تعريف أهل السنة لغةً واصطلاحًا
قولهم: «أهل السنة» مضاف ومضاف إليه، ومعلوم أن أهل الدار سكانُها وأصحابُها، وأهلَ الشيء أصحابُهُ وذووه، وأخصُّ الناس وأَلْصَقُهم به، ولما كانت الإضافة هنا إلى السنة؛ تعيّن تعريفها:
أ- السُّنّة لغةً:
مأخوذة من السَّنن، وهو مأخوذ من السَّنِّ: وهو جريان الشيء واطّراده في سهولة، ومنه اشْتُقَّتِ السنة، والسنة: هي الطريقة والسيرة والعادة، قال شمر([1]): السنة في الأصل: سُنة الطريق، وهو طريقٌ سَنَّه أوائل الناس، فصار مسلكا لمن بعدهم.
وتُطْلَقُ السنة على الطريق والسيرة، سواء كانت حميدة أو قبيحة، وسواء كانت مَرْضِية أو غير مَرْضِية، كما في الحديث الذي أخرجه مسلم أن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- قال: «مَن سنّ في الإسلام سُنَّةً حسنة؛ كان له أَجْرُها وأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بها مِنْ بعده، ومن سَنَّ في الإسلام سنة سيئة؛ كان عليه وِزْرُها ووِزْرُ مَنْ عَمِلَ بها مِنْ بعده…»([2]).
إلا أن الخطابي([3]) -ؒ- قال: أصلها الطريقة المحمودة، فإذا أُطلقت؛ انْصَرَفَتْ إليها، وقد تستعمل في غيرها مقيدةً.
وقولهم: السُنِّي، منسوب إلى السنّة، وحُذفت التاء للنسبة([4]).
ب- السنة اصطلاحًا:
تُطْلَقُ السنة في الاصطلاح على عدة معان بحسب الفنّ الذي تَرِدُ فيه، وبحسب استعمال علماء هذا الفن لها، والجهة التي ينظرون منها إلى السنة.
فالمحَدِّثون، الذين بحثوا في أحوال الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- باعتباره مَحَلَّ القدوة والأُسْوة في كل شيء، واهتموا بنقل كل ما يتصل به –صلوات الله وسلامه وبركاته عليه– من أقوال، وأفعال، وتقرير، وسيرة، وخُلُق، وشمائل، وأخبار، ولذا فالسنة عند المحدثين هي: ما جاء عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- من قول، أو فِعْلٍ، أو تقرير، أو هَمٍّ بفعل، أو وَصْفٍ خُلُقِي وخِلْقي.
وأمّا الأصوليون، الذين يبحثون في أحوال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- باعتباره المُشَرِّع لأمته، والذي يَضَعُ القواعد للمجتهدين من بعده، ويُؤَصِّل الأصول التي يُسْتدل بها على الأحكام؛ فالسنة عندهم، هي: كل ما جاء عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- مما يصلح أن يكون دليلًا شرعيًّا.
وأما الفقهاء، الذين يبحثون عن حكم الشرع على أفعال وأقوال العباد: وُجوبا، أو حرمة، أو ندبا، أو كراهة، أو إباحة؛ فالسنة عندهم ما يقابل الفَرْضَ والوَاجِبَ، فهي أحد الأحكام التكليفية الخمسة: الواجب، والحرام، والسنة، والمكروه، والمباح.
وأما علماء الاعتقاد، الذين يبحثون في أصول الدين ومحكماته، ويحرصون على التمسك بالأمر العتيق، ويُحَذِّرُون من البدع والمحدثات في الدين؛ فالسنة عندهم مقابل البدعة والضلالة، ولذا فالسنّة في اصطلاحهم هي: ما كان عليه رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- وأصحابه الكرام -رضي الله عنهم – من العلم والعمل والهدْي في أصول الدين ومحكماته، وما تَبِعَهُم عليه الأئمة التابعون لهم بإحسان في القرون المفضلة، وفي هذا المعنى وَرَدَ حديث: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين؛ عَضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومُحْدَثَاتِ الأمور؛ فإن كُلَّ مُحْدَثَةٍ بدعة، وكُلَّ بدعةٍ ضلالة»([5]).
وقد عبّر الحافظ ابن رجب الحنبلي –ؒ– عما مضى من أقوال العلماء بقوله: «والسنة: هي الطريقة المسلوكة: فتشمل التمسك بما كان عليه -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- هو وخلفاؤه الراشدون من الاعتقادات والأعمال والأقوال، وهذه هي السنة الكاملة، ولهذا كان السلف قديما لا يُطلقون اسم السنة إلا على ما يشتمل ذلك كله»([6]).
والذي يهمنا في هذا المقام هو تعريف علماء الاعتقاد للسنة، والذي على ضوئه تميز أهل السنة عن أهل البدعة، وتميّزت الفرقة الناجية عن الفرق الهالكة.
ج- تعريف الجماعة:
لما كان من شعار أهل البدع التفرق والتشتت؛ عُرِفَ أهل السنة بالاجتماع والائتلاف، ووُصِف أهل السنة بالجماعة أيضا، إشارة إلى الاتّباع والاجتماع، أي القوة النظرية والعملية، ولذا فمن المستحسن تعريف الجماعة.
الجماعة لغةً:
الجماعة: عَدَدُ كلِّ شيء وكَثْرتُهُ، يقال: جَمَعْتُ الشيءَ المتفرقَ، فاجتمع، والرجل المجتَمِع الذي بَلَغَ أَشُدَّه، وتجمّع القوم، أي اجتمعوا من هاهنا وهاهنا، والمجموع، الذي جُمع من هاهنا وهاهنا، وإن لم يُجعل كالشيء الواحد، والجمع أيضا اسم لجماعة الناس([7]).
الجماعة اصطلاحًا:
تُطلق الجماعة على عدة معان، وبعضها جاء ذِكْره في الحديث صريحا أو ظاهرا، وخلاصة هذه المواضع التي أُطْلِق عليها لفظ الجماعة الآتي:
1- الجماعة: هم القوم المتمسكون بالحق، والثابتون عليه، وإن قَلَّ عَدَدُهُم، وكَثُر مخالفوهم، وعَبَّروا عن ذلك بقول ابن مسعود -رضي الله عنه-: الجماعة هي الحق؛ وإن كُنْتَ وحدك([8])، وقول نعيم بن حماد -ؒ-: تَمَسَّكْ بما كانت عليه الجماعة قبل أن تَفْسَدَ الجماعة([9]).
والأصل في الجماعة أنها جماعة الحق، وإلا فأهل الباطل وإن كثروا فلا عبرة بهم، وقد قال تعالى: ﴿ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﴾ {الأنعام:116}.
2- الجماعة: هم الصحابة –رضي الله عنهم -؛ لأنهم خير هذه الأمة بعد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- وقد اختارهم الله لصحبة نبيه، وقد بَرُّوا وصَدَقوا في صحبتهم، فالحق يتمثل في هديهم وسَنَنِهم أكثر من غيرهم.
3- الجماعة: هم الصحابة –رضي الله عنهم – والتابعون لهم بإحسان من أئمة القرون المُفَضَّلة.
4-الجماعة: هم أهل الحديث، وهذا القول داخل فيما قبله؛ لأن المراد به من تمسك بما عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، ومن عظّم الدليلَ على الرأي المجرد، لا مجرد المشتغلين بعلم الرواية.
5- الجماعة: هم المجتمعون على السمع والطاعة للأمير الشرعي، فما كانوا عليه من أمر دينهم؛ فهو الحق، سواء كان في الشريعة، أو الإمام والسلطان؛ لأن العلماء من جملتهم، وأما من شذَّ عنهم، وافتأت عليهم؛ فلا يكون على هُدَى.
6- الجماعة: هم جماعة أئمة العلماء، وهذا القول داخل فيما قبله.
7- الجماعة: هم السواد الأعظم، والجمهور الأكبر، وهو داخل فيما قبله أيضا([10]).
🕮 🕮 🕮













