النصوص الشرعية المُحَذِّرة من الغلو في الدين
جاءت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية بالتحذير من سلوك المغضوب عليهم والضالين، وسبيل المبتدعين المغالين في دين الله غير الحق.
قال الله -جل وعلا- آمراً رسوله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – وأُمَّتَهُ مِنْ بعده: [ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ] {هود:112}.
* يقول الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ: «فما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط وإضاعة، وإما إلى إفراط وغلو، ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين الجبلين، والهُدَى بين ضلالتين، والوسَطِ بين طَرَفَيْنِ ذمِيمَيْنِ؛ فكما أن الجافي عن الأمر مُضَيِّع له؛ فالغالي فيه مُضَيِّع له: هذا بتقصيره عن الحد، وهذا بتجاوزه الحد». اهـ([46])
وقد بَيَّنَ رسولُ الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – مصير الغالي وعاقبته، حيث أخبر -صلى الله عليه وسلم- أن مآل من غلا في دينه إلى الهلاك، ففي «صحيح مسلم» عَنْ عَبْدِ اللهِ بن مسعودٍ -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ – صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» قَالَهَا ثَلَاثًا.([47])
* قال النووي ـ رحمه الله ـ: ««هَلَكَ المتنطعون»، أي: المتعمقون الغالون المتجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم» اهـ.([48])
إن من الحقائق التي تظهر لكل من تتبع تاريخ دعوات الرسل -على نبينا وعليهم الصلاة والسلام- أن الأمم تتفاوت في مقدار الاستجابة، وتتفاوت درجات المدعُوِّين في سلوك طريق الحق: فمن الناس المتمسكُ بالحق، المستقيمُ على طريقه، ومنهم المُفَرِّطُ الزائغُ المُضَيِّعُ لحدود الله، ومنهم الغالي الذي تجاوز حدود الله، وكل أولئك وُجِدُوا فيمن سَبَقَ أمة محمد
-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وهم في أمته -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، موجودون بصورٍ شتى، ولذلك جاءت النصوص الشرعية بالتحذير من سلوك طرق المغضوب عليهم والضالين، المضيعين لحدود الله، والمجاوزين لها، وجاءت النصوصُ داعيةً إلى الاستقامة بأساليب عدة، نجملها فيما يلي:
1ـ تعليم المسلمين أن يَدْعُوا الله أن يعافيهم من كلا الانحرافين، وتشريع ذلك لهم في كل صلاة مرات متعددة. [ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ] {الفاتحة:6-7} ولما أمرنا الله
-سبحانه- أن نسأله في كل صلاة أن يهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم… كان ذلك مما يبين أن العبد يُخَاف عليه أن ينحرف إلى أحد هذين الطريقين أو كليهما([49]).
2ـ التحذير من تعدِّي الحدود، والأمر بلزومها [ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ] {البقرة:229} والحدود هي النهايات لكل ما يجوز من الأمور المباحة، المأمور بها، وغير المأمور بها، وتعديها: هو تجاوزها، وعدم الوقوف عليها.([50])
وهذا التعدي هو الهدف الذي يسعى إليه الشيطان -عليه لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة-؛ إذْ إنَّ مُجْمَلَ ما يريده تحقيقُ أحد الانحرافين: الغلو أو التقصير، فما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط وإضاعة، وإما إلى إفراط وغلو. ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه([51]).
3ـ الدعوة إلى الاستقامة ولزوم الأمر، وعدم الغلو والزيادة.
[ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ] {هود:112} فالله -جل وعلا- يأمر بالاستقامة التي هي الاعتدال، والمُضِيِّ على المنهج دون انحراف، ويُعَقِّبُ ذلك بالنهي عن الطغيان، مما يفيد أن الله -جل وعلا- يريد الاستقامة كما أَمَرَ، بدون غلو ولا مبالغة تُحيل هذا الدين من يُسْر إلى عُسْر.4ـ النهي عن الغلو وتوجيه الخطاب لأهل الكتاب على وجه الخصوص، وفيه التحذير لهذه الأمة من سلوكها سبيلَ أهل الكتاب:
[ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ] {النساء:171}. [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ] {المائدة:77}.أي: يا أهل الإنجيل، لا تغلوا في دينكم؛ فتتجاوزوا الحق، فإن قولكم: بأن عيسى ابن الله قول منكم على الله بغير الحق، ولا ترفعوه إلى مقام الألوهية؛ فتجعلوه رباً وإلهًا».([52])
والغلو في النصارى كثير، فإنهم غَلَوْا في عيسى -عليه السلام-؛ فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلهًا من دون الله، يعبدونه كما يعبدون الله»([53])، ومن هذا الغلو جاءت معظم الانحرافات في الديانة النصرانية.
ومن ذلك غلوهم بابتداع رهبانية تعبدوا الله بها، وهي لم تُكْتَب عليهم، ولم يُؤْمَروا بها [ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ] {الحديد:27}، ولم يكن الغلو قاصرا على النصارى، بل هو موجود في اليهود، ولكن الخطاب في الآيتين قُصِدَ به النصارى خاصة؛ والسياق يدل على ذلك، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: «والنصارى أكثر غلوا في الاعتقادات والأعمال من سائر الطوائف، وإياهم نهى الله عن الغلو في القرآن» اهـ([54]).
وهذه النصوص وإن تعلقت بأهل الكتاب ابتداء؛ فإن المراد منها موعظة هذه الأمة لتجنب الأسباب التي أوجبتْ غضب الله على الأمم السابقة([55]).
5ـ نَهْيُ الرسول – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – عن الغلو، وذلك لئلا يقع المسلمون فيما وقع فيه من سبقهم من الأمم التي بُعِثَ فيهم الرسل
-عليهم الصلاة والسلام-، ومع هذا النهي يبين الرسول – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – عواقب الغلو وآثاره، فعن أَبِي الْعَالِيَةِ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – غَدَاةَ الْعَقَبَةِ، وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ: «هَاتِ، الْقُطْ لِي» فَلَقَطْتُ لَهُ حَصَيَاتٍ، هُنَّ حَصَى الْخَذْفِ، فَلَمَّا وَضَعْتُهُنَّ فِي يَدِهِ، قَالَ: «بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ؛ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ».([56])
والنَّهْيُ هنا وإن كان سببه خاصًّا؛ فهو نَهْيٌ عن كل غلوٍّ.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: «وهذا عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال،… وسببُ هذا اللفظِ العامِّ رَمْيُ الجمار، وهو داخل فيه، مثل: الرمي بالحجارة الكبار، بناء على أنها أبلغ من الصغار، ثم عَلَّلَهُ بما يقتضي مجانبةَ هَدْيهم، أي هَدْي من كان قبلنا؛ إِبْعادًا عن الوقوع فيما هَلَكُوا به، وأن المشارك لهم في بعض هديهم يُخَاف عليه من الهلاك»([57]).
6ـ بيان مصير الغالي وعاقبته: حيث وردت أحاديثُ كثيرة تبين مآل مَنْ غلا، وأنه صائر إلى الهلاك، بل وَرَدَ ذلك مُكَرَّراً ثلاث مرات في حديثٍ واحدٍ؛ مما يفيد عظيمَ الأمر وخَطَرَهُ، فعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول – صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» قَالَهَا ثَلَاثًا.([58])
وهذا التشديد على النفس وتحميلها فوق ما جاء في الشرع، والذي هو نَوْعٌ من أنواع الغلو؛ قد بَيَّنَتْ السنة النبوية أن عاقبة صاحبه إلى الانقطاع، وأنه ما من مُشَادٍّ لهذا الدين إلا ويُغْلَب، وينقطع عن الاستقامة على الدين، فيقول رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: «إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ [أَيْ يُغَالِبَ] الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا، وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ [أَيْ بِالتَّبْكِيرِ فِي الطَّاعَةِ] وَالرَّوْحَةِ [أَيِ بالْعَوْدَةِ إِلَى الرَّاحَةِ؛ لِاسْتِعَادَةِ النَّشَاطِ عَلَى الطَّاعَةِ] وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ». أي بالاستعداد للمتابعة؛ تشبيها للعُبَّاد بالمسافرين الذين يُجَدِّدون نشاطَهم واستعدادَهم لمتابعة المسير، بلا تكلف ولا إرهاق، ولهذا جاء في رواية أُخرى: «وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ؛ تَبْلُغُوا»([59])
* قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: «والمعنى: لا يَتَعَمَّقُ أحدٌ في الأعمال الدينية، ويتركُ الرفقَ إلا عَجَزَ وانقطع، فَيُغْلَب، قال ابن المنير: في هذا الحديث عَلَمٌ من أعلام النبوة؛ فقد رأَيْنا ورَأَى الناسُ قَبْلَنا: أن كُلَّ مُتَنَطِّعٍ في الدين يَنْقَطِعُ». اهـ([60])
* قال الحسن البصري -رحمه الله-: «إن دين الله وُضِعَ على القَصْد، فدخل الشيطان فيه بالإفراط والتقصير، فهما سبيلان إلى نار جهنم»، وعنه
-رحمه الله-: «إن دين الله تعالى وُضِعَ دون الغلو وفوق التقصير».([61])
* وقال ابن عبد البر ـ رحمه الله ـ: «قال سفيان بن حسين: أَتَدْرِي ما السَّمْتُ الصالح؟ ليس هو بِحَلْقِ الشارب، ولا تَشْمِير الثوب، وإنما هو لزوم طريق القوم، إذا فَعَلَ ذلك؛ قيل: قد أصاب السَّمْتَ، وتدري ما الاقتصاد؟ هو المشي الذي ليس فيه غُلُوٌّ ولا تقصير». اهـ([62])
o
p













