ يُعْلَمْ لِلرَّسُولِ – صلى الله عليه وسلم – فِيهِ سُنَّةٌ إلَى قَوْلِهِمْ إنْ أَجْمَعُوا، وَقَوْلِ بَعْضِهِمْ إنْ تَفَرَّقُوا. فَهَكَذَا نَقُولُ: إذَا اجْتَمَعُوا أَخَذْنَا بِاجْتِمَاعِهِمْ، وَإِنْ قَالَ وَاحِدُهُمْ، وَلَمْ يُخَالِفُهُ غَيْرُهُ؛ أَخَذْنَا بِقَوْلِهِ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا أَخَذْنَا بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَلَمْ نَخْرُجُ عَنْ أَقَاوِيلِهِمْ كُلِّهِمْ.
قال الزركشي – ؒ -: وَقَالَ –ؒ– فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى قَوْلِ أَحَدِهِمْ دَلَالَةٌ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ؛ كَانَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ – رضي الله عنهم – أَحَبَّ إلَيَّ أَنْ أَقُولَ مِنْ غَيْرِهِمْ أَنْ أُخَالِفَهُمْ، مِنْ قِبَلِ أَنَّهُمْ أَهْلُ عِلْمٍ وَحِكَايَةٍ، ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ اخْتَلَفَ الْمَفْتُونَ بَعْدَ الْأَئِمَّةِ – يَعْنِي مِنْ الصَّحَابَةِ – وَلَا دَلِيلَ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ؛ نَظَرْنَا إلَى الْأَكْثَرِ، فَإِنْ تَكَافَئُوا؛ نَظَرْنَا إلَى أَحْسَنِ أَقَاوِيلِهِمْ مَخْرَجًا عِنْدَنَا».
ثم قال الزركشيُّ –ؒ-: «وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ اُشْتُهِرَ نَقْلُهُ عَنْ الْقَدِيمِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ أَيْضًا، وَقَدْ نَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي كِتَابِ «الْأُمِّ»، فِي بَابِ خِلَافِهِ مَعَ مَالِكٍ، وَهُوَ مِنْ الْكُتُبِ الْجَدِيدَةِ، فَلْنَذْكُرْهُ بِلَفْظِهِ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْفَائِدَةِ: قَالَ الشَّافِعِيُّ – ؒ -: مَا كَانَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مَوْجُودَيْنِ؛ فَالْعُذْرُ عَلَى مَنْ سَمِعَهُمَا مَقْطُوعٌ إلَّا بِاتِّبَاعِهِمَا، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ؛ صِرْنَا إلَى أَقَاوِيلِ أَصْحَابِ الرَّسُولِ أَوْ وَاحِدِهِمْ، وَكَانَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ – رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ – أَحَبَّ إلَيْنَا إذَا صِرْنَا إلَى التَّقْلِيدِ، وَلَكِنْ إذَا لَمْ نَجِدْ دَلَالَةً فِي الِاخْتِلَافِ تَدُلُّ عَلَى أَقْرَبِ الِاخْتِلَافِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ فَنَتَّبِعُ الْقَوْلَ الَّذِي مَعَهُ الدَّلَالَةُ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْإِمَامِ مَشْهُورٌ؛ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ النَّاسَ، وَمِنْ لَزِمَ قَوْلُهُ النَّاسَ؛ كَانَ أَظْهَرَ مِمَّنْ يُفْتِي الرَّجُلَ وَالنَّفَرَ، وَقَدْ يَأْخُذُ بِفُتْيَاهُ وَقَدْ يَدَعُهَا، وَأَكْثَرُ الْمُفْتِينَ يُفْتُونَ الْخَاصَّةَ فِي بُيُوتِهِمْ وَمَجَالِسِهِمْ، وَلَا يُعْنَى الْخَاصَّةُ بِمَا قَالُوا عِنَايَتَهُمْ بِمَا قَالَ الْإِمَامُ.
ثُمَّ قَالَ –ؒ-: فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ عَنْ الْأَئِمَّةِ؛ فَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – فِي الدِّينِ فِي مَوْضِعِ الْأَمَانَةِ؛ أَخَذْنَا بِقَوْلِهِمْ، وَكَانَ اتِّبَاعُهُمْ أَوْلَى بِنَا مِنْ اتِّبَاعِ مَنْ بَعْدَهُمْ. وَالْعِلْمُ طَبَقَاتٌ: الْأُولَى: الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ إذَا ثَبَتَتْ السُّنَّةُ.
وَالثَّانِيَةُ: الْإِجْمَاعُ مِمَّا لَيْسَ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ.
وَالثَّالِثَةُ: أَنْ يَقُولَ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – وَلَا نَعْلَمُ لَهُ مُخَالِفًا فِيهِمْ.
وَالرَّابِعَةُ: اخْتِلَافُ أَصْحَابِ الرَّسُولِ.
وَالْخَامِسَةُ: الْقِيَاسُ عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الطَّبَقَاتِ، وَلَا يُصَارُ إلَى شَيْءٍ غَيْرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَهُمَا مَوْجُودَانِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ الْعِلْمُ مِنْ أَعْلَى، هَذَا نَصُّهُ بِحُرُوفِهِ. وَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ شُيُوخِهِ عَنْ الْأَصَمِّ عَنْ الرَّبِيعِ عَنْهُ. وَهَذَا صَرِيحٌ مِنْهُ فِي أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ عِنْدَهُ حُجَّةٌ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْقِيَاسِ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، فَيَكُونُ لَهُ قَوْلَانِ فِي الْجَدِيدِ، وَأَحَدُهُمَا مُوَافِقٌ لِلْقَدِيمِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ غَفَلَ عَنْ نَقْلِهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.
وَيَقْتَضِي أَيْضًا أَنَّ الصَّحَابَةَ إذَا اخْتَلَفُوا؛ كَانَ الْحُجَّةُ فِي قَوْلِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ إذَا وُجِدَ عَنْهُمْ؛ لِلْمَعْنَى الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَهُوَ اشْتِهَارُ قَوْلِهِمْ، وَرُجُوعُ النَّاسِ إلَيْهِمْ، وَقَدْ اسْتَعْمَلَ الشَّافِعِيُّ ذَلِكَ فِي «الْأُمِّ» فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ. اهـ
🕮 🕮 🕮
الأصل الحادي والخمسون:
- فهْم الفقهاء للنص مُقَدَّم على تفسير أهل اللغة للمفردات العربية، والحقيقة الشرعية مُقَدَّمَةٌ على الحقيقة اللغوية أو العُرفية؛ لأن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- جاء ليُبَيِّن للناس الشرع، لا ليُبَيِّن اللغة أو العُرف.
قال الإمام النووي –ؒ– في «شرحه على مسلم»([416]): «حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ يُقَدَّمُ عَلَى حَمْلِهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ، كَمَا تَقَرَّرَ في أصول الفقه». اهـ
وقال الحافظ ابن حجر –ؒ– في «فتح الباري»([417]): «ألفاظ الشرع إذا دارَتْ بين الحقيقة اللغوية والشرعية؛ حُمِلَتْ على الشرعية، إلا إذا قام دليل». اهـ
وقال الحافظ ابن حجر –ؒ–([418]) أيضًا: «إذا ثبت تسميةُ كُلِّ مُسْكِرٍ خمرا من الشرع؛ كان حقيقةً شرعية، وهي مقدمةٌ على الحقيقة اللغوية». اهـ
وقال الإسنوي في «تخريج الفروع على الأصول»([419]): «وَالْقَوْل الْجَامِع فِي هَذَا الْجِنْس: أَن اللَّفْظ الْوَاحِد إِذا كَانَ لَهُ عرف فِي اللُّغَة، وَثَبت لَهُ عرف فِي الشَّرْع؛ فَعِنْدَ إِطْلَاق الشَّرْع ينْصَرف إِلَى عُرْفِ الشَّرْع الَّذِي ثَبت لَهُ، وَلَا يُحْمَلُ على الْحَقِيقِيَّة اللُّغَوِيَّة إِلَّا بِدَلِيل، وَتصير الْحَقِيقَةُ اللُّغَوِيَّةُ كالمجاز بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعُرف الشَّرْعِيّ؛ لِأَن الشَّرْع وعُرْفَه مُقَدَّمٌ فِي مَقْصُود خطاب الله تَعَالَى، كَمَا أَن الْحَقِيقَة اللُّغَوِيَّة مُقَدّمَة على الْمجَاز فِي مَقْصُود الْمُتَكَلّم، وَهَكَذَا كل لفظ لَهُ حَقِيقَة فِي اللُّغَة، وَثَبت لَهُ عُرْفٌ غَالب فِي الاستعمال: كَلَفْظِ الْفَقِيه، والمتكلم، وَلَفظ الدَّابَّة، ينْصَرف إِلَى عُرْفِ الِاسْتِعْمَال، وَتصير الْحَقِيقَةُ اللُّغَوِيَّةُ كالمجاز بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، وَيَخْرُجُ عَن حَدِّ الْإِجْمَال؛ فإن الْمُجْمل هُوَ اللَّفْظ الَّذِي لَا تَعَيُّنَ لأحد مَعْنَيَيْهِ فَصَاعِدًا، لَا بِوَضْع اللُّغَة، وَلَا بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَال، وَلَا بِعُرْفِ الشَّرْع». اهـ
🕮 🕮 🕮
الأصل الثاني والخمسون:
- لا يجوز التشبه بالمشركين فيما هو من خصائصهم وعباداتهم، أما أمور الدنيا –بما لا يُورِثُ مَحَبَّةً ومَيْلًا لهم- فَضْلًا عما يَدُلُّ على الارتماء في أحضانهم، والإشادةِ بهم، وذَمِّ الإسلام وأَهْلِهِ- فلا بأس بذلك، مع حِرْص المسلم على بقاء اعتزازه بدينه وتاريخه، وحرصه على حَسْم مادة الشر، وإن كانت في المآل لا الحال، وتَرْكُ التشبه بهم -بقدر الاستطاعة- في المباحثات التي اشتهروا بها، في الكلام والتعامل والهَدْي الظاهر في حق العلماء والقدوات أوْلى.
ومن أوسع الكتب التي تناولت هذه المسألة كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم» لشيخ الإسلام ابن تيمية -ؒ، فقد أطال في أول الكتاب في سوق الأدلة من الكتاب والسنة في النهي عن التشبه بالكفار، وسنورد حاصل ما ذكره -إن شاء الله تعالى-، فقد أورد بعض النصوص الكثيرة والمستفيضة من الكتاب والسنة التي نَهَتْ عن مشابهة الكفار، واتباع أهوائهم.
منها: قوله تعالى: ﴿ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﴾ { الجاثية:18-19}.
يقول في تفسيرها شيخ الإسلام ابن تيمية –ؒ-: «جعل الله محمدًا -صلى الله عليه وسلم- على شريعة من الأمر شَرَعَهَا له، وأَمَرَهُ باتباعها، ونهاه عن اتباع أهواء الذين لا يَعْلَمُون، وقد دخل في الذين لا يَعْلَمُون كلُّ من خالف شريعته، وأهواؤهم: هي ما يَهْوَوْنَه، وما عليه المشركون من هَدْيِهِم الظاهرِ، الذي هو من موجبات دينهم الباطل، وتوابع ذلك، فموافقتُهُم فيه اتباعٌ لما يَهْوَوْنَه، ولهذا يَفْرَح الكافرون بموافقة المسلمين لهم في بعض الأمور، ويُسَرُّون بذلك.
ولو فُرِضَ أن الفعل ليس من اتباع أهوائهم؛ فلا ريب أن مخالفتهم في ذلك أَحْسَمُ لمادة متابعتهم في أهوائهم، وأَعْوَنُ على حصول مرضاة الله في تركها». اهـ([420])
ومن الأدلة أيضًا: قوله تعالى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﴾ {البقرة:120}.
فانظر كيف جاء في الخبر «ملتهم» وفي النهي «أهواءهم» لأن القوم لا يَرْضَون إلا باتباع الملة مطلقًا، والزجرُ وقع عن اتباع أهوائهم في قليل أو كثير، ومن المعلوم أن متابعتهم في بعض ما هم عليه من الدين: نوعُ متابعةٍ لهم في بعض ما يهوونه، أو مَظِنَّةٌ لمتابعتهم فيما يَهْوَوْنَه([421]).
ومن الأدلة القرآنية أيضًا: ما ورد في سورة البقرة بخصوص تغيير القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة، قال تعالى: ﴿ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ﴾ {البقرة:145}. إلى قوله تعالى: ﴿ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﴾ {البقرة:150}.
قال غير واحد من السلف: معناه لئلا يحتج اليهود عليكم بالموافقة في القبلة، فيقولوا: قد وافقونا في قبلتنا؛ فيوشك أن يوافقونا في ديننا، فقطع الله بمخالفتهم في القبلة هذه الحجة، وبَيَّنَ سبحانه أن مِنْ حِكْمَةِ فَسْخِ القبلة وتغييرها: مخالفةَ الكافرين في قبلتهم؛ ليكون ذلك أَقْطَعَ لما يَطْمَعُون فيه من الباطل، وهذا المعنى ثابت في كل مخالفة وموافقة، فإن الكافر إذا اتُّبِعَ في شيء من أَمْرِهِ؛ كان له من الحجة مِثْلُ ما كان – أو قريبٌ مما كان – لليهود من الحجة في القبلة([422]).
ومن الأدلة القرآنية الدالة على النهي عن التشبه بهم في أَيِّ حالٍ وأَيِّ وَضْعٍ: قولُه تعالى: ﴿ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﴾ {يونس:89}.
وقوله تعالى: ﴿ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﴾ {الأعراف:142}.
وقال -تبارك وتعالى-: ﴿ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﴾ {النساء:115}.
كل ذلك يدل على أن جنس مخالفتهم، وتَرْكَ مشابهتهم أَمْرٌ مشروع([423]).
أما السنة النبوية: فورد فيها نصوص كثيرة في هذا الموضوع، ومن ذلك:
قوله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: «مَنْ تَشَبَّهَ بقومٍ؛ فهو منهم»([424]).
وفي هذا الحديث يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -ؒ-: إسناده جيد، وأقل أحواله: أنه يَقْتَضِي تحريمَ التَّشَبُّهِ بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كُفْرَ المُتَشَبِّه بهم، كما في قوله تعالى: ﴿ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﴾ {المائدة:51}.
وهو نظير ما قاله عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-: «مَنْ بَنَى بأرض المشركين، وصَنَعَ نَيْروزَهُم ومَهْرَجَانَهم([425])، وتَشَبَّهَ بهم حتى يموت وهو كذلك؛ حُشِرَ معهم يوم القيامة»([426])، فقد يُحْمَل هذا على التشبه المطلَقِ الذي يوجِبُ الكُفْرَ.. وقد يُحْمَل على أنه صار منهم في القَدْر المشترك الذي شابههم فيه: فإن كان كُفرًا أو معصيةً أو شعارًا للكفر أو المعصية؛ كان حُكْمُه كذلك.
أما مَنْ فَعَلَ الشيءَ، واتَّفَقَ أن الغير فَعَلَه أيضًا، ولم يَأْخَذْهُ أحدهما عن صاحبه؛ ففي كَوْنِ هذا تَشَبُّهًا نَظَرٌ، لكن قد يُنْهَى عن هذا لئلًا يكون ذريعة إلى التشبه، ولما فيه من المخالفة([427]).
ومن الأدلة النبوية أيضًا: قوله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ من كان قبلكم، شِبْرًا شبرًا وذراعًا ذراعًا، حتى لو دخلوا جُحْرَ ضَبٍّ؛ تَبِعْتُمُوهم» قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فَمَنْ؟».
وفي «الصحيح» أيضًا: عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: أن الناس نزلوا مع رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- على الحِجر – أَرْضِ ثمود – فاسْتَقَوْا من آبارها، وعَجَنُوا به العجين، فأَمَرَهُم رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- أن يُهْرِيقوا ما اسْتَقَوْا، ويَعْلِفُوا الإبلَ العجينَ، وأَمَرَهُم أن يَسْتَقُوْا من البئر التي كانت تَرِدُها الناقةُ([428]).
ومخالفةُ أهلِ الكتاب يندرج فيها ثلاثةُ أقسام، ذَكَرها شيخُ الإسلام -ؒ- في «اقتضاء الصراط المستقيم»([429]):
(1) ما كان مشروعًا في الشريعتين، أو ما كان مشروعًا لنا، وهم يفعلونه: كصوم يوم عاشوراء، أو كأصل الصلاة والصيام، فهنا تقع المخالفة في صفة ذلك العمل، كما سُنَّ لنا صَوْمُ تاسوعاء، وعاشوراء، وكما أُمِرْنا بتعجيل الفطر والمغرب مخالفةً لأهل الكتاب، وكذلك تأخيرُ السحور مخالفةً لهم، والصلاةُ في النعلين مخالفةً لليهود، وهذا كثير في العبادات، وكذلك في العادات.
(2) ما كان مشروعًا، ثم نُسِخَ بالكلية، كالسبت، أو إيجاب صلاة أو صوم، ولا يَخْفَى النهيُ عن موافقتهم في هذا.
وكذلك الأمر في أعيادهم؛ لأن الأعياد المشروعة يَشْرُع فيها وجوبًا أو استحبابًا من العبادات ما لا يَشْرُع في غيرها كالصلاة، أو الذِّكْر، أو الصدقة، أو النُّسُك، ويُباح فيها أو يُسْتَحَبُّ أو يَجِبُ من العادات التي للنفوس فيها حَظٌّ ما لا يكون في غيرها كذلك، كالتوسع في الطعام واللباس.
ولهذا وجب علينا فِطْرُ العيدين، وقُرِنَ بالصلاة في أحدهما الصدقَةُ، وقُرِنَ بها في الآخر الذَّبْحُ، وكلاهما من أسباب الطعام، فموافقتهم في هذا القسم المنسوخ من العبادات أو العادات أو كلاهما أقبح من موافقتهم فيما هو مشروع الأصل، ولهذا كانت الموافقة في هذا محرمة… وفي القسم الأول قد لا تكون إلا مكروهة.
(3) ما أحدثوه من العبادات أو العبادات أو كليهما؛ فهذا أقبحُ وأقبحُ؛ فإنه لو أحدثه المسلمون لقد كان يكون قبيحًا؛ فكيف إذا كان مما لم يُشَرِّعْهُ نبي قط؟ بل أحدثه الكافرون؟ فالموافقة فيه ظاهرة القبح، فهذا أَصْلٌ؛ وأَصْلٌ آخر: وهو أن كل ما يتشابهون فيه من عبادة أو عادة أو كليهما هو من المحدثات في هذه الأمة، ومن البدع؛ إذ الكلام فيما كان من خصائصهم، وأما ما كان مشروعًا لنا، وقد فعله سلفنا السابقون؛ فلا كلام فيه.
ونَخْلُص إلى القول: أن حُكْم الموافقة في الأول مكروهة، وفي الثاني مُحَرَّمَةٌ، وفي الثالث أشد حرمة([430]).
🕮 🕮 🕮
الأصل الثالث والخمسون:
- الإيمانُ عند أهل السنة: قولٌ وعملٌ، قولٌ بالقلب وباللسان، وعملٌ بالقلب والجوارح والأركان، وأهله فيه متفاوتون في الدرجات والمنازل، بحسب قيامهم بالواجبات، وانتهائهم عن المنهيات، وتركهم للشبهات، وأن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وللمؤمن أن يقول على سبيل الورع والاحتياط لا على سبيل الشك والارتياب: أنا مؤمن -إن شاء الله تعالى- وخالف في ذلك أهل البدع، من الخوارج، والمعتزلة، والمرجئة، والجهمية،… وغيرهم.
أقوال السلف في بيان حقيقة الإيمان:
قال ابن بطة-ؒ-([431]): «قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ: هَذِهِ تَسْمِيَةُ مَنْ كَانَ يَقُولُ: الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، يَزِيدُ وَيَنْقُصُ:
مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ: عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيُّ، عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، مُجَاهِدُ بْنُ جَبْرٍ، ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ جُرَيْجٍ، نَافِعُ بْنُ جَمِيلٍ، دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَطَّارُ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ.
وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: مُحَمَّدُ بْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَبُو حَازِمٍ الْأَعْرَجُ، سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ، مَالِكُ ابْنُ أَنَسٍ الْمُفْتِي، مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي ذِئْبٍ، سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ.
وَمِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ: طَاوُسٌ الْيَمَانِيُّ، وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ، عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ.
وَمِنْ أَهْلِ مِصْرَ وَالشَّامِ: مَكْحُولٌ، الْأَوْزَاعِيُّ، سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، الْوَلِيدُ ابْنُ مُسْلِمٍ، يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ الْأَيْلِيُّ، يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، يَزِيدُ بْنُ شُرَيْحٍ، سَعِيدُ ابْنُ أَبِي أَيُّوبَ، اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ.
وَمِمَّنْ سَكَنَ الْعَوَاصِمَ وَغَيْرَهَا مِنَ الْجَزِيرَةِ: مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ، يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ، مَعْقِلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الرَّقِّيُّ، عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مَالِكٍ، الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ، مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْحَرَّانِيُّ، أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ، مَخْلَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، عَلِيُّ بْنُ بَكَّارٍ، يُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ، عَطَاءُ بْنُ مُسْلِمٍ، مُحَمَّدُ ابْنُ كَثِيرٍ، الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ.
وَمِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ: عَلْقَمَةُ، الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ، أَبُو وَائِلٍ، سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ، عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ، إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ، سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ، مُغِيرَةُ الضَّبِّيُّ، عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، أَبُو حَيَّانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، سُلَيْمَانُ بْنُ مِهْرَانَ الْأَعْمَشُ، يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّوْرِيُّ، سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، أَبُو الْمِقْدَامِ ثَابِتُ بْنُ الْعَجْلَانِ، ابْنُ شُبْرُمَةَ، ابْنُ أَبِي لَيْلَى، زُهَيْرٌ، شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، أَبُو الْأَحْوَصِ، وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، أَبُو أُسَامَةَ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ بَشِيرٍ الْعَبْدِيُّ، يَحْيَى بْنُ آدَمَ، مُحَمَّدٌ وَيَعْلَى وَعُمَرُ بَنُو عُبَيْدٍ.
وَمِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ: الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ، مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، قَتَادَةُ بْنُ دِعَامَةَ، بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ، أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ، يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ، سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ، شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ، حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، أَبُو الْأَشْهَبِ، يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَبُو عَوَانَةَ، وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ، عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ التَّمِيمِيُّ، يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، الْمُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ.
وَمَنْ أَهْلِ وَاسِطَ: هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ، خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، يَزِيدُ ابْنُ هَارُونَ، صَالِحُ بْنُ عُمَرَ، عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ.
وَمِنْ أَهْلِ الْمَشْرِقِ: الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ، أَبُو جَمْرَةَ نَصْرُ بْنُ عِمْرَانَ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الضَّبِّيُّ.
هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ يَقُولُونَ: الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَالْمَعْمُولُ بِهِ عِنْدَنَا. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
وأخرج ابن بطة –ؒ– بسنده قال([432]): «قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ -ؒ-: لَا يَسْتَقِيمُ الْإِيمَانُ إِلَّا بِالْقَوْلِ، وَلَا يَسْتَقِيمُ الْإِيمَانُ وَالْقَوْلُ إِلَّا بِالْعَمَلِ، وَلَا يَسْتَقِيمُ الْإِيمَانُ وَالْقَوْلُ وَالْعَمَلُ إِلَّا بِنِيَّةٍ مُوَافَقَةٍ لِلسُّنَّةِ، وَكَانَ مَنْ مَضَى مِنْ سَلَفِنَا لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ، وَالْعَمَلُ مِنَ الْإِيمَانِ، وَالْإِيمَانُ مِنَ الْعَمَلِ، وَإِنَّمَا الْإِيمَانُ اسْمٌ يَجْمَعُ هَذِهِ الْأَدْيَانَ اسْمُهَا، وَيُصَدِّقُهُ الْعَمَلُ، فَمَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ، وَعَرَفَ بِقَلْبِهِ، وَصَدَّقَ بِعَمَلِهِ؛ فَتِلْكَ الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى الَّتِي لَا انْفِصَامَ لَهَا، وَمَنْ قَالَ بِلِسَانِهِ، وَلَمْ يَعْرِفْ بِقَلْبِهِ، وَلَمْ يُصَدِّقْهُ بِعَمَلِهِ؛ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ، وَكَانَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ»
وأخرج اللالكائي-ؒ– بسنده عن شُعَيْب بْن حَرْبٍ([433]) عن سفيان الثوري -ؒ- أنه قال: «… وَالْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ، يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَيَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ، وَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ إِلَّا بِالْعَمَلِ، وَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ وَالْعَمَلُ إِلَّا بِالنِّيَّةِ، وَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ وَالْعَمَلُ وَالنِّيَّةُ إِلَّا بِمُوَافَقَةِ السُّنَّةِ».
وأخرج عبد الله بن أحمد -ؒ- بسنده عن مَالِك بْن أَنَسٍ
-ؒ- قال([434]): «الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ،…
وبسنده -أيضا- عن الْفُضَيْل بْن عِيَاضٍ، قال-ؒ-([435]): «إِنَّ أَهْلَ الْإِرْجَاءِ يَقُولُونَ: إِنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ بِلَا عَمِلٍ، وَيَقُولُ الْجَهْمِيَّةُ: الْإِيمَانُ الْمَعْرِفَةُ بِلَا قَوْلٍ ولَا وَعَمَلٍ، وَيَقُولُ أَهْلُ السُّنَّةِ: الْإِيمَانُ الْمَعْرِفَةُ وَالْقَوْلُ وَالْعَمَلُ».
وأخرج اللالكائي –ؒ– بسنده قال([436]): «قَالَ الشَّافِعِيُّ -ؒ- فِي كِتَابِ «الْأُمِّ» فِي بَابِ النِّيَّةِ فِي الصَّلَاةِ:… وَكَانَ الْإِجْمَاعُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِمَّنْ أَدْرَكْنَاهُمْ: أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ، لَا يُجْزِئُ وَاحِدٌ مِنَ الثَّلَاثَةِ بِالْآخَرِ».
وقال الحميدي –ؒ–([437]): «وأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ولا ينفع قول إلا بعمل، ولا عمل و قول إلا بنية، ولا قول وعمل بنية إلا بسنة».
وقال عبد الله بن أحمد-↓–([438]): سَمِعْتُ أَبِيَ -ؒ- وَسُئِلَ عَنِ الْإِرْجَاءِ، فَقَالَ: «نَحْنُ نَقُولُ: الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، إِذَا زَنَى وَشَرِبَ الْخَمْرَ نَقَصَ إِيمَانُهُ».
وأخرج اللالكائي –ؒ– بسنده عن مُحَمَّد بْنَ إِسْمَاعِيلَ البخاري
-ؒ-، قال([439]): «كَتَبْتُ عَنْ أَلْفِ نَفَرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَزِيَادَةٍ، وَلَمْ أَكْتُبْ إِلَّا عَمَّنْ قَالَ: الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، وَلَمْ أَكْتُبْ عَمَّنْ قَالَ: الْإِيمَانُ قَوْلٌ».
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية –ؒ–([440]): «وَكَذَلِكَ ذَكَرَ أَبُو عَمْرٍو الطلمنكي إجْمَاعَ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ وَإِصَابَةُ السُّنَّةِ».
وبنحو ذلك قال الآجري([441])، وابن أبي زيد القيرواني([442])، وابن أبي زمنين([443])، وأبو عثمان الصابوني([444])، وابن بطال([445])، وابن حزم([446])، وابن عبد البر([447])، والسمعاني([448])، والبغوي-رحمهم الله جميعًا –([449]).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية –ؒ–([450]): «وَلِهَذَا كَانَ الْقَوْلُ: إنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ شَعَائِرِ السُّنَّةِ، وَحَكَى غَيْرُ وَاحِدٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ».
وقال الإمام ابن القيم –ؒ-([451]): «وهاهنا أصل آخر: وهو أن حقيقة الإيمان مُرَكَّبَةٌ من قول وعمل. والقول قسمان: قَوْلُ القلب: وهو الاعتقاد، وقَوْلُ اللسان: وهو التكلم بكلمة الإسلام، والعمل قسمان: عَمَلُ القلب: وهو نيته وإخلاصه، وعَمَلُ الجوارح، فإذا زالت هذه الأربعة؛ زال الإيمان بكماله، وإذا زال تصديق القلب؛ لم تنفع بقية الأجزاء؛ فإن تصديق القلب شرط في اعتقادها وكونها نافعة، وإذا زال عمل القلب مع اعتقاد الصدق؛ فهذا موضع المعركة بين المرجئة وأهل السنة».
وقال الحافظ ابن كثير-ؒ–([452]): «فَالْإِيمَانُ الشَّرْعِيُّ الْمَطْلُوبُ لَا يَكُونُ إِلَّا اعْتِقَادًا وَقَوْلًا وَعَمَلًا.
هَكَذَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ، بَلْ قَدْ حَكَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو عُبَيد وَغَيْرُ وَاحِدٍ إِجْمَاعًا: أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، يَزِيدُ وَيَنْقُصُ».
وقال الحافظ ابن رجب –ؒ–([453]): «وأكثر العلماء قالوا: هو قول وعمل؛ وهذا كله إجماع من السلف وعلماء أهل الحديث.
وقد حكى الشافعي إجماع الصحابة والتابعين عليه، وحكى أبو ثور الإجماع عليه أيضا.
وقال الأوزاعي: كان من مضى ممن سلف لا يُفَرِّقون بين الإيمان والعمل، وحكاه غير واحد من سلف العلماء عن أهل السنة والجماعة. وممن حكى ذلك عن أهل السنة والجماعة: الفضيل بن عياض، ووكيع بن الجراح…». اهـ
بيان اختلاف ألفاظ السلف في التعبير عن حقيقة الإيمان:
ولا فرق بين قولهم: إن الإيمان قول وعمل، أو قول وعمل ونية، أو قول وعمل واعتقاد، أو قول وعمل ونية وسنة؛ فكل ذلك من باب اختلاف التنوع، فمن قال من السلف: إن الإيمان قول وعمل أراد قولَ القلب واللسان، وعملَ القلب والجوارح.
ومن زاد الاعتقاد رأى أن لَفْظَ القول لا يُفْهَمُ منه إلا القول الظاهر، أو خاف من ذلك؛ فزاد الاعتقادَ بالقلب.
ومن قال: قول وعمل ونية، قال: القول يتناول الاعتقاد (قول القلب)، وقول اللسان، وأما العمل فقد لا يُفْهَم منه النية وهي (عمل القلب)، فزاد ذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية-ؒ–([454]): «وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَقْوَالُ السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ السُّنَّةِ فِي «تَفْسِيرِ الْإِيمَانِ» فَتَارَةً يَقُولُونَ: هُوَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ. وَتَارَةً يَقُولُونَ: هُوَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ. وَتَارَةً يَقُولُونَ: قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ وَاتِّبَاعُ السُّنَّةِ. وَتَارَةً يَقُولُونَ: قَوْلٌ بِاللِّسَانِ، وَاعْتِقَادٌ بِالْقَلْبِ، وَعَمَلٌ بِالْجَوَارِحِ، وَكُلُّ هَذَا صَحِيحٌ. فَإِذَا قَالُوا: قَوْلٌ وَعَمَلٌ؛ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْقَوْلِ قَوْلُ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ جَمِيعًا؛ وَهَذَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ لَفْظِ الْقَوْلِ وَالْكَلَامِ وَنَحْوِ ذَلِكَ إذَا أُطْلِقَ.
…وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ مَنْ قَالَ مِنْ السَّلَفِ: الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، أَرَادَ قَوْلَ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ، وَعَمَلَ الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ؛ وَمَنْ أَرَادَ الِاعْتِقَادَ؛ رَأَى أَنَّ لَفْظَ الْقَوْلِ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ إلَّا الْقَوْلُ الظَّاهِرُ، أَوْ خَافَ ذَلِكَ، فَزَادَ الِاعْتِقَادَ بِالْقَلْبِ، وَمَنْ قَالَ: قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ؛ قَالَ: الْقَوْلُ يَتَنَاوَلُ الِاعْتِقَادَ وَقَوْلَ اللِّسَانِ، وَأَمَّا الْعَمَلُ فَقَدْ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ النِّيَّةُ، فَزَادَ ذَلِكَ، وَمَنْ زَادَ اتِّبَاعَ السُّنَّةِ؛ فَلِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَا يَكُونُ مَحْبُوبًا لِلَّهِ إلَّا بِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ، وَأُولَئِكَ لَمْ يُرِيدُوا كُلَّ قَوْلٍ وَعَمَلٍ، إنَّمَا أَرَادُوا مَا كَانَ مَشْرُوعًا مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ، وَلَكِنْ كَانَ مَقْصُودُهُمْ الرَّدَّ عَلَى «الْمُرْجِئَةِ» الَّذِينَ جَعَلُوهُ قَوْلًا فَقَطْ، فَقَالُوا: بَلْ هُوَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، وَاَلَّذِينَ جَعَلُوهُ «أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ» فَسَّرُوا مُرَادَهُمْ كَمَا سُئِلَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التستري عَنْ الْإِيمَانِ مَا هُوَ؟ فَقَالَ: قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ وَسُنَّةٌ؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ إذَا كَانَ قَوْلًا بِلَا عَمَلٍ؛ فَهُوَ كُفْرٌ وَإِذَا كَانَ قَوْلًا وَعَمَلًا بِلَا نِيَّةٍ؛ فَهُوَ نِفَاقٌ وَإِذَا كَانَ قَوْلًا وَعَمَلًا وَنِيَّةً بِلَا سُنَّةٍ؛ فَهُوَ بِدْعَةٌ.
وقال أيضًا-ؒ–([455]): «وَلَيْسَ بَيْنَ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ اخْتِلَافٌ مَعْنَوِيٌّ، وَلَكِنَّ الْقَوْلَ الْمُطْلَقَ وَالْعَمَلَ الْمُطْلَقَ فِي كَلَامِ السَّلَفِ يَتَنَاوَلُ قَوْلَ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ، وَعَمَلَ الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ، فَقَوْلُ اللِّسَانِ بِدُونِ اعْتِقَادِ الْقَلْبِ هُوَ قَوْلُ الْمُنَافِقِينَ، وَهَذَا لَا يُسَمَّى قَوْلًا إلَّا بِالتَّقْيِيدِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: [ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ] {الفتح:11} وَكَذَلِكَ عَمَلُ الْجَوَارِحِ بِدُونِ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ هِيَ مِنْ أَعْمَالِ الْمُنَافِقِينَ؛ الَّتِي لَا يَتَقَبَّلُهَا اللَّهُ. فَقَوْلُ السَّلَفِ: يَتَضَمَّنُ الْقَوْلَ وَالْعَمَلَ الْبَاطِنَ وَالظَّاهِرَ؛ لَكِنْ لَمَّا كَانَ بَعْضُ النَّاسِ قَدْ لَا يَفْهَمُ دُخُولَ النِّيَّةِ فِي ذَلِكَ؛ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَنِيَّةٌ. ثُمَّ بَيَّنَ آخَرُونَ: أَنَّ مُطْلَقَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ وَالنِّيَّةِ لَا يَكُونُ مَقْبُولًا إلَّا بِمُوَافَقَةِ السُّنَّةِ، وَهَذَا حَقٌّ أَيْضًا؛ فَإِنَّ أُولَئِكَ قَالُوا: قَوْلٌ وَعَمَلٌ؛ لِيُبَيِّنُوا اشْتِمَالَهُ عَلَى الْجِنْسِ، وَلَمْ يَكُنْ مَقْصُودُهُمْ ذِكْرَ صِفَاتِ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ؛ وَكَذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: اعْتِقَادٌ بِالْقَلْبِ، وَقَوْلٌ بِاللِّسَانِ، وَعَمَلٌ بِالْجَوَارِحِ؛ جَعَلَ الْقَوْلَ وَالْعَمَلَ اسْمًا لِمَا يَظْهَرُ؛ فَاحْتَاجَ أَنْ يَضُمَّ إلَى ذَلِكَ اعْتِقَادَ الْقَلْبِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يُدْخِلَ فِي قَوْلِهِ: اعْتِقَادَ الْقَلْبِ أَعْمَالَ الْقَلْبِ الْمُقَارِنَةِ لِتَصْدِيقِهِ: مِثْلُ حَبِّ اللَّهِ، وَخَشْيَةِ اللَّهِ، وَالتَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ دُخُولَ أَعْمَالِ الْقَلْبِ فِي الْإِيمَانِ أَوْلَى مِنْ دُخُولِ أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ باتفاق الطَّوَائِفِ كُلِّهَا».
الدليل على أن عمل الجوارح من الإيمان:
والمقصود بعمل الجوارح: أي فِعْلُ المأمورات، وتَرْكُ المنهيات مما لا يكون الفعل أو الترك إلا من خلال الجوارح، سواء كان من الواجبات أو المُسْتَحَبَّات.
وعمل الجوارح: مثل الصلاة، والقيام، والركوع، والسجود، والصيام، والصدقات، والمشي في مرضاة الله تعالى؛ كنَقْل الخُطَا إلى المساجد، والحج، والجهاد في سبيل الله، والأمر، والنهي عن المنكر، وغير ذلك من أعمال شُعَب الإيمان.
وهذا القسم هو الذي عليه أكثر الخلاف في مسألة الإيمان:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية-ؒ–([456]): «وَ «الْمُرْجِئَةُ» أَخْرَجُوا الْعَمَلَ الظَّاهِرَ عَنْ الْإِيمَانِ؛ فَمَنْ قَصَدَ مِنْهُمْ إخْرَاجَ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ أَيْضًا، وَجَعَلَهَا هِيَ التَّصْدِيقَ؛ فَهَذَا ضَلَالٌ بَيِّنٌ، وَمَنْ قَصَدَ إخْرَاجَ الْعَمَلِ الظَّاهِرِ؛ قِيلَ لَهُمْ: الْعَمَلُ الظَّاهِرُ لَازِمٌ لِلْعَمَلِ الْبَاطِنِ، لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ، وَانْتِفَاءُ الظَّاهِرِ دَلِيلُ انْتِفَاءِ الْبَاطِنِ، فَبَقِيَ النِّزَاعُ فِي أَنَّ الْعَمَلَ الظَّاهِرَ هَلْ هُوَ جُزْءٌ مِنْ مُسَمَّى الْإِيمَانِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ بِالتَّضَمُّنِ، أَوْ لَازِمٌ لِمُسَمَّى الْإِيمَانِ؟ وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّهُ تَارَةً يَدْخُلُ فِي الِاسْمِ، وَتَارَةً يَكُونُ لَازِمًا لِلْمُسَمَّى – بِحَسَبِ إفْرَادِ الِاسْمِ وَاقْتِرَانِهِ – فَإِذَا قُرِنَ الْإِيمَانُ بِالْإِسْلَامِ؛ كَانَ مُسَمَّى الْإِسْلَامِ خَارِجًا عَنْهُ، كَمَا فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ، وَإِنْ كَانَ لَازِمًا لَهُ، وَكَذَلِكَ إذَا قُرِنَ الْإِيمَانُ بِالْعَمَلِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: [ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ] فَقَدْ يُقَالُ: اسْمُ الْإِيمَانِ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ الْعَمَلُ، وَإِنْ كَانَ لَازِمًا لَهُ؛ وَقَدْ يُقَالُ: بَلْ دَخَلَ فِيهِ وَعُطِفَ عَلَيْهِ عَطْفَ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ؛ وَبِكُلِّ حَالٍ؛ فَالْعَمَلُ تَحْقِيقٌ لِمُسَمَّى الْإِيمَانِ، وَتَصْدِيقٌ لَهُ، وَلِهَذَا قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ – كَالشَّيْخِ أَبِي إسْمَاعِيلَ الْأَنْصَارِيِّ؟ وَغَيْرِهِ -: الْإِيمَانُ كُلُّهُ تَصْدِيقٌ، فَالْقَلْبُ يُصَدِّقُ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وَاللِّسَانُ يُصَدِّقُ مَا فِي الْقَلْبِ، وَالْعَمَلُ يُصَدِّقُ الْقَوْلَ كَمَا يُقَالُ: صَدَّقَ عَمَلُهُ قَوْلَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: «الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ، وَزِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالْأُذُنَانِ تَزْنِيَانِ، وَزِنَاهُمَا السَّمْعُ، وَالْيَدُ تَزْنِي، وَزِنَاهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ تَزْنِي، وَزِنَاهَا الْمَشْيُ، وَالْقَلْبُ يَتَمَنَّى وَيَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ» وَالتَّصْدِيقُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْخَبَرِ وَفِي الْإِرَادَةِ، يُقَالُ: فُلَانٌ صَادِقُ الْعَزْمِ، وَصَادِقُ الْمَحَبَّةِ، وَحَمَلُوا حَمْلَةً صَادِقَةً.
وَالسَّلَفُ: اشْتَدَّ نَكِيرُهُمْ عَلَى الْمُرْجِئَةِ لَمَّا أَخْرَجُوا الْعَمَلَ مِنْ الْإِيمَانِ، وَقَالُوا -أي المرجئة-: إنَّ الْإِيمَانَ يَتَمَاثَلُ النَّاسُ فِيهِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ قَوْلَهُمْ بِتَسَاوِي إيمَانِ النَّاسِ مِنْ أَفْحَشِ الْخَطَأِ؛ بَلْ لَا يَتَسَاوَى النَّاسُ فِي التَّصْدِيقِ وَلَا فِي الْحُبِّ وَلَا فِي الْخَشْيَةِ وَلَا فِي الْعِلْمِ،؛ بَلْ يَتَفَاضَلُونَ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ. وَأَيْضًا: فَإِخْرَاجُهُمْ الْعَمَلَ يُشْعِرُ أَنَّهُمْ أَخْرَجُوا أَعْمَالَ الْقُلُوبِ أَيْضًا، وَهَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا؛ فَإِنَّ مَنْ صَدَّقَ الرَّسُولَ وَأَبْغَضَهُ وَعَادَاهُ بِقَلْبِهِ وَبَدَنِهِ؛ فَهُوَ كَافِرٌ قَطْعًا بِالضَّرُورَةِ، وَإِنْ أَدْخَلُوا أَعْمَالَ الْقُلُوبِ فِي الْإِيمَانِ؛ أَخْطَئُوا أَيْضًا؛ لِامْتِنَاعِ قِيَامِ الْإِيمَانِ بِالْقَلْبِ مِنْ غَيْرِ حَرَكَةِ بَدَنٍ». اهـ
والدليل على أن عَمَلَ الجوارح الظاهرة من الإيمان:
من الكتاب العزيز:
قولُ الله تعالى: ﴿ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﴾ {البقرة:143}.
قال أبو عبيد-ؒ–([457]): «فَلَمَّا أَجَابُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِلَى قَبُولِ الصَّلَاةِ كَإِجَابَتِهِمْ إِلَى الْإِقْرَارِ؛ صَارَا جَمِيعًا مَعًا هُمَا يَوْمَئِذٍ الْإِيمَانُ؛ إِذْ أُضِيفَتِ الصَّلَاةُ إِلَى الْإِقْرَارِ، وَالشَّهِيدُ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ مِنَ الْإِيمَانِ: قَوْلُ اللَّهِ –: ﴿ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﴾ {البقرة:143} وَإِنَّمَا نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ تُوُفُّوا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهُمْ عَلَى الصَّلَاةِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، فَأَيُّ شَاهِدٍ يُلْتَمَسُ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ مِنَ الْإِيمَانِ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ؟»
– وقال تعالى: ﴿ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ﴾ { الحج:77-78}.
– وقال تعالى: ﴿ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﴾ {الفرقان:63-64}.
– وقال تعالى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﴾ {الأنعام:158}.
قال الامام الطبري-ؒ–([458]): «وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﴾ {الأنعام:158} فَإِنَّهُ يَعْنِي: أَوْ عَمِلَتْ فِي تَصْدِيقِهَا بِاللَّهِ خَيْرًا مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ تُصَدِّقُ قِيلَهُ وَتُحَقِّقُهُ مِنْ قَبْلِ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، لَا يَنْفَعُ كَافِرًا لَمْ يَكُنْ آمَنَ بِاللَّهِ قَبْلَ طُلُوعِهَا، كَذَلِكَ إِيمَانُهُ بِاللَّهِ إِنْ آمَنَ وَصَدَّقَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ؛ لِأَنَّهَا حَالَةٌ لَا تَمْتَنِعُ نَفْسٌ مِنَ الْإِقْرَارِ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ لِهَوْلِ الْوَارِدِ عَلَيْهِمْ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، فَحُكْمُ إِيمَانِهِمْ كَحُكْمِ إِيمَانِهِمْ عِنْدَ قِيَامِ السَّاعَةِ، وَتِلْكَ حَالٌ لَا يَمْتَنِعُ الْخَلْقُ مِنَ الْإِقْرَارِ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ؛ لِمُعَايَنَتِهِمْ مِنْ أَهْوَالِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مَا تَرْتَفِعُ مَعَهُ حَاجَتُهُمْ إِلَى الْفِكْرِ وَالِاسْتِدْلَالِ وَالْبَحْثِ وَالِاعْتِبَارِ، وَلَا يَنْفَعُ مَنْ كَانَ بِاللَّهِ وَبِرُسُلِهِ مُصَدِّقًا، وَلِفَرَائِضِ اللَّهِ مُضَيِّعًا غَيْرَ مُكْتَسِبٍ بِجَوَارِحِهِ لِلَّهِ طَاعَةً إِذَا هِيَ طَلَعَتْ مِنْ مَغْرِبِهَا أَعْمَالُهُ إِنْ عَمِلَ، وَكَسْبُهُ إِنِ اكْتَسَبَ؛ لِتَفْرِيطِهِ الَّذِي سَلَفَ قَبْلَ طُلُوعِهَا فِي ذَلِكَ»
– وقال تعالى: ﴿ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﴾ {الحجرات:15}.
– وقال تعالى: ﴿ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﴾ {فاطر:10}.
– وقال تعالى: ﴿ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﴾ {التوبة:71}.
– وقال تعالى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﴾ {التوبة:112}.
– وقال تعالى: ﴿ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﴾ {النساء:65}.
– وقال تعالى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﴾ {البقرة:177}.
قال ابن بطة-ؒ-([459]): «فَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ فِي آيٍ كَثِيرَةٍ مِنْهُ أَنَّ هَذَا الْإِيمَانَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْعَمَلِ، وَأَدَاءِ الْفَرَائِضِ بِالْقُلُوبِ وَالْجَوَارِحِ، وَبَيَّنَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَشَرَحَهُ فِي سُنَّتِهِ، وَأَعْلَمَهُ أُمَّتَهُ، وَكَانَ مِمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ مِمَّا أَعْلَمَنَا أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْعَمَلُ، وَأَنَّ الْعَمَلَ مِنَ الْإِيمَانِ مَا قَالَهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ] {البقرة:177}. فَانْتَظَمَتْ هَذِهِ الْآيَةُ أَوْصَافَ الْإِيمَانِ وَشَرَائِطَهُ مِنَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ وَالْإِخْلَاصِ، وَلَقَدْ سَأَلَ أَبُو ذَرٍّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- عَنِ الْإِيمَانِ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ([460])».
– وقال تعالى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﴾ {المؤمنون:1-11}.
– وقال تعالى: ﴿ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﴾ {المائدة:93}.
– وقال تعالى: ﴿ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﴾ {البينة:5}.
قال الحافظ ابن كثير-ؒ–([461]): «وَقَدِ اسْتَدَلَّ كَثِيرٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ، كَالزُّهْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ، بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ دَاخِلَةٌ فِي الْإِيمَانِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﴾ {البينة:5}».
وقال الآجري-ؒ–([462]): «اعْلَمُوا -رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ- يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ، وَيَا أَهْلَ الْعِلْمِ، وَيَا أَهْلَ السُّنَنِ وَالْآثَارِ، وَيَا مَعْشَرَ مَنْ فَقَّهَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الدِّينِ، بِعِلْمِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ: أَنَّكُمْ إِنْ تَدَبَّرْتُمُ الْقُرْآنَ، كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ تَعَالَى؛ عَلِمْتُمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ بِهِ وَبِرَسُولِهِ: الْعَمَلَ، وَأَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يُثْنِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّهُ قَدْ رَضِيَ عَنْهُمْ وَأَنَّهُمْ قَدْ رَضُوا عَنْهُ وَأَثَابَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الدُّخُولَ إِلَى الْجَنَّةِ، وَالنَّجَاةَ مِنَ النَّارِ، إِلَّا الْإِيمَانَ وَالْعَمَلَ الصَّالِحَ، وَقَرَنَ مَعَ الْإِيمَانِ الْعَمَلَ الصَّالِحَ، لَمْ يُدْخِلْهُمُ الْجَنَّةَ بِالْإِيمَانِ وَحْدَهُ، حَتَّى ضَمَّ إِلَيْهِ الْعَمَلَ الصَّالِحَ، الَّذِي قَدْ وَفَّقَهُمْ لَهُ، فَصَارَ الْإِيمَانُ لَا يَتِمُّ لِأَحَدٍ حَتَّى يَكُونَ مُصَدِّقًا بِقَلْبِهِ، وَنَاطِقًا بِلِسَانِهِ، وَعَامِلًا بِجَوَارِحِهِ، لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ تَدَبَّرَ الْقُرْآنَ وَتَصَفَّحَهُ؛ وَجَدَهُ كَمَا ذَكَرْتُ.
وَاعْلَمُوا -رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكُمْ- أَنِّي قَدْ تَصَفَّحْتُ الْقُرْآنَ، فَوَجَدْتُ فِيهِ مَا ذَكَرْتُهُ فِي سِتَّةٍ وَخَمْسِينَ مَوْضِعًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ — أَنَّ اللَّهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَمْ يُدْخِلِ الْمُؤْمِنِينَ الْجَنَّةَ بِالْإِيمَانِ وَحْدَهُ، بَلْ أَدْخَلَهُمُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ، وَبِمَا وَفَقَّهُمْ لَهُ مِنَ الْإِيمَانِ بِهِ، وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَهَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ: الْإِيمَانُ: الْمَعْرِفَةُ، وَرَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ: الْمَعْرِفَةُ وَالْقَوْلُ، وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ قَائِلِ هَذَا». اهـ
الأدلة من السنة:
– عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ – أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ – شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا: قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا: إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ»([463]).
– وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رضي الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- قَالَ: «ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ؛ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ»([464]).
– وعَنْ أَنَسٍ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: «لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»([465])
– وعَنْ أَبِي جَمْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبَيْنَ النَّاسِ، فَقَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ أَتَوُا النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- فَقَالَ: «مَنِ الوَفْدُ، أَوْ مَنِ القَوْمُ» قَالُوا: رَبِيعَةُ فَقَالَ: «مَرْحَبًا بِالقَوْمِ أَوْ بِالوَفْدِ، غَيْرَ خَزَايَا وَلاَ نَدَامَى» قَالُوا: إِنَّا نَأْتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، وَلاَ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّا فِي شَهْرٍ حَرَامٍ؛ فَمُرْنَا بِأَمْرٍ نُخْبِرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، نَدْخُلُ بِهِ الجَنَّةَ، فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ — وَحْدَهُ، قَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَتُعْطُوا الخُمُسَ مِنَ المَغْنَمِ»([466])
– وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ -رضي الله عنه- عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ، وَأَبْغَضَ لِلَّهِ، وَأَعْطَى لِلَّهِ، وَمَنَعَ لِلَّهِ؛ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ»([467])
(تنبيه): لقد يسَّر الله -جل شأنه- لي إفراد هذا الأصل بكتاب مُسْتقلًّ، جمعْت فيه الادلة الدالة على مذهب أهل السنة والجماعة في الإيمان، بخلاف مذاهب أهل البدع والضلالة والأهواء، وأجبْتُ فيه على شبهات أهل البدع، وفصَّلْتُ فيه في جزئيات دقيقة حَصَل فيها الاشتباه والخلاف بين أهل السنة في هذا الزمان؛ فأسأل الله -جلَّ وعَزَّ- أن ييسِّر اتمامه ونشْره والانتفاع به، والله ولىُّ التوفيق والسداد.
🕮 🕮 🕮
الأصل الرابع والخمسون:
- الكُفْر أنواع: فمنه كُفْرُ الجحود, وكُفْرُ التكذيب، وكُفْرُ العناد، وكُفْرُ الإعراض، وكُفْرُ الإباء والاستكبار، وكُفْرُ الاستهزاء، وكُفْرُ الشكِّ، وكُفْرُ النفاق…. الخ ومن الخطأ حصْر الكفْر في الجحود أو التكذيب.
تعريف الكفر لغةً واصطلاحًا:
أ- تعريفُ الكُفْر لُغَةً: أَصْلُ الكُفر التغطية على الشيء والستر له، فكأنّ الكافر مُغَطًّى على قلبه، والكافر يغطي نعم الله وتوحيده، وأُخِذَ هذا من قول العرب: كَفَرتُ المتاع في الوعاء، أكْفُره كُفرا: إذا سَتَرْتُهُ فيه، ولهذا سُمِّي الليل كافرا؛ لأنه يغطي الأشياء بظلمته، وسُمِّي الزَّارِعُ كافرا؛ لأنه يُلْقِي البَذْرَ في الأرض، ويُغَطِّيه بالتراب، ويقال للابس السلاح الذي يُغَطِّي جَسَدَه به كافرا، ويُطْلَق الكافر على الدرع، والبحر، والنهر العظيم، والوادي العظيم، والسحاب المظلم([468]).
ب- تعريفُ الكُفر اصْطِلاحًا: الكُفر ضِدُّ الإيمان، كما قال تعالى: [ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ] {المائدة:5}، وضِدُّ الشُّكْر أيضا، قال تعالى: [ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ] {البقرة:152} وقال -سبحانه-: [ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ] {إبراهيم:7}.
وللكُفْر شُعَبٌ كما أن للإيمان شُعبًا، ومن شُعب الإيمان ما فَقدُه فقدٌ للإيمان، ومنها ما فَقْدُه نقصٌ للإيمان، والكفر أنواع، منه: كفر الجحود، وكفر التكذيب، وكفر الإباء والاستكبار، وكفر الاستهزاء، وكفر الشك، وكفر الإعراض، وكفر النفاق..»([469]).
والكُفر مُضَادٌّ للإيمان, وكلٌّ منهما له أصُولٌ وفروعٌ ومراتبُ، وكل منهما يكون بالقول والفعل والاعتقاد:
فإذا كان القول أو الفعل أو الاعتقاد ينافي أصلَ الإيمان, ويوافق أصلَ الكفر؛ فهو كُفْر أكبر -ويُعرف هذا بجمع أدلة الباب، وكلام السلف الصالح- وإذا كان ينافي بعضَ شُعبِ الإيمان وواجباتِهِ, ويوافق بعضَ شُعبِ الكُفْر -التي لم تبلغ إلى درجة أصول الكفر، ولكنها من جملة المعاصي- فهذا نَقْصٌ -بالصاد المهملة- في الإيمان, ونَفْيٌ لكماله الواجب، وليس نفيا لأصل الإيمان، أي يكون نقصًا -بالمهملة- لا نقضًا -بالمعجمة-.
وبعضهم يقول: كُفْر اعتقادِيٌّ, وكُفْر عمليٌّ, ويجعل الكفر العملي كُلَّه مما لا يُخْرج من الإسلام، وليس هذا دقيقًا, فالكفر العملي منه ما هو أكبر وأصغر أيضًا, فالأكبر منه: كالسجود لصنم، وهو يَعْلَمُ أنه صَنَمٌ، أو وطْء المصحف بالقدم، وهو يَعْلَمُ أنه كتاب الله، والأصغر منه كالنياحة، والطعن في الأنساب، وكفران العشير.
ومن الكُفر العملي الأكبر ما يدل على اعتقاد أَمْرٍ مُكَفِّر, ومنه ما هو دون ذلك, وهناك أمور مُكَفِّرة، سواء دَلَّتْ على اعتقاد أمرٍ مُكَفِّرٍ أم لا, ولا يُشترط معرفة اعتقاد المرء فيها, إنما هي كفْر مجرد, كمن سَجَدَ لصنم وهو عالم قاصد مختار, وإن قال: إن الذي يجيب المضطر هو الله فقط، أو سَبَّ الربّ — أو رسولَهُ -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- قاصدًا مختارًا, وادّعى أنه فعل ذلك إغاظةً لفلان, أو تقليدًا لفلان، أو ليُضْحِكَ الناسَ، أو مازحًا، أو هازلا، أو نحو ذلك، وأما هو فلا يعتقد ذلك -حسب زعمه-!! فلا يُقبل منه هذا, ويُحكم بكُفْره بعد مراعاة بقية الشروط والموانع.
وبمعرفة أصول الكفر وشُعَبِهِ يتضح لنا أن الكفر كفران، والشرك شركان: أكبر وأصغر, والنفاق نفاقان: اعتقادي وعملي, أو أكبر وأصغر, والمكفِّر هو الاعتقادي أو الأكبر، والفسق فسقان, والظلم ظلمان, والذنب ذنبان, والمعصية معصيتان, والبدعة بدعتان, والجهل جهلان, والضلال ضلالان.. الخ، فالأكبر في كل ذلك مكفِّر دون الأصغر، ولا بد من الرجوع في تفصيل ذلك إلى سياق الأدلة, والجمع بينها, وشروح العلماء, وإلا فهذا مَوْضِعُ مَزَلَّةِ أَقْدَامٍ, وضلالِ أفهامٍ, وتبديلٍ لأحكام الإسلام، والله المستعان.
أنواع الكفر: تختلف أنواع الكفر بحسب الأمر الحامل على الكُفر؛ ومع أن التكذيب والجحود أعظم أنواع الكفر وأُسُّه؛ لكن الكُفر ليس محصورًا فيهما، فالكفر يكون: بالتكذيب، والجحود، والإباء والاستكبار، والشك، والنفاق، والإعراض، والاستهزاء، والتولِّي للكفار، وغير ذلك مما نصَّ عليه أهل العلم، وإن كان بعضها مترادفًا لمعنى واحد، أو داخلًا في نوع آخر من أنواع الكفر، أو عائدًا إليه، إلا أن الحصر للكفر في التكذيب والجحود قول مجانب للصواب، وما وُجد في كلام أهل العلم مما يدل على أن الكفر هو الجحود والتكذيب؛ مرادهم بذلك: أنهما أظهر أنواع الكفر، أو أسُّه وأَصْلُه، لا حصر الكفر في ذلك، جمعًا بين كلامهم أنفسهم -رحمهم الله-.
قال الإمام إسحاق بن راهوية –ؒ– كما في «تعظيم قدر الصلاة» للمروزي([470]): «ومما أجمعوا على تكفيره، وحَكَموا عليه كما حَكَموا على الجاحد، فالمؤمن الذي آمن بالله تعالى وما جاء من عنده، ثم قَتَلَ نبيًّا، أو أعان على قَتْلِهِ -وإن كان مُقِرًّا- ويقول: قَتْلُ الأنبياء مُحَرَّمٌ؛ فهو كافر، وكذلك مَنْ شَتَمَ نبيًّا، أو رَدَّ عليه قولَهُ من غير تَقِيَّةٍ ولا خوف».
وقال البربهاري –ؒ– في «شرح السنة»([471]): «ولا يَخْرُجُ أَحَدٌ من أهل القبلة من الإسلام حتى يَرُدَّ آية من كتاب الله، أو يَرُدَّ شيئا من آثار رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أو يَذْبَحَ لغير الله، أو يُصَلِّي لغير الله، وإذا فعل شيئا من ذلك؛ فقد وَجَب عليك أن تُخرجه من الإسلام». قلت: وليس هذا الحصر مرادا، إنما هذه أمثلة، والله أعلم.
وقال شيخ الإسلام –ؒ– كما في «مجموع الفتاوى»([472]): «الكفر عدم الإيمان بالله ورسوله، سواء كان معه تكذيب، أو لم يكن معه تكذيب، بل شَكٌّ ورَيْبٌ، أو إعراضٌ عن هذا حَسَدًا أو كِبْرًا، أو اتِّبَاعًا لبعض الأهواء الصارفة عن اتباع الرسالة».
وقال –ؒ– في «الصارم المسلول»([473]): «فمن قال بلسانه كلمة الكفر، من غير حاجةٍ، عامدًا لها، عالمًا بأنها كلمةُ الكُفر؛ فإنه يَكْفُر بذلك ظاهرا وباطنا، ولا يجوز أن يقال: إنه في الباطن يجوز أن يكون مؤمنا، ومن قال ذلك؛ فقد مَرَقَ من الإسلام».
وقال –ؒ– أيضا في «الصارم المسلول»([474]): «إنْ سَبَّ اللهَ أو سبَّ رسولَهُ؛ كَفَرَ ظاهرا وباطنا، سواء كان السابُّ يعتقد أن ذلك مُحَرَّم، أو كان مُسْتَحِلًّا له، أو كان ذاهلا عن اعتقاده، وهذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل».
وقال –ؒ أيضًا- أيضا كما في «مجموع الفتاوى»([475]): «فمن صَدَّقَ الرسول، وأَبْغَضَهُ وعاداه بقلبه وبدنه؛ فهو كافر قَطْعًا بالضرورة».
وقال الإمام ابن القيم –ؒ– في «الصلاة وحكم تاركها»([476]): «وكذلك شُعَب الكفر القولية والفعلية، فكما يَكْفُر بالإتيان بكلمة الكفر اختيارًا، وهي شُعْبة من شُعَبِ الكفر؛ فكذلك يَكْفُر بفعل شعبة من شُعَبِهِ: كالسجود للصنم، والاستهانة بالمصحف».
وإليك تفصيلَ أنواع الكفر:
1- كُفْرُ التكذيب: وهو تكذيب الرسول –صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- ظاهرًا وباطنًا، أي بقلبه ولسانه، أو اعتقاد كذب الرسول، والتصريح بذلك، قال الله تعالى: [ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ] {العنكبوت:68} وهذا القسم قليل في الكفار، كما قال الإمام ابن القيم -ؒ- وهو أَشَدُّ أنواع الكفر، مِنْ جِهَةِ أنه تكذيب بالقلب وباللسان.
2- كُفْرُ الجحود أو الإنكار: وهو تكذيب الرسول –صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- ظاهرًا، مع اعتقاد صدقه باطنًا، قال تعالى: [ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ] {الأنعام:33} فَنَفَى التكذيب عنهم، وأَثْبَتَ لهم الجحود، مما يدل على اختلافهما، وهذا ككُفر أبي جهل، الذي أقرَّ بصِدْق النبي –صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- لكن الحسَدَ حَمَلَهُ على الجحود، وهذا تكذيب باللسان دون القلب.
3- كُفْرُ الإباء والاستكبار، أو عدم الانقياد، أو التولِّي: كمن عَرَفَ ما أَمَرَ الله به، أو صِدْقَ الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- فيما أمر به، ولم يَنْقَدْ للأمر إباءً واستكبارًا، أو أَشَرًا وبطرًا، وحمية، أو حسدًا، ككفر إبليس الذي أبى واستكبر وكان من الكافرين، ومنه كُفْر أعداء الرسل، كما قال الإمام ابن القيم -ؒ- ومنه كفر اليهود، كما قال تعالى: [ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ] {البقرة:89} وقد جَمَعوا -لعنهم الله- بين هذا والذي قبله من أنواع الكفر.
4- كُفْرُ الإعراض: وذلك بأن يُعْرض بسمعه وقلبه عن الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- لا يُصَدِّقه، ولا يُكَذِّبه، ولا يواليه، ولا يعاديه، ولا يُصغي إلى ما جاء به ألْبتة، أي أن وجود النبي -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- وعدمه سواءٌ عنده، انظر ما قاله الإمام ابن القيم -ؒ-.
5- كُفْرُ الشَّك: ويكون بعدم الجزم بصِدْقِهِ أو كَذِبِهِ، ولا يَسْتَمِرُّ شَكُّهُ إلا إذا أَلْزَمَ نَفْسَهُ الإعراضَ عن النظر في آيات صِدْقِ الرسول –صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- جملةً، فلا يَسْمَعُها ولا يَلْتَفِتُ إليها، وأما مع التفاته إليها، ونَظَرِهِ فيها؛ فإنه لا يَبْقَى معه شَكٌّ؛ لأنها مستلزمة للصدق، ولاسيما بمجموعها؛ فإن دلالتها على الصدق كدلالة الشمس على النهار، قاله الإمام ابن القيم -ؒ-.
6- كُفْرُ النفاق: بأن يُظْهِر بلسانه الإيمان، ويَنْطَوي بقلبه على التكذيب، وكراهية الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- وما جاء به. اهـ([477])
7- كُفْرُ الاستهزاء أو الاستخفاف فضلًا عن السبّ والطعن: فإن هذا يدل على حَلِّ عُقْدة التعظيم والإجلال، ولا إيمان بدون محبة وتعظيم وإجلال، والتصديقُ بالقلب مع عدم الإكراه يمنع المرء من إرادة القول أو الفعل الذي فيه استهانة واستخفاف بالفرائض، ويوجب المحبة والتعظيم.
🕮 🕮 🕮
الأصل الخامس والخمسون:
- لا بأس بالعمل بالعُرْف والعادات فيما لم يخالف الشرع، قال تعالى: ﴿ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﴾ {الأعراف:199}.
قال ابن عطية – ؒ – في «المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز»([478]): «وقوله ﴿ﭷ ﭸ ﴾ {الأعراف:199} معناه: بكل ما عرفته النفوس مما لا تَرُدُّه الشريعة». اهـ
وقال السمعاني – ؒ – في «قواطع الأدلة في الأصول»([479]): «فإن قيل: هيئات القُبوض في البياعات، وكيفية الإحراز في السرقة، وغالب العقود في المعاملات؛ ليس لها أَصْلٌ في الكتاب ولا في السنة.
قلنا: قد قال الله تعالى: ﴿ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ﴾ {الأعراف:199} والعُرْفُ ما يَعْرِفُه الناس، ويتعارفونه فيما بينهم معاملةً، فصار العُرْفُ في صفة القُبوض والإِحْراز والنُّفُوذ معتبرا بالكتاب، فعلى هذا نقول: إن الكتاب أَمْثَلُ الدلائل، والسنةَ مأخوذةٌ منه، والقياسَ مأخوذٌ من الكتاب والسنة، والاجماعَ مأخوذ من الكتاب والسنة والقياس». اهـ
وقال القرافي – ؒ – في «الفروق»([480]): «قوله تعالى ﴿ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﴾ {الأعراف:199} فكل ما شَهِدَ به العادةُ؛ قُضِيَ به لظاهر هذه الآية، إلا أن يكون هناك بينة». اهـ
وقد أَصَّلَ الفقهاء والأصوليون قاعدةً كلية من القواعد الفقهية، وهي (العادةُ مُحَكَّمَة).
قال السيوطي – ؒ – في «الأشباه والنظائر»([481]): «الْقَاعِدَةُ السَّادِسَةُ: الْعَادَةُ مُحَكَّمَةٌ.
قَالَ الْقَاضِي: أَصْلُهَا قَوْلُهُ -صلى الله عليه وسلم-: «مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا؛ فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» قَالَ الْعَلَائِيُّ: وَلَمْ أَجِدْهُ مَرْفُوعًا فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ أَصْلًا، وَلَا بِسَنَدٍ ضَعِيفِ بَعْدَ طُولِ الْبَحْثِ، وَكَثْرَةِ الْكَشْفِ وَالسُّؤَالِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي «مُسْنَدِهِ»: اعْلَمْ أَنَّ اعْتِبَارَ الْعَادَةِ وَالْعُرْفِ رُجِعَ إلَيْهِ فِي الْفِقْهِ، فِي مَسَائِلَ لَا تُعَدُّ كَثْرَةً». اهـ
وقال الشاطبي – ؒ – في «الموافقات»([482]): «الْعَوَائِدُ الْمُسْتَمِرَّةُ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: الْعَوَائِدُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي أَقَرَّهَا الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ أَوْ نَفَاهَا، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الشَّرْعُ أَمَرَ بِهَا إِيجَابًا أَوْ نَدْبًا، أَوْ نَهَى عَنْهَا كَرَاهَةً أَوْ تَحْرِيمًا، أَوْ أَذِنَ فِيهَا فِعْلًا وَتَرْكًا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: هِيَ الْعَوَائِدُ الْجَارِيَةُ بَيْنَ الْخَلْقِ بِمَا لَيْسَ فِي نَفْيِهِ وَلَا إِثْبَاتِهِ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ.
فَأَمَّا الْأَوَّلُ: فَثَابِتٌ أَبَدًا كَسَائِرِ الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ، كَمَا قَالُوا فِي سَلْبِ الْعَبْدِ أَهْلِيَّةَ الشَّهَادَةِ، وَفِي الْأَمْرِ بِإِزَالَةِ النَّجَاسَاتِ، وَطَهَارَةِ التَّأَهُّبِ لِلْمُنَاجَاةِ، وَسَتْرِ الْعَوْرَاتِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ عَلَى الْعُرْيِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْعَوَائِدِ الْجَارِيَةِ فِي النَّاسِ، إِمَّا حَسَنَةً عِنْدَ الشَّارِعِ أَوْ قَبِيحَةً، فَإِنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الْأُمُورِ الدَّاخِلَةِ تَحْتَ أَحْكَامِ الشَّرْعِ، فَلَا تَبْدِيلَ لَهَا وإن اختلفت آرَاءُ الْمُكَلَّفِينَ فِيهَا، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَنْقَلِبَ الْحَسَنُ فِيهَا قَبِيحًا، وَلَا الْقَبِيحُ حَسَنًا.
وَأَمَّا الثَّانِي: فَقَدْ تَكُونُ تِلْكَ الْعَوَائِدُ ثَابِتَةً، وَقَدْ تَتَبَدَّلُ، وَمَعَ ذَلِكَ؛ فَهِيَ أَسْبَابٌ لِأَحْكَامٍ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا.
فَالثَّابِتَةُ: كَوُجُودِ شَهْوَةِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَالْوِقَاعِ وَالنَّظَرِ، وَالْكَلَامِ، وَالْبَطْشِ وَالْمَشْيِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، وَإِذَا كَانَتْ أَسْبَابًا لِمُسَبِّبَاتٍ؛ حَكَمَ بِهَا الشَّارِعُ، فَلَا إِشْكَالَ فِي اعْتِبَارِهَا، وَالْبِنَاءِ عَلَيْهَا، وَالْحُكْمِ عَلَى وَفْقِهَا دَائِمًا.
وَالْمُتَبَدِّلَةُ؛ مِنْهَا: مَا يَكُونُ مُتَبَدِّلًا فِي الْعَادَةِ مِنْ حُسْنٍ إِلَى قُبْحٍ، وَبِالْعَكْسِ مِثْلَ كَشْفِ الرَّأْسِ؛ فَإِنَّهُ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْبِقَاعِ فِي الْوَاقِعِ، فَهُوَ لَذَوِي الْمُرُوءَاتِ قَبِيحٌ فِي الْبِلَادِ الْمَشْرِقِيَّةِ، وَغَيْرُ قَبِيحٍ فِي الْبِلَادِ الْمَغْرِبِيَّةِ، فَالْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ ذَلِكَ، فَيَكُونُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَشْرِقِ قَادِحًا فِي الْعَدَالَةِ، وَعِنْدَ أَهْلِ الْمَغْرِبِ غَيْرَ قَادِحٍ». اهـ
الأصل السادس والخمسون:
- العَمَلُ بالقياس الجليِّ، الذي تشترك فيه العلةُ بين الأَصْلِ والفرع، سواء كانت العلة منصوصا عليها، أو كانت ظاهرةً من النصِّ، مما عَمِلَ به جمهور أهل السنة، وتَشْهَدُ له أَدِلَّة نقليةٌ وعقليةٌ، فالشريعة لا تَجْمَعُ بين مُختلِفَيْنِ، ولا تُفَرِّق بين مُتماثِلَيْنِ، وتركُ أنواع القياس التي ذَمَّ العملَ بها أهلُ السنة، وكذلك فالأصل: العملُ بمفهوم أو دليل الخطاب ونحوه، إلا إذا دل دليل على منعه.
والقياس هو الدليل الرابع من أدلة أصول الفقه، وهو أصل عظيم الشأن، جليل القدر، فبه اسُتْنِبَطْت كثير من الأحكام والمستجدات؛ لأن النصوص محصورة، والحوادث متجددة غير محصورة.
قال الزركشي – ؒ – في «البحر المحيط في أصول الفقه»([483]): «وَهُوَ حُجَّةٌ فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِالِاتِّفَاقِ. قَالَ الرَّازِيَّ: كَمَا فِي الْأَدْوِيَةِ وَالْأَغْذِيَةِ وَالْأَسْعَارِ،. وَكَذَلِكَ الْقِيَاسُ الصَّادِرُ مِنْهُ – صلى الله عليه وسلم – بِالِاتِّفَاقِ.
قَالَ صَاحِبُ «التَّلْخِيصِ»: لِأَنَّ مُقَدِّمَاتِهِ قَطْعِيَّةٌ لِوُجُوبِ عِلْمِ وُقُوعِهِ، قَالَ: وَإِنَّمَا النِّزَاعُ مِنَّا، وَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ إذَا عُدِمَ النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ.
وَقَالَ صَاحِبُ «الْقَوَاطِعِ»: ذَهَبَ كَافَّةُ الْأَئِمَّةِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ إلَى أَنَّ الْقِيَاسَ الشَّرْعِيَّ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الشَّرْعِ، يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْأَحْكَامِ الَّتِي لَمْ يَرِدْ بِهَا السَّمْعُ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَا يَسْتَغْنِي أَحَدٌ عَنْ الْقِيَاسِ»([484]). اهـ
ولقد أَجْمَعَ الجمهور علي العمل بالقياس ,وقد وَرَدَتْ بذلك الآثار , وتواتر ذلك المعني عن الصحابة والتابعين وأئمة الهدي , فقال به جماهير العلماء، منهم الأئمة الأربعة ,والمحققون من الأصوليين ,فجعلوه من الأصول المتفق عليها, إلي أن جاء النَّظَّامُ المعتزلي فقال بإنكاره، وتبعه علي ذلك كثير من المعتزلة، وداود الظاهري، وأتباع المذهب الظاهري، والإمامية من الروافض.
ولقد وقف الناس من القياس مواقفَ متبايِنَةً، فمنهم من غلا في الأخذ به، فعارضَ النصوصَ الصريحةَ الصحيحةَ برأيه
ومنهم من غلا في رَفْضِهِ وإنكاره، فَحَرَّمَهُ , ومنهم من عمل به بشروطه، وهم أهل التحقيق، فلم يلجأوا إليه إلا عند الضرورة إذا لم يجدوا حُكم المسألة أو النازلة في الكتاب والسنة أو الإجماع([485]).
أنواع القياس: ينقسم القياس الي قسمين:
الأول: هو قياسُ العَكْسِ، والثاني: هو قياسُ الطَّرْدِ.
فأما قياس العكس: فعبارة عن إثبات عكس حكم الأصل للفرع؛ لأن عِلَّةَ الفَرْعِ عَكْسُ عِلَّةِ الأصل ومثله.
أما النوع الثاني من القياس: فهو قياس الطَّرْدِ؛ وينقسم إلي ثلاثة اقسام:
قياس العلة، وقياس الدلالة، وقياس الشَّبَه.
قال الجويني –ؒ– في «الورقات في أصول الفقه»([486]): «فَقِيَاسُ الْعِلَّةِ: مَا كَانَتِ الْعِلَّةُ فِيهِ مُوجِبَةً لِلْحُكْمِ.
وَقِيَاسُ الدَّلاَلَةِ: وَهُوَ الاِسْتِدْلاَلُ بِأَحَدِ النَّظِيرَيْنِ عَلَى الآخَرِ، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ دَالَّةً عَلَى الْحُكْمِ، وَلاَ تَكُونُ مُوجِبَةً لِلْحُكْمِ.
وَقِيَاسُ الشَّبَهِ: وَهُوَ الْفَرْعُ الْمُتَرَدِّدُ بَيْنَ أَصْلَيْنِ، فَيُلْحَقُ بِأَكْثَرِهِمَا شَبَهًا، وَلاَ يُصَارُ إِلَيْهِ مَعَ إِمْكَانِ مَا قَبْلَهُ، وَمِنْ شَرْطِ الْفَرْعِ: أَنْ يَكُونَ مُنَاسِبًا لِلأَصْلِ. وَمِنْ شَرْطِ الأَصْلِ: أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا بِدَلِيلٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ». اهـ
وقال الإمام ابن القيم –ؒ– في «إعلام الموقعين عن رب العالمين»([487]): «وَالْأَقْيِسَةُ الْمُسْتَعْمَلَةُ فِي الِاسْتِدْلَالِ ثَلَاثَةٌ: قِيَاسُ عِلَّةٍ، وَقِيَاسُ دَلَالَةٍ، وَقِيَاسُ شَبَهٍ، وَقَدْ وَرَدَتْ كُلُّهَا فِي الْقُرْآنِ.
«فَأَمَّا قِيَاسُ الْعِلَّةِ» فَقَدْ جَاءَ فِي كِتَابِ اللَّهِ — فِي مَوَاضِعَ، مِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ﴾ {آل عمران:59} فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ عِيسَى نَظِيرُ آدَمَ فِي التَّكْوِينِ بِجَامِعِ مَا يَشْتَرِكَانِ فِيهِ مِنْ الْمَعْنَى الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ وُجُودُ سَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَهُوَ مَجِيئُهَا طَوْعًا لِمَشِيئَتِهِ وَتَكْوِينِهِ، فَكَيْفَ يَسْتَنْكِرُ وُجُودَ عِيسَى مِنْ غَيْرِ أَبٍ مَنْ يُقِرُّ بِوُجُودِ آدَمَ مِنْ غَيْرِ أَبٍ وَلَا أُمٍّ؟ وَوُجُودِ حَوَّاءَ مِنْ غَيْرِ أُمٍّ؟ فَآدَمُ وَعِيسَى نَظِيرَانِ يَجْمَعُهُمَا الْمَعْنَى الَّذِي يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْإِيجَادِ وَالْخَلْقِ بِهِ…
وَأَمَّا «قِيَاسُ الدَّلَالَةِ» فَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بِدَلِيلِ الْعِلَّةِ وَمَلْزُومِهَا؛ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﴾ {فصلت:39}، فَدَلَّ سُبْحَانَهُ عِبَادَهُ بِمَا أَرَاهُمْ مِنْ الْإِحْيَاءِ الَّذِي تَحَقَّقُوهُ وَشَاهَدُوهُ عَلَى الْإِحْيَاءِ الَّذِي اسْتَبْعَدُوهُ، وَذَلِكَ قِيَاسُ إحْيَاءٍ عَلَى إحْيَاءٍ، وَاعْتِبَارُ الشَّيْءِ بِنَظِيرِهِ؛ وَالْعِلَّةُ الْمُوجِبَةُ هِيَ عُمُومُ قُدْرَتِهِ سُبْحَانَهُ، وَكَمَالُ حِكْمَتِهِ؛ وَإِحْيَاءُ الْأَرْضِ دَلِيلُ الْعِلَّةِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﴾ {الروم:19} فَدَلَّ بِالنَّظِيرِ عَلَى النَّظِيرِ، وَقَرَّبَ أَحَدَهُمَا مِنْ الْآخَرِ جِدًّا بِلَفْظِ الْإِخْرَاجِ، أَيْ يَخْرُجُونَ مِنْ الْأَرْضِ أَحْيَاءً، كَمَا يَخْرُجُ الْحَيُّ مِنْ الْمَيِّتِ، وَيَخْرُجُ الْمَيِّتُ مِنْ الْحَيِّ. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﴾ { القيامة:36- 40}.
فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ كَيْفِيَّةَ الْخَلْقِ، وَاخْتِلَافَ أَحْوَالِ الْمَاءِ فِي الرَّحِمِ، إلَى أَنْ صَارَ مِنْهُ الزَّوْجَانِ: الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى، وَذَلِكَ أَمَارَةُ وُجُودِ صَانِعٍ قَادِرٍ عَلَى مَا يَشَاءُ، وَنَبَّهَ سُبْحَانَهُ عِبَادَهُ بِمَا أَحْدَثَهُ فِي النُّطْفَةِ الْمَهِينَةِ الْحَقِيرَةِ مِنْ الْأَطْوَارِ، وَسَوْقِهَا فِي مَرَاتِبِ الْكَمَالِ مِنْ مَرْتَبَةٍ إلَى مَرْتَبَةٍ أَعْلَى مِنْهَا، حَتَّى صَارَتْ بَشَرًا سَوِيًّا فِي أَحْسَنِ خَلْقٍ وَتَقْوِيمٍ – عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْسُنُ بِهِ أَنْ يَتْرُكَ هَذَا الْبَشَرَ سُدًى مُهْمَلًا مُعَطَّلًا، لَا يَأْمُرُهُ وَلَا يَنْهَاهُ، وَلَا يُقِيمُهُ فِي عُبُودِيَّتِهِ، وَقَدْ سَاقَهُ فِي مَرَاتِبِ الْكَمَالِ مِنْ حِينِ كَانَ نُطْفَةً، إلَى أَنْ صَارَ بَشَرًا سَوِيًّا؛ فَكَذَلِكَ يَسُوقُهُ فِي مَرَاتِبِ كَمَالِهِ طَبَقًا بَعْدَ طَبَقٍ، وَحَالًا بَعْدَ حَالٍ، إلَى أَنْ يَصِيرَ جَارَهُ فِي دَارِهِ يَتَمَتَّعُ بِأَنْوَاعِ النَّعِيمِ، وَيَنْظُرُ إلَى وَجْهِهِ، وَيَسْمَعُ كَلَامَهُ…
«وَأَمَّا قِيَاسُ الشَّبَهِ» فَلَمْ يَحْكِهِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ إلَّا عَنْ الْمُبْطِلِينَ؛ فَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى إخْبَارًا عَنْ إخْوَةِ يُوسُفَ أَنَّهُمْ قَالُوا لَمَّا وَجَدُوا الصُّوَاعَ فِي رَحْلِ أَخِيهِمْ: ﴿ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﴾ {يوسف:77} فَلَمْ يَجْمَعُوا بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بِعِلَّةٍ وَلَا دَلِيلِهَا، وَإِنَّمَا أَلْحَقُوا أَحَدَهُمَا بِالْآخَرِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ جَامِعٍ سِوَى مُجَرَّدِ الشَّبَهِ الْجَامِعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يُوسُفَ، فَقَالُوا: هَذَا مَقِيسٌ عَلَى أَخِيهِ، بَيْنَهُمَا شَبَهٌ مِنْ وُجُوهٍ عَدِيدَةٍ، وَذَاكَ قَدْ سَرَقَ؛ فَكَذَلِكَ هَذَا، وَهَذَا هُوَ الْجَمْعُ بِالشَّبَهِ الْفَارِغِ، وَالْقِيَاسِ بِالصُّورَةِ الْمُجَرَّدَةِ عَنْ الْعِلَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّسَاوِي، وَهُوَ قِيَاسٌ فَاسِدٌ، وَالتَّسَاوِي فِي قَرَابَةِ الْأُخُوَّةِ لَيْسَ بِعِلَّةٍ لِلتَّسَاوِي فِي السَّرِقَةِ لَوْ كَانَتْ حَقًّا، وَلَا دَلِيلَ عَلَى التَّسَاوِي فِيهَا؛ فَيَكُونُ الْجَمْعُ لِنَوْعِ شَبَهٍ خَالٍ عَنْ الْعِلَّةِ وَدَلِيلِهَا.
وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى إخْبَارًا عَنْ الْكُفَّارِ أَنَّهُمْ قَالُوا: ﴿ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﴾ {هود:27} فَاعْتَبَرُوا صُورَةَ مُجَرَّدِ الْآدَمِيَّةِ، وَشَبَهَ الْمُجَانَسَةِ فِيهَا، وَاسْتَدَلُّوا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ حُكْمَ أَحَدِ الشَّبَهَيْنِ حُكْمُ الْآخَرِ؛ فَكَمَا لَا نَكُونُ نَحْنُ رُسُلًا، فَكَذَلِكَ أَنْتُمْ، فَإِذَا تَسَاوَيْنَا فِي هَذَا الشَّبَهِ؛ فَأَنْتُمْ مِثْلُنَا لَا مَزِيَّةَ لَكُمْ عَلَيْنَا، وَهَذَا مِنْ أبطل الْقِيَاسِ؛ فَإِنَّ الْوَاقِعَ مِنْ التَّخْصِيصِ وَالتَّفْضِيلِ وَجَعْلِ بَعْضِ هَذَا النَّوْعِ شَرِيفًا وَبَعْضِهِ دَنِيًّا، وَبَعْضِهِ مَرْءُوسًا وَبَعْضِهِ رَئِيسًا، وَبَعْضِهِ مَلِكًا وَبَعْضِهِ سُوقَةً؛ يُبْطِلُ هَذَا الْقِيَاسَ، كَمَا أَشَارَ سُبْحَانَهُ إلَى ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﴾ {الزخرف:32}.
وَأَجَابَتْ الرُّسُلُ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﴾ {إبراهيم:11} وَأَجَابَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﴾ {الأنعام:124}…
وَمِنْ هَذَا قِيَاسُ الْمُشْرِكِينَ الرِّبَا عَلَى الْبَيْعِ بِمُجَرَّدِ الشَّبَهِ الصُّورِيِّ، وَمِنْهُ قِيَاسُهُمْ الْمَيْتَةَ عَلَى الْمُذَكَّى فِي إبَاحَةِ الْأَكْلِ بِمُجَرَّدِ الشَّبَهِ.
وَبِالْجُمْلَةِ: فَلَمْ يَجِئْ هَذَا الْقِيَاسُ فِي الْقُرْآنِ إلَّا مَرْدُودًا مَذْمُومًا) انتهى من «إعلام الموقعين» باختصار.
🕮 🕮 🕮













