كتب للقراءة

اصول وقواعد منهج التلقي والاستدلال عند اهل السنة والجماعة

اصول وقواعد منهج التلقي والاستدلال عند اهل السنة والجماعة

(نَشْأَةُ مصطلح أهل السنة)

ذهب بعضهم إلى أن أول من تكلم به الصحابي الجليل عبدالله بن عباس -رضي الله عنهما- فيما أخرجه اللالكائي بسنده عنه في قوله تعالى: ﴿ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ {آل عمران:106}، قَالَ: فأما الذين ابْيَضَّتْ وجوهُهُمً: فأهلُ السنة والجماعة، وأولو العلم، وأما الذين اسْوَدّت وجوهُهُم: فأهلُ البدعِ والضلالة» اهـ , إلا أن سنده لا يُحتج به مرفوعًا وموقوفًا([11]).

وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قَالَ: النظر إلى الرجل من أهل السنة -يدعو إلى السنة، وينهى عن البدعة عبادة([12]). وسنده ضعيف أيضًا.

ولذا فَلَعَلَّ أول من استعمل هذا المصطلح -فيما أعلم- هو الإمام محمد بن سيرين -ؒ-([13]) وذلك فيما أخرجه مسلم في «مقدمة صحيحه» بسنده إلى ابن سيرين، أنه قَالَ: «كانوا لا يَسْأَلون عن الإسناد، فلما وَقَعَت الفتنةُ؛ قَالَوا: سَمُّوا لنا رجالَكُم، فيُنْظَر إلى أهل السنة؛ فَيُؤْخَذُ حديثُهُم، ويُنْظَرُ إلى أهل البدعة؛ فيُردّ حديثُهُم»([14]).

ثم تتابع الناس على استعمال هذا المصطلح:

– فقد قَالَ أيوب بن أبي تميمة السختياني (68-131هـ) فيما أخرجه اللالكائي: «إني أُخْبَرُ بموت الرجل من أهل السنة؛ وكأنّي أَفْقِدُ بعضَ أعضائي»([15]).

وقَالَ أيضًا: «إن من سعادة الحَدَث والأعجميِّ: أن يوفِّقَهما اللهُ لعالم من أهل السنة»([16]).

قلت: وذلك لأن الرجل من أهل السنة سَيَدُلُّهم على الطريق الصحيح العتيق الصافي، بخلاف الرجل من أهل البدعة؛ فقد يكون سببًا لبقائهم في جزء كبير من الضلال والغواية.

وقَالَ أيوب أيضًا: «إن الذين يَتَمَنَّوْن موتَ أهل السنة؛ يريدون أن يُطْفئوا نور الله بأفواههم، والله مُتِمُّ نُورِهِ ولو كره الكافرون»([17]).

– وقَالَ سفيان بن سعيد الثوري (ت161هـ): «اسْتَوْصُوا بأهل السنة خيرًا؛ فإنهم غُرباء»([18]) وقَالَ: «ما أَقَلَّ أهلَ السنة والجماعة»([19]) .

– وقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، (ت187هـ): «إِنَّ أَهْلَ الْإِرْجَاءِ يَقُولُونَ: إِنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ بِلَا عَمَلٍ، وَيَقُولُ الْجَهْمِيَّةُ: الْإِيمَانُ الْمَعْرِفَةُ بِلَا قَوْلٍ لَا وَعَمَلٍ، وَيَقُولُ أَهْلُ السُّنَّةِ: الْإِيمَانُ الْمَعْرِفَةُ وَالْقَوْلُ وَالْعَمَلُ»([20]).

– وقَالَ وكيع بن الجراح (ت 197): «أهل السنة يقولون: الإيمان قول وعمل، والمرجئة يقولون: إن الإيمان قول بلا عمل، والجهمية يقولون: إن الإيمان المعرفة»([21]).

– وقَالَ أبو عبيدٍ القاسمُ بن سَلَّام (157- 224 هـ) في مقدمة كتاب «الإيمان»([22]) له: «فإن كُنْتَ تسألني عن الإيمان واختلاف الأمة في استكماله، وزيادته، ونقصانه، وتَذْكُر أنك أَحْبَبْتَ معرفة ما عليه أهل السنة من ذلك…».

– وقَالَ الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة (164ــ 241 هـ) في مقدمة كتاب «السنة» له: «… هذه مذاهبُ أهلِ العلم، وأصحابِ الأثر، وأهلِ السنة، المتمسكين بعُرْوتها، المعْرُوفين بها، الـمُقْتَدَى بهم فيها من لَدُنْ أصحاب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- إلى يومنا هذا…» الخ([23]).

– وقَالَ الإمام محمد بن جرير الطبري (ت 310 هـ): «وأما الصواب من القول في رؤية المؤمنين ربَّهم — يوم القيامة -وهو ديننا الذي نَدينُ الله به، وأدركْنا عليه أهلَ السنة والجماعة-، فهو: أن أهل الجنة يرونه على ما صَحَّتْ به الأخبار عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-».

– وقَالَ أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي (239- 321 هـ) في مقدمة «عقيدته» المشهورة: «هذا ذِكْر بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة».

وبهذه النُّقُولِ يَتَّضِحُ لنَا جَلِيًا أَنَّ لَفْظَ «أَهْلِ السُّنَّةِ» كَانَ مَعْرُوفًا عِنْدَ السَّلفِ -رحمة الله عليهم جميعا-.

🕮 🕮 🕮