كتب للقراءة

التحذير من الغلو في التفسيق والتبديع والتكفير

التحذير من الغلو في التفسيق والتبديع والتكفير

تعريف البدعة لغة واصطلاحاً

أولاً: تعريف البدعة لغة:

* قال ابن منظور -رحمه الله-: «بَدَعَ الشيءَ يَبْدَعُه بِدْعاً وابتدعه: أنشأه وبدأه… البديع، والبِدع: الشيء الذي يكون أولاً، وفي التنزيل: [ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ] {الأحقاف:9} أي ما كنت أول من أُرْسِل، وقد أُرْسِل قَبْلِي رُسُلٌ كثير.

والبدعة: الحدثُ، وما ابْتُدِعَ من الدين بعد الإكمال، وأَبْدَعَ وابْتَدَعَ وتَبَدَّعَ: أتى ببدعة، قال الله تعالى: [ﮓ ﮔ] {الحديد:27} وبدَّعه: نَسَبَهُ إلى البدعة، واسْتَبْدَعه: عَدَّهُ بديعاً، والبديع المُحْدَث العجيب. والبديع: المُبْدِعِ، وأَبْدَعْتُ الشيء: اخترعْتُهُ لا على مثال، والبديع: من أسماء الله تعالى لإبداعه الأشياء وإحداثه إياها…»اهـ.([17])

* وقال الراغب الأصفهاني: «الإبداع: إنشاء صَنْعَةٍ بلا احتذاء واقتداء… والبديع يقال للمُبْدِع نحو قوله: [ﯖ ﯗ ﯘ] {البقرة:117}، وقوله تعالى: [ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ] {الأحقاف:9} قيل: معناه مُبْدِعاً لم يتقدمني رسول… والبدعة في المذهب: إيرادُ قولٍ لم يَسْتَنَّ قائلُهُ وفاعلُهُ فيه بصاحب الشريعة، وأماثِلِها المتقدمَةِ، وأصولها المُتْقَنَةِ». اهـ([18])

* وقال أبو البقاء الكفوي: «البدعة: كل عمل عُمِلَ على غيرِ مثالٍ سَبَقَ؛ فهو بدعة».([19])

ثانياً: تعريف البدعة اصطلاحاً:

اخْتَلَفَتْ أنظارُ العلماء في تعريف البدعة، وتحديد مفهومها، فمنهم من حصر البدعة في باب العبادات، فَضَيَّقَ مفهومها، فقصرها على الابتداع في باب العبادات اصطلاحاً.

ومنهم من وَسَّع مفهومها، فأطلقها على كل مُحْدَث من الأمور، وجعلها تنقسم إلى أقسام خمسة: فهي إما واجبة، أو مندوبة، أو مباحة، أو مكروهة، أو محرمة.

وقد سار على كلٍّ من هذين المنهجين علماء أجلاء، وأئمة أعلام، ولِكُلِّ وِجْهَةٌ هُو مُوَلِّيهَا، وكل منهم يقصد الوصول إلى ما اعتقد أنه الحق والصواب، وكل منهم اجتهد، وعليه فله أجران إن أصاب، وأَجْر واحد إن خالف قولُه الصوابَ، وسأذكر هذين المنهجين -إن شاء الله تعالى-.([20])

مناهج العلماء في تعريف البدعة:

المنهج الأول في تعريف البدعة:

يرى جماعة من أهل العلم: منهم الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وابن الجوزي، وأبو شامة المقدسي، والنووي، والعيني، وابن الأثير، والقرافي، والحافظ ابن حجر، والسيوطي، وغيرهم -رحمهم الله جميعا-([21]) أن البدعة تُطْلَق على كل مُحْدَثة لم تُوجَدْ في كتاب الله -سبحانه وتعالى- ولا في سنة رسوله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – سواء أكانت في العبادات، أم العادات، وسواء أكانت محمودة أو مذمومة.

ويرى هؤلاء العلماء على ضوء ذلك أن البدعة تنقسم إلى حسنة وسيئة، فإن وافقت السنة؛ فهي حسنة محمودة، وإن خالفت السنة؛ فهي سيئة مذمومة.

* وبناء على هذا الأساس قالوا: إن البدعة تنقسم إلى الأقسام الخمسة: فهي إما أن تكون واجبة، أو مندوبة، أو مباحة، أو مكروهة، أو محرمة.

* قال الإمام النووي -رحمه الله-: «البِدْعة بكسر الباء في الشرع: هي إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهي منقسمة إلى حسنة وقبيحة.

* وقال الشيخ الإمام أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام -رحمه الله- في آخر كتاب «القواعد»: «البدعة منقسمة إلى واجبة، ومحرمة، ومندوبة، ومكروهة، ومباحة»، قال: «والطريق في ذلك: أن تَعْرِضَ البدعة على قواعد الشريعة؛ فإن دَخَلَتْ في قواعد الإيجاب؛ فهي واجبة، أو في قواعد التحريم؛ فمحرمة؛ أو الندب؛ فمندوبة؛ أو المكروه؛ فمكروهة؛ أو المباح؛ فمباحة.

وللبدع الواجبة أمثلة: منها الاشتغالُ بعلم النحو الذي يُفْهَم به كلام الله تعالى وكلام رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وذلك واجب؛ لأن حفظ الشريعة واجب، ولا يتأتى حفظها إلا بذلك، وما لا يتم الواجب إلا به؛ فهو واجب.

الثاني: حِفْظُ غريب الكتاب والسنة من اللغة.

الثالث: تدوينُ أصول الدين وأصول الفقه.

الرابع: الكلامُ في الجرح والتعديل، وتمييز الصحيح من السقيم، وقد دلت قواعد الشريعة على أن حفظ الشريعة فرض كفاية فيما زاد على المتعين، ولا يتأتى ذلك إلا بما ذكرناه.

وللبدع المحرمة أمثلة منها: مذاهب القدرية، والجبرية، والمرجئة، والمجسمة، والرد على هؤلاء من البدع الواجبة.

وللبدع المندوبة أمثلة، منها: إحداث الرُبُط والمدارس، وكُلِّ إحسان لم يُعْهَد في العصر الأول، ومنها التراويح، والكلام في دقائق التصوف، وفي الجدل، ومنها جمع المحافل للاستدلال، إنْ قصِدَ بذلك وجه الله تعالى.

وللبدع المكروهة أمثلة: كزخرفة المساجد، وتزويق المصاحف.

وللبدع المباحة أمثلة، منها: المصافحة عقب الصبح والعصر، ومنها التوسع في اللذيذ من المآكل والمشارب والملابس والمساكن، ولبس الطيالسة، وتوسيع الأكمام، وقد يُخْتَلَفُ في بعض ذلك، فيجعله بعض العلماء من البدع المكروهة، ويجعله آخرون من السنن المفعولة في عهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فما بعده، وذلك كالاستعاذة في الصلاة والبسملة، هذا آخر كلامه -رحمه الله-». اهـ([22])

* قلت: وفي بعض الأمثلة المذكورة أخْذٌ ورَدٌّ، كما أشار إليه -رحمه الله- وإدخال كثير من هذه الأمثلة في أقسام البدعة، يكادُ يكون خلافًا لفظيًّا مع الفريق الآخر، فمن نظر إلى عدم وجود هذه العلوم بصورتها التي وَقَعَتْ بعد ذلك؛ سمَّاها بدعة، ومن نظر إلى أنها لها أصول في السنة، أو إلى أنها من باب ما لا يتمّ الواجب أو المستحب إلا به، فهو واجب أو مستحب؛ لم يجعلها من أقسام البدعة أصْلا، والله أعلم.

المنهج الثاني في تعريف البدعة:

وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أن البدعة مُخَالِفَةٌ للسنة، وكُلَّها مذمومةٌ شرعاً؛ لأنها مُحْدَثَةٌ لا أصل لها في الشرع، وعلى هذا: الإمام مالك، والبيهقي، والطرطوشي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والزركشي، وابن رجب، والشُّمَنِي الحنفي، وغيرهم -رحمهم الله جميعا-([23])، واختاره جماعة من العلماء المعاصرين.

وأساس هذا المنهج هو تعريف البدعة بالمُحْدَث المخالف للسنة، الذي جُعِلَ ديناً قويماً وصراطاً مستقيماً، وكذلك يُسْتَدل لهم بعموم حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «ألا إن كُلَّ مُحْدَثَةٍ بدعة، وكُلَّ بدعة ضلالة»([24]) وعلى هذا مَشَى الشاطبي ـ رحمه الله ـ في أحد تعريفيه للبدعة حيث قال: «فالبدعة إذاً: عبارة عن طريقة في الدين مخترعة، تُضَاهِي الشرعيةَ، يُقْصَد بالسلوك عليها المبالغةُ في التعبد لله: -سبحانه- وهذا على رَأْيِ من لا يُدْخِل العادات في معنى البدعة، وإنما يخصها بالعبادات». اهـ([25])

*وقال الشاطبي ـ رحمه الله ـ: «فالطريقة والطريق والسبيل والسنن هي بمعنى واحد، وهو ما رُسِمَ للسلوك عليه، وإنما قُيِّدَت بالدين؛ لأنها فيه تُخْتَرَع، وإليه يضيفها صاحبها، وأيضاً فلو كانت طريقةً مخترعةً في الدنيا على الخصوص؛ لم تُسَمَّ بدعةً، كإحداث الصنائع والبلدان التي لا عَهْدَ بها فيما تَقَدَّمَ، ولما كانت الطرائق في الدين تنقسم – فمنها ما له أصل في الشريعة، ومنها ما ليس له أصل فيها – خُصَّ منها ما هو المقصود بالحد، وهو القسم المخترع، أي طريقة ابْتُدِعَت على غير مثال تقدمها من الشارع؛ إذ البدعةُ إنما خاصَّتُها أنها خارجة عما رسَمه الشارع، وبهذا القيد انْفَصَلَتْ عن كل ما ظَهَر لبادي الرأي: أنه مُخْتَرَعٌ مما هو متعلِّق بالدين: كعلم النحو والتصريف، ومفردات اللغة، وأصول الفقه، وأصول الدين، وسائر العلوم الخادمة للشريعة؛ فإنها وإن لم توجد في الزمان الأول؛ فأصولها موجودة في الشرع». اهـ([26])

وقوله «تضاهي الشرعية» أي تُشَابِهُ الطريقةَ الشرعيةَ من غير أن تكون في الحقيقة كذلك، بل هي مضادةٌ لها من أوجه متعددة:

منها: وَضْعُ الحدود، كالناذر للصيام قائماً لا يقعد، ضاحياً لا يستظل، والاختصاص في الانقطاع للعبادة، ومنها التزام الكيفيات والهيئات المعينة، كالذكر بهيئة الاجتماع على صوت واحد، واتخاذ يوم ولادة النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – عيداً.

ومنها: التزام العبادات المعينة، في أوقات معينة، لم يوجد لها ذلك التعيين في الشريعة، كالتزام صيام يوم النصف من شعبان، وقيام ليلته.

وقوله: «يُقْصَد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله تعالى» هو تمام معنى البدعة؛ إذ هو المقصود بتشريعها.

وذلك أن أصل الدخول فيها يحث على الانقطاع إلى العبادة، والترغيب في ذلك؛ لأن الله تعالى يقول: [ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ] {الذاريات:56} فكأن المُبْتَدِعَ رأى أن المقصود هذا المعنى، ولم يتبين له أن ما وضعه الشارع فيه من القوانين والحدود كافٍ… وقد تبين بهذا القيد أن البدع لا تدخل في العادات، فكل ما اخْتُرِعَ من الطرق في الدين مما يضاهي المشروعَ، ولم يُقْصَد به التعبد؛ فقد خرج عن هذه التسمية». اهـ([27])

o

p