كتب للقراءة

تبصير الأنام بتصحيح الأفهام المجلدالأول

تبصير الأنام بتصحيح الأفهام المجلد الأول

(حُكْم الإصرار على الكبيرة)

  • السؤال الثامن: هل الإصرار على الكبائر يُوقع صاحِبَهُ في الكفر الأكبر؟

الجواب:

أولًا: تعريف الكبيرة:

الكبيرة: هي ما تُوُعِّد عليها بعقاب دنيوي أو أُخروي، أو تَرَتَّبَ عليها حَدٌّ من الحدود، أو تَعَرَّضَ الواقعُ فيها لِلَعْنٍ، أو غَضَبٍ، أو تهديدٍ، أو ذمٍّ، ونحو ذلك.

ويقع ارتكاب الكبيرة بترك أَمْرٍ لازمٍ، أو ارتكاب نَهْيٍ جازم، أو فِعْلِ مُحَرَّمٍ.

هذا من أشهر التعريفات، وهو ما نُقِلَ عن ابن عباس – رضي الله عنهما- وسعيد بن جبير والحسن البصري وغيرهم .

وقال ابن الصلاح : «لها أمارات منها: إيجاب الحد، ومنها الإيعاد عليها بالعذاب بالنار ونحوها في الكتاب أو السنة، ومنها وصف فاعلها بالفسق نَصًّا، ومنها اللعن». اهـ.([283])

وقال الماوردي من الشافعية: «الكبيرة: ما وَجَبَتْ فيه الحدود، أو تَوَجَّهَ إليها الوعيد». اهـ([284])

وورد مثل ذلك عن الإمام أحمد فيما نقله القاضي أبو يعلي.

ورجحه القرطبي، وابن تيمية، والذهبي، وغيرهم .([285])

وقد أورد الطبري الأقوال في معنى الكبيرة، ومما قاله:

«وقال آخرون: كُلُّ مُوجِبَةٍ، وكُلُّ ما أَوْعَدَ الله أهلَهُ عليه النار؛ فكبيرة.

ثم روى بأسانيده عن جماعة من السلف ممن قال بذلك:

منها: عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قوله: [ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ] {النساء:31}، قال: الكبائر: كُلُّ ذَنْبٍ خَتَمَهُ الله بنار، أو غَضَبٍ، أو لَعْنَةٍ، أو عذاب.

– وعن سعيد بن جبير : كُلُّ مُوجِبَةٍ في القرآن كبيرة.

– وعن سعيد بن جبير أيضًا قال: كل ذنب نسبه الله إلى النار؛ فهو من الكبائر.

– وعن سالم: أنه سمع الحسن يقول: كل موجبة في القرآن كبيرة.

– وعن مجاهد في قول الله: [ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ]، قال: الموجبات.

– وعن الضحاك قال: الكبائر: كل موجبة أوجب الله لأهلها النار، وكل عمل يقام به الحد، فهو من الكبائر». اهـ([286])

وهناك تعريفات أخرى أوردها العلماء، اسْتَعْرَضَ هذه التعريفات وناقَشَها عددٌ من الأئمة منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية ، والحافظ ابن كثير ، والحافظ ابن حجر ، والهيتمي .([287])

ثانيًا: تعريف الإصرار:

الإصرار: معناه الثبات على الأمر، ولزومه، والإقامة على الشيء، والمداومة عليه.([288])

والإصرار على المعصية: هو الاستمرار والثبوت، والإقامة على فِعْلِها، وعدم الإقلاع عنها، والعزم بالقلب على فِعْلِهَا، مع العلم بأنها معصية دون الاستغفار منه أو التوبة.([289])

قال البلقيني : «وَفَسَّرَ الْقَاضِيَانِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالطَّبَرِيُّ الْإِصْرَارَ فِي قَوْله تَعَالَى [ﭽ ﭾ ] {آل عمران:135} بِأَنْ لَمْ يَعْزِمُوا عَلَى أَنْ لَا يَعُودُوا إلَيْهِ، وَقَضِيَّتُهُ: حُصُولُ الْإِصْرَارِ بِالْعَزْمِ عَلَى الْعَوْدِ، بِتَرْكِ الْعَزْمِ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ.

وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ ابْنِ الصَّلَاحِ: الْإِصْرَارُ: التَّلَبُّسُ بِضِدِّ التَّوْبَةِ، بِاسْتِمْرَارِ الْعَزْمِ عَلَى الْمُعَاوَدَةِ وَاسْتِدَامَةُ الْفِعْلِ، بِحَيْثُ يَدْخُلُ بِهِ فِي حَيِّزِ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْوَصْفُ بِصَيْرُورَتِهِ كَبِيرَةً، وَلَيْسَ لِزَمَنِ ذَلِكَ وَعَدَدِهِ حَصْرٌ.

وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ : الْإِصْرَارُ: أَنْ تَتَكَرَّرَ مِنْهُ الصَّغِيرَةُ تَكْرَارًا يُشْعِرُ بِقِلَّةِ مُبَالَاتِهِ بِدِينِهِ، إشْعَارَ ارْتِكَابِ الْكَبِيرَةِ بِذَلِكَ، قَالَ: وَكَذَلِكَ إذَا اجْتَمَعَتْ صَغَائِرُ مُخْتَلِفَةُ الْأَنْوَاعِ بِحَيْثُ يُشْعِرُ مَجْمُوعُهَا بِمَا يُشْعِرُ بِهِ أَصْغَرُ الْكَبَائِرِ. اهـ.([290]) قلت: هذا في الإصرار على الصغيرة، وهو في الكبيرة أشد.

ثالثًا: حُكْمُ الإصرار على الكبيرة:

الإصرارُ على الكبيرة عند أهل السنة لا يرتقي بها من دائرة الكبائر إلى دائرة الكُفْرِ الْمُخْرِجِ من الملة، إلا إذا صاحَبَ ذلك استحلالٌ للمحرم أو جحود للواجب، ولا يُعرف ذلك إلا بإقرار اللسان به.

قال أبو الطيب محمد صديق خان القِنَّوجي : «والصواب في هذا الباب: ما ذكره القاضي محمد بن علي الشوكاني في «إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول»، ونَصُّهُ: قد قيل: إن الإصرار على الصغيرة حُكْمُهُ حُكْمُ مرتكب الكبيرة، وليس على هذا دليل يصلح للتمسك به، وإنما هي مقالة لبعض الصوفية، فإنه قال: لا صغيرة مع الإصرار، وقد رَوَى بعضُ من لا يَعْرِفُ عِلْمَ الرواية هذا اللفظَ، وجَعَلَهُ حديثًا، ولا يَصِحُّ ذلك، بل الحق أن الإصرار حُكْمُهُ حُكْمُ ما أُصِرَّ عليه، والإصرار على الصغيرة صغيرة، والإصرار على الكبيرة كبيرة. انتهى.

ويُفْهَم من ذلك أيضًا: أن الإصرار على الكبيرة ليس كفرًا». اهـ([291])

وقد ذكر الهيتمي أن من جملة الكبائر: «فرح العبد بالمعصية، والإصرار عليها، ونسيان الله تعالى والدار الآخرة، والأمن من مكر الله، والاسترسال في المعاصي». اهـ([292])

فاقتراف المعاصي بمفرده عند أهل السنة لا يُخْرِجُ من الملة، ولا تُوقِعُ المعاصي صاحِبَها في الردة إن لم يقترن بها سبب من أسباب الكفر.

قال الطحاوي : «ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله، ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله». اهـ([293])

قال النووي في «شرح مسلم»: «تصح التوبة من ذَنْبٍ, وإن كان مُصِرًّا على ذَنْبٍ آخر, وإذا تاب توبة صحيحة بشروطها، ثم عاود ذلك الذنب، كُتِبَ عليه ذلك الذنب الثاني، ولم تَبْطُلْ توبته, هذا مذهب أهل السنة في المسألتين». اهـ

قال شيخنا الألباني : «الخوارج القدامى كان ضلالهم محصورًا على أنهم يُكفِّرون الـمُصِرِّين على الكبائر، أما اليوم فقد نَبَتَتْ نابتة جديدة، يُكَفِّرُون المُصِرَّ على المعصية، الذي مات عليها ولم يتب». اهـ

والاستحلال: تحليل ما حرّم الله من المحرمات المقطوع بحرمتها، ويُلْحَقُ به تحريمُ ما أَحَلَّ الله مما هو مقطوع بحله أو وجوبه، وفي معناه: جحود ما أوجبه الله وجوبًا مقطوعًا به.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : «والإنسان متى حَلَّلَ الحرام المُجْمَعَ عليه، أو حَرَّمَ الحلال المُجْمَعَ عليه، أو بَدَّلَ الشرع المُجْمَعَ عليه؛ كان كافرًا مرتدًا باتفاق الفقهاء، وفي مثل هذا نُزِّل قولُه تعـالى – على أحـد القـولين –[ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ] {المائدة:44}، أي: هو المستحل للحكم بغير ما أنزل الله». اهـ([294])

والاسْتِحْلَالُ أَمْرٌ قَلْبِيٌّ؛ وذلك أن حقيقته هي: «اعتقاد حِلِّ الشيء».

قال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضًا: «والاستحلال: اعتقاد أنها حلال له». اهـ([295])

وقال الشاطبي في «الاعتصام»: «لَفْظُ الِاسْتِحْلَالِ إِنما يُستعمل فِي الأَصل فِيمَنِ اعْتَقَدَ الشَّيْءَ حَلَالًا». اهـ([296])

وقال الإمام ابن القيم : «فإن المستحل للشيء هو: الذي يَفْعَلُه معتقدًا حِلَّه». اهـ([297])

وما كان أمرًا قلبيًا؛ فإنه لا يُعْرَفُ إلا بالتصريح باللسان عما في النفس أو القلب، فلا يؤخذ الاستحلال (القلبي) من القرائنِ الحَالِيَّةِ، ككثرة الوقوع في المعصية، مهما استفاضَتْ أو قَوِيَتْ؛ لأن الاستحلال من أعمال القلب، وما في القلوب لا يعلمه إلا علام الغيوب، إلا أن يُصَرِّح به صاحبها؛ وهكذا في كل أعمال القلب.

ولا اعتبار للقرائن في الحكم على ما في القلب، إلا أن تكون هذه القرائن كُفرًا في ذاتها، فتشمل ما هو أشد من الاستحلال، أو تدل عليه بدلالة التَّضَمُّن.

ولسان الحال، أو القرائن الحالية ليسا معتبرين في التكفير؛ فإنهما من الأمور المحتملة، والكفر لا يُعْرَف إلا بالدليل، ولا تكفير مع الاحتمال.

– يقول أبو حامد الغزالي :

«الكفر حكم شَرْعِيٌّ، كالرِّقِّ والحرية مثلًا؛ إذْ معناه: إباحةُ الدم، والحكْمُ بالخلود في النار، ومَدْرَكُهُ شَرْعِيٌّ، فَيُدْرَك إما بِنَصٍّ، وإما بقياس على منصوص». اهـ([298])

– ويؤكد القاضي عياض أن: «كشف اللَّبْس فيه مورده الشرعُ، ولا مجال للعقل فيه». اهـ([299])

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : «الكفر حُكْمٌ شرعيّ، وإنما يثبت بالأدلة الشرعية». اهـ([300])

– وقال أيضًا: «الكفر ليس من الأحكام التي يَسْتَقِلُّ بها العقل». اهـ([301])

وقال أيضًا: «التكفير لا يكون بأمر مُحْتَمَل». اهـ([302])

– ويقول أيضًا : «الكفر حُكْمٌ شَرْعِيٌّ مُتَلَقَّى عن صاحب الشريعة، والعَقْلُ قد يُعْلَمُ به صوابُ القول وخطؤه، وليس كل ما كان خطأً في العقل؛ يكون كُفْرًا في الشرع، كما أنه ليس كل ما كان صوابًا في العقل؛ تجب في الشرع معرفته». اهـ([303])

– ونقل ابن الوزير الإجماع على ذلك كله، فقال -: «التكفير سَمْعِيٌّ مَحْضٌ، لا مَدْخَل للعقل فيه،…، والدليل على الكفر والفِسْقِ لا يكون إلَّا سمعيًا قطعيًا، ولا نزاع في ذلك». اهـ([304])

والإصرار على الكبيرة في ذاته جُرْم مستقل، لكن التكفير به مجردًا دون أن يَصِلَ بصاحبه إلى الاستحلال خلافٌ لعقيدة أهل السنة والجماعة، وانخراطٌ في قول الخوارج المارقين، وشِدَّةُ استقباح الشيء لا يلزم منها التكفيرُ مُطْلَقًا.

وقد تواترت النصوص الدالة على عدم كفر مرتكب الكبيرة، وعدم خلوده في النار إن دخلها، ما لم يستحل، وهذا من الأصول الاعتقادية المجمع عليها بين أهل السنة.

وسننقل –إن شاء الله- بعض النصوص عن أئمة السلف، يتبين من خلالها وضوحُ منهجَهم في ذلك:

قال الإمام الصابوني : «ويعتقد أهل السنة: أن المؤمن وإن أذنب ذنوبًا كثيرة صغائر وكبائر؛ فإنه لا يُكَفَّر بها، إن خرج من الدنيا غير تائب منها، ومات على التوحيد والإخلاص، فإن أمره إلى الله إن شاء عفا عنه، وأدخله الجنة يوم القيامة سالمًا غانمًا غير مُبْتَلًى بالنار، ولا مُعاقَبٍ على ما ارتكبه واكتسبه، ثم استصحبه إلى يوم القيامة من الآثام والأوزار، وإن شاء عفا عنه وعَذَّبَه مدة بعذاب النار، وإن عَذَّبَه لم يُخَلَّد فيها، بل أعتقه وأخرجه منها إلى نعيم دار القرار». اهـ.([305])

وقال الإمام البغوي : «اتفق أهل السنة على أن المؤمن لا يَخْرُجُ عن الإيمان بارتكاب شيء من الكبائر إذا لم يعتقد إباحتها، وإذا عمل شيئًا منها، فمات قبل التوبة؛ لا يُخَلَّد في النار، كما جاء به الحديث، بل هو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه بقدر ذنوبه، ثم أدخله الجنة برحمته». اهـ([306])

وقال الإمام ابن بطة : «وقد أجمعت العلماء – لا خلاف بينهم – أنه لا يَكْفُر أحد من أهل القبلة بذنب، ولا نُخْرِجُه من الإسلام بمعصية، نرجو للمحسنين، ونخاف على المسيء». اهـ([307])

وقال الإمام الطحاوي : «ولا نُكَفِّر أحدًا من أهل القبلة بذنب، ما لم يستحله، ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عَمِلَهُ،… وأهل الكبائر في النار لا يُخَلَّدون، إذا ماتوا وهم مُوَحِّدون». اهـ([308])

وقال ابن أبي العز الحنفي في تعليقه على كلام الإمام الطحاوي : «إن أهل السنة متفقون كُلَّهم على أن مرتكب الكبيرة لا يَكْفُر كُفْرًا يَنْقِلُ عن الملة بالكلية، كما قالت الخوارج؛ إذْ لو كَفَرَ كُفرًا ينقل عن الملة؛ لكان مرتدًا، يُقْتَلُ على كل حال، ولا يُقْبَلُ عَفْوُ ولي القصاص، ولا تجري الحدود في الزنا والسرقة وشرب الخمر، وهذا القول معلوم بطلانه وفساده بالضرورة من دين الإسلام، ومتفقون على أنه لا يَخْرُجُ من الإيمان والإسلام، ولا يَدْخُلُ في الكفر، ولا يستحق الخلود مع الكافرين…». اهـ([309])

والخلاصة: أن من مات على كبيرة غير تائب منها؛ فهو مُصِرٌّ عليها، وكونه يكون مُعَرَّضًا للوعيد في الآخرة: إما العفو وإما العذاب المؤقت، فهذا دليل على أنه مات مُصِرًّا غير تائب من الكبيرة،؛ إذْ لو تاب؛ لتاب الله عليه، وغفرها له، وعلى ذلك فكل دليل يدل على أن ارتكاب الكبيرة ليس كفرا -أي وإن مات غير تائب منها- فهو دليل على أن المصر على الكبيرة ليس كافرا، والله أعلم.

أدلة أهل السنة على حُكْم مرتكب الكبيرة [الحكم الدُّنْيَوِي والأُخْرَوِي]:

استدل أهل السنة على اعتقادهم هذا بأدلة كثيرة جدًا، ونحن سنذكر هنا ما يمكن أن يُسَمَّى «أدلةً كليةً» وكل دليل منها يندرج تحته عدد من الأدلة التفصيلية:

الدليل الأول: نصوصٌ تدل على أن من مات لا يشرك بالله شيئًا؛ دخل الجنة، وعلى أن من قال: لا إله إلا الله؛ دخل الجنة، ومنها:

1 – قوله تعالى: [ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ] {النساء:48}.

فقسَّم الله -جل قدره- الذنوب إلى قسمين: قسم هو الشرك به، وهو الشرك الأكبر-والعياذ بالله- وقسم دون ذلك، وقد فَرَّقَ -سبحانه وتعالى- بين القِسْمَيْن في الحكم.

فقضَى -سبحانه وتعالى- في هذه الآية بأن الشرك -وهو الأكبر- لا يُغْفَر لصاحبه، أي إذا مات عليه ولم يَتُبْ منه، وإلا فلو تاب صاحبه؛ تاب الله عليه، كما في قوله: [ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ] {الزمر:53} أي التي تاب منها أصحابها، فالآية الأُوَلى في غير التائبين، والثانية في التائبين.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : «فجعل ما دون ذلك الشِّرْكِ مُعَلَّقًا بمشيئته، ولا يجوز أن يُحْمَل هذا على التائب؛ فإن التائب لا فرق في حقه بين الشرك وغيره، كما قال سبحانه: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ] {الزمر:53} فهنا عَمَّمَ وأَطْلَقَ؛ لأن المراد به التائب، وهناك خَصَّ وعَلَّقَ». اهـ([310])

والقسم الآخر -وهو ما دون الشرك- قد علّق الله مغفرته بالمشيئة، أي إن شاء غفره تفضُّلًا منه ورحمة، وإن شاء لم يغفره عَدْلًا منه وحكمة، وهذا لأن صاحبه لم يَتُبْ منه، وإلا فلو تاب توبة نصوحا؛ لغفر الله له للآية السابقة، وللأدلة الأخرى من الكتاب والسنة والإجماع، دون أن يُعَلِّقَه بالمشيئة.

وإذا كانت التوبة تمحو الشرك الأكبر؛ فما بالك بما دونه من الكبائر؟!

فالشرك لا يُغفر إذا لم يتب صاحبه، وما دونه قد يُغفر، وقد لا يُغفر حتى وإن لم يَتُبْ صاحبه، وكلاهما يُغفر إذا تاب صاحبه، وهذا يدلُّ على عدم كُفْر مُرتكب الكبيرة.

وقال المروزي : «فحَكَمَ بأن الشرك غير مغفور للمشرك، يعني إذا مات غير تائب منه لقوله: [ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ] {الأنفال:38} مع آياتٍ غير هذه تدل على أن التائب من الشرك مغفورٌ له شِركُه، فثبت بذلك أن الشرك الذي أخبر الله أنه لا يُغْفَر: هو الشرك الذي لم يَتُبْ منه، وأن التائب مغفور له شِرْكُهُ، وأخبر أنه يَغْفِر: ما دون الشرك لمن يشاء، يعني لمن أتى ما دون الشرك، فَلَقِيَ الله غير تائب منه؛ لأنه لو أراد أن يغفر ما دون الشرك للتائب، دون من لم يتب؛ لكان قد سَوَّى بين الشرك وما دونه، ولو كان كذلك؛ لم يكن لفَصْلِهِ بين الشرك وما دونه معنى، فَفَصْلُهُ بينهما دليل على أن الشرك لا يغفره لو مات وهو غير تائب منه، وأن يغفر ما دون ذلك الشرك لمن يشاء ممن مات وهو غير تائب، ولا جائر أن يغفر له، ويدخله الجنة إلا وهو مؤمن» – أي معه أصل الإيمان -.([311])

2 – قوله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – في رواية أبي هريرة – رضي الله عنه -: «… أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يَلْقَى الله بهما عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فيهما إلا دَخَلَ الجنة».([312])

3 – وحديث معاذ – رضي الله عنه -المشهور، وفيه قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «حَقُّ الله على العباد أن يَعْبدوه ولا يُشْركوا به شيئًا، وحَقُّ العباد على الله أن لا يُعَذِّب من لا يشرك به شيئًا».([313]) أي لا يُخَلَّد في النار من لا يشرك به شيئا، وإن ارتكب الكبائر، ولم يَتُب منها.

4 – وروى مسلم من حديث أبي ذر – رضي الله عنه -عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «.. ومن لَقِيَني بقُراب الأرض خطيئةً، لا يُشْرِكُ بي شيئًا؛ لَقِيتُهُ بقُرابها مغفرةً».([314])

قال الحافظ ابن رجب : «فمن جاء مع التوحيد بقراب الأرض، وهو ملؤها أو ما يقارب خطايا؛ لَقِيهَ ُالله بقُرابها مغفرةً، لكن هذا مع مشيئة الله ، فإن شاء غفر له، وإن شاء أَخَذَه بذنوبه، ثم كان عاقبته أن لا يُخَلَّد في النار، بل يخرج منها ثم يدخل الجنة». اهـ([315])

الدليل الثاني: نصوصٌ فيها التصريح بعدم دخولِ المُوَحِّد النارَ أو خلودِهِ فيها – إن دخل – مع تصريحها بارتكابه الكبائر، ومنها:

1 – حديث أبي ذر – رضي الله عنه – عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه قال: «أتاني جبريل فبشَّرني أنه من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئًا؛ دخل الجنة»، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: «وإن زنى وإن سَرَق».([316])

قال النووي : «وأما قوله صلى الله عليه -: «وإن زنى وإن سرق» فهو حجة لمذهب أهل السنة: أن أصحاب الكبائر لا يُقْطَعُ لهم بالنار، وأنهم إن دخلوها أُخْرِجُوا منها، وخُتِمَ لهم بالخلود بالجنة». اهـ([317])

2 – حديث عبادة بن الصامت – رضي الله عنه – قال: كنا مع رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في مجلس، فقال: «تبايعوني على ألا تُشْركوا بالله شيئًا، ولا تَزْنُوا، ولا تسْرقوا، ولا تقْتلوا النفس التي حَرَّمَ الله إلا بالحق، فمن وَفَى منكم؛ فأجْره على الله، ومن أصاب شيئًا من ذلك، فعُوقب به؛ فهو كفارة له، ومن أصاب شيئًا من ذلك، فستره الله عليه؛ فأَمْره إلى الله: إن شاء عفا عنه، وإن شاء عَذَّبَه».([318])

قال النووي : قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ومن أصاب شيئًا من ذلك» إلى آخره: المراد به ما سوى الشرك، وإلا فالشرك لا يُغْفَر له…».

ثم ذكر من فوائد الحديث: «الدلالة لمذهب أهل الحق: أن المعاصي غير الكفر لا يُقْطَع لصاحبها بالنار إذا مات ولم يَتُبْ منها، بل هو بمشيئة الله تعالى، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عَذَّبَهُ». اهـ([319])

وقال المروزي تعليقًا على هذا الحديث: «ففي هذا الحديث دلالتان على أن السارق والزاني ومن ذُكِرَ في هذا الحديث غير خارجين من الإيمان بِأَسْرِهِ:

إحداهما: قوله: «فمن أصاب من ذلك شيئًا، فعُوقب في الدنيا؛ فهو كفارة له»، والحدود لا تكون كفارات إلا للمؤمنين – رجح جمهور العلماء أن الحدود كفارة لأهلها استنادًا لهذا الحديث وغيره -([320]).

قال: ألا ترى قوله: «من ستر الله عليه؛ فأَمْره إلى الله: إن شاء غفر له، وإن شاء عذَّبه» فإذا غفر له أَدْخَلَهُ الجنة، ولا يدخل الجنة من البالغين المُكَلَّفين إلا مؤمن.

الدلالة الثانية: وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «إن شاء غفر له، وإن شاء عذَّبه» هو نظير قول الله -تبارك وتعالى-: [ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ] {النساء:48}، وأنَّهُ يَغْفِر ما دون ذلك الشرك لمن يشاء ممن مات وهو غير تائب، ولا جائز أن يغفر له ويدخله الجنة إلا وهو مؤمن». اهـ([321])

الدليل الثالث: نصوصٌ فيها التصريح ببقاء الإيمان والأُخُوَّة الإيمانية مع ارتكاب الكبائر، ومنها:

1 – قوله تعالى: [ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ] {الحجرات:9، 10}.

وقد استدل أهل السنة بهاتين الآيتين على أن المؤمن لا يكْفُر بارتكابه الكبائر؛ لأن الله أبقى عليه اسم الإيمان مع ارتكابه لمعصية القتل، ووَصَفَهُم بالأُخُوَّة، وهي هنا أُخُوَّةُ الدين.([322])

2 – قوله تعالى: [ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ] {البقرة:178}.

قال ابن الجوزي : «دل قوله تعالى: (من أخيه) على أن القاتل لم يَخْرُجُ من الإسلام». اهـ([323])

واستدل شيخ الإسلام ابن تيمية بهذه الآية على أن الأخوة الإيمانية ثابتة مع ارتكاب المعاصي.([324])

3 – ولَعَلَّ مما يَدْخُلُ تحت هذا الدليل أيضًا: ما رواه عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أن رجلا كان على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، كان اسمه عبد الله، وكان يُلَقَّبُ «حِمَارًا»، وكان يُضْحِك رسولَ الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وكان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد جَلَدَهُ في الشراب، فَأُتِىَ به يومًا، فأَمَرَ به فَجُلِدَ، فقال رجل من القوم: اللهم الْعَنْهُ، ما أَكْثَرَ ما يُؤْتَى به! فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا تَلْعَنُوه، فو الله، ما عَلِمْتُ إنه يحب الله ورسوله».([325])

فالحديث صريح هنا ببقاء محبة الله ورسوله، وهي من أعظم أصول الإيمان القلبي مع تكرار شُرْبه للخمر.

قال الحافظ ابن حجر : «وفيه الرد على من زعم أن مرتكب الكبيرة كافر؛ لثبوت النهي عن لعنه، والأمر بالدعاء له، وفيه أن لا تنافي بين ارتكاب النهي وثبوت محبة الله ورسوله في قلب المرتكب؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- أخبر بأن المذكور يحب الله ورسوله مع وجود ما صَدَرَ منه». اهـ([326])

الدليل الرابع: شَرَعَ اللهُ إقامةَ الحدود على بعض الكبائر:

لعل هذا من أقوى الأدلة على فساد مذهب من يُكَفِّر مرتكب الكبيرة؛ إذ لو كان السارق والقاذف وشارب الخمر، والمرتد سواء في الحكم؛ لما اختلف الحد في كل منهم.

قال الإمام أبو عبيد : «… ثم قد وجدنا الله – تبارك وتعالى – يُكَذِّب مقالتهم، وذلك أنه حَكَم في السارق بقطع اليد، وفي الزاني والقاذف بالجلد، ولو كان الذنب يَكْفُر صاحبه؛ ما كان الحكم على هؤلاء إلا بالقتل؛ لأن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: «من بدل دينه؛ فاقْتُلُوه»، أفلا ترى أنهم لو كانوا كفارًا؛ لما كانت عقوباتهم القطع والجلد؟ وكذلك قول الله فيمن قُتِلَ مظلومًا: [ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ] {الإسراء:33}، فلو كان القتل كُفْرًا ما كان للولي عَفْوٌ ولا أَخْذُ دية، ولَزِمَهُ القتلُ». اهـ([327])

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية : «.. بل القرآن والنقل المتواتر عنه، يبين أن هؤلاء لهم عقوبات غير عقوبة المرتد عن الإسلام، كما ذَكَرَ اللهُ في القرآن جَلْدَ القاذف والزاني، وقَطْعَ يد السارق، وهذا متواتر عن النبي – صلى الله عليه وسلم -، ولو كانوا مرتدين؛ لقتلهم، فكلا القولين مما يُعْلَم فساده بالاضطرار من دين الإسلام». اهـ([328])

وقال الإمام ابن أبي العز الحنفي : «ونصوص الكتاب والسنة والإجماع تدل على أن الزاني والسارق والقاذف لا يُقْتَلُ، بل يقام عليه الحد؛ فدل على أنه ليس بمرتد». اهـ([329])

وأيضًا قوله تعالى فيمن يرمي المحصنات، كما في سورة النور: [ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ] {النور:4، 5}.

ففي هذه الآية عدة عقوبات لرمْي المحصنة، وهي كبيرة من الكبائر:

1- الجلد 2- الحكم بالفسق 3- رد شهادتهم إذا لم يتوبوا، ويدل على ذلك قوله تعالى في الآية [ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ] {النور:4}.

وهذه العقوبات منها ما لا يمكن إرجاعه بعد التوبة، وهو الجلد، ومنها ما هو معلَّق بالتوبة، فإن وُجِدَتْ؛ زالَتْ العقوبة، وإلا فلا، وذلك في العقوبة الثانية والثالثة.

وكونُ قاذف المحصَنة باقٍ مع بقاء اسم الفسق عليه لعدم التوبة، وكونُه يَعْرِض شهادته وتُرَدُّ عليه، ولا تُقبل منه لعدم توبته؛ ففي هذا دليل على أنه حيٌّ يُرْزَق مع إصراره وعدم توبته، ولو كان كافرا بإصراره وعدم توبته؛ لقُتِلَ؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «مَنْ بَدَّلَ دينَه؛ فاقتلوه» هذا في المُصِرِّ، فكيف بفاعل الكبيرة فقط؟!

وفي «فتاوى نور على الدرب»([330]) للشيخ ابن عثيمين : هل الفاسق هو صاحب كبائر الذنوب؟

فأجاب تعالى-: يقول العلماء : إن الفاسق هو من أتى كبيرة ولم يتب منها، أو أصر على صغيرة. وعللوا ذلك بأن الإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة، ولعل دليلهم في ذلك قول الله -تبارك وتعالى-: [ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ] {النور:4-5} فحكم الله بفسق القذفة مع أنهم لم يفعلوا مُكَفِّرًا، ولكنهم فعلوا كبيرة من كبائر الذنوب. اهـ

قلت: الكلام عن الإصرار على الصغيرة فيه تفصيل.

الدليل الخامس: نصوصٌ صريحة في خروج من دخل النار من الموحِّدين بالشفاعة وبغيرها:

وهذا – أيضًا – من الأدلة الواضحة على عدم كُفْر مرتكب الكبائر، وعدم خلوده في النار؛ إذ لو كان كافرًا؛ لما خرج من النار.

والأدلة في هذا بلغت مبلغ التواتر، وقد نَقَلَ التواتر جَمْعٌ من العلماء، منهم:

الحافظ البيهقي([331])، وشيخ الإسلام ابن تيمية([332])، وابن أبي العز الحنفي([333])، وابن الوزير اليماني، وقال: «وأحاديث الشفاعة المصرحة بخروج الموحدين من النار قاطعة في معناها بالإجماع، وهي قاطعة في ألفاظها.. لورودها عن عشرين صحابيًا أو يزيد، في الصحاح والسنن والمسانيد، وأما شواهدها بغير ألفاظها؛ فقارَبَتْ خمسمائة حديث». اهـ([334])

وقال: «والتواتر يحصل بهذا، بل بدون ذلك». اهـ([335])

ومن هذه الأحاديث:

1 – حديث أنس بن مالك – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – قال: «يَخْرُجُ من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه وَزْنُ شعيرة من خير، ويَخْرُجُ من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه وَزْنُ بُرَّةٍ من خير، ويَخْرُجُ من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه وَزْنُ ذَرَّةٍ من خير» وفي رواية: «من إيمان» مكان: «من خير».([336])

2 – ومن ذلك أحاديث شفاعة الرسول – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – في أهل الكبائر الذين دخلوا النار أن يخرجوا منها، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: «لكل نبي دعوة مستجابة، فتَعَجَّل كلُّ نبي دعوتَهُ، وإني اخْتَبَأْتُ دعوتي شفاعةً لأمتي يوم القيامة، فهي نائلةٌ -إن شاء الله- من مات من أمتي لا يُشْرك بالله شيئًا».([337])

يوضح ذلك حديث الشفاعة المشهور وفيه… فيقول -أي عيسى -: «ائْتُوا محمدًا – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – عبدًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني، فأنطلق، حتى أستأذن على ربي، فَيُؤْذَنَ لي، فإذا رأيتُ ربي؛ وقَعْتُ ساجدًا، فيَدَعُني ما شاء الله، ثم يقال: ارْفَعْ رأسك، وسَلْ تُعْطَهْ، وقُلْ يُسْمَعْ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، فأرفعُ رأسي، فأحْمَدُه بتحميد يُعَلِّمُنيه، ثم أَشْفَعُ، فيُحَدُّ لي حَدًّا؛ فأُدْخِلُهم الجنة» – وفي رواية: ثم أُخْرِجُهم من النار وأُدْخلِهُم الجنة([338]) -، ثم أعود إليه، فإذا رأيت ربي
– وذكر مثله – «ثم أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لي حَدًّا؛ فأُدْخِلُهم الجنة، ثم أعود الثالثة،… ثم أعود الرابعة، فأقول: ما بقي في النار إلا من حَبَسَهُ القرآن، ووجب عليه الخلود» قال البخاري: «إلا من حَبَسَهُ القرآن» يعني قول الله تعالى: (خالدين فيها).([339])

3 – ومن الأحاديث في هذا الباب حديث أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – قال: «يَدْخُلُ أهلُ الجنة الجنةَ، وأهلُ النار النارَ، ثم يقول الله تعالى: أَخْرِجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان؛ فَيُخْرَجُون منها قد اسْوَدُّوا، فَيُلْقَوْن في نَهْرِ الحَيَا
– أو الحياة – شك مالك – فَيَنْبُتُون كما تَنْبُتُ الحِبَّةُ في جانب السيل، ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية».([340])

قال النووي : «الحَيَا هنا مقصور، وهو المطر، سُمِّيَ حَيًا؛ لأنه تحيا به الأرض، ولذلك هذا الماء يحيا به هؤلاء المحترقون، وتَحْدُثُ فيهم النضارة، كما يُحْدِثُ ذلك المطر في الأرض، والله أعلم». اهـ([341])

إلى غير ذلك من الأحاديث الصريحة.([342])

وهناك أدلة أخرى لبيان مذهب أهل السنة، وما ذَكَرْنا هو أبرزها وأهمها، ولعل فيها الكفاية -إن شاء الله-.

وكون العاصي لم يتب فهو المصرّ على الذنب، وطالما أن احتمال مغفرتِه احتمال وارد، لدخول صاحبه في المشيئة؛ فهذا دليل على أنه لم يبلغ درجة الكفر الأكبر بإصراره على الكبيرة، فتأمل، واحذر الغلو والغلاة.

* (تنبيه):

ومما يدلُّ على أن المُصِرَّ -وهو غير التائب- لا يكْفُر: ما سبق من الكلام حول قوله تعالى: [ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ] {النساء:48}، وقد سبق الكلام عليها موَسَّعًا، وكذلك آية النور: [ﮌ ﮍ ﮎ…] {النور:4} الآيتان، والشاهد في قوله تعالى: [وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا… ﴾ [النور: 4]، وقوله: [ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ…] {النور:5}، فدلَّ على أن المُصِرَّ -وهو غير التائب- بعد جلده لا عقوبة له إلا لزوم اسم الفسق له، وردّ شهادته كلما عرضها على القاضي، ولو كان كافرًا؛ لقتلوه، للحديث: «من بَدَّلَ دينه؛ فاقتلوه»، والله أعلم.

وقد أطَلْتُ النفسَ في الجواب تحذيرًا للقارئ من أن ينخدع بشبهات الغلاة في التكفير، وحِرْصًا مني على لزومه منهج أهل السنة والجماعة، الذي يأخذ بجميع الأدلة في الباب، وصلَّى الله وسَلَّمَ وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

كتبه/

أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني

23 رجب 1439 هجرية

A

A

[9]

حكم التسرُّع في تكفير وتفسيق الأفراد والمجتمعات