كتب للقراءة

التحذير من الغلو في التفسيق والتبديع والتكفير

التحذير من الغلو في التفسيق والتبديع والتكفير

تعريف الغُلُوِّ لغةً واصطلاحاً

الغُلُوُّ لغةً:

تدور الأحرف الأصلية لهذه الكلمة ومشتقاتها على معنى واحد يدل على مجاوزة الحد والقَدْر.

* قال ابن فارس ـ رحمه الله ـ: «الغين واللام والحرف المعتل أصلٌ صحيحٌ يدل على ارتفاعٍ ومُجَاوَزَةِ قَدْرٍ».([1])

يقال: غلا غلاء، فهو غالٍ، وغلا في الأمر غُلُواً، أي جاوز حَدَّهُ، وغَلَت القِدْرُ تَغْلي غَلَيَاناً، وغَلَوْتَ بالسهم غَلْواً، إذا رميتَ به أَبْعَدَ مما تَقْدِرُ عليه.

فالغُلُو: هو مجاوزةُ الحَدِّ، يقال: غلا في الدين غُلُوًّا: تَشَدَّدَ وتَصَلَّب حتى جاوز الحد.([2])

وبالرجوع إلى المصادر والمعاجم اللغوية تبين أن الغلو هو: مجاوزة الحَدِّ وتَعَدِّيه.

* قال الجوهري في «الصحاح»: «غلا في الأمر يغلو غُلُوَّاً، أي جاوز فيه الحَدَّ» اهـ.([3])

* وقال الفيروز آبادي في «القاموس»: «غلا غلاء، فهو غالٍ، وغَلَى ضِدُّ الرُّخْص، وغلا في الأمر غُلُوَّاً جاوز حَدَّه». اهـ.([4])

* وقال الفيومي في «المصباح المنيّر»: «وَغَلَا فِي الدِّينِ غُلُوًّا مِنْ بَابِ قَعَدَ، تَصَلَّبَ وَشَدَّدَ حَتَّى جَاوَزَ الْحَدَّ، وَفِي التَّنْزِيلِ [ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ] {النساء:171} وَغَالَى فِي أَمْرِهِ مُغَالَاةً، بَالَغَ، وَغَلَا السِّعْرُ يَغْلُو، وَالِاسْمُ: الْغَلَاءُ بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ، ارْتَفَعَ، وَيُقَالُ لِلشَّيْءِ إذَا زَادَ وَارْتَفَعَ: قَدْ غَلَا، وَيَتَعَدَّى بِالْهَمْزَةِ، فَيُقَالُ أَغْلَى اللَّهُ السِّعْرَ، وَغَالَيْتُ اللَّحْمَ، وَغَالَيْتُ بِهِ، اشْتَرَيْتُهُ بِثَمَنٍ غَالٍ، أَيْ زَائِدٍ». اهـ.([5])

فمما سبق يتبين أن الغلو في سائر استعمالاته يدل على الارتفاع والزيادة ومجاوزة الأمر الطبيعي أو الحد المعتاد.

معنى الغُلُو في الشَّرْع:

وفي ضوء النصوص السابقة يمكن تحديد معنى الغلو في الشرع والضوابط التي تحدد المعنى.

وقبل بيان ذلك أَعْرِضُ بعضَ تعاريف أهل العلم للغلو:

1ـ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: «الغلو: مجاوزة الحد بأن يُزَاد في الشيء، في حَمْدِهِ، أو ذَمِّه على ما يستحقُّه، ونحو ذلك».([6])

وبنحو هذا التعريف عَرَّفَه الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب-رحمهم الله تعالى-.([7])

2ـ وقال الإمام الشاطبيُّ ـ رحمه الله ـ: «فإِن الْغُلُوَّ هُوَ الْمُبَالَغَةُ فِي الْأَمْرِ، وَمُجَاوَزَةُ الْحَدِّ فِيهِ إِلى حَيِّز الْإِسْرَافِ». اهـ([8])

3- وبمثل هذا التعريف عَرَّفَه الحافظُ ابن حجر ـ رحمه الله ـ فقال: «وأما الغلو: فهو المبالغة في الشيء، والتشديد فيه بتجاوز الحد». اهـ([9])

وهذه التعاريف كلها متقاربة، ومتطابقة في المعنى اللغوي، وتفيد أن الغلو هو: تجاوز الحد الشرعي بالزيادة.

والحَدُّ جمعه حُدُود، و «الْحُدُودُ» النِّهَايَاتُ لِمَا يَجُوزُ مِنْ الْمُبَاحِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَغَيْرِ الْمَأْمُورِ بِه».([10])

* ويزيد الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب -رحمهم الله- الأَمْرَ وضوحاً، فيحدد ضابط الغلو، فيقول: «وضابطه: تَعَدِّي ما أمر الله به، وهو الطغيان الذي نهى الله عنه في قوله: [ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ] {طه:81}». اهـ([11])

وذلك لأن الحق واسطة بين الإفراط والتفريط، يقول عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ في كتابٍ أرسله إلى رجل يسأله عن القدر «… وقد قَصَّرَ قوم دونهم -أي دون السلف-؛ فَجَفَوْا، وطمح عنهم أقوام؛ فَغَلَوْا، وإنهم بين ذلك لعَلَى هُدًى مستقيم».([12])

* وقال الحسن ـ رحمه الله ـ: «سُنَّتُكُم والله الذي لا إله إلا هو، بينهما: بين الغالي والجافي».([13])

وقد قرر العلماء أن الحق واسطة بين التفريط والإفراط، وهو معنى قول مُطَرِّف بن عبد الله: «يَا عبد اللَّه، الْعِلْمُ أَفْضَلُ من الْعَمَل، والحسنةُ بَين السيئتين، وَخير الْأُمُور أوساطها، وَشر السّير الْحَقْحَقَةُ».([14])

* قال أبو عبيد ـ رحمه الله ـ: «وأما قَوْله: الْحَسَنَة بَين السيئتين: فَأَرَادَ أَن الغلو فِي الْعلم سَيِّئَة، وَالتَّقْصِير عَنْهُ سَيِّئَة، والحسنة بَينهمَا وَهُوَ الْقَصْد، كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث الآخر فِي فضل قَارِئ الْقُرْآن: غير الغالي فِيهِ وَلَا الجافي عَنهُ، فالغلو فِيهِ التَّعَمُّقُ، والجفا عَنْهُ التَّقْصِير، وَكِلَاهُمَا سَيِّئَة، وَمِمَّا يبين ذَلِك قَول اللَّه -عز وَجل-: [ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ] {الإسراء:29}. وَكَذَلِكَ قَوْله: [ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ] {الفرقان:67}». اهـ([15])

* وقال البغوي -رحمه الله-: «وَالْحَقْحَقَةُ: أَنْ تَحْمِلَ الدَّابَّةَ عَلَى مَا لَا تُطِيقُهُ؛ حَتَّى يُبْدِعَ بِرَاكِبِهَا». اهـ([16])

o

p