( أهمية الحكمة في الدعوة إلى الله – عز وجل – )
فجديرٌ بكل رجلٍ عاقل أن يحافظ على الدعوة إلى الله -سبحانه وتعالى- وأن يكون من حُماتها، ورجالها الذين يجعلون الدعوة أعزَّ عليهم من كل عزيز، ولن تستطيع -أيها المحبُّ لهذه الدعوة- أن تدافع عنها، أو أن تذُّب عنها إلا إذا عَلِمْتَ قواعدها وأصولها؛ فإن الجهل بقواعد هذه الدعوة سببٌ عظيم في الكيد لها، أو التفريط فيها وأنت لا تشعر، أو إقحامِها في مواضعَ تُحطِّمها وتُمَزِّق شَمْلَ أهلها، وكم من إنسان يفسد ويسيء وهو يظن أنه يُحسن صنعًا.
والرجال كما يقال: رجلان:
الأول: رَجُلٌ يَحْمِل الدعوةَ.
والثاني: رَجُلٌ تَحْمِلُهُ الدعوةُ.
فالرَّجُلُ الأول: هو مفتاح الخير، الحكيم، العاقل، الذي يُجنّب الدعوة مصارع السوء والهلكة، وينظر عند الإقدام على أي عمل في الحال والمآل، ويعتبر ويتعظ بتاريخ الدعوة والدعاة، ويجعل الطموحات مقيدة بالمتاحات والإِمكانيات، فلا يضع خططاً للدعوة وإمكانياتُهُ المتاحةُ معه لا تساعده على تحقيقها، فيشتغل بما يَعْجَزُ عنه، ويترك ما يَقْدِرُ عليه، وقد يصاب بالإحباط والإياس، فيترك الأمر كله، وعليه أن يعرف متى يتكلم، ومتى يسكت، وإذا تكلم فبماذا يتكلم، وفي ماذا يتكلم، وعند من يتكلم؟ ويقيّد الغيرة والحمية والغضب للدين بزمام الأدلة والضوابط الشرعية التي وضعها العلماء، وإذا عجز عن تحقيق مراد الله بكامِلِهِ؛ فليُحَقق ما أَمْكَنه من ذلك، فالشريعة جاءتْ بتكميل المصالح أو تحصيلها، عند العجز عن تكميلها، وبتعطيل المفاسد، أو تقليلها -عن العجز عن تعطيلها بالكلية-!!!
* فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: «قَدْ يَقْتَرِنُ بِالْحَسَنَاتِ سَيِّئَاتٌ: إمَّا مَغْفُورَةٌ، أَوْ غَيْرُ مَغْفُورَةٍ، وَقَدْ يَتَعَذَّرُ أَوْ يَتَعَسَّرُ عَلَى السَّالِكِ سُلُوكُ الطَّرِيقِ الْمَشْرُوعَةِ الْمَحْضَةِ إلَّا بِنَوْعِ مِنْ الْمُحْدَثِ؛ لِعَدَمِ الْقَائِمِ بِالطَّرِيقِ الْمَشْرُوعَةِ عِلْمًا وَعَمَلًا، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ النُّورُ الصَّافِي بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ إلَّا النُّورُ الَّذِي لَيْسَ بِصَافٍ؛ وَإِلَّا بَقِيَ الْإِنْسَانُ فِي الظُّلْمَةِ؛ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَعِيبَ الرَّجُلُ وَيَنْهَى عَنْ نُورٍ فِيهِ ظُلْمَةٌ، إلَّا إذَا حَصَلَ نُورٌ لَا ظُلْمَةَ فِيهِ، وَإِلَّا فَكَمْ مِمَّنْ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ يَخْرُجُ عَنْ النُّورِ بِالْكُلِّيَّةِ، إذَا خَرَجَ غَيْرُهُ عَنْ ذَلِكَ؛ لِمَا رَآهُ فِي طُرُقِ النَّاسِ مِنْ الظُّلْمَةِ.
وَإِنَّمَا قَرَّرْت هَذِهِ «الْقَاعِدَةَ» لِيُحْمَلَ ذَمُّ السَّلَفِ وَالْعُلَمَاءِ لِلشَّيْءِ عَلَى مَوْضِعِهِ، وَيُعْرَفَ أَنَّ الْعُدُولَ عَنْ كَمَالِ خِلَافَةِ النُّبُوَّةِ الْمَأْمُورِ بِهِ شَرْعًا: تَارَةً يَكُونُ لِتَقْصِيرِ بِتَرْكِ الْحَسَنَاتِ عِلْمًا وَعَمَلًا، وَتَارَةً بِعُدْوَانِ بِفِعْلِ السَّيِّئَاتِ عِلْمًا وَعَمَلًا، وَكُلٌّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ قَدْ يَكُونُ عَنْ غَلَبَةٍ، وَقَدْ يَكُونُ مَعَ قُدْرَةٍ.
«فَالْأَوَّلُ» قَدْ يَكُونُ لِعَجْزٍ وَقُصُورٍ، وَقَدْ يَكُونُ مَعَ قُدْرَةٍ وَإِمْكَانٍ.
و «الثَّانِي»: قَدْ يَكُونُ مَعَ حَاجَةٍ وَضَرُورَةٍ، وَقَدْ يَكُونُ مَعَ غِنًى وَسَعَةٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَاجِزِ عَنْ كَمَالِ الْحَسَنَاتِ، وَالْمُضْطَرِّ إلَى بَعْضِ السَّيِّئَاتِ؛ مَعْذُورٌ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: [ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ] {التغابن:16}، وَقَالَ: [ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ…] {البقرة:286}، وَقَالَ: [ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ] {الأعراف:42}، وَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرِ؛ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: [ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ] {الحج:78}، وَقَالَ: [ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ] {المائدة:6}، وَقَالَ: [ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ] {البقرة:185}، وَقَالَ: [ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ] {البقرة:173}، وَقَالَ: [ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ] {الأحزاب:5}.
وَهَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ: وَهُوَ: أَنْ تَعْرِفَ الْحَسَنَةَ فِي نَفْسِهَا عِلْمًا وَعَمَلًا، سَوَاءٌ كَانَتْ وَاجِبَةً أَوْ مُسْتَحَبَّةً، وَتَعْرِفَ السَّيِّئَةَ فِي نَفْسِهَا عِلْمًا وَقَوْلًا وَعَمَلًا، مَحْظُورَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ مَحْظُورَةٍ – إنْ سُمِّي غَيْرُ الْمَحْظُورَةِ سَيِّئَةً -، وَإِنَّ الدِّينَ تَحْصِيلُ الْحَسَنَاتِ وَالْمَصَالِحِ، وَتَعْطِيلُ السَّيِّئَاتِ وَالْمَفَاسِدِ، وَإِنَّهُ كَثِيرًا مَا يَجْتَمِعُ فِي الْفِعْلِ الْوَاحِدِ أَوْ فِي الشَّخْصِ الْوَاحِدِ الْأَمْرَانِ، فَالذَّمُّ وَالنَّهْيُ وَالْعِقَابُ قَدْ يَتَوَجَّهُ إلَى مَا تَضَمَّنَهُ أَحَدُهُمَا، فَلَا يُغْفَلُ عَمَّا فِيهِ مِنْ النَّوْعِ الْآخَرِ، كَمَا يَتَوَجَّهُ الْمَدْحُ وَالْأَمْرُ وَالثَّوَابُ إلَى مَا تَضَمَّنَهُ أَحَدُهُمَا، فَلَا يُغْفَلُ عَمَّا فِيهِ مِنْ النَّوْعِ الْآخَرِ، وَقَدْ يُمْدَحُ الرَّجُلُ بِتَرْكِ بَعْضِ السَّيِّئَاتِ الْبِدْعِيَّةِ والفجورية؛ لَكِنْ قَدْ يُسْلَبُ مَعَ ذَلِكَ مَا حُمِدَ بِهِ غَيْرُهُ عَلَى فِعْلِ بَعْضِ الْحَسَنَاتِ السُّنِّيَّةِ الْبِرِّيَّةِ؛ فَهَذَا طَرِيقُ الْمُوَازَنَةِ وَالْمُعَادَلَةِ، وَمَنْ سَلَكَهُ؛ كَانَ قَائِمًا بِالْقِسْطِ، الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ لَهُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ». اهـ([113])
وقال –أيضًا رحمه الله-: «وَمَعْلُومٌ أَنَّ الرَّسُولَ لَا يُبَلِّغُ إلَّا مَا أَمْكَنَ عِلْمُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ، وَلَمْ تَأْتِ الشَّرِيعَةُ جُمْلَةً، كَمَا يُقَالُ: إذَا أَرَدْت أَنْ تُطَاعَ؛ فَأْمُرْ بِمَا يُسْتَطَاعُ، فَكَذَلِكَ الْمُجَدِّدُ لِدِينِهِ، وَالْمُحْيِي لِسُنَّتِهِ: لَا يُبَلِّغُ إلَّا مَا أَمْكَنَ عِلْمُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ، كَمَا أَنَّ الدَّاخِلَ فِي الْإِسْلَامِ لَا يُمْكِنُ حِينَ دُخُولِهِ أَنْ يُلَقَّنَ جَمِيعَ شَرَائِعِهِ، وَيُؤْمَرَ بِهَا كُلِّهَا، وَكَذَلِكَ التَّائِبُ مِنْ الذُّنُوبِ؛ وَالْمُتَعَلِّمُ، وَالْمُسْتَرْشِدُ؛ لَا يُمْكِنُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ أَنْ يُؤْمَرَ بِجَمِيعِ الدِّينِ، وَيُذْكَرَ لَهُ جَمِيعُ الْعِلْمِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُطِيقُ ذَلِكَ، وَإِذَا لَمْ يُطِقْهُ؛ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا؛ لَمْ يَكُنْ لِلْعَالِمِ وَالْأَمِيرِ أَنْ يُوجِبَهُ جَمِيعَهُ ابْتِدَاءً، بَلْ يَعْفُوَ عَنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بِمَا لَا يُمْكِنُ عِلْمُهُ وَعَمَلُهُ إلَى وَقْتِ الْإِمْكَانِ، كَمَا عَفَا الرَّسُولُ عَمَّا عَفَا عَنْهُ إلَى وَقْتِ بَيَانِهِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ إقْرَارِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَتَرْكِ الْأَمْرِ بِالْوَاجِبَاتِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ وَالتَّحْرِيمَ مَشْرُوطٌ بِإِمْكَانِ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَقَدْ فَرَضْنَا انْتِفَاءَ هَذَا الشَّرْطِ، فَتَدَبَّرْ هَذَا الْأَصْلَ؛ فَإِنَّهُ نَافِعٌ». اهـ([114])
* قلت: فمن وفَّقَه الله -جل شأنه- لفقه التعامل الصحيح مع هذه التفاصيل؛ فهو الرجل الأول، وأنَّى للغلاة وأشباههم من تقبُّلِ هذا نظريَّا؛ فكيف بتطبيقه عمليَّا؟!
والرجل الثاني: هو الرجل الأحمق المتهوِّر، الغيور في غير موضع الغيرة، والأهوج، والغافل عما تؤول إليه كلماته ومواقفه، وغير المبالي بميزان تزاحم المصالح والمفاسد، وأن تقليل الشر، أو التخفيف من حِدَّتِهِ وسُرْعَة دوران عَجَلَتِهِ -وإن لم يُزِلْه بالكلية- من جملة الخير الذي يحبه الله؛ فيتصرف لضيق أُفُقِهِ تصرفات هوجاء بِتَشَنُّجٍ وغَضَبٍ -وهو يزعم أنها أنفةٌ وغيرةٌ لله- فيترتب على ذلك مفاسد وأمور لا تُحْمَدُ عقباها، ويَنْفُر الناس عن الدخول في ميدان الدعوة؛ فهذا -بهذا الحال- يكون مِغْلاقَ خير، مفتاحَ شَرٍّ، وأصبح بذلك حِملاً ثقيلاً على الدعوة وأهلها، وقد آن لهذا الراكب الثقيل أن يَنْزِل، أو يُتْرَك ويُلْقَى به على جَنَبة الطريق!!
* وقد قِيلَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ: أَيُّ خَصْلَةٍ فِي الْإِنْسَانِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «غَرِيزَةُ عَقْلٍ»، قيلَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ؟ قَالَ: «فَأَدَبٌ حَسَنٌ». قِيلَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ؟ قَالَ: «أَخٌ شَفيقٌ يُشَاوِرُهُ»، قِيلَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ؟ قَالَ: «فَصَمْتٌ طَوِيلٌ»، قِيلَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ؟ قَالَ: «فَمَوْتٌ عَاجِلٌ».!!([115])
وهذا الرجل فيه شَبَهٌ من أقوامٍ عاب الله عليهم صنيعهم؛ فإنهم أساؤوا وأفسدوا وهم يظنون أنهم يُحسنون صنعًا، كما قال –عز وجل-: [ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ] {الكهف:103-104}.
وكما يقول ربنا –عز وجل-: [ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ] {الأعراف:30}.
وقال عز وجل: [ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ] {الأعراف:178}.
وقال تعالى: [ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ] {يونس:108}.
فلا يَنَالُ الأعداءُ من الجاهل كما يَنَالُ الجاهلُ من نفسه، ونحن عندما نتكلم عن أصول هذه الدعوة، وضرورة العلم بذلك، والدراية والخبرة بهذه الأمور؛ ليس المقصود أننا نعني بذلك أن فلانًا ينبغي له أن يحفظ من المتون كذا وكذا، أو يحفظ من الأحاديث كذا وكذا -وإن كان هذا أمرًا حسنًا جدًّا- إلا أن هذا ليس هو المقصود في هذا المقام، فكم من رجلٍ حافظ، ومع ذلك فهو جاهل بأصول هذه الدعوة، وبمنهج العلماء في تقريرها وعرضها، وكم من رجل ليس معروفًا بكونه من الحفاظ، وليس مشهورًا بسرد الروايات والأدلة، لكنه رجلٌ مُوَفَّق في معرفة أصول هذه الدعوة، وأسلوبها، وكيفية عَرْضها على الموافق والمخالف، بأسلوب يلائم الشخص والزمان والمكان، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وأصول هذه الدعوة لن تنالها ـ أيها الطالب ـ ولن تدركها إلا بملازمة أهل العلم، أو بإدمان النظر في كتب أهل العلم، وقد تكلَّمْتُ هنا في إيضاح منهج أهل العلم في الدعوة إلى الله -جل وعلا- وإن كان غيري أوْلَى بذلك مني بالكلام، ولكن الأمر كما:
* قال الشيخ سليمان بن سحمان -أحد علماء الدعوة النجدية، رحمة الله عليهم-: «فاسْتَعَنْتُ اللهَ تعالى على رَدِّ أباطيلِ هذا المعترِضِ الأفاك، الذي نَصَبَ نفسه للانتصار لأهل الباطل والإشراك، وذلك بعد ما أكثر عليّ بعضُ الإخوان، وإن كنتُ لسْتُ من أهل هذا الشأن، ولا ممن يُجْرِي الجَوَادَ في مِثْل هذا الميدان.
| ولكنَّ البلادَ إذا اقْشَعَرَّتْ | وصَوَّحَ نَبْتُها رُعِىَ الهشيم». اهـ([116]) |
فإذا لم تكن عالمًا؛ فلا أَقَلَّ من أن تَلْزم العلماء، وتعرف كلامهم، وتكون خبيرًا بأسلوبهم وبعباراتهم، هذا الأمر الذي يجعلك، بفضل الله – سبحانه وتعالى- بصيرًا بالدعوة إلى الله –عز وجل-.
فالله –سبحانه وتعالى- يقول: [ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ] {يوسف:108}، فالمطلوب منك وأنت متبعٌ للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن تكون على بصيرة بالدعوة، والبصيرة بالدعوة ـ كما مرَّ ـ، لَيْسَتْ مُجَرَّدَ الحفظ والسَّرد للمتون والمسائل -وإن كان هذا خيرًا عظيمًا- إلا أن المراد بذلك الفقه في هذه الأصول والضوابط والقيود، والفقه في معاني الشريعة؛ حتى لا تُقَدِّم شيئًا قبل أوانه، ولا تُؤَخِّر شيئًا عن زمانه، فالشيء في غير زمانه معيب، وعند غير أهله مريب.
فإذا وُفِّقْتَ لهذا الأمر؛ فقد وُفِّقْتَ لخَّيرٍ كثير، [ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ] {البقرة:269}.
والحكمة في اللغة جاءت بعدة معان، منها:
1- تستعمل بمعنى: العدل، والعلم، والحلم، والنبوة، والقرآن، والإنجيل.
وأَحْكَمَ الأمر: أَتْقَنَهُ؛ فاسْتَحْكَمَ ومَنَعَهُ عن الفساد.([117])
2- والحكمة قد يُراد بها معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، ويقال لمن يحسن دقائق الصناعات ويتقنها: حكيم.([118])
3 – والحكيم: المتقن للأمور، يقال للرجل إذا كان حكيمًا: قد أَحْكَمَتْه التجارب.([119])
4- والحَكَمُ والحكيم هما بمعنى: الحاكم والقاضي، والحكيم فعيل بمعنى فاعل، أو هو الذي يُحكِمُ الأشياء ويتقنها، فهو فعيل بمعنى: مُفْعِل.
5 – والحكمة: إصابة الحق بالعلم والعقل.([120])
والحكمة: وضع الشيء في موضعه، فتتكلم عندما يكون الكلام يأتي بالنفع والمصلحة، وتَسْكُت عندما يكون الكلام ضارًّا، وإذا تَكَلَّمْتَ تتكلم بقدر، أو بالقدْر الذي ينفع.
وكم من رجل يريد أن يُنْكِر المنكَر، إلا أنه يُنكَر عليه إغلاظُه في إنكار المنكر، فيكون الواقع في المنْكَر مستحقا لنصيحة فقط، وهو يَجعلها تأنيبًا وتوبيخاً، أو يكون الواقع في المنكَر مستحقاً لعتاب وتأنيب فقط، وهو يجعله ضربًا وتشهيرا، وقد يستحق ضربًا وتعزيرًا، وهو يَجعله طعناً وقَتْلًا!!!
فإذا أَنْكَرْتَ المنكر بغير ما قدّره الشرع؛ فقد وقعتَ في المنكر، وإذا أنكرت المنكر دون أن تدرك مآل هذا الإنكار؛ فأنت لسْتَ بفقيه، وليس لك أن تخوض في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باب من أبواب الجهاد، فيحتاج من يقوم به أن يكون عالمًا به، وإلا فإنه يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف، وقد ينكر المنكَر بطريقة فظَّةٍ جافيةٍ غليظةٍ، وفي هذه الحالة يقال له: مِن المنكَر أن تَنْهَى عن المنكَر!!
o
p













