المقدمة
الحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات، وبحَوْله وقُوَّتِه ولُطفِهِ وسِتْره تُفرَّجُ الهمومُ والكرباتُ، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحْده لا شريك له، خالقُ الأرض والسماوات، والعليمُ بخلْقه وبسائر الكائنات، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، المبلِّغُ الأمينُ عن ربه خاتَمَ وأشْملَ الكُتبِ والرسالات.
وبعد؛
فلا يخفى على المشتغلين بالعلم والتعليم الشرعيَّيْن وبالدعوة إلى الله
-جل ثناؤه- أن مِن أكثر مسائل الخلافات التي فرَّقَتْ صفوف الدعاة في هذا العصر: هي مسألة الحكم بغير ما أنزل الله-تعالى ذِكْرُهُ- وحُكم الحاكم بالقوانين المخالفة للشريعة الإسلامية السمحة.
وهذا الخلاف قد أفضى إلى أمور لا تُحْمَدُ: فُرْقَةً وإفراطًا وتفريطًا، بل آلتْ الفوضى في بعض البلاد إلى استحلال الدماء والأموال والأعراض بين المختلفين-وهم جميعًا من أهل الإسلام-، مع تحذير كبار أهل العلم من ذلك!! كل ذلك بسبب الاختلاف في فهم كلام الله تعالى وكلام رسوله
-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمْ- وكلام أهل العلم سلفًا وخلفًا.
وقد سَبَرْتُ أدلة الطَرَفَيْن المختلفين في تكفير الحاكم بغير ما أنزل الله وعدم تكفيره، وناقشْتُها بميزان البحث العلمي، الذي ورِثْناه عن أئمتنا سَلَفًا وخَلَفًَا، ورَجَّحْتُ الراجحَ من ذلك، وهو: عدمُ تكفير الحاكم المسلم الذي يحكم بغير ما أنزل الله، وهو غير مُسْتَحِلٍّ لذلك، أو غير معتقدٍ أن شرع الله لا يصلح لهذا الزمان، أو غير مُسْتَهزئٍ بأحكام شرع الله… أو نحو ذلك، كما سيراه القارئ الكريم -إن شاء الله تعالى- في هذا الكتاب، وقد دَعَمْتُ هذا القولَ بآثارٍ عن سلف الأمة، وبأقوال كبار أهل العلم من السلف والخلف، راجيًا من الله-تعالى ذِكْرُهُ- التوفيق والسداد، والأجر والثواب، وأن يجمع الله شمل المختلفين في هذه المسألة، مع كون أكثرهم عن الحق باحثين، ولمرضاة الله طالبين!!.
فإن أخطأْتُ فيما انتهيْتُ إليه؛ فحسْبي أنني بَحثْتُ عن الحق، ودخَلْتُ البيتَ من بابه، وسلكْتُ مَسْلَكَ من سبقني من أئمة العلماء، واقْتَفَيْتُ آثارَهم، ولله الأمرُ مِنْ قَبْلُ ومِن بَعْد.
هذا؛ ومما ابتُلِيَ به كثيرٌ مِن أهلِ زماننا: أن من خالفهم في التكفير بإطلاق للحاكم بغير ما أنزل الله؛ فإنه يُتَّهم: تارةً بالإرجاء، وتارةً بالعمالة، وتارةً بالدفاع عن الحاكم بغير ما أنزل الله، أو بالرضى عن المنكرات المنتشرة في البلاد، أو من المتزلِّفين للحكام بتحليل الحرام، أو التهوين من خطورة جريمة الحكم بغير ما أنزل الله تعالى… إلى آخر هذه الاتهامات الفاجرة الجائرة، ولم يُعَرِّجوا على السبب الصحيح لهذه المخالفة، وهو: العملُ بالراجح من الأدلة والأقوال، ولزومُ غرز العلماء والأئمة، والحرصُ على بقاء الحق صافيًا من التشويه، والدفاعُ عن قواعد وثوابت أئمة السلف، من الصحابة والقرون المفضَّلة إلى كبار علماء أهل زماننا، وتحصينُ طلاب العلم ومن وراءهم من الأفكار المنحرفة، والسعي في ضبط الحكم الشرعي بمنهج الأئمة السالفين، لا بمسلك الخلف المتهوِّرين!!
ولو أحْسنوا الظن بمن يخالفهم؛ لالتمسوا له أنه قصد الحق-وإن أخطأه في نظرهم- ولم يشتغلوا بالكلام في النوايا والمقاصد وسرائر القلوب التي لا يعلمها إلا الله-جل شأنه- علام الغيوب!!
وأُؤكِّد هنا على أن الحكم بغير ما أنزل الله لمن لا يستحل وإن لم يكن كفرا أكبر؛ فهو من أكبر الكبائر، وأعظم عند الله من شرب الخمر وشهادة الزور، واليمين الغاموس… وغيرها من الكبائر، لأن المعصية التي يصفها الله -جل قدْره- بالكفر أو النفاق وإن لم تكن كفرًا أكبر في حق بعض الناس؛ فإنها أعظم عند الله من معصية أو كبيرة لم يصفها بالكفر أصلًا؛ فالواجب على من يحكم بغير ما أنزل الله أن يبادر بالتوبة إلى الله تعالى، وأن يحْذَر عاقبة هذه المعصية، وما يترتب عليها من معاصٍ أخرى، ومن ضياع الحقوق التي حفظها الله -جل شأنه- بشريعته المطهرة، بل يحْذَر من عاقبة «من سَنَّ سُنَّةً سيئة؛ فعليه وزْرُها ووِزْرُ من يعمل بها إلى يوم القيامة»، والله المستعان.
وعلى كل حال: فهذا الكتاب بين يديك يا طالب العلم، وسَلِ الله
-جل وعلا- أن يرزقَك الإخلاصَ وحُسْن الفهم والقصد، فما كان فيه من خلَلٍ: فلعلَّ الله-جل شأنه- ينفعني بنصيحتك وتقويمك، فإن سلكتَ مَسْلَك من سبقك من المتعصبين، ومن سبقهم ذِكْر حالهم؛ فالرجاء في الله
-جل قَدْرُه- أن يبارك في الكاتب وفيمن أخذ بيده حتى وصل الكتاب إلى هذا الحال، وأَخُصُّ منهم أخانا المبارك الشيخ أبا سليمان محمد بن سلامة-حفظه الله ووفقه- على جُهده الكبير الذي أمدَّني به في هذا الكتاب وغيره من كُتب أخرى، ولولا الله -جل وعلا- ثم اجتهاده معي ما كان هذا الكتاب كذلك في وقت قصير -ولله الحمد- فبارك الله فيه وفي أهله وذريته أجمعين.
واسأل الله-جل وعلا- أن يتقبل مني هذا الكتاب، ويجعله عونًا على فعل الخير ظاهرًا وباطنًا، وأن يرحَم به والديَّ وأولادي وأهلي وذريتي إلى يوم الدين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه أبو الحسن
مصطفى بن إسماعيل السليماني
القائم على دار الحديث بمأرب ورئيس رابطة أهل الحديث باليمن.
🕮 🕮 🕮













